جامعة سانت كليمنتس أثر القرض الحسن المقدم من المصارف اإلسالمية في تنمية المجتمع قدمت هذه الرسالة استكماالً لمتطلبات درجة الماجستير في جامعة St.Clementsتخصص اقتصاد ومصارف إسالمية إشراف المحامي الدكتور مسلم اليوسف إعداد سيف هشام 1429هـ2008/م المقدمة الحمد هلل رب العالمين ،نحمده ونستعينه ونستغفره ،ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهد هللا فال مضل له ،ومن يضلل فال هادي له ،وأفضل الصالة والتسليم على سيدنا وقدوتنا محمد خاتم األنبياء والمرسلين ،وعلى آله وصحبه أجمعين ،والتابعين ،ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين ،وبعد : إن الفقه اإلسالمي ،المستمد من الشريعة السمحاء يبحث عن دوره الغائب في عالم اليوم ،حيث ال نجد التطبيق المتوافق معه في تعامالت هذا العصر ،ففقه المعامالت وضع كل الضوابط والشروط واإلجراءات الوا ضحة لممارسة أي نشاط اقتصادي في حياتنا اليومية ،ولكن بحكم ابتعاد الناس عن منابع اإلسالم وأحكامه الغراء ،ظهرت في أسواقنا الكثير من المعامالت الخاطئة والمنحرفة عن منطق الشريعة اإلسالمية ،ومن هذه المعامالت االقتراض بفائدة من المصارف التجارية ،وقد وصفها الفقهاء بأنها من الربا المحرم شرعاً وليست بالقرض العادي المعروف في الشريعة ،واستندوا في كالمهم على مصادر التشريع األساسية أال وهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . وحتى تستمر عملية التوازن بين المصالح والمفاسد ،فكان ال بد من ظهور المصارف اإلسالمية لتط بق مبادئ الشريعة وتسد مكامن الخلل الموضوعة من قبل المصارف التجارية المنتمية بفعلها وعقلها لفكر الغرب وتوجهاته . وبدأت بالفعل المصارف اإلسالمية بهذا الدور وأصبحت واقع ملموس وجزء من النظام المصرفي الدولي ،واستقطبت أمواالً كثيرة ما كانت لتخرج لوال التوجه اإلسالمي من قبل المصارف ،وبدأت هذه المصارف تمارس دورها في التنمية منذ عدة عقود ،وتقدم خدماتها المصرفية وأساليب تمويلها ،وأحد هذه األساليب هو القرض الحسن الذي يمتلك أثر إيجابي على حالة التنمية االقتصادية واالجتماعية من خالل قابليته للتطبيق في نطاق المؤسسات المالية والمصرفية المعاصرة . 1 أهمية البحث: إن األموال التي تكون عادة مدخرة لدى الملتزمين من أبناء المجتمع المسلم ،ال تجد السبيل إلى المصارف الربوية التي تتعامل بالفائدة فتوجهت نحو المصارف اإلسالمية التي تحرم هذا التعامل ،ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتلقي الضوء على القرض الحسن كأحد أنشطة المصارف اإلسالمية وعلى دوره وتأثيره في عملية التنمية . ويعد القرض الحسن نواة المصارف اإلسالمية ،وكيف أن أهمية المصارف اإلسالمية قد أتت من مبدأها األساسي وأحد خصائصها المميزة وهو استبعاد التعامل بإعطاء القروض الربوية ،والتحول إلى أسلوب اإلقراض بالشكل الشرعي الغير محرم ،فإذاً أهمية البحث تأتي من أن القرض هو األساس األقوى لفكرة إنشاء مصارف إسالمية والدور الذي يلعبه في عملية تمويل المشروعات اإلنتاجية واالستهالكية .باإلضافة إلى أن هذه التجربة الفتية تستقطب الكثير من األموال الجديدة للمصرف ، وبالتالي تدفع من مكانة المصرف في محيطه المجتمعي .ونتطرق في هذا المجال بدراسة الجوانب ذات األهمية في تحقيق التنمية الفعلية . إشكالية البحث: تقوم المصارف اإلسالمية بمختلف العمليات المصرفية التي تغطي فيها احتياجات زبائنها وروادها وفي مختلف األنشطة وعلى وفق الشريعة اإلسالمية ،وهذا النظام المصرفي اإلسالمي القائم في مجتمعاتنا اليوم ال شأن له بالقرض الحسن كله كجانب من جوانب التمويل إال ما يعتبره من باب المصلحة االجتماعية والخيرية فقط وال يتعداها إلى ما أبعد من ذلك ،والمصارف اإلسالمية قد وضعت ُجل اهتمامها على العمليات االستثمارية التي ال يبتغون فيها إال الربح ،وال نرى أي وجه فيها لتقديم المال على أساس القرض الحسن ،فقد أُهمل ذلك النشاط في كثير من المصارف االسالمية وأصبح من آخر االهتمامات فيها بحيث يشكل جزء قليل من عمليات المصارف هذا إن وجد ،وفي حقيقة األمر فإن 2 القرض الحسن لم يأخذ دوره المناسب في عملية التنمية في المصارف اإلسالمية بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام ،وهذه إشكالية تستوجب الدراسة البحثية . هدف البحث: يهدف البحث إلى تحليل أثر القرض الحسن في عملية التنمية ،وهل أن المصارف اإلسالمية استطاعت أن تسخر هذه الخدمة المصرفية لصالح عملها المصرفي ولصالح مجتمعاتها اإلسالمية. فرضية البحث: يعتمد البحث على فرضية مفادها أن للقرض الحسن آثار ايجابية في تنمية البلدان اإلسالمية وان المصارف اإلسالمية لم تعر اهتمام لهذه الخدمة في تعامالتها المصرفية. منهج البحث: يعتمد البحث في منهجه على أسلوب الربط بين اتجاهين رئيسين األول (وصفي ) يستند إلى الدراسات النظرية التي درست الموضوع نفسه ،والثاني ( كمي) يستند إلى طرائق االستبيان وأساليبه ، وصوالً إلى تفسير نتائج األسلوب الكمي اإلستبياني لتقييم الجانب العملي من الدراسة . اإلطار العام للبحث بهدف اإلجابة على التساؤالت المطروحة في مشكلة البحث واختبار فرضيته ،فقد جاء البحث متضمناً فصل تمهيدي في البداية ثم فصلين ،وخالصة وأهم االستنتاجات والتوصيات ،وقد أهتم الفصل التمهيدي بإعطاء فكرة أولية عن القرض من خالل تعريفه ومشروعيته . وقد أهتم الفصل األول من البحث باإلطار النظري للقرض الحسن من خالل نظرة شاملة ومتفحصة ،وتضمن ثالثة مباحث حيث تناول األول أركان القرض مثلما حددها أهل الفقه والتي يجب أن تتوافر في القرض حتى تتم صحته وتلك األركان هي الصيغة والعاقدان والمال اُلقرض المحل ، أما المبحث الثاني فقد أخذ جانب كيفية توثيق القرض مبيناً وسائل توثيق العقود وهي الكتابة واإلشهاد والكفالة والرهن 3 المقرضين والمقترضين وتوضيحها من خالل ،واهتم المبحث األخير بآداب القرض وكيفية التعامل بين ُ عدة سلوكيات وأخالقيات أمرنا بها القرآن الكريم وحثتنا عليها السنة النبوية الشريفة . وقد درس الفصل الثاني دور القرض الحسن في المصارف اإلسالمية وامكانية االنتفاع به كدور مستقبلي في تحقيق التنمية للمصرف والمجتمع ،وكان ذلك من خالل ثالثة مباحث ،حيث اهتم األول بالتعريف بالمصارف اإلسالمية ونشأتها في ظل االستحواذ العالمي من خالل النظام الربوي المحتكر لكل مجاالت االقتصاد والمال في العالم ،وكيف استطاعت المصارف اإلسالمية أن تشق طريقها في وسط هذا النظام وتضع لها مكانة وأثر في تنشيط التنمية وتفعليها وفق مبادئ الشريعة اإلسالمية ،واهتم المبحث الثاني في وضع القرض الحسن كأداة من أدوات التمويل في المصرف اإلسالمي ،وتمييزه عن الفائدة المعتمدة في المصارف الربوية والتي أدت إلى آثار سيئة على المجتمع ،وتناول المبحث األثر االقتصادي واالجتماعي الذي يحققه القرض الحسن في تنمية المجتمع والصعوبات التي تواجهه ،وقد أعطى المبحث ا لثالث دراسة تطبيقية وعملية لدور القرض الحسن في مسيرة التنمية من خالل استبانة أجريت على شرائح مختلفة من المجتمع . الفصل األول 4 مفهوم القرض ومشروعيته تمهيد : اعتنى اإلسالم جداً بالظروف المحيطة بالقرض وساعد في تمهيد فكرة القرض الجيد أو الحسن بالمص طلح اإلسالمي ،وذلك ألن وضع القرض بهذه الصورة المثالية حسب نظرة وتوجه اإلسالم ستعطي زخماً واضحاً إلمكانية االستفادة القصوى والمثلى من استخدام الطريقة األنجع في إقامة نظام اقتصادي متكامل ومستقر يعطي حيوية في إنعاش عملية التنمية . لم يتجاهل اإلسالم تلك الظروف واألحوال ،فمكن للقرض من أن يكون أداة إنفاق واستثمار ،ولم حث أهل وأصحاب رؤوس األموال على اإلقراض ،ورغبهم في يقف عند حد تشريع االستقراض ،بل َ العمل المتواصل على منح القرض . إ ن العمل بهذا الشكل المنتظم للقرض سيؤدي إلى حل كثير من المشاكل التي تصاحب الناس ، وذلك بتوفير سيولة كافية تغنيهم عن العوز والحرمان والبطالة .وهنا يتبلور أصل التسامح والرأفة بين الناس والذي أمرنا به ديننا الحنيف وحضنا عليه ُلنكون شبكة اقتصادية تُمأل كافة حلقاتها . وبهذا قدم اإلسالم خطاً متناسقاً متكامالً من خالل ما شرعه للقرض ،وكل ذلك سيثمر بلمحة خير على المجتمع ،وأشمل دليل على حسن ثواب إعطاء القرض بالشكل الشرعي هو ما قاله الرسول الكريم َخ ِ يه َكان ه ِ ظلِمه وَال يسلِمه من َكان ِفي حاج ِة أ ِ ِ اجِت ِه َو َم ْن حين قال :اْل ُم ْسلِ ُم أ ُ َ َخو اْل ُم ْسل ِم َال َي ْ ُ ُ َ ُ ْ ُ ُ َ ْ َ َّللاُ في َح َ َ َ ِ ِ ِ ِ ِ ام ِة ام ِة َو َم ْن َستَ َر ُم ْسلِ ًما َستََرهُ ه َف هرَج َع ْن ُم ْسلِ ٍم ُك ْرَب ًة َف هرَج ه َّللاُ َي ْوَم اْلق َي َ َّللاُ َع ْن ُه ب َها ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ . المبحث األول :تعريف القرض ) )1صحيح مسلم بشرح النووي ،تحقيق :خليل شيحا ،دار المعرفة ،بيروت ،ط ، 1998 ، 5كتاب البر والصلة واآلداب ،باب تحريم الظلم ،ح ( ،)6521ج ،16ص.351،350 5 ()1 قال أهل اللغة : القرض ( لغة ) : قرض ُت الشيء أ ِ القرض :ماتعطيه من المال ض ُه بالكسر َقرضاً : َقر ُ القرض :القطع َ ، قطعته ،و ُ ُ رضت منه :أي أخذت منه لتُقضاهُ ،واستقرضت من فالن ،أي طلبت منه فأقرضني .وأقتَ ُ َ القرض َ فت من إحسان ومن إساءة و هو على التشبيه(.)1 القرض أيضاً :ما سّل ُ رض .و ُ الَق َ هِ َّللا َقرضا حسنا َفيض ِ اعَف ُه َل ُه ﴾ [ البقرة ، ]245 :في قوله قرضاً ض هَ ْ ً َ َ ً ُ َ قال تعالى َ ﴿ :من َذا الذي ُيْق ِر ُ اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء من صدقة أو عمل حسناً اسم ،ولو كان مصد اًر لكان إقراضاً ،و ُ القرض ٌ صالح ،تقول العرب :لك عندي قرض حسن و قرض سيء ،وأصل القرض ما ُيعطيه الرجل أو يفعله وجل ال يستقرض من عوز ولكنه يبلو عباده بما مثل لهم من خير يقدمونه ُليجازى عليه ،وهللا ّ عز ّ وعمل صالح يعملونه ،فجعل جزاءه كالواجب لهم مضاعفاً (.)2 ض ﴾ :أي يفعل فعالً حسناً في إتباع أمر هللا وطاعته والعرب وقال األخفش في قوله تعالىُ يْق ِر ُ تقول لكل من ُفعل إليه خي اًر :قد أحسنت قرضي وقد أقرضتني قرضاً حسناً(.)3 ض وروي عن أبي الدرداء أنه قال :إن ْ قارضوك وان تركتهم لم يتركوك ،ثم قال أَْق ِر ْ قارضت الناس ُ ِ هم سابوك وجازوك .ومعنى من عرضك ليو ِم َفقرك ومعنى قوله إن قارضتَ ُهم قارضوك ،يقول :إن َ ساببتُ ْ ( )1الصحاح ،إعداد نديم مرعشلي ،أسامة مرعشلي دار الحضارة العربية ،بيروت ،ط ،1974 ،1ج ، 2ص ، 295انظر معجم المصطلحات االقتصادية ،نزيه حماد ،المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ، القاهرة ،ط ، 1995 ، 3ص ، 276القاموس المحيط ،للفيروز آبادي ،تحقيق :بإشراف محمد نعيم العرقسوسي،مؤسسة الرسالة ،بيروت ،ط ،1993 ، 3ص ، 840لسان العرب المحيط ،ابن منظور ، المجلد الثالث ،دار لسان العرب ،بيروت ،ص.60 ( )2تهذيب اللغة ،األزهري ،تحقيق :عبد العظيم محمود ،بدون ت ،ج ، 8ص. 340 ) (3تاج العروس من جواهر القاموس ،أبى الفيض الزبيدي ،الطبعة الخيرية ،مصر 1308 ،هـ ،ج ، 8ص. 75 6 ِ عرضك بكالم يسوؤك ويحزنك فال ِ تجازه قوله ْ اقرض من عرضك ليو ِم َفقرك ،يقول :إذا اقترض الرجل ْ حتى يبقى أجر ما ساءك به ليوم فقرك إليه في اآلخرة(.)1 القرض اصطالحاً : القرض عند أهل الفقه : القرض هو :ما تعطيه غيرك من مال على أن يرده إليك (.)2 يقول اإلمام ابن حزم في القرض :هو أن تعطي إنساناً شيئاً بعينه من مالك ،تدفعه إليه ،ليرد عليك مثله إما حاالً في ذمته ،واما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه(.)3 وقد عرَف ُه الشافعية بأنه :هو تمليك الشيء على أن يرد بدله .وسمي بذلك ألن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ،وتسميه أهل الحجاز سلفاً ( )4 ،مندوب إليه بقوله تعالى ﴿ َوا ْف َعلُوا اْل َخ ْير﴾]الحج. ] 77 : وفي تعريف آخر قولهم :القرض يطلق شرعاً بمعنى الشيء المقرض بفتح الراء ،فهو اسم مفعول هِ ضا َح َسًنا﴾ [ البقرة . ]245 :فإن القرض هنا معناه القرض ض ه َّللاَ َق ْر ً من قوله تعالى َ ﴿:من َذا الذي ُيْق ِر ُ الموصوف بكونه حسناً ويطلق على معنى المصدر بمعنى اإلقراض ويسمى القرض سلفاً ،وهو تمليك الشيء على أن يرد مثله (.)5 ) )1تهذيب اللغة ،األزهري ،ص . 341 ( (2القاموس الفقهي ،سعدي أبو الجيب ،دار الفكر ،دمشق ،ط ،1988 ،2ص. 300 ( )3المحلى ،ابن حزم ،تحقيق :لجنة إحياء التراث العربي ،دار الجيل ،بيروت ،كتاب القرض ،ج ، 8ص. 77 ) (4مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ،الشربيني ،دار المعرفة ،بيروت ،ط ،1997 ،1فصل القرض ،ج ، 2ص ، 153تحفة المحتاج في شرح المنهاج ،الهيتمي ،دار حراء ، ، 1986ج ، 5ص .36 ( (5الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،دار الحديث ،القاهرة ،كتاب أحكام البيع ،أحكام القرض ،ج ، 2ص.304 7 ونجد هنا الشافعية قد أبرزوا خاصية " الحسن " في القرض ،ووصفوه بذلك تبعاً لما جاء في اآلية الكريمة ،وهو بيان لخاصية القرض في الشريعة ،وهو كونه خالياً من الفائدة ،وأن الغرض والغاية منه هو نفع المقترض ،فهو بمحض قربة هلل عز وجل (.)1 وقد عرفه فقهاء الحنابلة بتعريفات متعددة مختلفة األلفاظ متفقة المعاني ،التعريف األول هو :دفع المال رأفة وارفاق لمن ينتفع به ويرد بدله ( )2 ،وهو نوع من المعامالت على غير قياسها لمصلحة الحظها الشارع ،رفقا بالمحاويج . وفي تعريف ثاني لدى الحنابلة للقرض :هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله ،وهو نوع من ( )3 السلف النتفاع المقترض بالشيء الذي يقترضه .وفي هذين التعريفين نجد تركيز الحنابلة على أولوية المْق َرض من قبل المقترض لكن بالمقابل يجب على المقترض أن يرد نظير هذا المال االنتفاع بالمال ُ للم ِ قرض. ُ وعرفه المالكية بأنه :فعل معروف سواء كان بالحلول أو مؤخ اًر إلى اجل معلوم( ،)4وفي قول آخر: ِ يرد له مثله أو عينه( .)5ومن خصائص هذين دفع المال على وجه القربة هلل تعالى لينتفع به آخ ُذهُ ثم ُ التعريفين االهتمام بميزة المعروف من خالل صيغة اإلقراض حيث تكون منفعة القرض عائدة على المقرض بأي شيء من القرض ،كفائدة وغيرها من المنافع فليس له المقترض وحده فقط دون أن ينتفع ُ إال قرضه ،حيث يرجو فيه خالصاً رضاء هللا وأجره ونيل ثوابه . ) )1القرض كأداة للتمويل في الشريعة اإلسالمية ،محمد الشحات الجندي ،المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ،القاهرة ،ط ،1996 ،1ص.29 ) )2كشاف القناع عن متن اإلقناع ،البهوتي ،دار الفكر ،بيروت ،1982 ،ج ، 3ص ، 298اإلنصاف ،بن سليمان المرداوي الحنبلي ،تصحيح وتحقيق :محمد الفقي ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،ط ،1956 ،1ج ، 5ص. 123 ) (3الفقه على المذاهب األربعة ،ج ، 2ص.304 ( )4موسوعة الفقه المالكي ،إعداد خالد العك ،دار الحكمة ،دمشق ،ط ،1993 ، 1المجلد الثالث ،ص. 409 ( )5كفاية الطالب الرباني ،القيرواني ،مكتبة الثقافة الدينية ،القاهرة ،ج ، 2ص . 455 8 أما الحنفية فكان كالمهم بالقرض هو :ما تعطيه من مثلى لتتقاضاه بمثله أو عقد مخصوص يرد على دفع مال مثلي آلخر ليرد مثله(.)1 قيد يفيد خصوص اللفظ أي لفظ القرض ونحوه كأعطني درهماً ألرده عليك قوله((عقد مخصوص)) ُ مثله ،أو بلفظ اإلعارة ،وقوله (( يرد على دفع مال )) قيد يخرج به ماال يرد على دفع مال ،كالنكاح ، ٌ قيد يفيد خروج نحو الوديعة والهبة وقوله ((آلخر ليرد مثله)) ٌ ( )2 ،ومعنى قوله ((مثلي)) فهو ما تماثلت آحاده أو أجزاؤه ،بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق ُيعتد به ،وكان له نظير في األسواق ،وهو في العادة إما مكيل أو موزون أو مذروع أو معدود(.)3 وبذلك التعريف أعطى الحنفية درجة المماثلة كمقياس للتعامل بالقرض وذلك بالتساوي بين للمقرض نفس أو مثل العين التي أخذها منه ،وبذلك نفهم سبب وضعهم المقترض ُ العوضين بأن يرد ُ المقترض ماالً مثلياً ،وبتلك الخاصية تتحقق ميزة القرض باعتباره حسن من خالل شرط أن يكون المال ُ المستقرض. المقرض لحاجة ُ تجرده من عنصر االستغالل واالستفادة من طرف ُ نفس المال المدفوع على الوجه المذكور /قرضاً ،والدافع للمال :مقرضاً ، وقول الفقهاء :ويسمى ُ واألخذ :مقترضاً و مستقرضاً ،أي أن هناك ثالثة أطراف مستفيدة من خطوات إنشاء عملية القرض ، وبهذه الحالة فان المال الذي يرده المقترض إلى المقرض عوضاً عن القرض ُي َسمى :بدل القرض ، وأخذ أو تملك المال مؤقتا على جهة القرض ُي َسمى :اقتراضاً . والقرض بهذا المعنى عند الفقهاء هو القرض الحقيقي ،وقد تفرد الشافعية فجعلوا له قسيماً سموه القرض الحكمي ووضعوا له أحكاماً تخصه ،ومثلوا له على اللقيط المحتاج ،واطعام الجائع وكسوة ( ) 1رد المحتار على الدر المختار وحاشية ابن عابدين ،دار الكتب العلمية ،بيروت ،ج ، 4ص . 171 ( )2أحكام المعامالت ،كامل موسى ،مؤسسة الرسالة ،بيروت ،ط ، 1994 ، 2ص. 270 ( )3معجم المصطلحات االقتصادية ،نزيه حماد ،ص. 298 9 العاري إذا لم يكونا فقراء بنية القرض ،وبمن أمر غيره بإعطاء مال لغرض األمر ،كإعطاء شاعر أو ظالم أو إطعام فقير أو فداء أسير ،وكِبع هذا وأنفقه على نفسك بنية القرض(.)1 سبب التسمية : المقرض سمي القرض قرضاً ألنه قطعة من المال ُ ( )2 ،وفي هذا الخصوص يقول الشيخ الشربيني وسمي بذلك ألن المقرض يقطع للمقترض قطعة من مال رحمه هللا تعالى ُ : ) )3 ،و يقول الكاساني : سمي هذا العقد قرضاً لما فيه من قطع طائفة من ماله ،وذلك بالتسليم إلى المستقرض فكان مأخذ االسم دليال على اعتبار هذا الشرط (.)4 العالقة بين المصطلحين ( اللغوي والفقهي ) : تبدو العالقة بين المعنى اللغوي والفقهي للقرض من وجهين : األول :أن القرض في االصطالح الشرعي مأخوذ من المعنى اللغوي له وهو القطع ،ألن يجعله مقروضاً من ماله أي مقتطع من ماله لصالح الم ِ الم ِ ستقرض. قرض ُ ُ ُ والثاني :ماعبر عنه القاضي ابن العربي بقوله :إن القرض في الشرع مخصوص بالسلف على عادة الشرع في أن يجري على أسلوب اللغة في تخصيص االسم ببعض محتمالته(.) 5 وعلى ذلك فان كل قرض من حيث التعريف الفقهي هو قرض بالمعنى اللغوي وال العكس ،إذ األخص يتطلب بالديمومة معنى األعم وال العكس . ( ) 1تحفة المحتاج في شرح المنهاج ،الهيتمي ،ص. 37 ) )2الخرشي على مختصر خليل وبهامشه حاشية العدوي ،دار صادر ،بيروت ،ج ،5ص. 229 ( )3مغني المحتاج ،الشربيني ،ص.153 ( ) 4بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ،الكاساني ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،ط ، 1998 ، 2ج ، 6ص. 517 ( ) 5أحكام القرآن ،ابن العربي ،تحقيق :علي البجاوي ،مطبعة عيسى البابي الحلبي ،مصر 1376 ،هـ ،ج ، 1ص. 230 10 المبحث الثاني :مشروعية القرض الحسن األحكام الشرعية أصلها ِ الح ُل ( وفق رأي كثير من أهل العلم ) مالم يرد نص بالتحريم ، والتعريف بالحكم الشرعي للقرض يوجب علينا بيان مشروعيته ،و سأحاول في هذا المبحث بيان حاجة الناس للقرض ( الحسن ) في معامالتهم ،و بيان مشروعيته في مصادر التشريع األساسية: الكتاب ،السنة ،اإلجماع . -1في القرآن الكريم : جاء في الكتاب الكريم عدد من اآليات التي تدل على مشروعية القرض الحسن ومدى ثوابه العميم والخير الوفير الذي سيتحصل عليه اإلنسان من ذلك الفعل القويم ونيل الرضا من رب العباد ،وهذه اآليات الكريمة ما هي إال إشارة إلى التجارة األهم في حياة المسلم أال وهي التجارة مع رب السموات العلى ،تلك التجارة التي لن تبور ،ألن ما سوف تقدمه ستجده أضعافاً مضاعفة ،وهي بذلك أعظم وأربح تجارة ،ألن هللا يعطيك الرزق فتنفقه في وجوه الخير واإلحسان ،وعندما ستُنفق في هذا الدرب يأتيك العوض من هللا أضعافاً مع جزيل الثواب في الدارين ،واآليات كما يلي : ِ قال تعالى ﴿ همن َذا هالِذي يْق ِرض َّللا َقرضا حسنا َفي ِ ضاعَف ُه َل ُه أ ْ ُ ُ َّ ْ ً َ َ ً ُ َ َض َعاًفا َكث َيرًة َو ّ َّللاُ ط َوِاَل ْي ِه تُ ْر َج ُعو َن﴾ [ سورة البقرة :آية ، ]245فإقراض هللا الموصوف ض َوَي ْب ُس ُ َيْقِب ُ بالغنى ،والغني عن عباده قد خاطبنا بأن القرض الحسن موجب كالعمل الصالح بالمضاعفة أضعافاً كثيرة لمن قام به ،والجزاء طبعاً بإثابة فاعله الثواب الجزيل . فصل اإلمام الشوكاني في فتح القدير أصل القرض بأنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، يقال :أقرض فالن فالناً :أي أعطاه ما يتجازاه ،واستدعاء القرض في اآلية إنما هو تأنيس 11 وتقريب للناس بما يفهمونه ،وهللا الذي هو الغني الحميد شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه باآلخرة بالقرض ،كما شبه إعطاء النفوس واألموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء (.)1 وقوله تعالى﴿ َح َسًنا﴾ قال الواقدي ( :محتسباً طيبة به نفسه ،وقال عمرو بن عثمان الصدفى :ال ُيمن به وال يؤذي ،وقال سهل بن عبد هللا :اليعتقد في قرضه عوضاً وفي قوله تعالى ﴿ َفي ِ َض َعاًفا َكِث َيرًة ﴾ ّبين هللا عز وجل أن من أنفق في سبيل هللا ال يضيع عند ضاعَف ُه َل ُه أ ْ َُ طعا وأبهم الجزاء) هللا تعالى بل يرد الثواب َق ْ ( )2 . وقد دلت اآلية على ِعظم رتبة الغني حيث سأل من القرض ،و لكن رتبة الفقير في هذا أعظم ألنه ُسأل ألجله القرض ،و قد ُيسأل القرض من كل أحد ،و لكن ال ُيسأل لكل أحد .ويقال القرض الحسن ال يعطى على الغفلة ،و إنما يعطى عن شهود(.)3 يم ﴾ [الحديد : ضوا ه ضا َح َسًنا ُي َ َّللاَ َق ْر ً قال تعالى ﴿ َوأَْق َر ُ اع ُ ض َ ف َل ُه ْم َوَل ُه ْم أ ْ َجٌر َك ِر ٌ اآلية . ]18 ضا َح َسًنا ﴾ بالصدقة والنفقة في سبيل هللا ، ضوا ه َّللاَ َق ْر ً قال القرطبي في تفسيره َ ﴿( :وأَْق َر ُ قال الحسن :كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع ،وقيل :هو العمل الصالح من ضا ﴾ أي صدقة ﴿ َح َسًنا ﴾ أي محتسبا من الصدقة وغيرها محتسباً صادقاً ،قال الكلبي َ ﴿ :ق ْر ً أذى ،وقيل :القرض الحسن هو أن يقول سبحان هللا والحمد هلل وال إله إال هللا وهللا قبله بال ً من وال ً أكبر ؛ رواه سفيان عن أبي حيان ،وقال زيد بن أسلم :هو النفقة على األهل ،الحسن :التطوع بالعبادات ،وقيل :أنه عمل الخير ،ومن القرض الحسن أال يقصد إلى الرديء فيخرجه ﴿ ، ) )1فتح القدير ،الشوكاني ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،ج ، 1ص.262،261 ) (2الجامع ألحكام القران ،القرطبي ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،1987 ،ج ،5ص.242-240 ) (3تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ،القشيري ،دار الكتب العلمية ،2000 ،ج ،1ص. 112 12 ف﴾ بفتح العين وتشديدها َ ﴿،وَل ُه ْم ف َل ُه ْم ﴾ أمثالها أي الذين أقرضوا ،ويعقوب ﴿ ُي َ ُي َ ض َع ُ اع ُ ض َ ()1 ف﴾ القراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله . يم ﴾ يعني الجنة) ُ﴿.ي َ اع ُ ض َ أْ َجٌر َك ِر ٌ يقول القشيري في تفسيره ( :بأن القرض الحسن ما يكون من وجه حالل ثم عن طيب قلب من على الفقير ،و ال يكدره تطويل الوعد و ال ،و صاحبه مخلص فيه ،بال رياء يشوبه ،و بال ّ ف َل ُه ْم ﴾ في الحسنات بعشر أمثالها إلى ما ينتظر عليه كثرة األعواض ،و المضاعفة ﴿ ُي َ اع ُ ض َ يم ﴾ ثواب كبير حسن و الثواب الكريم ّأنه ال يضن شاء هللا ،و األجر الكريم ﴿ َوَل ُه ْم أ ْ َجٌر َك ِر ٌ بأقصى األجر على الطاعة و إن هقل ْت )(.)2 َّللا َقرضا حسنا يض ِ ِ يم﴾ اعْف ُه َل ُك ْم َوَي ْغ ِف ْر َل ُك ْم َو ه ضوا ه َ ْ ً َ َ ً ُ َ قال تعالى ِ ﴿:إن تُْق ِر ُ َّللاُ َش ُك ٌ ور َحل ٌ [ التغابن :اآلية. ]17 يقول ابن كثير في تفسيره (:أي مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و مهما تصدقتم من شيء ()3 عز جل و ّ فعليه جزاؤه و نزل ذلك منزلة القرض له) .و يقول القشيري في تفسيره( :بأن هللا ّ يتوجه بهذا الخطاب إلى األغنياء لبذل أموالهم ،و للفقراء في إخالء أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم و إيثار مراد الحق على مراد أنفسهم)(.)4 ِ الص َالةَ وآتُوا ه َنف ِس ُكم ضوا ه يموا ه ضا َح َسًنا َو َما تَُقِّد ُموا ِأل ُ الزَك َ َّللاَ َق ْر ً اة َوأَْق ِر ُ َ قال تعالى ﴿ َوأَق ُ ِمن خي ٍر ت ِجدوه ِعند ه ِ َج ًار﴾[ المزمل :اآلية . ]20 َع َ ّ ْ َْ َ ُ ُ َ َّللا ُه َو َخ ْي ًار َوأ ْ ظ َم أ ْ ( )1لجامع ألحكام القران ،ج.252 ،242/17 ) (2تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ،ج. 290-287 /1 ) (3تفسير القرآن العظيم ،ابن كثير ،تحقيق كمال علي الجمل ،دار التوزيع والنشر اإلسالمية ، 1998 ،ج ، 4ص. 463 ) (4تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ،ج. 327 /1 13 ضا َح َسًنا﴾ القرض الحسن ما قصد به وجه ضوا ه َّللاَ َق ْر ً يقول القرطبي في تفسيره َ ﴿ :وأَْق ِر ُ هللا تعالى خالصاً من المال الطيب ،وقال عمر بن الخطاب ( :هو النفقة في سبيل هللا)(.)1 و في اآليات التي أوردناها من كتاب هللا نالحظ ما يلي-: الخطاب اإللهي في مستهل اآليات يحمل أسلوب استفهام ﴿ همن َذا هالِذي ﴾ ِ ﴿ ،إن َّللاَ ﴾ أسلوب طلب مع ترغيب . ضوا ه ضوا ﴾ أسلوب شرط َ ﴿ ،وأَْق ِر ُ تُْق ِر ُ ضا َح َسًنا ﴾. كلمة قرض قد حددها سبحانه وتعالى بصفة الحسن ﴿ َق ْر ً جزاء القرض الحسن مضاعفة الثواب أضعافاً كثيرة ﴿ َفي ِ َض َعاًفا َكِث َيرًة ﴾ ﴿ ، ضاعَف ُه َل ُه أ ْ َُ يضاعف َلهم ﴾ ﴿ ،يض ِ اعْف ُه َل ُك ْم ﴾. َُ ُ َ َ ُ ُْ عز قد أتبع إقامة الصالة و إيتاء الزكاة جل و ّ في الدليل الرابع ،نجد أن هللا ّ ِ يموا ﴿ َوأَق ُ الص َال َة وآتُوا ه ضوا ه الزَك َ اة ﴾ و هما ركنين أساسيين من أركان الدين اإلسالمي بقوله ﴿ َوأَْق ِر ُ َ ضا َح َسًنا﴾ و الرابط هنا واو العطف ه َّللاَ َق ْر ً التي تفيد معنى المرافقة و في هذا إعالء من شأن القرض الحسن و كأنه ركن من أركان ديننا اإلسالمي. -2في السنة النبوية : أكدت السنة النبوية الشريفة على أهمية التراحم والتكافل بين المسلمين فقال الرسولَ [ : م ْن ِ ِ ِ ام ِة َو َم ْن َي هس َر َعَلى َنهف َس َع ْن ُم ْؤ ِم ٍن ُك ْرَب ًة ِم ْن ُك َر ِب الد ْن َيا َنهف َس ه َّللاُ َع ْن ُه ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ َّللاُ ِفي َع ْو ِن َّللاُ ِفي الد ْن َيا َو ْاآل ِخ َرِة َو ه َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا َو ْاآل ِخ َرِة َو َم ْن َستَ َر ُم ْسلِ ًما َستَ َرهُ ه ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه اْل َع ْبِد َخ ِ ما َكان اْلعبد ِفي عو ِن أ ِ يه ](.)2 َ َ َ ُْ َْ ) (1الجامع ألحكام القران ،القرطبي ،ج58 / 19 ) (2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار ،باب فضل االجتماع على تالوة القرآن ،حديث ،6793ج.24،23/ 17 14 ومن الصور األساسية لهذا التكافل و التعاون صورة اإلقراض واالستقراض بين أبناء المجتمع ،فتعددت األحاديث عن النبي التي تثبت مشروعيتهما مدعمة بأقوال النبي و أفعاله : ِ ِ ِ عن ابن مسعود أ ه ِ ان ضا َم هرتَ ْي ِن ِإالّ َك َ ض ُم ْسل ًما َق ْر ً ال َ [ :ما م ْن ُم ْسل ٍم ُيْق ِر ُ َن الهنب هي َ ق َ ص َدَقِت َها َم هرًة] .قال علقمة :كذلك أنبأني ْاب ُن مسعود َك َ ( )1 .قال في البحر :موقعه أعظم من الصدقة ،إذ ال يقترض إال محتاج (.)2 َّللاِ [ : أرَْي ُت َلْيَل َة أُس ِري ِبي َعَلى ب ِ اب اْل َجهن ِة ول ه َ َ ْ َ ال َرُس ُ عن أنس بن مالك قال َ :ق َ الصدَق ُة ِبع ْش ِر أَمثَالِها ،واْلَقر ِ ِ ِ ال ْ َ َ ْ ُ َم ْكتُ ً وبا :ه َ َ يل ! َما َب ُ ض بثَ َمان َي َة َع َش َرَ ،فُقْل ُت َ :يا ج ْب ِر ُ الصدَق ِة ؟ َقال ِ :ألَ هن ه ِ ِ اْلَق ْر ِ ض َال ض ُل م ْن ه َ ض أَْف َ َل َو ِع ْن َدهُ َ ،واْل ُم ْستَْق ِر ُ السائ َل َي ْسأ ُ َ يستَْق ِر ِ ِ اجة]( .)3فالقرض الحسن سلفة لمحض الخير القائم على الشهامة َْ ُ ض إالّ م ْن َح َ حياء وخجالً من شدة ،فقد يستعفف بعض الناس عن تناول الزكاة والصدقات ً الحاجة ،أما في القرض الحسن فإنهم ينالون ما فيه سد لحاجاتهم مع صيانة حيائهم وعزتهم وكرامتهم(.)4 ) (1سنن ابن ماجة ،القزويني ،تحقيق :فؤاد عبد الباقي ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،كتاب الصدقات ،باب القرض ،حديث ،2430ج ، 2ص. 812 ) (2نيل األوطار ،الشوكاني ،دار الجيل ،بيروت ، 1973 ،ج ، 5كتاب القرض ،ص.347 ) (3سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب القرض ،حديث( ،)2431ج.812/2 ) (4القرض (ثوابه وأحكامه) ،عمار موشلي ،دار األلباب ،دمشق ، 1993 ،ص.53 15 روى أبو رافع في الحديث [ :أن رسول ه ِ ف ِم ْن َرُج ٍل َب ْك ًار َ ،فَقِد َم ْت َعَل ْي ِه استَ ْسَل َ َُ َ َّللا ْ ِ ِ الصدَق ِة َ ،فأَمر أَبا رِاف ٍع أَن يق ِ ِ ِ ال َ :ل ْم ضي ه ِإِب ٌل م ْن ِإِب ِل ه َ ََ َ َ الرُج َل َب ْك َرهُ َ ،ف َر َج َع إَل ْيه أَُبو َراف ٍع َفَق َ ْ َْ َ َجد ِفيها ِإالّ ِخي ا ِ ِ َع ِط ِه ِإيهاهُ ِ ،إ هن ِخ َي َار الهن ِ اء] ( .)1معنى َح َسُن ُه ْم َق َ ال :أ ْ اس أ ْ ًَ ار َرَباعًيا َ ،فَق َ أ ْ َ ضً ار :مختا اًر ،رب ِ اعًيا :بفتح ض ،أما قوله َب ْك ًار :الصغير من اإلبل ِ ،خ َي ًا ف :ا ْقتَ َر َ استَ ْسَل َ ََ ْ الراء ،ما دخل السنة السابعة(.)2 قال ابن رسالن :وال خالف في جواز سؤاله عند الحاجة وال نقص على طالبه ولو كان ( )3 فيه شيء لما استسلف النبي صلى هللا عليه وسلم .وقال النووي بصحيح مسلم :وفي هذا ( )4 الحديث جواز االستقراض واالستدانة ،وانما أقترض النبي للحاجة . وفي صحيح البخاري جاء حديث مقارب للحديث أعاله وبنفس الخصوص فقد ورد ِ عن أبي هريرة [ : أ ه َّللاِ : ول ه َن َرُجالً أَتَى الهنِب هي َ يتََق َ ال َرُس ُ ال َ :ق َ اضاهُ َبعي اًر َ ،ق َ ِ ِ ِِ ِ ه ِ َّللاُ ، اك ه ال ه َع ُ طوهُ َ ،فَقاُلوا :ال َن ِجُد ِإال سًّنا أَْف َ أْ الرُج ُل :أ َْوَف ْيتَني أ َْوَف َ ض َل م ْن سّنه َ ،فَق َ َفَقال رسول ه ِ طوهُ َفِإ هن ِم ْن ِخ َي ِار الهن ِ ضاء] (.)5 َع ُ َح َس َن ُه ْم َق َ َّللا : أ ْ اس أ ْ َ َُ ُ ض ِمِّني النهِبي استَْق َر َ روى النسائي عن عبد هللا بن أبي ربيعة المخزومي ،قال ْ [ : ِ ِ ه ِ َّللاُ َل َك ِفي ال َ :ب َار َك ه صهلى ه َّللاُ َعَل ْيه َو َسل َم أ َْرَبع َ اءهُ َم ٌ ال َف َدَف َع ُه إَل هي َ ،وَق َ َ ين أَْلًفا َف َج َ أَهلِك ومالِك ِإهنما ج َزاء ه ِ اء ](.)6 السَلف اْل َح ْمُد َو ْاأل ََد ُ ْ َ ََ َ َ َ ُ المباركفوري ،تحقيق :علي معوض ، ) ( 1صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ،حديث رقم ( ،)4084ج ، 37/ 11تحفة األحوذي بشرح جامع الترمذي ، ُ عادل عبد الموجود ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،كتاب البيوع ،باب ماجاء في استقراض البعير أو الشيء من الحيوان ،حديث رقم ( ، )1318ج ، 4ص ، 626انظر تحفة المحتاج إلى شرح المنهاج ، ابن الملقن ،تحقيق:عبد هللا اللحياني ،دار حراء ،1986 ،ج ،2ص.250 ( (2إعالم األنام ( شرح بلوغ المرام من أحاديث األحكام للعسقالني ) ،تحقيق :نور الدين عتر ،دار الفرفور ،دمشق ،ط ،1999 ، 7ص .67 ( )3نيل األوطار ،الشوكاني ،ج.347/ 5 ( (4صحيح مسلم بشرح النووي ،ج.38/11 ( )5صحيح البخاري ،دار السالم ،الرياض ،ط ، 1999 ، 2كتاب االستقراض ،باب هل يُعطى أكبر من سنه ،حديث رقم ( ، ) 2392ص،384 ( )6سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ،دار البشائر اإلسالمية ،بيروت ،ط ، 1994 ، 3ج ، 7كتاب البيوع ،باب االستقراض ،ح ، 4683ص.314 16 ونستنتج من األحاديث الشريفة السابقة على جملة من األحكام : إن الخطاب النبوي يحث على القرض الحسن ويرغب به ويطالبنا بخير وأحسن القضاء طوهُ َفِإ هن ِم ْن ِخ َي ِار الهن ِ َع ِط ِه ِإيهاهُ ِإ هن ِخ َي َار الهن ِ َح َس َن ُه ْم َع ُ اء ، أ ْ َح َسُن ُه ْم َق َ أْ اس أ ْ اس أ ْ ضً ضاء. َق َ المقارنة الواضحة بين الصدقة والقرض وذلك القتران الفعل الطيب في عمل القرض ِ ِ ِ ضا َم هرتَ ْي ِن ِإالّ ض ُم ْسل ًما َق ْر ً الحسن بفعل الصدقة ويكون أفضل منه َ ما م ْن ُم ْسل ٍم ُيْق ِر ُ الصدَق ُة ِبع ْش ِر أَمثَالِها واْلَقر ِ ِ َكان َك ِ ِ يل َما ْ َ َ ْ ُ ص َدَقت َها َم هرًة ، ه َ َ ض بثَ َمان َي َة َع َش َر َفُقْل ُت َيا ج ْب ِر ُ َ َ ال اْلَق ْر ِ الص َدَق ِة . ض ُل ِم ْن ه ض أَْف َ َب ُ في المقابلة اإلبداعية يصور الرسول عليه أفضل الصالة والسالم في الحديث الشريف ِ ِ ِ امة، َم ْن َنهف َس َع ْن ُم ْؤ ِم ٍن ُك ْرَب ًة ِم ْن ُك َر ِب الد ْن َيا َنهف َس ه َّللاُ َع ْن ُه ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ بأن ثواب المقرض يحقق غاية كبيرة وهي فك كربة من يوم القيامة ،ثم ُيتمم الرسول َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا َواآل ِخ َرة يدخل القرض في باب التفريج َ و َم ْن َي هس َر َعَلى ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه والتخفيف والتيسير ؛ ألن من يكون في حالة حاجة أو سؤال سيتحول إلى حالة إعسار أي يكون هو المعسر أي المقترض وبدوره المقرض الذي هو في وضع ُيسر سيكون َّللاُ ِفي َّللاُ ِفي الد ْن َيا َواآل ِخ َ ِرة َو ه المقرض ،وفي قوله َ و َم ْن َستَ َر ُم ْسلِماً َستَ َرهُ ه بدوره هو ُ عو ِن اْلعبِد ما َكان اْلعبد ِفي عو ِن أ ِ َخيه ،سيستحق النعمة الكبيرة التي سيجنيها في َ َ ُْ َْ َْ َْ َ حال توفير المقرض أي شيء يستر به المسلم وكذلك سيبقى تحت رعاية وعناية هللا مادام هو في هذا الطريق . 17 -3في اإلجماع : أجمع المسلمون على جواز القرض ،وان األمة ال تزال تتعامل به منذ عهد رسول هللا والى عصرنا هذا ،والعلماء يقرونه من غير إنكار أحد منهم . فقد اقترض الصحابة رضي هللا عنهم وأقرضوا ،وكان معنى اإلقراض لديهم دليل على المروءة والتقوى وقياس ألفعال الخير وأبواب البر بالناس والتخفيف عن كاهل المسلم بشتى الطرق واألساليب التي اكتسبوها من هدي النبي صلى هللا عليه وسلم وهي أيضاً قربة يتقربون بها إلى هللا سبحانه لما فيه من أبواب الرفق والرحمة واإلحسان بالغير . استسلف عبد هللا بن عمر من ٍ رجل دراهم ،ثم قضاه دراهم عن مجاهد ،أنه قال ْ : خير من دراهمي التي أسلفتك ، خي اًر منها ،فقال الرجل :يا أبا عبد الرحمن ،هذه ٌ ُ فقال عبد هللا بن عمر :قد َعِل ْمت ،ولكن نفسي بذلك طيبة .)1( عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي َح ْد َرد ديناً كان له عليه ،في عهد رسول هللا ، في المسجد ،فارتفعت أصواتهما ،حتى سمعها رسول هللا وهو في بيته ،فخرج إليهما ِ ف حجرته ،ونادى كعب بن مالك ،فقال :يا حتى كشف س ْج َ كعب! فقال :لبيك يا رسول هللا! فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من َدينك ،قال كعب :قد فعلت ،يا رسول هللا! قال رسول هللاُ : قم ِ فاقض ِه . معنى تقاضى :طالبه به ْ وأراد قضاه ،قوله (:كشف سجف حجرته) هو بكسر السين ،وفتحها لغتان ، ()2 ِ ف :الستر ،وقيل :اليسمى سجفاً إال إذا كان مشقوق واسكان الجيم .والس ْج َ الوسط كالمصرعين(.)3 ) (1موطأ اإلمام مالك ،دار الكتب العلمية ،بيروت ، 1984 ،حديث ( ، )1373ص . 367 ( )2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب استحباب الوضع من الدين ،حديث ،3961ص.464 ( (3التدابير الواقية من الربا ،فضل إلهي ،مكتبة المؤيد ،الرياض ،ط، 2عام 1412هـ ،ص .218 18 وعن القاسم عن عائشة رضي هللا عنها ،أنها كانت تدان فقيل لها ما لك والدين وليس عندك قضاء ؟ فقالت :سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول :ما من عبد كانت له نية في أداء دينه ،إال كان له من هللا عون ،فأنا ألتمس ذلك العون .)1(وكان زمن الحديث بعد انتقال الرسول إلى بارئه الكريم . وعن أبي الدرداء أنه قال :ألن أ ِ ُقرض دينارين ثم يردان ،ثم أُقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما ،)2(ألن فيه تفريجاً عن أخيه المسلم وقضاء لحاجته وعونا له ،فكان مندوباً إليه كالصدقة عليه وليس واجباً ،قال أحمد :ال إثم على من سئل القرض فلم ُيقرض ،وذلك ألنه من المعروف ،فأشبه بصدقة التطوع ،وليس بمكروه ()3 في حق المقرض ،قال أحمد :ليس القرض من المسألة يعني ليس مكروه . وعن ابن مسعود وابن عباس رضي هللا عنهما أنهما قاال :قرض مرتين خير من صدقة مرة ()4 القرض خي اًر من الصدقة ،ألن الصدقة قد تُدفع إلى من هو في ،و ُ غنى عنها ،أما القرض فال يسأله إنسان إال وهو يحتاج إليه . وروى اإلمام أبو عبيد القاسم بن سالم عن إبراهيم قال :أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستَسلَِفه أربعمائة درهم ،فقال عبد الرحمن :أتس ِ تسلَفني ، ُ ْ ْ وعندك بيت المال ،أال تأخذ منه ثُم ُترده؟ فقال عمر :إني أتخوف أن يصيبني قدري ،فتقول أنت وأصحابك :اتركوا هذا ألمير المؤمنين ،حتى يؤخذ من ميزاني ( )1المستدرك على الصحيحين ،الحاكم ،بيروت ،دار الفكر ،1978 ،كتاب البيوع ،باب أداء الدين ،ج ، 2ص.22 ) )2المهذب ،الشيرازي ،دار الفكر ،دمشق ،مطبعة مصطفى الحلبي وأوالده ،ط ، ،1976 ، 3ج ، 1ص. 302 ) (3المغني ،ابن قدامة المقدسي ،تحقيق :محمد محيسن ،شعبان إسماعيل ،مكتبة الرياض الحديثة ،الرياض ، 1981،ج ،4ص. 347 ) )4المهذب ،الشيرازي ،ج.302/ 1 19 يوم القيامة ،ولكني أتسلفها منك لما أعلم من شحك ،فإذا ُم ْت ِ ،ج ْئ َت فاستَوفيتها من ميراثي .)1(وقوله يصيبني قدري أي :يجيئني أجلي . وقد نال القرض بذلك الشرعية الكاملة ،فنالحظ أن االقتراض وضع في مكانه المناسب من نظر الصحابة ،ولم يجدوا أي حرج في االقتراض أو اإلقراض ،والبيان الذي استنبطانه من الكالم السابق هو أن للقرض دور منهجي في تحسين حالة المجتمع . ) (1األموال ،أبي عبيد بن سالم ،تحقيق :محمد حامد الفقي ،المكتبة التجارية الكبرى ،القاهرة ، ،1953 ،ج ، 3ص.249 20 الفصل األول القرض بين الواقع والمأمول مقدمة : إن القرض ُينشأ نوع من التبادل اإلنساني الكبير بين طرفي اإلقراض إن ُخصص في مثل ما المقرض يرتضيه الشرع والدين ،ومن خالل االلتزام بما حددته الشريعة سيتولد حتماً ترابط اجتماعي بين ُ والمقترض وهما طرفي العقد في صيغة القرض ،وحتى تكتمل حلقات هذا العقد فال بد له من أركان اتجاهاته ،وتضع له طريق سالك ليتمكن من تحقيق غايته النبيلة ،حتى تكون النتيجة وشروط تحدد ُ بالمقرضين والمقترضين . إيجابية تجاه أطراف المجتمع المتمثلة ُ باإل ضافة إلى ذلك فقد حدد الشرع جملة من اآلداب والسلوكيات واألخالقيات التي يجب أن تتواجد في أثناء التعامل بعملية اإلقراض .وتلك اآلداب مشرعة في القرآن والسنة ،والغاية منها عدم حصول مشكلة أو خالف بين صاحب القرض والمستفيد من ذلك القرض ،وهناك خالفات كثيرة تحدث تتسبب بحصول حالة من فقدان الثقة نتيجة فعل خاطئ . ومن أهم تلك الخالفات أن المقترض في بعض األحيان ال يستطيع سداد ما عليه من قرض فيؤدي ذلك الفعل إلى المماطلة والتسويف في رد القرض وأدائه ،وألجل ذلك جاء اإلسالم بهذه اآلداب المتمثلة بتشريعات محددة لكي يتم رد األموال المستقرضة ألصحابها المقرضين ،ومن جانب آخر تشكل ديمومة لممارسة عملية اإلقراض واالقتراض . 21 المبحث األول أركان القرض وشروطه القرض بحكم إنه عقد من العقود فمن البديهي أن لدى هذا العقد أركان ال يتم إال بها ، وبنفس الوقت شروط تحقق الوجود الشرعي للقرض ،وبذلك يجب وضع التوضيح الكامل لتلك األركان والشروط في هذا المبحث ،وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان القرض ثالثة هي : .1الصيغة . .2العاقدان . .3المحل . الركن األول (الصيغة) ( :اإليجاب والقبول ) بما أن القرض عقد يتم بين الطرفين ،فإن وجوده يتوقف على صيغة تُبين ماهية رغبة العاقدين في إنشائه ،وتعطي بوضوح صورة متكاملة عن االتفاق الذي يحصل بينهما الخاص بتشكيل القرض .وذلك ألن النية من المستبعد كشفها ألنها أمر باطن وال يمكن االطالع عليه ، يدل عليه ويكشف عنه وهو اإليجاب والقبول المتصلين المتوافقين . فوضع مكانه ما ُ كأقرضتُ َك واقترضت وال يشترط فيها لفظ القرض ،بل وصيغة اإليجاب والقبول هي : ْ المقترض :استلفت وتملكت يصح بكل لفظ يؤدي معناه كأسلفتك وملكتلك ببدله وخذه بمثله ،وقول ُ ببدله ونحو ذلك ،ويصح أيضاً بلفظ الماضي واألمر كقوله :أقرضني وأسلفني ،وأقترض مني واستلف ونحوها(.)1 ) )1فقه المعاوضات ،مصطفى البغا ،مطبعة دمشق ،1989 ،ج ، 2ص.61 22 وال خالف بين الفقهاء في صحة اإليجاب بلفظ القرض والسلف وبكل ما يؤدي معناهما ، تك وأعطيتُك ،أو في حالة وجود قرن ٌة دالة على إرادة القرض ،كأن سأله قرضاً فأعطاه ، ْ كأقرض ُ وكذلك صحة القبول بكل ٍ بلت . لفظ يدل على الرضا بما أوجبه األول ،مثل : استقرضت أو ق ُ ْ قال السيد سابق :عقد القرض عقد تمليك ،ال يتحقق إال باإليجاب والقبول كعقد البيع والهبة .وينعقد بلفظ القرض والسلف ،وبكل لفظ يؤدي إلى معناه ( .)1وقال الشيخ األنصاري : رض مني ،يقوم مقام اإليجاب ،ومن المقترض ، وظاهر أن االلتماس من المقرض ،كا ْقتَ ْ ٌ كأقرضني ،يقوم مقام القبول ،كما في البيع(.)2 يقول الكاساني في بيان ركن القرض :أما ركنه فهو اإليجاب والقبول ،واإليجاب قول المقرض :أقرضتك هذا الشيء ،أو خذ هذا الشيء قرضاً ونحو ذلك ،والقبول هو أن يقول المستقرض :استقرضت أو رضيت أو مايجري هذا المجرى ،وهذا قول محمد رحمه هللا وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف(.)3 وروى عن أبي يوسف أخرى أن الركن فيه اإليجاب ،أما القبول فليس بركن حتى لو حلف ،ال يقرض فالناً ،فأقرضه ولم يقبل لم يحنث عند محمد ،وهو إحدى الروايتين عند أبي يوسف ،وفي رواية أخرى يحنث ،وجه هذه الرواية لدى الكاساني أن اإلقراض إعارة لما نذكر والقبول المستقر ِ ِ مثل المستَْق َرض ،فلهذا ليس بركن في اإلعارة .ووجه قول محمد :أن الواجب في ذمة ض ُ ()4 له مثل ،فأشبه البيع ،فكان القبول ركناً فيه كما في البيع اختص جوازه بما ُ ،وبقول الحنفية إن اإلقراض إعارة ،فإن َدل ذلك على شيء فقد َدل بالنص الصريح على صحة القرض بلفظ اإلعارة قرض حقيقة ،نظ اًر ألن إعارة المثليات ٌ ) (1فقه السنة ،السيد سابق ،المجلد الثالث ،دار الكتاب العربي ،بيروت ،ط ، 1971 ،1ص.146 ،145 ) (2أسنى المطالب شرح روض الطالب ،زكريا األنصاري ،مطبعة الميمنة ،مصر 1313 ،هـ ،ج ،2ص.141 ( )3بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.517/ 6 ) (4بدائع الصنائع ،الكاساني ، ،ج.517/ 6 23 ويقول الشيخ الشربيني الشافعي صيغته أي إيجابه :أقرضتك أو أسلفتك هذا أو خذه بمثله أو ملكتكته على أن ترد بدله أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله كما في أصل الروضة ، وأسقطه المصنف لالستغناء عن وأصرفه في حوائجك ، ولو اقتصر على ((ملكتك)) فهو في هبة في الظاهر .وأما قبوله أي اإلقراض في األصح كسائر المعاوضات ،وشرط القبول الموافقة في المعنى كالبيع ،فلو قال :أقرضتك ألفاً فقبل خمسمائة أو بالعكس لم يصح وان فرق بعضهم بأن المقرض متبرع فال يضر قبول بعض المسمى أوالزائد عليه(.)1 ويقول اإلمام النووي في المجموع :ال ينعقد إال باإليجاب والقبول ،ألنه تمليك آدمي فلم يصح من غير إيجاب وقبول كالبيع والهبة ؛ ويصح بلفظ القرض والسلف ألن الشرع ورد بهما ، ويصح بما يؤدي معناه ،وهو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد علي بدله (.)2 َ وقال الشافعية أيضاً أركان القرض كأركان البيع فال بد فيه أن يكون الشيء المقترض معلوم القدر وكذلك البد فيه اإليجاب والقبول كالبيع ،واإليجاب تارة يكون صريحاً ،وتارة يكون كناية ،فالصريح كأن يقول :أقرضتك هذا الشيء أو سلفتك ،والكناية كأن يقول :خذ هذا الشيء بمثله ،أو اصرفه في حوائجك ورد بدله (.)3 رض ،وحاله وعلى الرغم من قول الشافعية باشتراط اإليجاب والقبول كأساس لصحة الَق ْ كحال سائر المعاوضات ،إال أنهم قد استثنوا منه ما هسموه في اصطالح القرض ((القرض الحكمي )) ،ولم يتشرطوا فيه الصيغة أصالً ( ،)4نعم القرض الحكمي كاإلنفاق على اللقيط المحتاج واطعام وكسوة العاري ال يفتقر إلى اإليجاب والقبول(.)5 ) (1مغني المحتاج على متن منهاج الطالبين ،الشربيني ،ج.154/2 ) (2المجموع بشرح المهذب ،محيي الدين بن شرف النووي ،تحقيق :محمد المطيعي ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ، 1995 ،ج.12،252 ) (3الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،ج.305/2 ) (4تحفة المحتاج في شرح المنهاج ،ج ، 40/5أسنى المطالب ،ج.141/2 ( )5مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ،الشربيني ،ج.154/ 2 24 فرع اإلمام أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية على اشتراط اإليجاب والقبول ألجل وقد َ أقرضتُ َك ألفاً ،وَقِب َل ،وتفرقا ،ثُم دفع إليه رض للمستقرض ْ (( : المق ُ انعقاد القرض ،ما لو قال ُ ص ُل لم يجز ، األلف ،فإن لم يطل الفصل جاز ،ألن الظاهر أنه قصد اإليجاب .وان طال َ الف ْ ص ِل ))( .)1ثم أكمل قوله (( : حتى ُيعيد لفظ القرض ،ألنه ال يمكن البناء على العقد مع طول َ الف ْ أقرضتُ َك كذا ،ففيه وجهان أحدهما ؛ ينعقد ألن الحاجة مع الغيبة غائب : وان كتب إليه وهو ْ ٌ قادر على النطق ،فال ينعقد عقده بالكتابة ،كما لو داعي ُة إلى الكتابة ،والثاني ؛ ال ينعقد ألنه ٌ وقول القائل األول إن الحاجة داعي ٌة إلى الكتابة ال يصح ،ألنه يمكنه أن يوكل كتب وهو حاضر ُ ، َم ْن يعقد العقد بالقول))(.)2 وتحرير الكالم في مسألة ألفاظ القبول واإليجاب ،نجده لدى العالمة ابن تيمية حيث قال إن عرفا المقصود انعقدت ،فأي لفظ من األلفاظ ُعرف به المتعاقدان ( :والتحقيق أن المتعاقدين ْ يحد ألفاظ العقود حداً ،بل مقصودهما أنعقد به العقد ،وهذا عام في جميع العقود ،فإن الشارع لم َ ُ يدل عليها من األلفاظ الفارسية والرومية وغيرهما من األلسن ذكرها ُمطلقة ،فكما تنعقد العقود بما ُ ٍ يدل يدل عليها من األلفاظ العربية ،ولهذا وقع الطالق والعتاق بكل لفظ ُ العجمية ،فهي تنعقد بما ُ عليه ،وكذلك البيع وغيرهُ)(.)3 المقرض والمقترض) ويشترط فيهما : الركن الثاني العاقدان ُ ( : (أ) المقرض فيما يقرضه : أهلية التبرع في ُ ( )1المهذب ،الشيرازي ،ج ، 303/ 1المجموع ،محي الدين النووي ،ج.252/ 12 ( )2المهذب ،الشيرازي ،ج.303/1 ) (3مجموع فتاوى بن تيمية ،تحقيق :عبد الرحمن النجدي الحنبلي ،دار عالم الكتب ،الرياض ،1991 ،ج ، 20ص.533 25 المقرض أن يكون من أهل التبرع ،أي ال وجود للخالف بين الفقهاء في أنه ُيشترط في ُ ح اًر بالغاً عاقالً رشيداً ،وعلى ذلك فال َي ْملكه َم ْن ال يملك التبرع كالصبي والمكاتب والعبد المأذون ونحوهم (.)1 المقرض ممن يصح تبرعه ،ألنه عند الحنابلة قال اإلمام البهوتي (( :يشترط أن يكون ُ يص هح إال ممن ِ عقد إرفاق .فلم ِ يصح تبرعه ،كالصدقة ))( .)2وكذلك ذكر المرداوي بخصوص المقرض ممن يصح تبرعه)) المقرض فقال ُ (( :يشترط أن يكون ُ ُ ()3 . وذكر الكاساني وهو قول الحنفية تأكيده لهذا المعنى بقوله (( :إن القرض للمال تبرع ، أال ترى إنه ال يقابله عوض في الحال ،وكذا ال يملكه من ال يملك التبرع ))( ،)4فإذن مضمونه هو عقد تبرع بالحال . ولم يعتبر الشافعية القرض أنه من عقود اإلرفاق والتبرع ،وعللوا ذلك بأن القرض فيه شائبة التبرع ،فقد قالوا (( :إن القرض فيه شائبة التبرع ،ولو كان معاوضة محض ًة لجاز للولي ض مال موليه لغير ضرورة ،والالزم باطل ))(.)5 (غير القاضي) َق ْر ُ (ب) الرشد و االختيار : معنى الرشد هو (( :االتصاف بالبلوغ والصالح في الدين والمال ،ألن القرض عقد معاوضة مالية ،والرشد في العاقد شرط في صحة عقود المعاوضة ،فال يصح اإلقراض وال ) (1نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ،محمد الرملي ،مكتبة البابي الحلبي ،القاهرة ،1938 ،ج ،4ص ، 219بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.519/ 6 ) (2كشاف القناع عن متن اإلقناع ،البهوتي ،تحقيق :هالل مصطفى هالل ،دار الفكر ،دمشق ،ج ، 3ص.313 ) (3اإلنصاف ،المرداوي ،ج.123/5 ) (4بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.519/ 6 ) (5مغني المحتاج ،الشربيني ،ج ، 154/ 2أسنى المطالب ،زكريا األنصاري ،ج.140/2 26 االستقراض من صبي وال مجنون وال محجور عليه لسفه ألنهم غير راشدين في التصرف بأموالهم )) .أما معنى االختيار فهو (( :تصرف الشخص بالمال بإرادته دون إكراه ؛ ألن اإلكراه يفقد الرضا )) . وقد نص الشافعية بهذين المعنيين في أن أهلية الم ِ تستلزم رشده واختياره ، قرض للتبرع ُ ُ ِ ومحله إذا كان اإلكراهُ بغير حق ،أما إذا أُكرَه بحق ـ كرٍه .قالوا : ُ وعلى ذلك فال يصح إقر ُ اض ُم َ اض لنحو اضطرٍار ـ فإن إقراضه مع اإلكراه يكون صحيحاً(.)1 جب عليه اإلقر ُ بأن َو َ (ج) المقترض : ما ُيشترط في ُ المقترض أن يكون أهالً للمعاملة ،بأن يكون ذكر الشافعية في مدوناتهم أنه يشترط في ُ بالغاً وعاقالً غير محجور عليه( ،)2ولم يتشرطوا أهلية التبرع فيه . وقد نص الحنابلة على أن شرط المقترض تَمتُ ُعه بالذمة ،فمن شأنه ؛ أي :القرض ،أن يثبت إال في الذمم ،ثم هفرعوا على ذلك فقالوا :فال يصادف ذمة .قال ابن عقيل ( :الدين ال ُ يصح قرض جهة ،كمسجد ونحوه كمدرسة ورباط .)3(فال يصح قرض هذه الجهات برأيهم لعدم وجود ذمم لها . للمقترض ،والذي ُيستفاد من فروعهم أما بالنسبة للحنفية فلم ينصوا على شروط خاصة ُ الفقهية اشتراطهم أهلية التصرفات القولية فيه ،بأن يكون ح اًر بالغاً عاقالً وعلى ذلك قالوا :إذا فاستهلكه الصبي ال يضمن (وقوله استقرض صبياً محجو ار رض صبي محجور عليه شيئاً ُ استْق َ ٌ ِ ف فاستهلكه) قيد بالمحجور ألنه لو كان مأذوناً فهو كالبالغ وباالستهالك فإنه يضمن ،ولو َتل َ ( )1تحفة المحتاج على المنهاج وحاشية الشرواني عليه ،ابن حجر الهيتمي ،مطبعة الميمنة ،مصر 1315 ،هـ ،ج ، 5ص.41 ) (2الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،ج.305/2 ) (3كشاف القناع ،البهوتي ،ج.313/ 3 27 قرض أن ِ عينه فللم ِ الشيء بنفسه ال يضمن اتفاقاً ،ولو بقيت ُ يستردهُ ُ ( )1 فالحكم هنا مبني على ُ ، ٌ عدم صحة اقتراض المحجور عندهم. الم ْقَرض) الم َحل ( : ُ المال ُ الركن الثالث َ ذكر الفقهاء ثالثة شروط ،ومعها بيان اختالف الفقهاء في اعتبارها أو في مدى اشتراطها وتلك الشروط هي : الشرط األول ( :أن يكون من المثليات ) : تختلف به قيمتها ،كالنقود وسائر المكيالت المثليات :هي األموال التي ال تتفاوت آحادها تفاوتاً ُ والموزونات والمذروعات والعدديات المتقاربة (.)2 قال الحنفية ِ : يصح القرض في المثليات أو في المثلى ،وهو كل ما ُيضمن بالمثل عند االستهالك ،أما في القيميات كالحيوان والحطب والعقار وكل متفاوت فال ِ يصح إقراضها لتعذر رد ِ المثل ()3 . المثل : علة لقوله ال في غيره ،أي ال ِ وذكر ابن عابدين معنى لتع َذر رد ِ يصح َ ُ انتهاء ؛ ألنه ال صح بلفظها ،معاوض ٌة المثلى ،ألن القرض إعارةٌ ابتداء حتى َ القرض في غير ُ ً ً ُيمكن االنتفاع به إال باالستهالك عينه ،فيستلزم إيجاب المثل في الذمة وهذا ال يتأتى في غير المثلى .وقال في البحر :ال يجوز في غير المثلى (.)4 ُ وقال الكاساني (( :أن يكون القرض مما له ِم ْثل كالمكيالت والموزونات ،فال يجوز قرض ما ال مثل له من المذروعات والمعدودات المتقاربة ،ألنه ال سبيل إلى إيجاب رد العين وال إلى ) (1رد المحتار وحاشية ابن عابدين عليه ،ج.174/ 4 ) (2عقد القرض في الشريعة اإلسالمية ،نزيه حماد ،دار القلم ،دمشق ،ط ، 1991 ،1ص.33 ( )3رد المحتار وحاشية ابن عابدين ،ج.171/ 4 ) )4رد المحتار وحاشية ابن عابدين ،ج.171/4 28 إيجاب رد القيمة ألنه يؤدي إلى المنازعة الختالف القيمة باختالف تقويم المقومين فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل فيختص جوازه بما له مثل))(. )1 المثليات ،فذهبوا بذلك المنحى إلى ما ذهب إليه وقال الشافعية :يجوز القرض في ُ بالمثليات ،لكنهم وسعوا في نطاق دائرة القرض ،فقال الشيرازي ( :يجوز الحنفية من الَق ْرض ُ ويضبط بالوصف ،ألنه عقد تمليك يثبت العوض فيه بالذمة فجاز فيما قرض كل مال ُيمَلك بالبيع ُ يملك ويضبط بالوصف كالسلم) (.)2 ويدخل أيضاً في دائرة القرض لدى الشافعية ( :العقارات والحيوانات وغيرها من القيميات التي ُيمكن ضبطها بالوصف) . ط بالوصف كالجواهر أما ما ال ُي ْسَل ُم فيه ،وهو ما ال ُيضب ُ ( )3 والخبز وغيرها ففيه وجهان : أحدهما ال يجوز إقراضه ؛ألن القرض يقتضي رد المثل وما ال ُيضبط بالوصف ال مثل له ، المستقرض بالقيمة ،والجواهر كغيرها في القيمة (.)4 والثاني يجوز؛ ألن ما ال مثل له يضمنه ُ وقد رجح الشافعية الوجه األول حيث قال النووي في شرح المهذب ( :إن قلنا يجب رد القيمة جاز قرض هذه األشياء ،وان قلنا يجب رد المثل فيها لم يجز قرضها ولكن توجيهها يأتي المثليات )(.)5 في رد ُ ِ ِ السلم فيه جواز قرضه ما ال وقد استثنى الشافعية من عدم جواز قرض الخبز وزناً ُ يجوز َ لعموم الحاجة إليه ،وبعضهم يقول :يجوز إقراضه عداً ووزناً(.)6 ( )1بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.517/ 6 ) (2المهذب ،الشيرازي ،ج.303/1 ) (3الجواهر :جمع جوهر وهو ما له صفاء ولون شفاف كالياقوت واللؤلؤ والفير وزج وغير ذلك. ) )4المهذب ،الشيرازي ،ج .303/ 1 ) (5المجموع في شرح المهذب ،النووي ،ج.259/12 ( )6الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،ج. 306/ 2 29 وقد قال النووي ( :قطع صاحب التتمة ( أبو سعد المتولي) والمستظهري بجواز قرضه وزناً ،واجتمع صاحبا الشامل والتتمة بإجماع أهل األمصار على فعله في األعصار بال إنكار) ( )1 . تحل له ، السلم فيه َق ْرض الجارية لمن ُ كما استثنى الشافعية من جواز إقراض كل ما يجوز َ يجوز إقراضها له ولو غير مشتهاة ( في األظهر ) ألنه قد يطؤها قال الشيخ الشربيني ( :فال ُ ويردها ؛ ألنه عقد جائز من الطرفين يثبت الرد واالسترداد ،فيصير في معنى إعارة الجواري للوطء ،وهو ممتنع ( ،)2أي محظور شرعاً . فإن خالف البيع والهبة َ ، وي ُ بخصوص إقراض الجارية ـ وبنفس الصدد ـ قال الشيرازي ُ (( : غير الم َ الملك في القرض ُ لك فيهما تام ،ألنه لو أراد ُ كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ ،لم يملك ،و ُ ُ يحل له وطؤها َأدى إلى الوطء جوزنا فيمن ُ تام ،ألنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ ،فلو َ ُ في ٍ ملك غير تام ،وذلك ال يجوز)) ( )3 ٍ وثني ٍة أو نحوه ، ،أما َم ْن ال يحل له وطؤها لمحرمية أو َ َ فيجوز إقراضها له (.)4 أما المالكية ،فكان قولهم قريباً من قول الشافعية ،فنصوا على (( :ه نسه كل ما يقبل ِج ُ أن َ السلم يصح قرضه كالمكيل والمعدود والموزون ،فإن جنس كل واحد منها يقبل السَلم ،فالقمح مثالً َ السلم أحياناً ،ولكن ال يمتنع فيه القرض ،وكذلك يقبل السلم ،وكذلك اللحم وان كان قد يمتنع فيه َ القرض في الحيوان وعروض التجارة ألنه يصح السلم في ِجنسهما))(.)5 يصح ُ وكذلك استثنوا مما يجوز السلم فيه ،الجواري من جواز القرض مثل ما قال الشافعية فقيل القرض) في كل ما يجوز أن يثبت بالذمة سلماً إال الجواري ،ألنه يؤدي لديهم (( :يجوز السلف ( ُ ) (1المجموع ،النووي ،ج. 260/ 12 ( )2مغني المحتاج ،الشربيني ،ج.155/ 2 ( )3المهذب ،الشيرازي ،ج. 303/ 1 ( )4روضة الطالبين ،محيي الدين النووي ،تحقيق :محمد المطيعي ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ، 1995 ،ج ،4ص ،33،32انظر التنبيه ،الشيرازي ،إعداد عماد الدين حيد ،عالم الكتب ،بيروت ، 1983،باب القرض ،ص.99 ) (5الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،ج.307/ 2 30 إلى إعارة الفروج ،وقيل :يجوز إن أسلفت جارية للذي ُمحرم ِمنها ،أو لمن يتلذذ بالنساء ،أو كانت الجارية ال تحمل الوطء))(.)1 إن َح ُرَم ْت عليه أو تع َذ َر وفي استثناء منع قرض الجارية قال الزرقاني (( :انتفى المنعُ ْ وطؤه لها ،لصغره أو كونه شيخاً فانياً أو كونها في سن َم ْن ال توطأ مدة القرض في الثالثة ،أو فيجوز قرضها)) المقترض امرًأة كان ُ ُ ( )2 . وبالنسبة للحنابلة ،فقد قالوا ِ : يصح قرض المكيل والموزون بغير خالف .قال أبو بكر : أجمع ُكل َم ْن نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب ،وكل ماله مثل من األطعمة المكيل منها والموزون جائزة ( ،)3وتطابق قولهم بذلك مع قول الحنفية. وقال البهوتي ِ (( : يجوز بيعها ) ،من مكيل وموزون ومذروع ويصح القرض (في ُكل عين ُ ومعدود وغيره (إال الرقيق فقط) فال ِ يصح قرضه ،ذك ًار كان أو أنثى ،ألنه لم ينقل ،وال هو من المرافق ،وألنه ُيفضي إلى أن َيقترض جاري ًة يطؤها ثم َي ُردها))(.)4 يصح إقراضه ،قال المرداوي :أما وبني آدم يثبت بالذمة إال أنه ُمستثنى من اإلقراض وال ُ قرض بني آدم ال يصح .وهو المذهب( ،)5أي قول المذهب الحنبلي ،وأي شي غير بني آدم مما قرضه ،يقول ابن المنذر :يجوز قرض كل ما يثبت بالذمة َسَلما ًً(،)6وبذلك يثُبت بالذمة َسَلماً جاز ُ قال الشافعية والمالكية في هذا الوجه. ) (1موسوعة الفقه المالكي ،إعداد خالد العك ،المجلد الثالث ،ص.410 ) (2شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني عليه ،مطبعة محمد مصطفى ،مصر 1307 ،هـ ،ج، 5ص ،226الخرشي وحاشية العدوي على هامشه ،دار صادر ،بيروت ،باب المساقاة ،ج، 5 ص229ومابعدها. النيسابوري ،تحقيق :أيمن شعبان ،دار الحديث ،القاهرة ،ط ،1994 ، 1ص.309 ) (3اإلقناع َ ، الروض المربع ،البهوتي ،تحقيق :عماد عامر ،دار الحديث ،القاهرة ، 1994 ،باب القرض ،ص.314 ) (4كشاف القناع ،البهوتي ،ج، 314/ 3 ُ ) )5اإلنصاف ،المرداوي ،ج/5ص.123 ) )6فقه المعامالت ،محمد الصابوني ،المكتبة العصرية ،بيروت ، 2007 ،ج،1ص.169 31 (المغني) ( :لم وأما ما ال ُ يثبت بالذمة سلماً كالجواهر وما شابهها ،قال ابن ُقدامة في ُ يجز قرض الجواهر وما ال يثبت في الذمة سلماً لتعذر رد المثل ،وان ُقلنا الواجب رد القيمة .جاز ( )1 قرضه إلمكان رد القيمة ،وألصحاب الشافعي وجهان كهذين ) ونستنتج من أقوال الفقهاء لدى المذاهب األربعة بخصوص الشرط األول ما يلي : المقترض مثله وهذا باتفاق الفقهاء واجماعهم . المقرض مثلياً وأن َي ُرهد ُ .1أن يكون المال ُ .2ذهب جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية ،باإلضافة إلى صحة َق ِ رض المثليات إلى القرض لديهم إال جواز إقراض القيميات كالحيوان وغيره ،وقد اختلفوا مع الحنفية الذين ال يصح ُ بالمثليات ،وقد استدل جمهور العلماء لما ذهبوا إليه بنظرتين وهما : ُ رض َب ْك اًر ،والذي ورد في الحديث الشريف المروي صح عن النبي من أنه استَْق َ ما َ ()2 عن أبي رافع الب ْكر ليس مكيالً أو ـ وِق ْي َس غيره عليه ـ ووجهة االستدالل :أن َ حصل ِف ْع ُل االقتراض من موزوناً ،وبالرغم من ذلك ،لكن َ الرسول كالمثلى يعني ِ مثله في أن ما ثبت سلماً ُيملك بالبيع ُ ويضبط بالوصف ،فأصبح ُ رض ُه . األسواق ، فجاز َق ُ وفي ما يصح فيه القرض لدى فقهاء ومذاهب أخرى ،قال السيد سابق (( :يجوز قرض قرض ما كان مكيالً أو موزوناً ،أو ما كان من عروض التجارة ،كما الثياب والحيوان ،ويجوز ُ يجوز قرض الخبز والخمير(.)3 القرض جائز في الجواري والعبيد والدواب والدور واألرضين قال ابن حزم في المحلى (( :و ُ ِ ِ ِ َج ٍل م َس ًّمى﴾[ البقرة :آية ]282فعمم تعالى وغير ذلك لعموم قوله تعالى ﴿ :إ َذا تََد َاينتُم ب َد ْي ٍن إَلى أ َ ( )1المغني ،ابن قدامة المقدسي ،ج/4ص.350 ) (2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ،حديث رقم ( ،)4084ج37/ 11 ) )3فقه السنة ،السيد سابق ،المجلد الثالث ،ص.147 32 التخصيص في ذلك بالرأي الفاسد بغير قرآن وال سنة ،وقولنا في هذا هو ولم يخص ،فال يجوز ُ قول المزني وأبي سليمان ومحمد بن جرير وأصحابنا))(.)1 ٍ اء أكان فذهب ابن حزم وبعض الفقهاء بهذا القول إلى أنه يجوز إقر ُ اض كل شيء ،سو ٌ تحل . للمقترض أو لم يكن ُ اء أكان حيواناً أو جارية ُ مما يضبط بالصفة أو لم يكن ،وسو ٌ تحل ُ الشرط الثاني ( :أن يكون عيناً ) : عيناً أي معناه عدم صحة إقر ِ اض المنافع ،وفي ذلك قال الحنابلة وهو ظاهر كالم كثير ( )2 السلم ، السلم فيه صح ُ يصح بها َ قرضه ،والمنافع ال ُ من أصحاب المذهب حيث قالوا :ما صح َ وان عدم صحة إقراض المنافع جاء من مخالفته للعرف وما تعود عليه الناس من التعامل فأُعتُبر مستند للمنع حيث عبر الشيخ البهوتي عنه بقوله (( :وال ِ يص ُح قرض المنافع ألنه غير ذلك ٌ معهود))( ، )3أي بغير ُعرف الناس وعادتهم. أن شيخ اإلسالم اإلمام تقي الدين بن تيمية من شيوخ الحنابلة خالف هذا الرأي من غير َ ويحصد معه اآلخر يوماً ،أو يحصد معه يوماً الحنابلة ،فقال (( :يجوز ُ ُ قرض المنافع ،مثل أن ُ ِ لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات األمثال ، يسكنه اآلخر دا اًر ُليسك َنه اآلخر بدلها َ . رد المثل حتى يجب على المشهور في األخرى القيمة ، ويتوجه في المتقوم أنه يجوز ُ َ ( (4 بتراضيهما)) ( )1المحلى ،بن حزم ،ج.82/8 ( )2اإلنصاف ،المرداوي ،ج.125/ 5 ( )3كشاف القناع ،البهوتي ،ج.314/ 3 ) (4االختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ،البعلي ،مطبعة السنة المحمدية ،مصر 1396 ،هـ ،ص ، 131وانظر الفقه اإلسالمي وأدلته ،الزحيلي ،دار الفكر ،دمشق ،ط ، ،1989 ، 3ج ، 4ص.723 33 أما بالنسبة للحنفية فكان أساس عدم صحة إقراض المنافع لديهم ومنعها هو :أن القرض إنما َي ِرُد على دفع مال مثلي آلخر ُليرهد مثله ( ،)1وحسب مذهبهم فإن المنافع ال تُعد أمواالً لديهم ، يجوز إقراض المنافع لدى الحنفية . وعلى هذا فال ُ تحدث شيئاً فشيئاً ،وآناً فآناً ، اض ُ غير قابلة لإلحراز واالدخار ،إ ْذ هي أعر ٌ فالمنافع ُ ُ يصح َج ْع ُل المنافع يحد ُث منها غير الذي ينتهي ،ومن أجل ذلك لم وتنتهي بانتهاء وقتها ،وما ُ َ محالً لعقد القرض (.)2 محل القرض عيناً ،ولكنهم أما الشافعية والمالكية فلم يشترطوا في باب القرض أن يكون َ اشترطوا في الشيء المقرض أن يكون مما يصح فيه السلم فوضعوا معيا اًر لما ِ يصح إقراضه ،وفي َ ُ السلم في المنافع كما هو الشأن في األعيان باب السلم نصوا على جواز َ ( )3 ،فنستنتج من ذلك السلم فيه المنضبط بالوصف بمقتضى ما موجود الكالم صح َة إقراض المنافع فهي ضمن ما يجوز َ في قواعد مذهبهم. ه ولكن هناك قوالً ألحد الشافعية منفرداً ُيبعد المنافع من صحة اإلقراض حيث قال النووي يجوز السَل ُم فيها))(، )4 يجوز إقراض المنافع ،ألنه ال ُ نقالً عن القاضي حسين في الروضة (( :وال ُ السلم يؤخذ من تعليله أن محله في منافع العين المعينة ،أما التي في الذمة فيجوز إقراضها لجواز َ فيها ( .)5وهذا تعليل الشافعية لذلك القول . الشرط الثالث ( أن يكون معلوماً) : ) (1رد المحتار وحاشية ابن عابدين ، ،ج.171/ 4 ) (2عقد القرض ،نزيه حماد ،ص.37 ( )3أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ،ج ، 123/ 2الخرشي وبهامشه حاشية العدوي عليه ،ج.203/ ) )4روضة الطالبين ،النووي ،ج.33/ 4 ) (5مغني المحتاج على متن منهاج الطالبين ،الشربيني ،ج.155/ 2 34 المقرض ضرورية ألجل صحة العقد ،فعلى هذا القول(يشترط اشتراط معلومية أو قدر المال ُ في محل القرض أن يكون معلوم القدر عند القرض ،كيالً أو وزناً أو عدداً أو ذرعاً ُليتَمكن من رد ( )1 المقرض. بدله) ،وهذا ما سنوضحه من خالل أقوال الفقهاء في خصوص معلومية المال ُ قال ابن حزم في المحلى (( :كل ما ُيمكن وزنه أو كيله أو عدده أو ذرُعه لم َي ُجز أن رده ،فيكون أكل ٍ مال بالباطل))(.)2 ُيقرض جزافاً ،ألنه ال يدري مقدار ما َي َلزُمه أن َي ُ ُ ِ ثل ،كالمكيالت والموزونات والعدديات وقال الكاساني (( :أن يكون القرض مما له م ٌ المتقاربة))( .)3وقال الحنفية أيضاً (( :يجب أن يكون القرض معلوم القدر عند قبضه ؛ لئال يتعذر الوفاء به ،أو يكون سبباً للخالف أو سوء الظن .واذا كان المتعاقدان ممن يتسامحان ،أو كانت ( )4 مادة القرض مما ُيتساهل به الناس ،فيكفي تقديرها في الذهن ولو تخميناً)) قدر أو يكون معروف الصفة ، قرض ،وهو أن يكون مما ُي ّ الم َ وهذا رأي الحنفية في الشيء ُ ِ اضه حتى يمكن رد بدله وال يص ُح لديهم عقد القرض بدون اشتراط المثلية وهي معلومة ما تم إقر ُ بدون أي خالف . ٍ ض ُه دراهم أقر َ وعند الشافعية ،قال الشيرازي (( :ال يجوز إال في مال معلوم القدر ،فإن َ يعرف كيله ،لم يجز ألن القرض يقتضي رد ِ ال يعرف وزنها أو طعاماً ال ِ المثل ،فإذا لم يعلم ُ ُ ُ َُ القدر لم ُيمكن القضاء)) ( )5 ،وقيل :وال يصح القرض إال في ٍ مال معلوم ،ألنه إذا لم يعلم ( المقترض ) قدر ذلك لم ُيمكنه القضاء( .)6وقد جاء في أسنى المطالب يحدد المال المعلوم بالقدر ُ ) )1فقه المعاوضات ،مصطفى البغا ،ج.63/2 ) (2المحلى ،بن حزم ،ج.83/ 8 ()3بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.517/ 6 ) )4المفصل في الفقه الحنفي( األموال والمعامالت المالية) ،محمد ماجد عتر ،مكتبة دار المستقبل ،حلب ،ط ، 2005 ،1ص.57 ) (5المهذب ،الشيرازي ،ج.303/ 1 ( )6المجموع شرح المهذب ،النووي ،ج260/ 12 35 والصفة كشرط لصحة القرض (( :يشترط لصحة اإلقراض ِ الع ُلم بالَق ْدر والصفة ليتأتى أداؤه ،فلو ُ ويرد مثله صح))(. )1 أقرض ُه كفاً من دراهم لم أقرض ُه على أن ُيستبان مقداره َ ، يصح ،ولو َ َ َ وقد استثنى الشافعية من اشتراط كون معلوم القدر ما َس هموه بالقرض محل القرض ّ َ الحكمي والمراد به :اإلنفاق على اللقيط المحتاج واطعام الجائع وكسوة العاري ،وقد مررنا على ذكره سابقاً في تعريف القرض لدى الشافعية ،فلم ُيوجبوا معرفة القدر فيه ألجل صحة القرض (.)2 يصح القرض إال بآلة الكيل المعروفة بين الناس ِ ، وقال المالكية :ال ِ وآلة الوزن المعروفة ( )3 بين الناس أيضاً ـ كالكيلة والربع والقدح ـ والرطل واألوقية المعلومة ،وهنا المالكية اعتبروا تعيين ن المقرض معلومية للكيل أو الوز بآالت معروفة ومعلومة لدى الناس ،حتى يتم تقدير وتقويم المال ُ . المْق َرض ،قال وقد ربط الحنابلة اشتراط صحة عقد القرض ،بمعرفة قدر ووصف الشيء ُ ( )4 ذكره العالمة المرداوي حين ويشترط معرفة قدر القرض ووصفه)) ،ونفس الكالم َ البهوتي ُ (( : ُ قال ُ (( :يشترط في صحة القرض معرف ُة ْقدرهُ ٍ ووصفه ))(.)5 بقدر معروف ُ اقترض دراهم أو وعلة هذا االشتراط لديهم ،قد َبينها ابن قدامة المقدسي بقوله (( :واذا َ المثل لم عرف ألن القرض فيها يوجب َ غير معروفة الوزن لم يجز َ ، ُ رد المثل ،فإذا لم ُي َ دنانير َ ُ ِ ٍ بعينه أو بمكيال ُيمكن القضاء ،وكذلك لو َ اقترض مكيالً أو موزوناً جزافاً لم َي ْج ُز ذلك .ولو َقد َرهُ ( )1أسنى المطالب ،األنصاري ،ج.141/ 2 ) )2نهاية المحتاج وحاشية الرشيدي عليه ،الرملي ،ج.223/ 4 ) (3الفقه على المذاهب األربعة ،الجزيري ،ج.207/2 الروض المربع شرح زاد المستنقع ،البهوتي ،ص.314 )( 4 ُ ) (5اإلنصاف ،المرداوي ،ج.123/ 5 36 ٍ رد المثل ، لف ذلك ،فيتع َذ ُر ُ يأم ُن َت َ صنجة بعنيها ُ غير معروفين عند العامة لم يجز ؛ ألنه ال َ الس َلم في ِم ْثل ذلك))(.)1 فأشبه َ ونالحظ مما سبق ذكره عن اشتراط معلومية محل القرض لدى الفقهاء أنها تتضمن شقين -: ُ الشق األول هو أن تكون ذات قدر معين الشق الثاني هو أن تكون ذات صفة محددة يصح اإلقراض ففي حالة عدم وجود أي من األمرين يصبح عقد القرض غير جائز ،وال ٌ بتلك الحالة ،الن احد شروطها األساسية والذي نص عليه الفقهاء مفقود ،والدافع هو حتى يتمكن للمقرض ،وعلى ذلك اتفق الفقهاء كما بينا وال خالف بينهم فيه . المقترض من رد البدل المماثل ُ ُ المغني ،المقدسي ،ج.352،351/ 4 )ُ ( 1 37 المبحث الثاني توثيق القرض الحسن شرع اإلسـالم أمو اًر صانت العقود من التحريف وحفظت الحقوق من الجحود فصـارت المعامالت أكثر نشاطاً ،فكانت وسائل التوثيق على النحو التالي : -1الكتابة : الكتابة هي من أهم الوسائل لحفظ المعلومات من الضياع أو التحريف ،وقد استخدمها اإلنسان عبر التاريخ فهي قديمة بقدمه .وجاء القرآن فأعلى من شان الكتابة ،فكان أول اآليات نزوالً ﴿ :ا ْق َْأر َوَرب َك ْاأل َْك َرُم هالِذي َعهل َم ِباْلَقَل ِم﴾]العلق :اآلية. ]3،4 وأوصانا بكتابة الديون المترتبة على المعامالت وذلك حفظاً للحق من الضياع ،فقال هِ ين ءامُنوا ِإ َذا تََداي ْنتُم ِب َدي ٍن ِإَلى أ ٍ َ ْ ْ َ َجل ُم َس ًّمى َفا ْكتُُبوهُ سبحانه في أطول آية في القرآن َ ﴿ :ياأَي َها الذ َ َ َ ِ ِ ِ ِ َّللاُ َفْل َي ْكتُ ْب َوْلُي ْملِ ِل الهِذي َعَل ْي ِه اْل َحق َن َي ْكتُ َب َك َما َعهل َم ُه ه ْب َكات ٌب أ ْ َوْل َي ْكتُ ْب َب ْي َن ُك ْم َكات ٌب باْل َع ْدل َوالّ َيأ َ ِ َّللا ربهه والّ يبخس ِم ْنه َشيًئا َفِإن َكان هالِذي عَلي ِه اْلحق س ِفيها أَو ِ َن ُي ِم هل يع أ ْ َْ َ َ ً ْ َ ُ ْ ْ َ َوْل َيته ِق ه َ َ ُ َ َ ْ َ ْ ضع ًيفا أ َْو الّ َي ْستَط ُ ِ ِ ِ ِ ام َأرَتَ ِ ان ِم هم ْن استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن م ْن ِر َجالِ ُك ْم َفِإ ْن َل ْم َي ُك َ ونا َرُجَل ْي ِن َف َرُج ٌل َو ْ ُه َو َفْلُي ْمل ْل َولِي ُه باْل َع ْدل َو ْ ِ ِ ِ ِ اء ِإ َذا َما ُد ُعوا َوالّ اه َما ْاأل ْ ض ْو َن م َن الش َه َداء أ ْ تَ ْر َ اه َما َفتُ َذ ّك َر ِإ ْح َد ُ َن تَض هل ِإ ْح َد ُ ُخ َرى َوال َيأ َ ْب الش َه َد ُ َّللاِ وأَْقوم لِ ه ِ ير ِإَلى أَجلِ ِه َذلِ ُكم أَْقس ُ ِ ه ه َن ير أ َْو َكِب ًا ص ِغ ًا لش َه َادة َوأ َْد َنى أَال تَ ْرتَ ُابوا ِإال أ ْ َموا أ ْ َ ْ َ َن تَ ْكتُُبوهُ َ تَ ْسأ ُ ط ع ْن َد ه َ َ ُ ِ ِ ِ ه ض هار وها َوأ ْ تَ ُكو َن ت َج َارًة َحاض َرًة تُد ُير َ َش ِهُدوا ِإ َذا تََبا َي ْعتُ ْم َوال ُي َ اح أَال تَ ْكتُُب َ ون َها َب ْي َن ُك ْم َفَل ْي َس َعَل ْي ُك ْم ُج َن ٌ ٍ ِ ِ َّللا و ه ِ ِ يم ﴾]البقرة : َك ِات ٌب َوال َش ِه ٌيد َواِ ْن تَْف َعُلوا َفِإهن ُه ُف ُسو ٌق ِب ُك ْم َواتهُقوا ه َّللاُ ب ُك ّل َش ْيء َعل ٌ َّللاَ َوُي َعّل ُم ُك ُم ه ُ َ اآلية. ]282 38 وحثت السنة النبوية الشريفة على كتابة الوصية تبياناً للحقوق المتعلقة بذمة المسلم ،فعن وصي ِف ِ عبد هللا بن عمر رضي هللا عنهما أن رسول هللا قال ]:ما حق ام ِرٍئ مسلِ ٍم َله َشيء ي ِ يه َ َ ْ ُْ ُ ْ ٌ ُ ِ وب ٌة ِع ْن َدهُ](.)1 َيِب ُ يت َلْيَلتَْي ِن ِإال َوَوصيهتُ ُه َم ْكتُ َ مشروعية الكتابة وحجتها : اتفق العلماء الذين يعتد برأيهم على مشروعية الكتابة كوسيلة من وسائل اإلثبات لكثرة النصوص وصراحتها ،ولكن اختلفوا بعد ذلك في التفاصيل .هل اآلية " فاكتبوه " للوجوب و الفرضية أم للندب واإلرشـاد ؟ وهل الحجة بالكتابة المقرونة باإلشهاد أم الخالية منه ؟ على كل حال فإن الكتابة إذا استجمعت األمور التي ذكرتها اآلية فهي حجة بال ريب : (وْل َي ْكتُ ْب َب ْي َن ُك ْم َك ِات ٌب ِباْل َع ْد ِل ). .1أن يكون الكاتب عدالً معتمداً َ استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن ِم ْن ِر َجالِ ُك ْم ) . (و ْ .2توثيق الكتابة باإلشهاد َ .3أن تحتوي الوثيقة اعتراف من عليه الحق بذلـك الحق ( َفْل َي ْكــتُ ْب َوْلُي ْملِ ِل هالِذي هه َوالّ َي ْب َخ ْس ِم ْن ُه َش ْيًئا ). َعَل ْي ِه اْل َحق َوْل َيته ِق ه َّللاَ َرب ُ .4أن تحوي الوثيقة تفاصيل العقد (وال تَسأَموا أَن تَ ْكتُبوه ِ ير أَو َكِب ا ِ َجلِ ِه ير إَلى أ َ صغ ًا ْ ً َ ْ ُ ْ ُُ َ ). (واذا أردنا اختصار المعنى فنقول :إن اآلية الكريمة أمرت بكتابة الدين لدى كاتب موثوق معتمد ،مع توثيق الكتابة باإلشهاد عليها ،وهذا هو السند العادي أو العقد الرسمي الذي يستعمل اليوم في أنحاء العالم ،وانتشر استعماله في كل األمور ومن كل األشخاص ،ويعتبر سنداً في الدين ،حجة في القضاء ،يلزم صاحبه ،ويلزم القاضي بالحكم به ،مالم يثبت تزويره أو تغييره)(.)2 ) (1صحيح البخاري ،كتاب الوصايا ،باب الوصايا ،حديث رقم ( ، )2738ص.452،451 ) (2أصول المحاكمات الشرعية والمدنية ،محمد مصطفى الزحيلي ،منشورات جامعة دمشق 1993 ،م ،ص.22 39 أنواع الكتـابة : للكتابة أنواع كثيرة ذكرها الفقهاء( ،)1وقبلوا االحتجاج بها أمام القضاء ،وسنقوم بذكر أهمها: .1البراءات السلطانية :هي األوامر الكتابية التي تصدر عن الحاكم ،وتكون ممهورة بخاتم الدولة ،وموقعة من ُمصدرها ،وهي حجة أمام القاضي ؛ ألنها تصدر عن الحاكم ، وخاتم الدولة يصعب تقليده ،ويقوم جمع غفير بنقلها ،وألنها تسجل وتحفظ ،فاألمن من التزوير مقطوع به ،وتشبه في أيامنا هذه المراسيم الجمهورية أو الق اررات الو ازرية . .2كتاب القاضي إلى القاضي :وهو أن يكتب القاضي ما يسمعه من الشهادة ،أو ما يقضي به ويرسله لقاض آخر ليعمل به .ويسمى الكتاب الحكمي .وقد أجمع العلماء على العمل به فيما يتعلق باألمور المالية . .3ديوان القاضي ( :وهو الخرائط التي فيها السجالت وغيرها ألنها وضعت فيها لتكون حجة)( ،)2وتسمى المحضر أو السجل ،ويحفظهـا القاضي تحت يده أو عند أمنائه ،و اء كان بخط القاضي نفسه أم قاض سابق ، هي حجـة يجب العمل بها باتفـاق الفقهاء ،سو ٌ ولكن بشرط أن يكون موثّقاً ( .)3ويماثله في الحكم كل نص محرر صادر عن موظف رسمي إذا كان مضبوطاً بالقاعدة المالزمة لذلك كالتسجيل في الدائرة الحكومية الصادر عنها وممهو اًر وموقعاً من كاتبها . .4الكتابة التي تتضمن الشهادة أو اإلقرار :وتتضمن الوثيقة اعتراف الكاتب بالـحق على نفسه أو بشهادتـه ،واشترط العلماء لقبولها اعتراف الكاتب بخطه . ) (1رد المحتار على الدر المختار ،ج ،413/ 4ج. ، 89/ 7المبدع في شرح المقنع ،ابن المفلح ،المكتب اإلسالمي ،دمشق ، 1980 ،ج ،10ص ، 103فتح القدير ،الشوكاني ،ج.286/ 7 ) (2الهداية شرح بداية المبتدي ،المرغياني ،المكتبة اإلسالمية ،بيروت ،ج.102/ 3 ) )3البحر الرائق شرح كنز الدقائق ،ابن نجيم ،دار الكتب العربية الكبرى ،مصر 1333 ،هـ ،ج ،6ص. 299 40 .5دفاتر البياع أو السمسار :فما وجد في دفاترهم يكون حجة عليهم وليس حجة على غيرهم ،ويجب العمل بما فيها صيانة لحقوق العباد ( )1 . .6الرسـائل :وقد اتفق الفقهاء على حجية الرسائل في اإلثبات بين الغائبين ،وصرحوا بالقاعدة الفقهية المشهورة ( )2 " :الكتاب بين الغائبين ،كالخطاب بين الحاضرين" ،يقول صاحب البحر الرائق ( :وهو أن يكتب في صدره من فالن بن فالن على ما جرت به العادة في سير الكتب فيكون هذا كالنطق فيلزم حجة)(.)3 .7صكوك العقـود :وهي األوراق التي تدون فيها العقود مع التوقيع واإلشهاد ،وتذكر فيه الشروط وتفاصيل العقد ،ومتى ثبت الكتاب أمام القاضي صار حجة لصاحب الحق بال خالف عند الفقهاء . ومن كل ذلك نرى أن الكتابة منها ما يكون صاد اًر عن جهة رسمية كالقضاء ومثله الق اررات الو ازرية والمراسيم الجمهورية وأشباهها من الوثائق التي تحمل خاتم الدولة ؛ تكون حجة أمام القضاء . ومنها ما يكون موثقاً بالشهادة كالصكوك ـ وهذه تقبل أمام القضاء إلثبات الحق لصاحبها ـ ومنها ما يكون غير موثق بالشهادة أو بخاتم الدولة وانما تكون بخط صاحبها فهي حجة عليه وليس له ،كدفاتر التجار والرسائل و االعتراف المدون على وثيقة . كل هذه طرق لحفظ الحقوق المالية ـ ومن أهمها القرض ـ من الضياع و الجحود والنكران . وأفضل طريقة هي ما أمرت به اآلية القرآنية من تدوين العقد وتوثيقه بالشهادة على يد كاتب بالعدل ،الذي يطلق عليه اآلن نفس التسمية القرآنية ( أي التوثيق عند كاتب العدل ). ) (1مجلة األحكام العدلية ،جمعية المجلة ،تحقيق :نجيب هواويني ،طبعة كارخانة تجارت كتب ،ص.318 ) (2مجلة األحكام العدلية ،جمعية المجلة ،ص.24 ) (3البحر الرائق ،ابن نجيم ،ج. 544/ 8 41 -2اإلشهاد: الشهادة هي طريقة أخرى لتوثيق الدين وحفظه من الضياع ،لذلك جعل هللا سبحانه الشهادة حقاً له فقال ﴿ :وأ َِقيموا ه الش َه َاد َة ِهلِلِ﴾[ الطالق :اآلية ،]2وحث عز وجل عليها حفظاً َ ُ ه ونا َرُجَل ْي ِن استَ ْش ِهُدوْا َش ِه َيد ْي ِن من ِّر َجالِ ُك ْم َفِإن ل ْم َي ُك َ للحقوق من الضياع و دفعاً للتنازع فقال َ ﴿ :و ْ ِ َفرجل وام أرَتَ ِ ِ ْب ان م همن تَ ْر َ ض ْو َن م َن الش َه َداء﴾[البقرة :اآلية ، ]282وقال في نفس اآلية َ ﴿ :والَ َيأ َ َ ُ ٌ َ َْ َش ِهُد ْوْا ِإ َذا تََب َاي ْعتُ ْم﴾ ،وقال تعالى َ ﴿ :والَ تَ ْكتُ ُموْا الش َه َداء ِإ َذا َما ُد ُعوْا﴾ ،وذكر هللا فيها قولهَ ﴿ :وأ ْ ِ ه الشه َاد َة ومن َي ْكتُمها َفِإهن ُه ِآثم َقْلُب ُه و ّ ِ يم﴾[البقرة :اآلية ، ]283وقال تعالىَ﴿:فِإ َذا َّللاُ ب َما تَ ْع َمُلو َن َعل ٌ ٌ َ َْ َ ََ َش ِهُدوا الِلِ َح ِس ًيبا﴾[النساء :اآلية ،]6وقال تعالى َ ﴿ :وأ ْ َدَف ْعتُ ْم ِإَل ْي ِه ْم أ َْم َواَل ُه ْم َفأ ْ َش ِهُدوْا َعَل ْي ِه ْم َوَكَفى ِب ّ نك ْم ﴾[الطالق :اآلية.]2 َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ ِ القاطع ،والبينة ، الخ ُبر والشهادة في اللغة :أن يخبر بما رأى ،وأن ُيقر بما علم ،و َ ُ ومجموع ما يدرك به الحس(.)1أما اإلشهاد فهو الحضور والمعاينة مأخوذ من المشاهدة(.)2 حكم اإلشهاد :ندب الشرع اإلشهاد وحض عليه .نصاب الشهادة َ :ي ْثُب ُت الحق أمام القضاء بشهادة رجلين قد استوفيا شروط الشهادة . قال اإلمام القرافي (:ما علمت عندنا وال عند غيرنا خالفاً في قبول شهادة مسلمين عدلين ()3 نك ْم﴾ .وينوب في الدماء والديون ) ؛ وذلك اعتماداً على اآلية القرآنية َ ﴿ :وأ ْ َش ِهُدوا َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ عنها شهادة رجل وامرأتين ،وذلك على الخيار بين الحالتين ،فال يشترط وجود مانع لمشاركة النساء بدل الرجلين ،لقوله تعالى َ ﴿:فِإن َلم ي ُكونا رجَلي ِن َفرجل وام أرَتَ ِ ِ ض ْو َن ِم َن الش َه َد ِاء ان م هم ْن تَ ْر َ ْ ْ َ َ َ ُ ْ َ ٌ َ َْ أ ِ ِ اء ِإ َذا َما ُد ُعوا﴾. اه َما ْاأل ْ ْ اه َما َفتُ َذ ّك َر ِإ ْح َد ُ َن تَض هل ِإ ْح َد ُ ُخ َرى َوال َيأ َ ْب الش َه َد ُ ) )1القاموس الفقهي ،سعدي أبو الجيب ،ص.203 ) )2رد المحتار ،ج.461/ 5كشاف القناع ،البهوتي ،ج ، 404/ 6مغني المحتاج ،الشربيني ،ج. 426/ 4حاشية الدسوقي ،عرفة الدسوقي ،تحقيق :محمد عليش ،بيروت ،دار الفكر ،ج ، 4ص، 164 ) )3أنوار البروق في أنواع الفروق ،القرافي ،دار إحياء الكتب العربية ،مصر 1344 ،هـ ،ج ، 4ص . 86 42 عادة عن العقود والمعامالت في المجتمع اإلسالمي ونابت المرأتان عن الرجل لبعد النساء ً ،فكانت عرضة للنسيان. ( )1 شروط الشهود :يجب على من يريد اإلشهاد لحفظ حقه من الضياع أو الجحود أن يتحرى توفر الشروط التالية في الشهود لتكون شهادتهم صحيح ًة مقبولة عند القاضي : استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن ِم ْن ِر َجالِ ُك ْم ﴾ وألن في الشهادة والي ًة على المشهود. .1اإلسـالم َ ﴿ :و ْ .2العقل والبلوغ :وهما سبب في تحري الصواب و الحق ،والصبي والمجنون ال يدركان عواقب الكذب ،كما أنه ال مسؤولية عليهما. .3البصر والتيقظ :أن يكون متيقظاً حافظاً لما يشهد به فإن كان مغفال أو معروفا بكثرة الغلط لم تقبل شهادته . .4العلم بالمشهود به :أي أن يشاهد بعينه و يكون حاض اًر للعقد ؛ لهذا ال يصح أن يشهد على ظنه و إنما يشهد على يقين ،فعن ابن عباس ، قال :سئل النبي عن الشهادة ، قال [ :هل ترى الشمس ؟ » قال :نعم .قال :على مثلها فاشهد أو دع](.)2 نك ْم﴾ ( ،وجملته أن ال َع ْد َل هو الذي تعتدل أحواله في دينه .5العدالة َ ﴿ :وأ ْ َش ِهُدوا َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ وأفعاله قال القاضي يكون ذلك في الدين والمروءة واألحكام أما الدين فال يرتكب كبيرة وال ()3 هِ اءكم َف ِ ِ اس ٌق ِب َن َبأ َفتََبيُهنوا يداوم على صغيرة) ،قال عز وجل َ ﴿ :يا أَي َها الذ َ آمُنوا إن َج ُ ْ ين َ ِ ٍ ِِ ِ ين﴾[الحجرات :اآلية ، ]6والفاسق ال صِب ُحوا َعَلى َما َف َعْلتُ ْم َنادم َ أَن تُص ُيبوا َق ْو ًما ب َج َهاَلة َفتُ ْ يتورع عن شهادة الزور والقول الباطل . ) (1المغني ،بن قدامة المقدسي ،ج166/ 10 ) (2شعب اإليمان ،البيهقي ،دار الفكر ،بيروت ،باب فيما يقول العاطس ،ج ، 22ص363 )) 3المغني ،ابن قدامة المقدسي ،ج. 169/ 10 43 هِ ين َي ْرُمو َن .6أال يكون محدوداً بقذف :وذلك لقوله تعالى عن الذين يقذفون بغير بينة َ ﴿:والذ َ ِ ِ اْلمحصن ِ ات ثُ هم َلم يأْتُوا ِبأَربع ِة ُشهداء َف ِ ك ُْ ََ ََْ ََ وه ْم ثَ َمان َ ين َجْل َد ًة َوَال تَْقَبلُوا َل ُه ْم َش َه َاد ًة أ ََبًدا َوأ ُْوَلئ َ اجلُد ُ ْ ْ َ هم اْلَف ِ اسُقو َن﴾[النور :اآلية .]4ومن ال يتورع عن الوقوع في أعراض الناس ال يتورع عن ُُ التعدي على أموالهم وأماناتهم . .7أال يكون متهماً بقرابة :كاألصول من مثل األب و الجد واألم ،والفروع كاالبن أو كل من الزوجين لألخر .أو شهادة أحد الشريكين لآلخر أو متهماً بخصومة. -3الكفالة ( )1 الكفالـة في اللغة :هي الضمن والضمان ،والكفيل :الكافل والضامن ،ومعناها في الشرع كما قال األحناف :هي ( ضم ذمة الكفيل إلى ذمة األصيل في المطالبة )( .)2وعند الشافعية ( :االلتزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونه)(.)3 مشروعيتها : ثبتت مشروعية الكفالة بالمال في القرآن والسنة وأجمعت عليها األمة . في القرآن : ال َل ْن أ ُْرِسَل ُه َم َع ُك ْم َحتهى قال هللا تعالى مخب اًر على لسان نبيه يعقوب أنه قال لبنيه َ ﴿:ق َ ِ َّللاِ َلتَأْتُهنِني ِب ِه ِإاله أَن ُيحا َ ِ ِ ول ال ّ تُ ْؤتُو ِن َم ْوِثًقا ّم َن ّ َ َّللاُ َعَلى َما َنُق ُ ط ب ُك ْم َفَل هما آتَ ْوهُ َم ْوثَق ُه ْم َق َ ِ يل﴾[يوسف :اآلية. ]66 َوك ٌ ) (1القاموس الفقهي ،سعدي أبو الجيب ،ص.333 ) (2رد المحتار على الدر المختار ،ج. 282 / 5 ) (3مغني المحتاج ج.198 / 2 44 ِ ِِ ِ اع اْلملِ ِك ولِمن َجاء ِب ِه ِح ْم ُل َب ِع ٍ يم﴾[يوسف : ير َوأ ََن ْا به َزع ٌ ص َو َ َ َ َ قال عز وجل َ ﴿ :قاُلوْا َنْفقُد ُ اآلية ، ]72ومعنى (زعيم :ضامن) .وهذا استدالل يتفق مع قول من قال أن شرع من قبلنا َش ْرعٌ لنا . في السنة : ازة لِي ِ ِ ِ ٍ ال َ [ :ه ْل َعَل ْي ِه ِم ْن َد ْي ٍن؟] صّل َي َعَل ْي َها َفَق َ عن سلمة بن األكوع أن النبي أُت َي ب َج َن َ ُ َ ِ ِ ال َ [ :ه ْل َعَل ْي ِه ِم ْن َد ْي ٍن؟] َقاُلوا َ :ن َع ْم ، صهلى َعَل ْيه ،ثُ هم أُت َي ِب َج َن َازٍة أ ْ ُخ َرى َفَق َ َفَقاُلوا :ال َ ،ف َ احِبكم] َ .قال أَبو َقتادة :عَلي دينه يا رسول ه ِ ِ صهلى َعَل ْي ِه )(.)1 َ ُ َ َ َ َ ه َ ُْ ُ َ َ ُ َ َق َ ص ُْ َّللا َ ،ف َ صلوا َعَلى َ ال َ [ : أما اإلجماع : فقد ورد في المغني ( :أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة وانما اختلفوا في فروع)( .)2وفي مشروعيتها من الحكمة ما ال يخفى على المتأمل ؛ من سد حاجة كبيرة للناس في استقرار معامالتهم بتوثيقها ،وزيادة حركة العقود في السوق بزيادة إقدام المتعاقدين على عقودهم . أركان الكفالة : .1 الكفيل :وهو الضامن الذي يلتزم بأداء الحق ،ويشترط له أهلية التبرع بأن يكون بالغاً عاقالً رشيداً. .2 المكفول له :وهو الطرف الذي يستحق الدين ،واشترط أكثر العلماء معرفته للكفيل . .3 المكفول عنه :أي المدين وهو األصيل الذي يلزمه دفع الدين .واشترط األحناف معرفته للكفيل بخالف الشافعية الذين قالوا بجواز كفالة المجهول ولكنهم شرطوا أن يكون مديناً . ) )1صحيح البخاري ،كتاب الكفالة ،باب من تكفل عن ميت ديناً فليس له أن يرجع ،حديث رقم ( ، )2295ص.367،366 ) )2المغني ،ابن قدامة المقدسي ،ج .344 / 4 45 .4 المكفول به :وهو ما وقع عليه الضمان من عين أو دين .و اتفق الفقهاء على أن يكون الدين الزماً أو آيالً للزوم ،وأن يكون الحق قابالً للتبرع .واختلفوا في معلوميته ،أو أن يكون ثابتاً حال العقد. .5 الصيغة :وهي اإليجاب والقبول بلفظ ملزم من كال الطرفين ،واكتفى بعض العلماء باإليجاب من الكفيل وحده من غير حاجة للقبول. أحكام متفرقة oال تب أر ذمة المكفول عنه بمجرد الكفالة ويحق للدائن أن يطالب كال الطرفين . oإذا أب أر الدائن ذمة الكفيل من الدين ال تب أر ذمة األصيل .و يحق له مطالبته بالدين ، واذا أب أر األصيل من الدين برأت ذمة الكفيل . -4الرهن : الرهن من أهم وسائل حفظ حق المقرض في االستيفاء ،وذلك ببيع العين المرهونة ، ِ مخاطر عدم عودة المال الذي قام بإقراضه إلى وحصوله على كامل حقوقه من دون أن يقع في المقترض . الرهن في اللغة :الحبس( ،)1قال ابن فارس :أصل يدل على ثبات شيء ُيمسك بحق أو غيره(.)2 وفي الشرع ( :جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون)(.)3 مشروعية الرهن : في القرآن : ) )1القاموس الفقي ،سعدي أبو الجيب ،ص.154 ) )2معجم المصطلحات االقتصادية ،نزيه حماد ،ص.184 ) )3الهداية شرح بداية المهتدي ،ج. 126 / 4 46 ِ وض ٌة﴾[البقرة :اآلية .]283 قوله تعالى َ ﴿ :واِ ْن ُك ْنتُ ْم َعَلى َسَف ٍر َوَل ْم تَ ِجُدوا َكاتًبا َف ِرَه ٌ ان َمْقُب َ وقوله تعالى ُ ﴿ :كل َنْف ٍ س ِب َما َك َس َب ْت َرِه َين ٌة ﴾[المدثر :اآلية . ]38أي :محبوسة وملزمة بما اكتسبته في الحياة الدنيا . ومن السنة أحاديث كثيرة منها : طع ِ ِ ِ َج ٍل َوَرَه َن ُه ِد ْرًعا عن عائشة رضي هللا عنها [ :أن النبيْ اما م ْن َي ُهود ٍّي إَلى أ َ اشتَ َرى َ َ ً ِم ْن َحِد ٍيد](.)1 هِ َّللاُ َعَل ْي ِه وسهلم ِد ْرَع ُه ِب َش ِع ٍ ير] صهلى ه وعن أنس قال َ [:وَلَق ْد َرَه َن النبي َ ََ َ ()2 ِِ ه ونا َ ،وَل َب ُن ان َم ْرُه ً وعن أبي هريرة قال :قال رسول هللا [: الظ ْه ُر ُي ْرَك ُب ِب َنَفَقته ِإ َذا َك َ ِِ ونا َ .و َعَلى هالِذي َي ْرَك ُب َوَي ْش َر ُب الهنَفَق ُة](.)3 ان َم ْرُه ً الهد ِّر ُي ْش َر ُب ِب َنَفَقته ِإ َذا َك َ وأما إجماع األمة فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن( .)4واتفق الفقهاء على أن الرهن وض ٌة﴾ فهو من األمور الجائزة وليست من الواجبة على المتعاقدين ،وأما نص اآلية ﴿َف ِرَه ٌ ان َمْقُب َ لإلرشاد وليس لإللزام ،وذلك مبين في قوله تعالى ﴿ :فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته﴾[البقرة :اآلية . ]283 أركان عقد الرهن(عند الجمهور)(:)5 ) (1صحيح البخاري ،كتاب البيوع ،باب شراء النبي بالنسيئة ،حديث رقم ( ، )2068ص.332 ) )2صحيح البخاري ،كتاب في الرهن في الحضر ،باب في الرهن في الحضر ،حديث رقم ( ، )2508ص.405 ) )3صحيح البخاري ،كتاب في الرهن في الحضر ،باب الرهن مركوب ومحلوب ،حديث رقم ( ، )2512ص.406 البهوتي ،ج.321/3 ) )4كشاف القناع عن متن اإلقناع ُ ، ) )5المعامالت المالية المعاصرة ،وهبة الزحيلي ،دار الفكر ،دمشق ، 2006 ،ص.82 47 .1العاقـد :والمقصود به كل من الراهن والمرتهن ،ويشترط في كل منهما أن يكون مكلفاً بالغاً عاقالً .وأن يكون غير مكره .وأن يكون من أهل التبرع ؛ فال يصح رهن المحجور عليه . .2الصيغة :ال يصح إال باإليجاب والقبول كما قرر جمهور العلماء . .3المرهون :أهم شروطه عند الجمهور هي أن يكون عيناً قابالً للبيع بتقومه وتملكه . .4المرهون به :ويشترط أن يكون ديناً أو عيناً مضمونة بنفسها . أحكام الرهن الصحيح(:)1 ِ العين المرهونة بنفسه أو بغيره ،و َم ْن َع المالك من إذا ثبت الرهن استحق الدائن َح ْب َس عجز المدين عن إيفاء كامل الدين ِب ْي َع الرهن بإذن التصرف بها إلى حين استيفاء الحق .فإن َ المدين أو بإذن القاضي ،وأخذ الدائن حقه كامالً ،ورد الباقي لصاحبه . أحكام الرهن الباطل : يوجب رد العين لصاحبها بسبب بطالن الرهن ،وان تلفت العين ال تكون مضمونة .أما حالة فساد الرهن عند الحنفية ( )2 فتوجب الضمان على المرتهن بقدر هالك العين المرتهنة ،ويثبت حق استيفاء الدين منها . وضع الرهن تحت يد رجل عـدل(:)3 ) )1األم ،الشافعي ،ج ،191/8المغني ،ابن قدامة المقدسي ،ج.361/4 ) )2بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.154/5 ) )3فقه المعامالت ،محمد الصابوني ،ج.160،159/2 48 يحق للعاقدين أن يتفقا على وضع الرهن في يد شخص ثالث ،وتكون العين أمانة عنده إلى وقت االستحقاق ،فيبيعها بإذن العاقدين أو بأمر القاضي . وبهذا نرى أن أحكام الرهن في الشرع اإلسالمي (كغيرها من وسائل التوثيق) تحفظ للمقرض وغيره من أصحاب العقود حقهم في االستيفاء ،و تجعل األفراد في المجتمع اإلسالمي أكثر إقداماً على دفع القروض الحسنة. 49 المبحث الثالث آداب القرض الحسن ق السبل المقترض ،وتحدد ُ المقرض مع ُ إن الفقه اإلسالمي وضع خطوات تبين طر تعامل ُ المناسبة لوضع نوع م ن أحوال الود والتفاهم بين الطرفين ،وحتى ال يسود جو المنازعة والمشاحنة المعاملة ،وتلك المعايير هي آداب القرض أو الخالف ،فكان البد من وضع معايير تُحقق ُحسن ُ فسأذكرها بنوع من اإلسهاب في هذا المبحث بإذن هللا تعالى . وتلك اآلداب هي : المقترضين . اوالً – آداب التعامل مع ُ ثانياً – آداب التعامل مع المقرضين . المقترضين)) حيث ُتقسم إلى ثالثة أقسام : أوالً (( :آداب التعامل مع ُ المعسر والتجاوز عنه . )1إنظار ُ ُ )2حسن التقاضي . )3الوضع من الدين . المعسر والتجاوز عنه : .1إنظار ُ (في الكتاب) : المعسر مهلة حتى يجد ما يستطيع أن يقضي به َدينه أمر هللا تعالى أصحاب الحق بإعطاء ُ ٍ ٍ ِ ِ صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ،قال هللا تعالى في محكم آياته َ ﴿:واِن َك َ ان ُذو ُع ْس َرة َف َنظ َرةٌ إَلى َم ْي َس َرة َوأَن تَ َ ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[ البقرة :اآلية . ]280يقول الشوكاني في تفسيره ( :العسرة :ضيق الحال من جهة اليسر ،وارتفع ( ذو) عدم المال ،ومنه جيش العسرة .والنظرة :التأخير ،والميسرة مصدر بمعنى ُ بكان التامة التي بمعنى وجد ،وهذا قول سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما ،لذلك ينبغي إنظار 50 ان ُذو ُع ْس َ ٍرة ﴾ على معنى :وان كان المعسر إذا كان حقاً معس اًر ،وفي مصحف أُبهي ﴿ َوِان َك َ ُ المطلوب ذا عسرة)(.)1 ان ُذو ُع ْس َرٍة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َرٍة ﴾ هو :إذا كان المستدين معس اًر فاآلية الكريمة ﴿ َواِن َك َ ِ لمدينه :إما أن تُقضي اليسر ،ال كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم فعليكم أن تمهلوه إلى وقت ُ ( )2 واما أن تُربي المعسر إذا كان حقاً معس اًر. ،لذلك ينبغي إنظار ُ (وفي السنة) : المعسر ،وتيسير أمره نجد هناك العديد من األحاديث التي تدل على عظم ثواب إنظار ُ ومدى أهمية ذلك الفعل الكريم ،وخاصة إذا كان اإلنسان في حالة ضيق شديد ،أو إعسار عميق . فعن أبي هريرة قال :قال رسول هللا َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا َ [ :م ْن َي هس َر َعَلى ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه ابتداء ،أو بعد َو ْاآل ِخ َرِة ]( ،)3وفسر القزويني ( من يسر على ُمعسر) :بتأجيل القرض ً ()4 حلول األجل األول . عن عبد هللا بن أبي قتادة ،أن أبا قتادة طلب غريماً له ،فتوارى عنه ،ثم وجده ،فقال :إني ُم ْع ِسر ،فقال :آهلل ؟ قال :أهلل .قال :فإني سمعت رسول هللا يقول َ [ :م ْن ()5 َّللا ِمن كر ِب يو ِم اْل ِقي ِ ِ ِ س هره أ ْ ِ صُده ( امة َ ،فْلُي َنّف ْس َع ْن ُم ْعس ٍر أ َْو َي َ َ ُ َن ُي ْنج َي ُه ه ُ ْ ُ َ َ ْ ض ْع َع ْن ُه] ،وَق ْ ََ ض َمر كثي اًر مع هللا ، قسم سؤال ،أي أباهلل ؟ وباء القسم تُ ْ فقال آهلل ؟ قال :أهلل ) األول َ ومعنى َفْلُي َنِّف ْس :فليمد وليؤخر المطالبة (.)6 ) )1فتح القدير ،الشوكاني ،ج.298/1 ) (2صفوة التفاسير ،الصابوني ،دار إحياء التراث العربي ،بيروت ،ط ، 2004 ، 1ج ، 1ص.145 المعسر ،رقم الحديث( ، )2417ج .808 /2بيان درجة الحديث للتصحيح ()3سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب إنظار ُ ( )4سنن ابن ماجة ،ص. .808 ( )5صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ، ،باب فضل إنظار المعسر ،حديث رقم ( ، )3976ج. 470/10 ( )6الجامع في أصول الربا ،رفيق المصري ،دار القلم ،دمشق ،ط ،2001 ، 2ص.285 51 المعسر والثناء على من يسر عنه ،روى ُنفيع أبي داود وفي حديث آخر عن أهمية إنظار ُ ظر مع ِس ار َك َ ِ ِ ص َدَق ٌة َ .و َم ْن ،عن ُبريدة األسلمي ،عن النبي قال َ [:م ْن أ َْن َ َ ُ ْ ً ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ ِِِ ِ ِ ِ ص َدَق ٌة]( .)1و ُيوضح الرسول في حديث آخر ما أ َْن َ ظ َرهُ َب ْع َد حّله َك َ ان َل ُه م ْثُل ُه في ُك ّل َي ْو ٍم َ كيفية حال الصدقة قبل وبعد الحلول ،فقد روى أبو جعفر الطحاوي عن ُبريدة بن ِ ِ ِ ص َدَق ٌة ،ثُم ُقلت الخصيب قال :قال رسول هللا َ [ : م ْن أ َْن َ ظ َر ُم ْعس ًار َك َ ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ ِ ظره بعد ِ ِ الحل الد ْين فإذا أ َْن َ ص َدَق ٌة ؛ قال :فقال ِ:ب ُك ِّل َي ْو ٍم مالم َي ِح ْل ّ َ ِ:ب ُك ّل َي ْو ٍم م ْثُل ُه َ ِ ِ ص َدَق ٌة] فَل ُهِ ب ُك ّل َي ْو ٍم م ْثُل ُه َ ()2 روى البخاري في صحيحه عن ُحذيفة ِ ِ ِ يل ول َ [ :م َ ات َرُج ٌل َفق َ ،قال َ :سم ْع ُت الهنب هي َ يُق ُ َله :ما ُك ْنت تَُقول؟ َقال ُ :ك ْنت أُبايِع الهناس َفأَتَج هوُز عن اْلم ِ وس ِر ،وأ ِ ف َع ْن اْل ُم ْع ِس ِر ، َ َ َ ُخّف ُ ُ َ َ ُ َ ُ ُ َ َْ ُ َف ُغ ِف َر َل ُه] ()3 َ .قال أَُبو مسع ٍ ود َ :س ِم ْعتُ ُه َع ِن الهنِب ِي ، وقوله ُي ْن ِظ ُروا :قصد اإلنظار هو َْ ُ َ ّ المعسر سواء كان غنياً أم فقي اًر . على ُ سمعت قال : ُ المعسر تأتيك المغفرة من هللا ،فعن عبد الملك بن ُعمير َ وأيضاً في إنظار ُ ِ عن ُحذيفة ، عن النبي ؛ [أ ه يل َل ُه َ :ما ِربعي بن حراش ُ ،ي َح ُ َن َرُجالً َم َ دث ْ ات َ .فق َ ِِ ِ ِ ِ ِ ِ الس هك ِة َوالهنْقد َ ،وأ ُْن ِظ ُر اْل ُم ْع ِس َر. َعمْل َت؟ (َفإ هما َذ َك َر أ َْو ُذ ّك َر) َق َ ال :إّني ُك ْن ُت أَتَ َج هوُز في ّ َّللاُ َل ُه](.)4 َف َغَف َر ه المعسر ،رقم الحديث( ، )2418ج .808/ 2بيان درجة الحديث ()1سنن ابن ماجة ، ،كتاب الصدقات ،باب إنظار ُ ) (2الجامع ألحكام القرآن ،القرطبي ،ج.374/3 ) (3صحيح البخاري ،كتاب االستقراض ،باب حسن التقاضي ،حديث رقم ( ، )2391ص.384 المعسر ،رقم الحديث ( ،) 2420ج 808/2بيان درجة الحديث ) (4سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب إنظار ُ 52 ِ وعن أبي هريرة ، عن النبي قال َ [:ك َ ِ ِ ِ ال ان تَاجٌر ُي َداي ُن النه َ اس َفإ َذا َأرَى ُم ْعس اًر َ ،ق َ َّللاُ َع ْن ُه]( .)1ومعنى التجاوز َن َيتَ َج َاوَز َعهنا َ ،فتَ َج َاوَز ه لِ ِف ْت َي ِان ِه :تَ َج َاوُزوا َع ْن ُه َ ،ل َع هل ه َّللاَ أ ْ نقص يسير . والتجوز :المسامحة في االقتضاء واالستيفاء ،وقبول ما فيه ٌ المعتمد هو المعسرين ،فقد كان أساسها ُ أما نظرة و طبيعة تعامل صحابة النبي مع ُ بالسنة النبوية الشريفة المعسر والتجاوز عنه ،اتباعاً في ذلك لمنهج القرآن الكريم واقتداء ُ إنظار ُ التي سار عليها الرسول أفضل الصالة والتسليم عليه ،وسنذكر هنا مثال واحداً يوضح لنا جانباً الصحابة لهذه المسألة : من رؤية ه ِ به ، رجل لق َي ر ُ فعن ربعي بن حراش قال ( :اجتمع حذيفة وأبو مسعود ،فقال حذيفة ٌ : عملت من الخير إال أني ُكنت رجالً ذا مال ،فكنت أطالب به الناس ،فكنت أقبل فقال :ما ُ الميسور ،وأتجاوز عن المعسور ،فقال :تجاوزوا عن عبدي .قال أبو مسعود :هكذا سمعت رسول هللا ) ( )2 . كنت أُيسر على الموسر ،وأُنظر المعسر)) .وتابعه شعبة عن قال أبو مالك عن ربعي ُ ((( : عبد الملك ،عن ربعي .وقال أبو عوانة عن عبد الملك ،عن ربعي (( :أُنظر الموسر ،وأتجاوزعن ِ المعسر)))(.)3 الم ْعسر)) .وقال نعيم بن أبي هند عن ربعي (( :فأقبل من الموسر ،وأتجاوز عن ُ ُ للمقترض ، قال سعدي أبو جيب ( :إن فقهاء األمصار مجمعون على أن عدم وجود مال ُ يؤثر في إسقاط القرض إلى وقت َم ْيسرِت ِه )(.)4 المعسر نوعين من األحكام وهي : ونالحظ ونستنتج مما ورد على إنظار ُ ) (1صحيح بخاري ،كتاب البيوع ،باب من أنظر معس ار ،حديث رقم ( ، )2078ص.333 ( )2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،بان فضل إنظار المعسر ،حديث رقم ( ، )3970ج.468/10 ) (3صحيح البخاري ،كتاب البيوع ،باب من أنظر موس ًار ،حديث رقم ( ،)2077ص. 333 ) )4موسوعة اإلجماع في الفقه االسالمي ،سعدي أبو جيب ،دار الفكر ،دمشق ،ط ، 1999 ، 3ج ، 1ص340 53 بحكم الواجب وليس فقط ُمستحب ،ويبين ذلك قوله تعالى َ ﴿:واِن المعسر ٌ أمر ُ إن إنظار ُ ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َ ٍرةَ ﴾[البقرة :اآلية . ]280قال القرطبي في تفسيره اآلية : َك َ كم هللا جل وعز في ذي العسرة ،بالنظرة إلى حال الميسرة .وقال أيضاً :وحديث أبي ( َح َ قتادة ،يدل على أن رب الدين ـ القرض ُيعتبر من الدين ـ إذا علم عسرة غريمه ،أو ظنها ()1 المعسر هو الذي ال يملك السداد .فهنا َح ُرمت عليه) .وقال سيد قطب في تفسيره ُ ( : كان األمر في صورة شرط وجواب ؛ باالنتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء ) ()2 ، (وضابط اإلعسار الذي يوجب اإلنظار ،أن ال يكون له مال فائض عن حوائجه األصلية يفي به دينه .فال ُي َعد معس اًر من كانت أمواله النقدية قاصرة عن وفاء ديونه ،وله أموال أخرى غير نقدية يستطيع بيعها لوفاء دينه) ( .)3وهللا أعلم . المعسر ،الترغيب المنصوص عليه بكونه نرى في األحاديث الشريفة التي تخص إنظار ُ سبباً للنجاة في الدارين ،وصوالً إلى مقارنة فاعله بالمتصدق في االنتظار قبل حلول يكُبر في إنظاره بعد الحلول ،وهذا ما لمسناه في الدين ،وأن صدقته تتضاعف وثوابه ْ ِ ِ ِ ص َدَق ٌة . رواية بريدة األسلمي عن الرسول قوله َ [ :م ْن أ َْن َ ظ َر ُم ْعس ًار َك َ ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ ظره بع َد ِحّلِ ِه َك َ ِ ِ ِ ص َدَق ٌة]. َو َم ْن أ َْن َ َ ُ َ ْ ان َل ُه م ْثُل ُه في ُك ّل َي ْو ٍم َ .2حسن التقاضي : ) (1الجامع ألحكام القرآن ،القرطبي ،ج.375،371/3 ) (2في ظالل القرآن ،سيد قطب ،دار الشروق ،بيروت ،ط ،1992 ، 17ج،3ص.333 ) (3بيع التقسيط ،رفيق المصري ،دار القلم ،دمشق ،ط،1997 ، 2ص.106 54 حض النبي الكريم على ُحسن التقاضي ،حيث أمر صاحب الحق باالمتناع عن كل ما ِ مطالبته حهقه . يحل وقت ال ُ فقد روى عبد هللا بن يامين ،عن أَبي هريرة ،أن رسول هللا قال لِص ِ اح ِب اْل َح ِّق [ : َ اف ،أَو َغي ِر و ٍ اف و ٍ ٍ ه ِ اف]( .)1قال القزويني في تفسيره الحديث (( :في ْ ْ َ ُخ ْذ َحق َك في َعَف َ عفاف) العفاف الكف عن المحارم ،أي فليطلبه حال كونه ساعياً في عدم الوقوع في تم له العفاف أم ال )(.)2 المحارم مهما أمكن( .واف أو غير واف) أي َ حث على السماحة في التعامل وترك الخناق على الناس في المطالبة ،وذلك كما َ بدعائه للمتسامحين في البيع والشراء واالقتضاء ،فقد روى البخاري ،عن جابر بن عبد هللا ر ِ َّللاُ َرُجالً َس ْم ًحا ِإ َذا َباعَ َ ،واِ َذا َّللاُ َع ْن ُه َما ،أن رسول هللا قال َ [:رِح َم ه ضي ه َ َ ضى]( .)3ومعنى ( سمحاً) :السمح الجواد ُ ،يقال :سمح بكذا ،أي : ْ اشتَ َرى َ ،واِ َذا ا ْقتَ َ المراد هنا المساهلة (.)4 جاد ،و ُ المعسر بالمقترض ُ وهنا األمر بحسن التقاضي والسماحة في المعاملة ال يختص ُ فقط ،بل هو يشمل الموسر والمعسر سواء ،كما هو ّبين في األحاديث التي أوردناها ، ولكن الم ِ عسر يكون التقاضي منه بطريقة تعامل خاصة ،بحكم ظرفه الصعب وضيق ُ حاله . .3الوضع من الدين : ) (1سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب حسن المطالبة وأخذ الحق في عفاف ،رقم الحديث ( ، )2422ج.809/2 ( )2سنن ابن ماجة ،ج.809/2 ( )3صحيح البخاري ،كتاب ا لبيوع ،باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ،رقم الحديث ( ، )2076ص.333 ) (4التدابير الواقية من الربا ،فضل إلهي ،ص.235 55 وقبل الدخول في تفاصيل الوضع من الهدين ،يجب أن نعطي فكرة عن مفهوم الهدين ،وأسباب غموض لدى المطلع على حصوله بشكل بسيط ،لكي نحدد جزئية القرض فيه حتى ال يصبح ٌ المصطلحين . الدين ( )1 –:لغة :كل ما ليس حاض اًر ،وفي االصطالح :هو الواجب في الذمة .ويسمى َمن وجب المال في ذمته :مديناً ،ومن وجب المال لصالحه :دائناً ،وأسباب حصوله ثالثة .1 : بالعقد .2 ،باالستهالك .3 ،باالستقراض (:وال يسقط الدين إال باألداء ،أو باإلبراء أو يعفو الدائن عن المدين). المقترض الذي يعاني من وما يهمنا من الدين هو االستقراض ،فمن أجل تخفيف العبء عن ُ مشاكل تسديد ما عليه من دين وصعوبة في إيفاء كامل ما يتوجب في ذمته ،كان من األولى وضع الدين كله أو بعضه . ففي الكتاب –: نجد توضيحاً آللية وضع الدين ،حيث كانت الصورة بين ًة وقاطعة وهي بالتصدق ،حين ٍ ٍ ِ ِ صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[البقرة قال هللا تعالى َ ﴿:وِان َك َ ان ُذو ُع ْس َرة َف َنظ َرةٌ إَلى َم ْي َس َرة َوأَن تَ َ صهدُقوْا ﴾ ( أي :وان تصدقوا على :اآلية . ]280ذكر الشوكاني في تفسير قوله تعالىَ ﴿ :وأَن تَ َ معسري غرمائكم باإلبراء خير لكم ،وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برؤوس أموالهم على من أعسر ،وجعل ذلك خي اًر من إنظاره) ( )2 . ) )1الموسوعة اإلسالمية الميسرة ،إشراف محمود عكام ،دار صحارى ،حلب ،المجلد الخامس ،ص.1096،1095 ) (2فتح القدير ،الشوكاني ،ج.298/1 56 صهدُقوْا ﴾ ابتداء ،وخبره َ ﴿:خ ْيٌر﴾ ،ندب هللا تعالى وقال القرطبي في تفسيره َ ﴿( :وأَن تَ َ المعسر ،وجعل ذلك خي اًر من إنظاره ،والوضع عنه إسقاط الدين بهذه األلفاظ إلى الصدقة على ُ ( )1 عن ذمته) ،أي أن وضع الدين كله أو جزئه أفضل عند هللا تعالى من اإلنظار. في السنة –: المعسر ،وذلك ببيان فضله ، كان توجيه النبي واضحاً بخصوص وضع الدين عن ُ واعتبار ذلك الفعل هو من أبواب الخير والمعروف . ول ه ِ ِ ِ ِ ُصيب رجل ِفي عهِد رس ِ اع َها ، َّللا في ث َم ٍار ْابتَ َ قال ( :أ َ َ ُ ٌ َْ َُ َّللاِ ول ه ال َرُس ُ َف َكثَُر َد ْيُن ُه َفَق َ ِ ِ اء صهد َق الهن ُ َ [ :ت َصَّد ُقوا َعَلْيه]َ.فتَ َ اس َعَل ْيه َ ،فَل ْم َيْبُل ْغ َذل َك َوَف َ فعن أبي سعيد الخدري َّللاِ ِِ ول ه ال َرُس ُ َد ْينه َ ،فَق َ ِ ِِ س َل ُك ْم إال َذل َك](.)2 ل ُغ َرَمائه ُ [ :خ ُذوا َما َو َج ْد ُت ْم َ ،وَلْي َ اليسر صاحب النبي قال :قال رسول هللا عن أبي ُ َّللاُ ِفي ِظّلِ ِه َن ُي ِظهل ُه ه َح هب أ ْ َ [:م ْن أ َ ِ ِ ِ ض ْع َل ُه]( .)3فإن اإلنظار ُيمكن اإلنسان من الوقوف في ظل هللا ، َفْلُي ْنظ ْر ُم ْعس ًار ،أ َْو ل َي َ وهو خير مآب في دار اآلخرة . وعن عمرة بنت عبد الرحمن ،قالت :سمعت عائشة تقول ( :س ِمع رسول ه ِ ص ْو َت َ ُْ َ َ َُ ُ َ ُ َّللا َ ٍِ ِ ِ ِ اآلخ َر َوَي ْستَ ْرِفُق ُه ِفي َشي ٍء َ ،و ُه َو َحُد ُه َما َي ْستَ ْوض ُع َ َص َواتُ ُهم َ ،واِ َذا أ َ صو ٍم باْل َباب َ ،عال َية أ ْ ُخ ُ ْ َّللاِ ال أَْفعل َ ،فخرج عَلي ِهما رسول ه ِ ّللا ال َي ْف َع ُل ول َ :و ه ال [ :أَْي َن اْل ُم َتأَلي َعَلى َّ َّللا َ فَق َ ََ َ َ ْ َ َ ُ ُ َُ َيُق ُ اْلمعروف؟] َفَقال :أَنا يا رسول ه ِ ِ َح هب)((.)4إذا :كلمة للمفاجأة .أحدهما : َ ُْ َ َّللا َفَل ُه أَي َذل َك أ َ َ َ َ َُ َ مبتدأ ،خبره :يستوضع .ويستوضع :يطلب منه أن يرفق به في التقاضي ،يسترفقه : ) (1الجامع ألحكام القرآن الكريم ،القرطبي ،ج.375،374/3 ( )2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب استحباب الوضع من الدين ،حديث رقم( ، )3958ج ، 463،462/10سنن أبي داود ،كتاب البيوع واالجارات ،باب وضع الحائجة ،حديث رقم حديث رقم ( ، )3469ج ، 744/3سنن النسائي ،كتاب البيوع ،باب وضع الحوائج ،حديث رقم ( ، )4530ج ، 265/7تحفة األحوذي بشرح الترمذي ،كتاب الزكاة ،باب ما جاء من تحل له الصدقة من الغارمين وغيرهم ،حديث رقم ( ، )655ج.362/3 ( )3سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب إنظار المعسر ،حديث رقم ( ، )2419ج/2ص.808 ( )4صحيح البخاري ،كتاب الصلح ،باب هل يشير اإلمام بالصلح ،حديث رقم ( ،)2705ص. 442 57 يطلب منه أن يرفق به في التقاضي ،فله أي ذلك أحب :هذا من جملة مقول المتألي ،أي فلخصمي ما أحب من الوضع أو الرفق)(.)1 قال النووي في شرح الحديث ( :واأللية :اليمين .وفي هذا كراهة الحلف على ترك الخير ،وانكار ذلك ،وأنه يستحب لمن حلف ال يفعل خي اًر أن يحنث ،فيكفر عن يمينه ،وفيه شفاعة إلى أصحاب الحقوق ،وقبول الشفاعة في الخير)(.)2 حسن المقترضين من حيث ُ ونالحظ بعض المالحظات مما ورد آنفا بخصوص التعامل مع ُ الوضع في الكتاب والسنة : التقاضي و ُ حث القرآن الكريم على نقطة رئيسية ومهمة ،أن ما يكون من فعل اإلنسان الواضع من صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم المقرض بقوله تعالى َ ﴿ :وأَن تَ َ الدين ،هو أفضل لدى المؤمن ُ تَ ْعَل ُمو َن﴾ ،وقد دخل الوضع من الدين هنا معنى التصدق ،قال سيد ُقطب في تفسيره : ( فاهلل يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه ؛ إن تطوع بهذا الخير .وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين ،وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة ،لو كان يعلم ما يعلمه هللا من سريرة هذا األمر) ()3 ،وهذا أيضاً ما دل عليه َحث الرسول على هذا المبدأ بقوله : صهدُقوا َعَل ْي ِه] . [تَ َ هناك أمر آخر هو داللة اآلية واألحاديث ،على منطق هو أخذ الدين (القرض) بلين ورفق وعفاف ،واالمتناع عن استخدام أسلوب الغلظة والجفاف في أخذ الحق ،وأن الرحمة ستنزل على من يقتضي برحابة وسماحة ،وهذا ما بيهنه قول الرسول ُ [ خ ْذ َحهق َك ِفي عَف ٍ ضى] . اف] وأيضاً قوله َ [ :رِح َم ه َّللاُ َرُجالً َس ْم ًحاَ ِإ َذا ا ْقتَ َ َ ) (1الجامع في أصول الربا ،رفيق المصري ،ص.288،287 ) (2شرح النووي في صحيح مسلم ،ج.464/10 ) (3في ظالل القرآن ،سيد قطب ،ج.333/3 58 المقرضين )) حيث ُتقسم إلى ثالث أقسام : ثانياً (( :آداب التعامل مع ُ ُ )1حسن القضاء )2عدم المماطلة )3االهتمام بوفاء القرض ُ .1حسن القضاء : بحسن وثناء الرسول على صاحب القضاء الحسن ،وأنه من خير الناس ،وعبر عنها ُ القضاء ،هذا كله حرصاً من النبي على حث الناس على القيام بهذا الفعل ،واالنتباه له ، كبير من األهمية . واعطائه جانباً اً فقد ذكرنا فيما سبق حديثاً مروياً عن أبي رافع ،ووضعناه في مبحث مشروعية القرض ، يحث فيه الرسول وهو بنفس الوقت ُ على ُحسن القضاء ،فقد قال الرسول في آخر ما روي عن أبي رافع ِ[ :إ هن ِخ َي َار الهن ِ اء](.)1 َح َسُن ُه ْم َق َ اس أ ْ ضً وعن أبي هريرة ؛ قال َ :قال رسول هللا ِ[: إ هن خيرُكم أَو ِمن خي ِرُكم أ ِ اء](،)2 َحاسُن ُك ْم َق َ َ َْ ْ ْ ْ َ ْ ْ َ َ ضً قال القزويني ((( :أ ِ اء)) أي :الذين يؤدون الدين إلى أصحابه على أحسن َحاسُن ُك ْم َق َ َ ضً وجه )(.)3 ان لِي َعَلى الهنِب ِي وعن محارب بن دثار ، قال :سمعت جابر بن عبد هللا ،قال َ (( :ك َ ّ ض ِاني َوَزَادِني))(.)4 َ د ْي ٌن َ ،فَق َ ) (1صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب من استسلف شيئًا فقضى خي ًار منه ،حديث رقم ( ، )4084ج37/ 11 ( )2سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب حسن القضاء ،حديث رقم ( ، )2423ج.809/2 ( (3سنن ابن ماجة ،ج/2ص.809 ) (4سنن أبي داؤد ،كتاب البيوع واالجارات ،باب في حسن القضاء ،حديث رقم ( ،)3347ج.642/3 59 ِ عن عبد هللا بن ربيعة المخزومي ؛ أن النبي استَل ِ ِ ين أ َْو ين َغ َاز ُح َن ْيًنا ،ثَالث َ ف م ْنه ،ح َ ْ َ ِ ِ ِ ض َ ِ َهلِ َك َو َمالِ َك . ال َل ُه الهنِبي َ [ : ب َار َك ه َّللاُ َل َك في أ ْ ين أَْلًفا َ .فَل هما َقد َم َق َ أ َْرَبع َ اها إيهاهُ .ثُ هم َق َ ِإهنما ج َزاء ه ِ اء َواْل َح ْمُد](.)1 السَلف اْل َوَف ُ َ َ ُ ويجب توضيح أمر مهم هنا ،إن حسن القضاء يكون بشكل وفاء بزيادة ،لكن بنفس طيبة ،والزيادة هنا غير مشروطة ،وعلة األمر أن الزيادة المشروطة تؤدي إلى الربا المحرم شرعا ، وفق القاعدة القائلة ( :كل قرض جر منفعة فهو رًبا) ()2 ،وقد تلقى كثير من العلماء هذه القاعدة ضدها أدلة الكتاب والسنة واإلجماع والمعقول واآلثار عن الصحابة والتابعين الدالة وع ُ بالقبول َ ، على تحريم كل قرض جر منفعة. ولهذا سنذكر بعض األقوال المشيرة إلى مضمون هذا الحديث وتوجيهه ،فقد قال الحافظ ابن حجر الهيتمي من الكبائر ( :القرض الذي يجر نفعاً للمقرض ،وذكر هذه من الكبائر ظاهر ، ألن ذلك في الحقيقة رًبا )(.)3 أما اإلمام مالك فقال ( :أنه بلغه أن عبد هللا بن مسعود كان يقول :من أسلف سلفاً ، فال يشترط أفضل منه ،وان كان قبضة من علف فهو ربا) ( .)4ووضح اإلمام مالك هذه المسألة ، حين قال (:ال بأس بأن ُيقبض من أسلف شيئاً من الذهب ،أو الورق ،أو الطعام ،أو الحيوان ، ممن أسلفه ذلك ،أفضل مما أسلفه ،إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ،أو عادة ،فإن كان ذلك على شرط ،أو وأ ِ ْي ( أي مواعدة) ،أو عادة ،فذلك مكروه وال خير فيه) .وقال أيضاً ( فإن كان ) )1سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب حسن القضاء ،حديث رقم ( ،)2424ج/2ص.809 ) )2هذه القاعدة صحيحة شرع ًا ؛ وان كان لم يثبت فيها حديث ،والحديث الذي جاء فيها روي مرفوع ًا بإسناد ضعيف عند البيهقي ،ولكن معناها صحيح إذا كان القرض مشروط ًا فيه نفع للمقرض فقط ،أو ما كان في حكم المشروط ، ) (3الزواجر عن اقتراف الكبائر ،الهيتمي ،دار المعرفة ،بيروت ،ج ، 1ص.247 ( (4موسوعة الفقه المالكي ،خالد عبد الرحمن العك ،المجلد الثالث ،ص.413 60 ٍ ِ ٍ شرط وال وأ ٍ عادة ،كان ذلك ْي ،وال المستَ ْسلف ،ولم يكن َ ذلك على ْ ذلك على طيب نفس من ُ حالالً ال بأْس به )(.)1 وقال السيد سابق ( :والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطاً أو متعارف عليه فللمقترض أن يقضي خي اًر من القرض ،في الصفة أو ،فإن لم يكن مشروطاً وال متعارفاً عليه ُ ، يزيد عليه في المقدار ،أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه ،وللمقرض حق األخذ دون كراهة)(.)2 وقال الكاساني ( :فأما إذا كانت الزيادة غير مشروط في القرض ،ولكن المستقرض ( )3 أعطاه أجودهما فال بأس بذلك ،بل هذا من باب حسن القضاء ،وأنه أمر مندوب إليه ) ، ولذلك ( يجوز للمقترض أن يرد أفضل من المثل ،إذا لم يكن ذلك عن شرط سابق ،ويكون من باب ُحسن القضاء)(.)4 وخالصة القول نجده لدى البهوتي في شرح زاد المستنقع ،حين قال ( :ويحرم اشتراط كل شرط جر نفعاً ـ كأن يسكنه داره أو يقضيه خي اًر منه ـ ألنه عقد إرفاق وقربة ،فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه ،وان بدأ به أي بما فيه نفع كسكنى داره ،بال شرط وال مواطأة بعد الوفاء جاز ال قبله ،أو أعطاه أجود بال شرط جاز ،ألنه استسلف بك اًر فرد خي اًر منه ،وقال اء] متفق عليه ،أو أعطاه هدية بعد الوفاء جاز) َحسُن ُك ْم َق َ َ [ :خ ْي ُرُك ْم أ َ ضً ( )5 ،ألنه لم يجعل تلك الزيادة عوضاً في القرض ،وال وسيلة إليه . )ُ (1موطأ اإلمام مالك ،كتاب البيوع ،باب ما يجوز من السلف ،ص.367 ) )2فقه السنة ،السيد سابق ،المجلد الثالث ،ص ، 148أنظر أساليب االستثمار االسالمي وأثرها على األسواق المالية ،قيصر عبد الكريم الهيتي ،دار رسالن ،دمشق ،ط ، 2006 ،1ص.183 ( (3بدائع الصنائع ،الكاساني ،ج.519/6 ( )4ما ال يسع التاجر جهله ،عبد هللا المصلح ،صالح الصاوي ،دار المسلم ،مؤسسة الرسالة ناشرون ،دمشق ، 2006 ،ص.214 ))5الروض المربع شرح زاد المستنقع ،البهوتي ،باب القرض ،ص.315 61 وباإلضافة إلى حسن القضاء بالنسبة للمقترض ،يجب القول بإخالص النية معها وهو مطالب بها ( ،ألن المقترض يؤمر كذلك ،بإخالص النية وحسن األداء ،فال يقترض إال من حاجة ،ويعزم على حسن القضاء ويحفظ للمقرض معروفه واحسانه ،فإن استطاع أن يكافئه على فلي ْدعُ له بظهر الغيب )(.)1 عمله فعل ،واال َ ومن األقوال التي ذكرناها للفقهاء نرى أن هناك آراء متباينة وأقوال مختلفة نوضحها بشكل تحليلي ،وعلى ذلك فقد الحظنا أن هناك نوعين للمنافع في القرض :األول "المنفعة المشروطة" ، والثاني " المنفعة الغير مشروطة". النوع األول ( :المنفعة المشروطة ) وهي : الزيادة في بدل القرض : فالواجب في بدل القرض رد البدل المساوي في الصفة والقدر .فقد اتفق العلماء على تحريم اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض ،وأن هذه الزيادة ربا ،سواء كانت الزيادة في الصفة ـ كأن يشترط على المقترض رد أجود مما أخذ ـ ؛ أم عيناً ـ كأن يقترض ماالً ويشترط عليه رده مع هدية من مال آخرـ ؛ أم منفعة ـ كأن يقترض ماالً ويشترط عليه رده مع عمل المقترض عند المقرض ـ وتسمى الزيادة المشروطة في القرض :ربا القرض ،وهي من ربا الجاهلية . ووجه االستدالل هنا ،هو أن صورة القرض في الحقيقة هي صورة ربا النسيئة ،لكن لما كان مبنى القرض التبرع ومبنى البيع المعاوضة غاير الشارع بينهما في الحكم ،فإذا اشترطت الزيادة في القرض خرج عن موضوعه وهو التبرع واإلرفاق إلى المعاوضة فجرى فيه ما يجري فيها ،فتتقيد بما يتقيد به البيع فيها ،وهذه القيود نجدها في حديث النبي ، فقد قال الرسول ()1النية وأثرها في األحكام الشرعية ،صالح غانم السدالن ،مكتبة الخريجي ،الرياض ،ط ،1984 ، 1ج ، 2ص.604 62 ض ُة ِباْل ِف ه ِ الذهب ِب ه ه الش ِعير ِب ه ه ِ الش ِع ِ الذ َه ِب َواْل ِف ه ير َوالته ْم ُر ِبالته ْم ِر َواْل ِمْل ُح ِباْل ِمْل ِح ِم ْث ًال ضة َواْلُبر باْلُب ِّر َو ُ ُ َ [: ٍ اخ َتَلَفت هِذ ِه األصناف َفِبيعوا َكي ِ ٍ ِِ ٍ ان َيًدا ِب َيٍد](.)1 ف ش ْئتُ ْم ِإ َذا َك َ َْ ُ ُ َْ اء ِب َس َواء َيًدا ِب َيد َفِإ َذا ْ ْ َ بم ْثل َس َو ً النوع الثاني (:المنفعة غير المشروطة في القرض) وهي قسمان ؛ القسم األول :المنافع المادية وبدورها تقسم إلى فرعين : أ -المنافع المادية غير المشروطة عند الوفاء : اتفق العلماء على تحريم الزيادة ( في القدر والصفة ) المشروطة في بدل القرض للمقرض ، واختلفوا في حكمها إذا لم تكون مشروطة على أقوال ،والراجح منها والذي بيناه خالل الكالم عن حسن القضاء هو الجواز وهذا ما دل عليه قول الرسول ِ[ : إ هن ِخ َي َار الهن ِ اء](.)2 َح َسُن ُه ْم َق َ اس أ ْ ضً إذا كانت الزيادة على سبيل البر والمعروف ،بل يستحب للمقترض ذلك ،وهذا قول السنة وجماهير أهل العلم ،سواء أعرف المقترض عند الناس بحسن القضاء أم ال ،وقد سقنا النصوص النبوية الدالة على أن النبي كان معروفاً بحسن القضاء ،ومع ذلك لم يكن إقراضه محرماً وال مكروهاً ،وهذا هو من باب مشروعية الزيادة عن رضا وقبول . ب -المنافع المادية غير المشروطة قبل الوفاء إذا بذل المقترض للمقرض منفعة غير مشروطة أثناء مدة القرض (قبل الوفاء) مثل :الهدية للمقرض ـوهي أكثر ما يمثل به الفقهاء ـ ومثل االستضافة أو ركوب الدابة ،والمساعدة على عمل من األعمال ،ونحو ذلك من المنافع التي قد يبذلها المقترض قبل الوفاء فقد أختلف العلماء في حكمها إذا كانت تلك المنافع من غير شرط ، ) (1صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ،حديث رقم(،) 4039ج. 16/11 ) (2صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ،حديث رقم ( ، )4084ج37/ 11 63 والراجح لدى الفقهاء المنع إن كانت تلك المنافع من أجل القرض أو في مقابله ،أي من أجل أن يؤخر المقرض استيفاء القرض ،وهذه الصورة هي قريبة من صورة ربا الجاهلية حيث كان يقول المقرض للمقترض حين يحل أجل القرض إما تدفع أو تربي منفعة مشروطة أياً كانت . فقد تكون غير مشروطة من خالل هدية أو ركوب دابة قبل الوفاء ،وقياس هذه على تلك نرى أنهم صورة واحدة للربا ،الن المنفعة الحاصلة قبل الوفاء كانت بسبب القرض حتى لو كانت بدون شرط . لكن هناك استثناء يبيح أخذ المنفعة إن كانت ليست من أجل القرض ،مثل إذا كانت قد جرت العادة بينهما بذلك قبل القرض فإنه يجوز ،ويدل على هذا الكالم حديث أنس بن مالك قال :قال رسول هللا ِ[إ َذا أَ ْقرض أَحدكم َقرضا َفأَهدى َله أَو حمَله عَلى الهداب ِ هة َفال َي ْرَك ْب َها َوَال َيْقَبْل ُه َ َ َُ ُ ْ ْ ً َْ ُ ْ َ َ ُ َ ه َن َي ُكو َن َج َرى َب ْي َن ُه َوَب ْي َن ُه َق ْب َل َذلِ َك](.)1 ِإال أ ْ القسم الثاني :المنافع المعنوية الغير مشروطة في القرض : أ ـ شكر المقترض للمقرض ودعاؤه له علناً أو س اًر هذه المنفعة التي تحصل للمقرض جائزة ،بل يندب إليها في حق المقترض ؛ ألنه من باب مقابلة المعروف بالمعروف ،ومن باب مقابلة اإلحسان باإلحسان ،فيشكره المقترض ويدعو له ، وداللة ذلك القول هو ما يلي –: الِلِ َّللاِ [ : من استَعا َذ ِب ه ِ ِ َل ِب ه ول ه َْ ْ َ الِل َفأَعي ُذوهُ َو َم ْن َسأ َ ال َرُس ُ عن عبد هللا بن ربيعة قال َ :ق َ ِ ِ ِ ون ُه َع ُ طوهُ َو َم ْن َد َع ُ ص َن َع ِإَل ْي ُك ْم َم ْع ُروًفا َف َكافُئوهُ َفِإ ْن َل ْم تَ ِجُدوا َما تُ َكافُئ َ َفأ ْ اك ْم َفأَج ُيبوهُ َو َم ْن َ َف ْاد ُعوا َل ُه َحتهى تَ َرْوا أَهن ُك ْم َق ْد َكاَفأْتُ ُموهُ](.)2 ) )1سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب القرض ،حديث رقم ( ، )2432ج.813/2 )(2سنن أبي داود ،كتاب الزكاة ،باب عطية من سأل باهلل ،حديث رقم ( )1672ج.310/2 64 ما رواه اإلمام النسائي عن عبد هللا بن ربيعة المخزومي ؛ أن النبي استَل ِ ِ ين ف م ْنه ،ح َ ْ َ ِ ِ ِ ض َ ِ ال َل ُه النهِبي َ [ : ب َار َك ه ين أَْلًفا َ .فَل هما َقد َم َق َ ين أ َْو أ َْرَبع َ َغ َاز ُح َن ْيًنا ،ثَالث َ َّللاُ اها إيهاهُ .ثُ هم َق َ َلك ِفي أَهلِك ومالِك ِ .إهنما ج َزاء ه ِ اء َواْل َح ْمُد] (.)1 ْ َ ََ َ َ السَلف اْل َوَف ُ َ َ ُ ب ـ انتفاع المقرض بضمان ماله عند المقترض وحفظه حتى يسدده هذه منفعة أصلية في القرض ال إضافية ،وهي من مقتضى عقد القرض وطبيعته ال تنفك عنه ،فهي جائزة باتفاق العلماء ؛ ألنه ال يمكن القول بمنعها وجواز القرض ،والى هذا المعنى أشار ابن حزم حين قال ( :أنه ليس في العالم سلف إال وهو يجر منفعة وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله ،فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف ) (.)2 ج ـ انتفاع المقرض بشفاعة المقترض وجاهه فإذا أقرض الشخص ال البتغاء األجر والثواب واإلرفاق بالمقترض ،وانما لتكون له يد عليه بحيث ينتفع من جاهه ومنصبه ،أو من جاه ومنصب أقاربه ،بشفاعة أو تيسر أمر من حاجات الدنيا ،فإن الحكم هنا رشوة ألن القرض كان بهذا القصد ،وليس ألجل الحصول على األجر والثواب ،والرشوة محرمة في الشرع فعلى هذا فالقرض بصيغته هذه يكون حرام . وبالمقابل فإن هناك أمر آخر يجب أن نطرحه وهو أن يكون للمقرض حق ال يستطيع أخذه إال بالقرض ،أو ظلم ال يمكن دفعه إال به جاز للمقرض وحرم على المقترض ؛ ألن دفع الظلم أو إحقاق الحق يتم بأسلوب المعروف وباب فعل الخير ،أما إذا كان من خالل رشوة فهو محرم عليه . ) )1سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب حسن القضاء ،حديث رقم ( ، )2424ج.809/2 ) (2المحلى ،بن حزم ،ج.87/8 65 .2عدم المماطلة : عدم المماطلة في سداد القرض ،قد حرمها اإلسالم .وذلك بأن يؤخر المقترض أداء ما وجب عليه أداؤه بغير عذر ،وهذا من الظلم الذي ال يرضى به الدين وال الشرع ،وهو من باب التسويف على المقرض صاحب القرض ،الذي قد يكون بأمس الحاجة إلى إعادة قرضه إليه بمجرد المقترض . إمكانية ذلك من ُ ظلِ ُمو َن وس أ َْم َوالِ ُك ْم الَ تَ ْ في الكتاب :قال هللا جل وعز في محكم آياته َ ﴿:واِن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُؤ ُ أنتم(المقرضين) من قبلهم ظَل ُمو َن﴾ ظَل ُمو َن﴾[اآلية . ]279 :قال الشوكاني في تفسيره َ ﴿:والَتُ ْ َوالَتُ ْ ُ ( )1 المطل من الظلم ،والذي يدعم هذا (المقترضين) بالمطل .وهذا إن دل على شيء ،فهو أن ُ ُ الكالم هو ما ذكره اإلمام إلكيا الهراس ،حين قال في تفسيره ( :ويدل على أن الغريم متى أمتنع ظَل ُمو َن﴾ يدل على أن من ظلِ ُمو َن َوالَتُ ْ من أداء الدين مع اإلمكان كان ظالماً ،وقوله تعالى﴿ الَ تَ ْ عليه رأس المال ،بامتناعه من أداء رأس المال لصاحبه يكون ظالم ،كما أن طلب الزيادة منه على رأس المال يكون ظلم)(. )2 في السنة :قد ورد عن الرسول أكثر من حديث بهذا الخصوص ،حيث يحث فيه على منع وعدم جواز المماطلة وأنها من الظلم الضار بصاحب القرض . ِ ظْلم وِا َذا أ ُْتِبع أَحد ُكم عَلى ملِ ٍ يء عن أبي هريرة أن رسول هللا قال َ [ :م ْ ط ُل اْل َغن ِّي ُ ٌ َ َ َُ ْ َ َ َفْل َي ْت َب ْع]( . )3قال السيوطي في شرح سنن النسائي َ (( :م ْط ُل اْل َغِني) أراد بالغني القادر على األداء ،ولو كان فقي اًر ،ومطله منعه أداء وتأخير القاضي ،منع قضاء ما استحق ) (1فتح القدير ،الشوكاني ،ج.297/1 ) (2أحكام القرآن ،إلكيا الهراس ،دار الكتب الحديثة ،القاهرة ،تحقيق :موسى محمد علي ،عزت علي عيد عطية ،ج ، 1ص.363 ()3سنن النسائي ،كتاب البيوع ،باب الحوالة ،حديث رقم ( ،)4691ج ، 317/7صحيح مسلم بشرح النووي ،كتاب المساقاة ،باب تحريم مطل الغني ،ج ، 472/10تحفة األحوذي بشرح سنن الترمذي ،كتاب البيوع ،باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم ،ج ، 610/4انظر فقه السنة ،السيد سابق ،المجلد الثالث ،ص.151 66 ()1 ط ُل اْل َغِن ِي أداؤه) .وقال الشيخ خطابي ( :قوله [ َم ْ ّ ظْل ٌم] ،داللته أنه إذا لم يكن غنياً يجد ُ ما يقضيه لم يكن ظالماً )(.)2 وأضاف القرطبي في تفسير مطل الغني قائالً ( :فالموسر المتمكن إذا طولب باألداء ومطل ظلم ،وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه :فالن يمطل الناس ويحبس حقوقهم ،ويبيح لإلمام تأديبه وتعزيره ،حتى يرتدع عن ذلك)(.)3 عن عمرو بن الشريد ،عن أبيه ؛ قال :قال رسول هللاَ[ : لي اْلو ِ ِ ِ ِ ض ُه اجد ُيحل ع ْر َ َ وبتَ ُه]( .)4فسر الشوكاني ( اللي :المطل ،الواجد :الغني ،من الوجد (بالضم) بمعنى َو ُعُق َ القدرة )( .)5وقال القزويني :ومعنى(يحل عرضه) أي للدائن ،بأن يقول :ظلمني ومطلني ( ،عقوبته) بالحبس والتعزير(.)6 .3االهتمام بوفاء القرض: المقترض ،أن يتعجل في إيفاء قرضه الذي بذمته تجاه المقرض إن الذي ُيطلب من المسلم ُ ،قبل أن يفاجئه الموت أو األجل ،وذلك لما ورد أن الميت مرهون َبد ْينه والدين يشمل كل مال ومن ضمنه( القرض) ،إلى أن يوفى عنه . ِِ ه ضى َع ْن ُه](.)7 عن أبي هريرة ؛ قال :قال رسول هللا َ [ نْف ُس اْل ُم ْؤ ِم ِن ُم َعلَق ٌة ِب َد ْينه َحتهى ُيْق َ ( )1سنن النسائي وعليه شرح السيوطي ،ج.316/7 ( )2سنن أبي داؤد وعليه شرح الخطابي ،ج.640/3 ) )3الجامع ألحكام القرآن ،القرطبي ،ج.2،3/6 ( )4سنن النسائي ،كتاب البيوع ،باب مطل الغني ،حديث رقم ()4689ورقم ( ، )4690ج. 317،316/7 ) (5نيل األوطار ،الشوكاني ،كتاب التفليس ،باب مالزمة الملئ واطالق المعسر ،ج/5ص.361 ) (6سنن بن ماجة ،القزويني ،ج ، .811/2وقال بذلك السيوطي في سنن النسائي ،ج.317/7 ) (7سنن ابن ماجة ،كتاب الصدقات ،باب التشديد في الدين ،حديث رقم ( ، )2413ج.806/2 67 وب ِعند ه ِ َن َع َ َّللا ،أ ْ ظ َم الذُن ِ ْ َ عن أبي موسى األشعري ، عن رسول هللا أنه قال ِ[ :إ هن أ ْ وت َرُج ٌل َو َعَل ْي ِه َد ْي ٌن ال َي َدعُ َل ُه َيْلَقاهُ ِب َها َع ْبٌد َب ْع َد اْل َك َب ِائ ِر هالِتي َن َهى ه َن َي ُم َ َّللاُ َع ْن َها ،أ ْ اء](.)1 َق َ ضً َخ َذ أ َْمو َ ه ِ ِ اء َها أَهدى عن أبي هريرة رضي هللا عنه ،عن النبي قال َ [ :م ْن أ َ َ ال الناس ُير ُيد أ ََد َ َّللاُ]( ،)2وفسر الصنعاني في سبل السالم الحديث َخ َذ ُي ِر ُيد ِإ ْتالَف َها أ َْتَلَف ُه ه ه َّللاُ َع ْن ُه َ ،و َم ْن أ َ بقوله ( :التعبير بأخذ أموال الناس يشمل أخذها باالستدانة أو أخذها لحفظها ،والمراد من إرادته في التأدية قضاؤها في الدنيا وتأدية هللا عنه تشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يسوق إلى المستدين ما يقضي به دينه ،وأداؤها عنه في اآلخرة بارضائه غريمه بما شاء هللا تعالى )(.)3 القرض أفضل أم الصدقة ؟ في هذا المقام وبعد ما كتب على القرض في هذا الفصل ،يجب أن نطرح تساؤالً مهماً للتوضيح ،وهو أيهما أفضل القرض أم الصدقة ؟ فكل لها مكانته وأجره الكبير وكذلك أثره في المجتمع وفائدته الجمة على التخفيف على كاهل الناس وكل له مقاييسه وأغراضه ،ولكل منهم هدفه السامي والنبيل في توفير متطلبات العيش ،والصدقة عقد تبرع أما القرض فأوله عقد تبرع وآخره معاوضة .ولتبيين تلك األفضلية وجب طرح ذلك السؤال واإلجابة عليه هي بمثابة مفتاح للتفريق بينهم واعطاء األهمية النسبية لكليهما . وتحقيق القول في هذه المسألة أن أفضلهما ما يقع في يد محتاج(:)4 ) )1سنن أبي داؤد ،كتاب البيوع واالجارات ،باب في التشديد في الدين ،حديث رقم( ، )3342ج.638،637/3 ) (2صحيح بخاري ،باب من أخذ أموال الناس يُريد أداءها أو إتالفها ،كتاب االستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس ،حديث رقم ( ، )2387ص.383 ) )3سبل السالم في شرح بلوغ المرام ،محمد بن إسماعيل الصنعاني ،دار الفرقان ،عمان ،ج ، 3ص.65 ) (4ما ال يسع التاجر جهله ،عبد هللا المصلح ،صالح الصاوي ،ص.213 68 oفالصدقة للمحتاج أفضل من القرض لغير المحتاج ،والقرض للمحتاج أفضل من الصدقة لغير المحتاج . oأما إذا تساويا بأن وقع كل منهما في يد محتاج ،أو في يد غير محتاج ، فالصدقة أفضل ،ألن الصدقة ال بدل لها فقد خرج صاحبها عنها هلل تعالى ، بخالف القرض الذي ينتظر صاحبه رده . وبهذا يتحقق الجمع بين األحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض ،وقد وردت تلك األحاديث في مبحث سابق من الفصل وهو مبحث مشروعية القرض . وقد( ُسئل) العالمة ابن حجر الهيتمي ،هل األفضل القرض أم الصدقة ؟ فأجاب بقوله (:القرض أفضل كما جزم به ابن الرفعة والنسائي وغيرهما ،لخبر درهم الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر ،ووجهه أن طالب القرض إنما يطلبه عن حاجة غالباً ، بخالف طالب الصدقة ،و ِ اعترض بخبر من أقرض درهما مرتين فله مثل أجر صدقته مرة)(،)1 وترجيح الشيخ هنا القرض أفضل ،ألنه أعتبر القرض للمحتاج والصدقة لغير المحتاج وخالصة الكالم سواء كان القرض أفضل أم ال فهو في نهاية المطاف أداة تفسح المجال ألن يصل اإلنسان إلى حاجاته وأغراضه وتيسير أموره الدنيوية ،وهو في الوقت ذاته وسيلة فعالة لتحريك نشاط السوق ،من خالل صناعة القوة الشرائية للمستفيدين منه .وهللا أعلم . ) (1الفتاوى الكبرى الفقهية وبهامشه فتاوى الرملي ،ابن حجر الهيتمي ،دار الباز ،مكة المكرمة ،ج ، 2ص.279 69 الفصل الثاني القرض الحسن وأثره في تنمية المجتمع مقدمة : بعد الكالم عن القرض بشيء من التفصيل في الفصل األول من الناحية الفقهية ،أتى دور الحديث عن أمكانية استغالل ذلك النوع من المعامالت ،في مجال التنمية عموماً واالقتصادية منها خصوصاً ،والتي هي أساس التوازن والرقي والتطور والتقدم في كل ميادين المجتمع . ومن ناحية ثانية فإن المصارف اإلسالمية التي تبتغي لعب دور أفضل في كل القطاعات التي تخدم اقتصاد البلد والمجتمع في آن واحد ،ستقوم باستخدام أساليب التمويل التي تبتعد عن كل ما هو حرام وعن كل ما هو غير شرعي ،وستلجأ بالتالي إلى ما وضعته الشريعة في متناول أيدينا من معامالت مباحة في نظر القرآن والسنة الشريفة واإلجماع ،وهما المصادر األساسية التي يستند عليها كل شيء إسالمي . ومن هذا المنطلق فإن القرض ،يعتبر من أحد األساليب الصحيحة والمشروعة التي وضعت أمام المصارف اإلسالمية ،لالستفادة منها في أنشطتها االقتصادية واالجتماعية ،وكان القرض الحسن فكرة بديلة لوضعه أمام تحديات المصارف ذات القرض الربوي ،والتي تعتمد بشكل أساس على مبدأ الفائدة في تعامالتها المصرفية ،والتي يعتبرها جمع كبير من العلماء بأنها من الربا الذي ورد تحريمه في القرآن والسنة واإلجماع .وفي هذا الباب يستوجب علينا إعطاء صورة واضحة عن دور القرض الحسن في التنمية والمساهمة التي ُيعطيها ،وللحديث عن ذلك يجب علينا أوالً بيان دور المصارف اإلسالمية في التنمية ،وهو ما سنتناوله في المبحث األول . المبحث األول 70 المصارف اإلسالمية ودورها في التنمية اوالً :نشأة المصارف التجارية في العالم اإلسالمي : كانت المجتمعات اإلسالمية األولى في زمن الخالفة اإلسالمية تتسم باالنقياد تجاه أوامر الدين الحنيف في كل شيء ،وتم وضع األسس الصحيحة لهذه اللبنة المتكاملة بشكل ال يدعو للريبة ،وكانت المعامالت المالية واالقتصادية تعج بالنشاط على جميع أصعدتها .ولكن الذي حصل هو بدء مرحلة جديدة في عهد التاريخ اإلسالمي ،ظهرت تلك المرحلة عقب انهيار الخالفة العثمانية في أوائل القرن السابق ،ذلك االنهيار الذي حصل على أيدي المستعمر القادم من الغرب في الحرب العالمية األولى ،حيث تقاسمت الدول المنتصرة في الحرب ،األمالك المالية للدولة العثمانية وهي نفسها أمالك الخالفة اإلسالمية الممتدة على مدى مئات السنين(.)1 وفي هذا الوقت بدأت مرحلة ظهور االستعمار والذي كان فيما بعد أساس التخلف الذي حل على األمة اإلسالمية ،وأدى ذلك نحو انحدارها إلى انحطاط بعد رقي والى جهالة بعد علم والى ضعف بعد قوة والى تشتت بعد وحدة ،فقد جهز ذلك االستعمار كل قواه ألجل سلخ األمة اإلسالمية من واقعها ،ومن بين األساليب التي انتهجها في عملية امتصاص ونهب الموارد المالية لتلك البلدان ،هو نشر المصارف الربوية أو التجارية في العالم اإلسالمي . ولهذا يجب أن نلقي نظرة متكاملة وموجزة عن تاريخ ونشأة المصارف التجارية في العالم الغربي ،فقد كان أول ظهور للمصارف التجارية في المدن اإليطالية الشمالية ،مدن ميالنو والبندقية وجنوا وفلورنسا ،والتي كانت تتميز بازدهار ونمو أنشطتها التجارية في أوروبا خالل القرن الثاني عشر الميالدي(.)2 ) )1تأريخ اإلمبراطورية العثمانية ،محمود علي عامر ،دار الصفدي ،دمشق ،ط ، 2004 ،1ص.234 ) (2أساسيات العمل المصرفي االسالمي ،محمود حسن صوان ،دار وائل ،عمان ،ط ، 2001 ،1ص.19 71 لقد كان " مصرف البندقية " ( (The Bank of Veniceأول مصرف تجاري منظم ، والذي تأسس عام 1157م إذ كان يقوم بعملية قبول الودائع من جميع شرائح المجتمع (األفراد والهيئات ) ،وكذلك يقدم القروض للتجار والمستثمرين( ،)1والفضل في ذلك يعود إلى الصاغة ( )Goldsmithsوالصيارفة ( )Money Changersفي مدن إقليم لومبارديا في شمال إيطاليا ، والذين اكتسبوا ثقة المتعاملين معهم حينما بدؤوا في قبول الودائع من األفراد والتجار بغية المحافظة عليها من الضياع والسرقة .هذا الوضع الجديد لدى الصيارفة والصاغة المتمثل بقبولهم الودائع أدى إلى ظهور وتنامي أفكار حديثة لديهم ،فنتج عن تلك األفكار خطة في تشغيل واستثمار ما لديهم من ودائع من خالل نظام إقراض بعض التجار ،والحصول على فوائد مقابل تلك القروض ، مع االحتفاظ باحتياطي لسد أي طلبات سحب طارئة من قبل أصحاب الودائع. هكذا نشأت فكرة المصارف التجارية وتطورت األعمال المصرفية وتنوعت وأصبحت ٍ إنشاء أول مصرف مؤسسات تمويلية هدفها األول هو الربح ،ثم تبعها بعد فترة طويلة من الزمن ُ حكومي بالمفهوم الحديث في مدينة البندقية عام ، 1587وفي عام 1609م تأسس " مصرف أمستردام" ( (The Bank of Amsterdamبعد أن أصبحت هولندا مرك اًز مالياً ومصرفياً منافساً للمصارف اإليطالية(.)2 وبدأ في وقت الحق ظهور المصارف المركزية( ،)3ففي عام 1668تأسس "مصرف السويد " ( )The Bank of Swedenكأقدم المصارف المركزية الرائدة في العالم ،ثم جاء تباعاً " مصرف إنكلترا" ( (The Bank of Englandالذي أُن ِشئ في عام ، 1694وحظي ذلك المصرف بشهرة كبيرة بين المصارف المركزية عندما منحته الحكومة حق االحتكار في إصدار ) (1المصارف اإلسالمية والرقابة الشرعية ،شامل شاهين ،دار األنصاري ،حلب ،ط ، 2008 ،1ص.39 ) (2أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي ،محمود صوان ،ص.20،19 )Money and Banking ,Steiner , w.h.and Shapiro, Eli , Henry Holt&co., (pp.245_248),New York, 1953. (3 72 النقد عام ، 1833وأصبح الحقاً يقوم بالوظائف الكاملة كمصرف مركزي بموجب التشريع الذي صدر عام ، 1844وتميز بتلقي الودائع الحكومية وتقديم الخدمات المصرفية المتنوعة لتلبية احتياجات الحكومة .ثم توالت وازدادت تلك المصارف في أوروبا بعد أن انتشرت الثورة الصناعية مصارف كبيرة فيها خالل القرن التاسع عشر ،وأخذت تُطور أعمالها المصرفية ،ونشأت عدةُ َ الحجم على شكل شركات مساهمة لتوفير االحتياجات المالية لقطاعي الصناعة والتجارة والقطاعات األخرى . وامتد زحف تلك المصارف ليقتحم المؤسسات المالية اإلسالمية ،فكان أول ظهور لها في البالد اإلسالمية عام ، 1898عندما أنشئ المصرف المصري في مصر برأس مال قدره ( )500000خمسمائة ألف جنيه إسترليني ،وقد ترأس هذا المصرف (طلعت حرب) الذي قام باالستثمار الصناعي في النسيج والقطن والحديد( ،)1بعدها أخذت المصارف تنتشر كالنار في الهشيم في البلدان العربية واإلسالمية . وبذلك فقد تحول االستعمار العسكري بعد رحيله إلى استعمار اقتصادي إلدارة جميع الموارد الطبيعية والثروات ،وكان يشكل النظام المالي للمسلمين عبر مؤسساته المالية المصرفية التي أصبحت تحتل الصدارة في توجيه دفة االقتصاد الداخلي واخضاعه لتبعيته والدوران في فلكه(.)2 وتمكنوا من خالل هذه المصارف أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير الدول اإلسالمية ،بأن هذه المصارف تقوم على نظام طبيعي وعلى أساس صحيح ال تشوبه أي شائبة ،فأصبحت هذه العقلية خاضعة لهذه المعتقدات ،وأغرقت تلك المصارف معها المجتمعات اإلسالمية في مستنقع المحرمات الذي شددت الشريعة اإلسالمية على النهي عن التعامل به ،وبذلك أنجزت الدول ) (1الشامل ،محمود عبد الكريم إرشيد ،دار النفائس ،األردن ،ط ،2007 ، 2ص.11 ( )1التحديات والحلول أمام النظام المصرفي اإلسالمي ،محسن آل عصفور http://www.al-asfoor.org/?id=494 ، 73 االستعمارية إحدى أهدافها األساسية بالسيطرة اقتصادياً على الدول اإلسالمية من خالل منظومة كبيرة من المصارف والمؤسسات التمويلية ،فكانت المصارف التجارية في بلدان العالم االسالمي مجرد فروع للمصارف التجارية في الغرب وتقليد لها(.)1أي أن المصارف الفرعية التي أنشأت في المستعمرات أصبحت مرتبطة بالمصارف األصلية األم الموجودة في دول االستعمار. في الجانب اآلخر نجد أن البلدان اإلسالمية تقبلت هذا النظام الذي فرضه المستعمر وتقبلت فكرة المصارف التجارية الربوية بمحض إرادتها أو مجبرة عليه كواقع فرضه المثلث الربوي صندوق النقد الدولي ،والبنك الدولي لإلنشاء والتعمير ،واتفاقية الجات والتي خلفتها منظمة التجارة العالمية ،)2(ونجد أن هذه المنظمات الثالث ال يمكن التعامل معها إال من خالل االستسالم لقوانينها المخالفة للشريعة اإلسالمية ومصلحة البلدان اإلسالمية والنامية على حد سواء ،وأن هذا النظام شبيه بالنظام الذي كان ُيمارس في أيام الجاهلية قبل وصول اإلسالم ،ه ولكن هذا النظام الحالي امتاز عن النظام في الجاهلية بأطر وتقنيات الحداثة والتنظيم التي عرفها العالم الغربي . وهذا النظام المصرفي العالمي الغربي ،عرف كيف يتغلغل في داخل أقنية المجتمعات اإلسالمية .واألهم من ذلك كله أنهم وجدوا من يروج من علماء األمة اإلسالمية لتلك األفكار الخارجة عن إطار الشريعة اإلسالمية فهناك مجموعة من علماء المسلمين حللوا الفوائد الموجودة في المصارف وقالوا إنها من الحالل الشرعي . فقد سمعنا من بعضهم تفريقهم بين الفائدة المركبة والفائدة البسيطة بتحريم األولى ،وتحليل الثانية .وهذا ما وجدناه في كالم الدكتور عبد الرزاق السنهوري فقد جاء فيه قوله ( :إن هناك فرًقا ما بين المقترض والمقرض في المعامالت المالية الخاصة في المصارف .ذلك أن المقترض في ) )1المعامالت المالية المعاصرة في الفقه اإلسالمي ،محمد عثمان شبير ،دار النفائس ،عمان ، 1996 ،ص.212 ) (2ثر سياسات منظمة التجارة العالمية في صادرات مجموعة من البلدان النامية ،عمر هشام صباح الفخري ،رسالة ماجستير ،كلية اإلدارة واالقتصاد ،جامعة الموصل ، 2006 ، ،ص.1 74 المصارف هو الجانب القوي ،والمقرض هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية ،وما دام رأس المال ليس ملك الدولة بل ه و ملك الفرد أو دخله بعمله وجهده ،فمن حقه أن ال يظلم فيه وال يظلم ،ما دامت الحاجة قائمة إلى كل ذلك ،فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة تكون جائزة استثناء من أصل التحريم) (.)1 وفي مكان آخر كان هناك دفاع عن معامالت المصارف التجارية ،فقد أصدر مجمع البحوث اإلسالمية في مصر عام 1989فتوى()2عن مفتي األزهر بقوله :إن ما تقوم به المصارف الربوية ( التي ال تصف نفسها باإلسالمية ) من معامالت تسميها ( إسالمية ) هي (من الحالل المتفق عليه) .وكان رد الشيخ يوسف القرضاوي على تلك الفتوى حازماً بقوله( :هذا غير ُمسّلم ، فإن من العلماء الكثيرين ال يزالون يشككون في شرعية هذه المعامالت ،التي يقوم بها بنك ال يلزمه قانونه ونظامه باجتناب الربا ،وال يفرض عليه رقابة شرعية ،وال يتأكد عميله من وجود ذمة مالية مستقلة للمال الحالل ،فكان األَولى أن يدرج ذلك في المختلف فيه ،ويرجح المفتي ما يراه تبعاً لما تبين له من دالئل)(.)3 ومنذ دخول هذه المصارف بالد المسلمين ،تصدى لها جمع غفير من علماء األمة ، وكانت لهم ردود فعل متباينة ،وأوضحوا للقاصي والداني أنهم على استعداد للوقوف بوجه المعامالت الدخيلة المصرفية التي تعرض المجتمع لخطر داهم ،وكان من بينهم مشايخ اإلسالم في الدولة العثمانية وعلماؤها ،وفي مصر كان هناك الشيخ محمد عبده ورشيد رضا وغيرهم كثير. ) )1مصادر الحق في الفقه االسالمي ،عبد الرزاق السنهوري ،مكتبة الحلبي الحقوقية ،بيروت ،الطبعة األولى ، 1998 ،ج ، 2ص.133 ) ) 2مجمع البحوث اإلسالمية في مصر قام باستصدار قرار يعتبر ربا البنوك حالل ،و كانت جلسة المجمع التي أجازت فوائد البنوك الربوية قد ضمت عدد من علماء األزهر ،الرئيسين منهم : الدكتور محمد سيد طنطاوي ،الدكتور محمود حمدي زقزوق ،الدكتور عمر هاشم ،الدكتور أحمد الطيب ،والدكتور محمد الراوي . ( )3فوائد البنوك ،يوسف القرضاوي ،مؤسسة الرسالة ،بيروت ،ط ، 2001 ، 2ص.69 75 وفي حقيقة نابعة عن رؤية اإلسالم الواقعية تجاه المصارف الربوية قال سيد قطب ( :أن اإلسالم حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص ،لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي إلى إلغاء المؤسسات واألجهزة الالزمة لنمو الحياة االقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم، ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه ،ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة ،وفي أول هذه المؤسسات واألجهزة ؛ المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات االقتصاد الحديث )(.)1 وفي باكستان قام فيها الشيخ العالهمة أبو األعلى المودودي بنشر عدة مقاالت في مجلة خاصة اسمها ( ترجمان القرآن ) في سنة ، 1973وكان فيها التبيين واضحاً بخصوص حرمة ( )2 المعامالت الصادرة عن المصارف التجارية ،الشتمالها على الربا ،وهناك كثير من الفتاوى والدراسات والمقاالت العلمية التي أكدت على مبدأ تحريم المعامالت الربوية في المصارف التجارية التي ترعرعت في البلدان اإلسالمية . وكان ظهور المصارف اإلسالمية ـ بكل ما تحمله من أفكار وصيغ وأساليب تمويل ـ رداً قوياً على هذه المصارف التجارية ،ولكن بالرغم من مضي أكثر من نصف قرن على التوجه العام ّ إلنشاء المؤسسات والمصارف اإلسالمية كبديل إسالمي تجاه المد العاصف من المصارف الغربية ،إال أننا ال نجد من بين الدول اإلسالمية سوى محاوالت قليلة استجابت لهذا التوجه ،والعلة في ذلك هي أن تلك المصارف التجارية التي أنشأها االستعمار وأرسى قواعدها عند دخوله العالم اإلسالمي عرفت كيف تُحكم جذورها في المجتمعات والبلدان اإلسالمية ،حتى بعد زوال الوجود العسكري وانزياح مؤثراته القابعة . )) 1في ظالل القرآن ،سيد قطب ،ج.322/3 ( ) 2أنظر المصارف االسالمية والرقابة الشرعية ،شامل شاهين ،ص.40 76 ومن أجل الوصول إلى الغاية المثلى بالتخلص من التبعية المصرفية تلك ،يستوجب التحرر من هذه االستحكامات التي وضعها المستعمر كخيار وحيد إلنقاذ المجتمعات اإلسالمية من ذلك المد ،ولكن ذلك الخيار يحتاج إلى أشواط كبيرة من النمو والرقي والحداثة والتحسين والتطور واالستقالل بالق اررات االقتصادية ،لكي تتسنى في ذلك الحين القدرة على التحول إلى الحرية الكاملة في الحصول على الفرصة الحقيقية للوصول إلى التنمية الشاملة في كل قطاعات المجتمع ،وبالتالي سيتكون نظام مصرفي عالمي حسب الرؤية والنظرة اإلسالمية للتنمية . ثانياً :دور المصارف التجارية في التنمية يمكن تصنيف البلدان اإلسالمية كافة ضمن خانة البلدان النامية مع األخذ باالعتبار تفاوت هذه البلدان في مراحل نموها .فمنذ قيام الثورة الصناعية في غرب أوربا بدأت الفجوة تتسع بين الدول الصناعية والدول النامية وهذه األخيرة اشتركت في المصاعب ذاتها والتي وضعتها في هوة بعيدة عن الدول المتقدمة وأصبحت كمظاهر تخلف تعيقها عن النمو والتقدم والتطور ،ويمكن إجمال تلك المظاهر أو الخصائص باآلتي : .1تدني مستوى الدخل الحقيقي وضآلة حصة الفرد من رأس المال ،مما ينجم عنه من نقص في االدخار وضيق السوق المحلية. .2استحواذ النشاط الزراعي على الفعاليات االقتصادية مع تخلف يسود أساليب اإلنتاج الزراعي في ظل زيادة بنسبة السكان ،والتي تحتاج في الوقت ذاته إلى زيادة في كمية السلع االستهالكية ،وكذلك شيوعُ العالقات الزراعية ونظم الملكية التي تضعف من إمكانية استغالل األراضي الزراعية واصالحها ،مما يعود بالضرر على اإلنتاج الزراعي الذي يغطي متطلبات السوق االستهالكية . 77 .3هيمنة سلعة واحدة على اإلنتاج المحلي وعلى الصادرات ،وغالبا ما تكون هذه السلعة من الخامات أو المنتجات الزراعية ،مما يعرض موارد البلد المالية للتذبذب جراء التقلب في أسعار هذه السلعة في السوق العالمية. .4ازدواجية االقتصاد إذ يتعايش قطاع متقدم في دائرة التكامل مع السوق العالمية غالباً ما يكون استخراجياً بينما نرى وضع القطاعات األخرى خامالً وتقليدياً. .5تَركز السلطة السياسية بيد فئة محددة وضيق قاعدة القرار مع غياب االستقرار السياسي ، وفقدان الطاقات الغنية بتصدير األرباح إلى المستثمرين األجانب . .6ضعف الهياكل والتنظيمات المؤسسية ونقص الخبرات والكوادر اإلدارية والفنية المؤهلة لقيادة النشاط االقتصادي. .7ارتفاع معدالت الزيادة السكانية مع وجود ركود اقتصادي بنفس الوقت ،يقود إلى خلق فراغ كبيرة بين التزايد السكاني السريع والنمو البطيء في الموارد المتاحة إلشباع رغبات واحتياجات هؤالء السكان .وباإلضافة إلى تدني مستوى استغالل هذه الموارد الطبيعية المتاحة وعدم كفاية رأس المال التقني لها ونقص القيمة المضافة بشكل عام. .8شيوع األنماط السلوكية القائمة على المحاكات واالستهالك المظهري مما يقضي على الفوائض االحتمالية ويكرس فجوة الموارد ونقص االدخار ومن ثم نقص التجهيز الرأسمالي. .9ارتفاع نسبة المديونية الخارجية بسبب االعتماد الكبير على رؤوس األموال األجنبية ، وكذلك نقص الموارد الوطنية يخلق تفاقم العجز في موازين المدفوعات . 78 .10تماثل الهياكل اإلنتاجية في الدول النامية بشكل عام يؤدي إلى انعدام العالقات المتبادلة بينها ،ويفقدها فرص التبادل التجاري مع بعضها ويضطرها للتكامل مع اقتصاديات الدول المتقدمة صناعياً في ظل تدهور شروط التبادل التجاري . . 11االعتماد على التكنولوجيا األجنبية كمصدر لتحسين النمو االقتصادي ،مع بقاء حالة ركود القوى المنتجة الفاعلة ،مما ُيحدث فاصالً زمنياً بعيداً بين تطور وتقدم الدول الصناعية وبين الدول النامية . .12االختالل بين الصادرات والواردات بسبب تدني مستوى الناتج المحلي ،حتى إنه غير قادر على إكمال العرض المحلي ،مما يدفع به إلى االستيراد بنحو متزايد .13كثرة التناحر الفئوي والعرقي والسياسي الذي يقود إلى حركات انفصال أو حروب أهلية أو صدامات مسلحة دامية ،يتسبب في تفشي األمية وتدني مستوى التعليم وانتشار البطالة ونقص في االستخدام األمثل للموارد وضعف مستمر في مردود العمل ،وارتفاع معدالت الوفي ات وانخفاض العمر المتوقع عند الوالدة وانتشار الفقر والمرض ،وبالنتيجة عرقلة كل الجهود التنموية. .14تبعية اقتصاديات الدول النامية القتصاديات الدول المتقدمة ،مما يؤدي إلى سيطرة خارجية على مقدرات أمم وشعوب تلك الدول . وتم طرح رؤى تنموية للتخلص من التخلف الذي تمثله هذه السمات واختلفت هذه الرؤى من عالم إلى آخر إال أن الدور الذي يلعبه القطاع المصرفي في عملية التنمية كان القاسم المشترك بينهم ،إذ أكد روزنشتاين _ رودان على الدفعة القوية لتجاوز عتبة االنطالق أي أن اقتصاد 79 الدول النامية يحتاج إلى الكثير من االستثمارات كي يصل إلى مرحلة النمو الذاتي وتوليد حركية داخلية في ظل ظروف اقتصاد معولم تتنافس فيه القوى االقتصادية الكبرى ( )1 . كما اهتم نيركسه باستراتيجية النمو المتوازن للتخلص من حيث الحلقة المفرغة للفقر، ووجوب توجه االستثمار إلى كافة القطاعات االقتصادية بشكل متزامن ومتوازي(.)2 ويتفق البرت هيرشمان مع من سبقه حول أهمية الدفعة القوية ،حيث تنسب إستراتيجية النمو الغير المتوازن له ،والتي انتقد فيها استراتيجية نيركسه للنمو المتوازن ،وأوضح أن االستقراء التاريخي يبين أن النمو ابتدأ بصناعات قائدة طليعية ؛ لذلك فهو يوصي باختيار بعض الصناعات األقدر من غيرها على حث االستثمار لتكون مجاالً لالستثمارات األولى(الدفعة القوية)(.)3 كما ونجد الدفعة االستثمارية القوية واضحة في نظرية مراحل النمو لروستو ، فيشير بشكل واضح إلى دور االستثمار في المرحلة الثانية التهيؤ لالنطالق وما تحتاجه هذه المرحلة من بنية مصرفية رصينة قادرة على تحقيق االنطالق في المرحلة الثالثة (.)4 كما ترتكز أهمية نموذج هارود -دومار للنمو من كونه يبرز أهمية رأس المال في كسر الحلقة المفرغة ،إذ إن الجهاز اإلنتاجي في أي اقتصاد بحاجة إلى إدامة ،وما ينفق من رأس مال إلدامة هذا الجهاز يسمى باالستثمار التعويضي ،كما أن هذا الجهاز بحاجة إلى توسيع وتطوير وما ينفق من رأس مال لهذا الغرض يسمى باالستثمار الصافي ،وعليه يعول في زيادة إنتاجية االقتصاد .واالستنتاج الرئيسي لنموذج هارود-دومار أن أي نمو اقتصادي يحتاج دائماً إلى مزيد من االدخار الذي بالمحصلة يوجه إلى االستثمار(.)5 ) (1مطانيوس حبيب ،االقتصاد السوري ومتطلبات الشراكة السورية –األوروبية ،دراسة على شبكة االنترنت . http://www.mafhoum.com/syr/articles/habib/habib.htm )R. Nurkse, Problems of Capital Formation in Underdeveloped Countries University Press Oxford, London, 1953. )2 ) )3التنمية االقتصادية ،عبد الرحيم بوادقجي ،المطبعة الجديدة ،دمشق ،1977 ،ص.227–230 )W.W.ROSTOW, The Stage of Economic Growth: A non–Communist Manifesto, Cambridge: The University Press,1962. )4 ) )5التنمية االقتصادية ،تيسير الراوي ،مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية ،جامعة حلب ، 2003 ،ص. 232– 229 80 وهكذا يبدو واضحا وجلياً أهمية االدخار واالستثمار في عملية التنمية .ومن البديهي أنه ال وجود الستثمار بدون مصارف توجه االدخار المحلي إلى االستثمار ،باإلضافة إلى ذلك استقبال رؤوس األموال األجنبية وتوجيهها إلى القطاعات االقتصادية في البلدان النامية ،وال يتصور حدوث عملية تنمية اقتصادية حقيقية في غياب دور فاعل لهذه المصارف . فالمصارف تلعب دور الوسيط المالي بين المستثمرين والمدخرين ،كما تقوم بتقديم العديد من الخدمات المالية والمصرفية األخرى التي تساعد على تسهيل العمليات التجارية في البالد وتسرع وسائل الدفع والشراء ،وتسهل عملية تسوية االستيراد والتصدير ،وبشكل عام تعمل على تسهيل النشاط االقتصادي وزيادة كفاءته وتسريع نموه . ولعل أهم مدخل اقتصادي يقدمه القطاع المصرفي هو التمويل ،فالتمويل مدخل اقتصادي يساهم في العملية اإلنتاجية لكافة القطاعات االقتصادية المختلفة ،وهو الذي يساعد على إنشاء المشروعات الجديدة ،وتوسيع وتطوير المشروعات القائمة ،ما ينعكس إيجابياً على األوضاع االقتصادية واالجتماعية للمواطنين . وهكذا نفهم من العرض السابق أنه ال مجال للشك في الدور الفاعل الذي تضطلع به المصارف التجارية في عملية التنمية ،إال أن هذا الدور تمت بلورته وصياغته في قوالب جاهزة من ِق َب ِل المفكرين الغربيين ،وقدموه إلى الدول النامية دون مراعاة لعاداتها وتقاليدها ومصالحها االقتصادية ،وهذه الدول النامية استقبلته وطبقته على ِعالّته ،وكذلك كانت نظريات التنمية مقتبس ًة من بنات الفكر الغربي التي لم تكن متجردة في أحيان كثيرة . وقبل االستطراد إلى بيان إمكانية المصارف اإلسالمية من حيث المساهمة في التنمية االقتصادية ،يجب أن نسرد عدة نقاط في هذا المقام تبين مواقع الخلل الموجودة في المصارف التقليدية التي تعمل على أساس الربا : 81 .1بالرغم من أن هذه المصارف تسهم في عمليات تمويل مشروعات إنتاجية داخل االقتصاد ، فإنها ال تبالي إذا كانت تلك المشروعات تقوم بإنتاج بضائع أو سلع محرمة أو ال تجيزها الشريعة . .2إن المصارف التي تتعامل بالربا بطبيعتها كمؤسسات مالية وتمويلية تعمل على تعظيم ربحها عن طريق االقتراض واإلقراض بالفائدة ،هذه المصارف تفتقر إلى أية معايير أو آليات تمكنها من إعطاء ميزات تمويلية للمشروعات التي تسهم في التنمية بشكل أكبر من غيرها ،وهي حتى بطبيعتها ال تمتلك من السياسات ما يجعلها تُقِدم على إعطاء ميزات صباً في صالح رجال تمويلية للفئة التي تتعامل بالقروض الصغيرة ،وانما تركيزها يكون ُم ْن ه ص ٍب غير ُم ْن ه األعمال خاص ًة في الحصول على تلك الميزات ،والذين يكون البعض منهم ُ اهتمامه على تحقيق المنفعة االقتصادية في الدرجة األساس ،واألولى في هذا المجال أن يكون النشاط موزعاً بحسب تحقيق العدالة االقتصادية ومن ثم بالتالي تحقيق العدالة التنموية . .3إن المصارف التقليدية قد أسهمت ـ من حيث النظرة الواقعية لها ـ في عدة نشاطات تمويلية وانمائية عن طريق تقديم التسهيالت االئتمانية ،وكانت تلك المشروعات ذات طابع اجتماعي وذلك في قسم من البلدان النامية ،لكن تلك المشروعاتُ نفذت في ظروف معينة وخاصة ،وبعد ممارسة ضغوط من قبل السلطات االقتصادية لتلك البلدان. .4المصارف التقليدية أو التجارية .وهي المصارف التي تتعامل بمبدأ الربا ،وحتى نكون منصفين تجاهها فقد أسهمت تلك المصارف في عملية التنمية االقتصادية ،اعتمادا على معاييرها الخاصة والمرتبطة بآليات السوق والمالءة المالية ،ولكن تلك التنمية التي تحققت كان خط سيرها موجهاً نحو التوجه غير السليم للعمل االقتصادي من ناحية المنظور 82 اإلسالمي ،ألن تعامالتها كانت مبينة في األصل على مبدأ الربا المحرم شرعاً في القرآن َّللاُ اْل َب ْي َع َح هل ّ والسنة ،والتحريم قطعي وواضح ؛ حيث قال هللا تعالى في كتابه العزيز﴿ َوأ َ و َح هرم ِّ الرَبا﴾[البقرة :اآلية ، ]275والربا هو محرم في األديان كلها وليس فقط في اإلسالم َ َ وحدهم في معاملة األجناس األخرى ُمضياً في أنانيتهم ،والذين استباحوه هم اليهود ُ المفرطة ،وكانت الكنيسة في تاريخها القديم والوسيط ال تتعامل به ،ولكن الكنيسة لم تجد ُبهداً من االنقياد وراء الحداثة وقبلت بالربا كفرض واقع ،ومن هنا استقرت المعامالت الربوية ،ثم انساحت على العالم كله (.)1 .5من ناحية أخرى ،قد يؤدي استخدام القروض التي يتم اقتراضها من المصارف التقليدية ، إلى الدخول في مضاربات بحتة بقصد التربح السريع ،والتي تؤدي إلى إفساد حالة أسواق األوراق المالية ،وبالنسبة للمصارف يهمها المكسب في الدرجة األولى قبل التفكير في الناحية االقتصادية للمصلحة األساسية للمجتمع ككل ،وقد يحدث أن يقوم بعض رجال األعمال من المتعاملين مع المصرف باخراج أموالهم وتهريبها لصالحهم ولكن األمر هنا أيضاً ال يخص إدارة المصرف ،ما دام لم يأتها توجه أو تحذير مقيد من البنك المركزي تجاه أولئك األشخاص سواء كانوا رجال أعمال مشهورين أم أثرياء .وبهذا الخصوص ِ زمنا الشريعة الغراء بتوخي كل الحذر واالهتمام بمصير أموال المسلمين والمحافظة عليها تل ُ بأكثر جهد ممكن ،ألن إحدى قواعد الشريعة في المعامالت بين الناس ـ والمستمدة من تعاليم السنة النبوية الشريفةـ هي (ال ضرر وال ضرار)( ،)2وبذلك تكون هنا الحالة موضوعة تحت خط السفاهة التي تجلب كامل الضرر . ) (1فوائد البنوك ،القرضاوي ،ص.7 ) (2سنن ابن ماجة ،القزويني ،باب من بنى في حقه ما يضر ،حديث رقم ( ، )2332ج.143/7 83 .6إن المصارف التقليدية آثرت االهتمام بجانب أساسي هو تعظيم الربح على حساب األمور األخرى أو الخدمات التي تهم المجتمع كأولوية في نظام الرفاه االجتماعي ،والجانب االجتماعي يحقق الضمان في تطور االقتصاد ويحقق له المكاسب ،من حيث توفير طاقات شبابية عالية قادرة على اإلنتاج واإلبداع في جميع المجاالت االقتصادية. ثالثاً :المصارف اإلسالمية ( مفهومها ،نشأتها وتطورها ،خصائصها ) : نشأة المصارف اإلسالمية وتطورها: جاءت المصارف اإلسالمية ،لتجمع بين األنشطة االجتماعية واالقتصادية والمالية والمصرفية ،وبذلك يتحقق التوافق المنظور حسب النظرية التنموية ،وعلى هذا الفكر الناضج نشأت المصارف اإلسالمية ،ودخلت على جميع المنافذ التي يرغبها اإلنسان ،لكي تكون قوة دفع لصالح المستثمر والمودع بآن واحد ،وكان ظهورها واجباً إنسانياً واجتماعياً قبل أن يكون واجباً اقتصادياً ،ألن الغاية األساسية التي وجدت من أجلها هي محو آفة خطيرة ظهرت وترعرعت لدى المجتمعات اإلسالمية ،أال وهي آفة الربا التي تواجدت من خالل نظام الفوائد ،وكانت بذلك الدافع األساسي للمصارف اإلسالمية للمساهمة في عملية النهوض بالمجتمع . دور مهماً في مجاالت وعند ذلك أصبحت الحاجة ماس ًة لقيام مصارف إسالمية ،تلعب اً الحياة وتغذي الطرف الناقص من العملية التمويلية ،وبنفس الوقت كانت حاجة ملحة لكي تقف أمام موج المصارف التي تجذرت في تعامالت المسلمين ،وأتت لكي تكون البديل الناجح والمفيد بعد دخول تلك المصارف التجارية إلى العالم اإلسالمي .ومن نعمة هللا عز وجل أن المسلمين استعادوا ثقتهم بأنفسهم ووعيهم لهويتهم ،وبذلوا الجهود الكبيرة والمحاوالت الجادة النافعة إلظهار 84 التطبيق الشرعي المباح لتلك العمليات المصرفية ،واجهاض فكرة الغرب القائلة " :إن تطبيق الشريعة في المجال االقتصادي مستحيل ،ألنه ال اقتصاد بغير بنوك ،وال بنوك بغير فوائد"(.)1 ومرت المصارف اإلسالمية بمراحل متعددة ومختلفة في أول أمرها ،فكانت تلك المراحل على شكل محاوالت انطالق تجاه تكوين َل َبنات النظام المصرفي اإلسالمي الجديد ،فبدأت المحاوالت(()2األولى في عام 1940عندما أَنشئت في ماليزيا صناديق لالدخار تعمل بدون فائدة ، و الثانية في عام 1950بدأ التفكير المنهجي المنظم يظهر في الباكستان بوضع تقنيات تمويلية تراعي التعاليم اإلسالمية) .وبدأ تدريس االقتصاد االسالمي كمادة في جامعة أم درمان عام 1963 ،وخرج منها مشروع (( مشروع بال فائدة )). ثم جاءت أول تجربة فعلية للدكتور أحمد النجار في (ميت غمر ) بصعيد مصر عام 1963م في مصارف االدخار( ،)3كما سماه صانعه "بنك االدخار المحلي" أو"بنك التنمية المحلية"، وكان هذا المشروع يقصد منه التنمية المحلية ،وكان أول بنك ادخار محلي يعمل بأسس تتفق مع أحكام الشريعة اإلسالمية ،وهو تجسيد ألفكار كانت تطرح قبله بفترة وجرى الحديث عنها نظرياً ، ولقد اطلع النجار وهو أحد المثقفين النادرين على مثل مطبق في ألمانيا لمصارف االدخار ، فحاول تقليد الفكرة مع إجراء تعديل عليها كبديل إسالمي متميز ،ومع ذلك فقد أجهضت تلك الفكرة عام 1967م ،بعد أن أظهرت نجاحاً دام قرابة أربع سنوات من العمل المضني . ) (1الرد على فتوى إباحة الفوائد البنكية ،الموقع االلكتروني للشيخ عجيل النشمي http://www.dr-nashmi.com/index.jsp?inc=19&docid=3&type=4 ، ) (2البنوك اإلسالمية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق ،عائشة الشرقاوي المالقي ،المركز الثقافي العربي ,الدار البيضاء ,الطبعة األولى , 2000ص.22 ) (3مصرف التنمية االسالمي ،رفيق المصري ،مؤسسة الرسالة ،ط ،1987 ، 3ص.327-325 85 وفي عام )1(1971صدر قانون بنك مصر االجتماعي رقم ( )66الذي ينص على تحريم التعامل بالربا ،وأنشئ البنك في ذلك العام ليقوم بقبول الودائع واستثمارها على أساس أحكام الشريعة اإلسالمية . أما في عام 1975فقد قام ألول مرة مصرفان إسالميان(:)2 األول " :البنك اإلسالمي للتنمية" الذي تم تأسيسه في جدة بالمملكة العربية السعودية ،وهو مؤسسة دولية للتمويل اإلنمائي واالستثمار االقتصادي ،والقيام باألبحاث الضرورية وتنمية التجارة الداخلية والخارجية ،ودعم وسائل البحث والتدريب ،وتوفير األموال الالزمة ألنشطة اجتماعية وخيرية كثيرة ،وتشارك فيه جميع الدول اإلسالمية . الثاني " :بنك دبي اإلسالمي" الذي تأسس في عام 1975أيضاً مزامنة مع البنك اإلسالمي ِ ئ بمرسوم من قبل حكومة دبي في دولة اإلمارات العربية المتحدة. للتنمية بجدة ،وقد أُنش َ وفي عام 1977تأسس "بنك فيصل السوداني" ،و"بنك فيصل اإلسالمي المصري" ،وبيت التمويل الكويتي في دولة الكويت( ،)3ونشير هنا إلى أن األخير لم يستعمل كلمة (بنك) ألنها كلمة أجنبية .وفي نفس العام أنشئ االتحاد الدولي للبنوك اإلسالمية ـومقره الرئيسي في مكة المكرمةـ بهدف دعم الروابط بين المصارف اإلسالمية وتوثيق أواصر التعاون والتنسيق بينها ،وبنفس الوقت هو طريق أولي للتوحد على المستوى الدولي في المصارف . وفي عام 1978تم إنشاء "البنك اإلسالمي األردني للتمويل واالستثمار" ،كشركة مساهمة عامة محدودة وكانت تجرب ًة رائدة في تأسيس" مصارف بال فوائد" ،وقد باشر البنك أعماله في يوم ، 1979/9/22واحتل المرتبة الثالثة في عام 1999بين المصارف العاملة في األردن ،من حيث ) )1أنظر المصارف اإلسالمية ،محمد الزحيلي ،دار المكتبي ،بيروت ،ط ،1997، 1ص.13 ) )2العالقة بين البنوك المركزية والبنوك اإلسالمية ،عدنان الهندي ،اتحاد المصارف العربية ،بيروت ،1989 ،ص . 27 ) )3تطوير األعمال المصرفية بما يتفق والشريعة اإلسالمية ،سامي حسن أحمد حمود ،مطبعة الشرق ومكتبتها ،األردن 1982 ،م ،ص.2 86 حجم الموجودات التي بلغت قيمتها في 1999/6/30حوالي ( )732مليون دينار أردني ،والودائع البالغة ( )540مليون دينار ،وأعمال التمويل واالستثمار التي بلغت ( )475مليون دينار ( )1 . كما وفق هللا عز وجل بعض البالد اإلسالمية مثل باكستان في تحويل بنوكها الوطنية إلى بنوك إسالمية ،بل ذهبت إلى أكثر من ذلك ،حين طلبت من المصارف األجنبية أن تغير نظامها بما يتفق واتجاه الشريعة والدولة ( )2 . وباإلضافة إلى باكستان فقد حدث أيضاً في كل من إيران والسودان " أسلمة " النظام المصرفي. ولقد عرف النشاط المصرفي الذي ال يأخذ بنظام الفائدة انتشا اًر كبي اًر في العديد من الدول اإلسالمية األخرى وبعض الدول األوروبية وبدأت بعض البنوك التقليدية تنشئ فروعا لها للمعامالت اإلسالمية(.)3 ويجدر بنا القول أن المصارف اإلسالمية أصبحت حقيقة فعلية في األسواق العالمية للمال واألعمال ،لها فكرها ومنهجها ومؤسساتها ،وهكذا أخذت هذه المصارف تتوسع وتكثر فروعها في البالد التي تعمل فيها ،وصار انتشارها في السنوات األخيرة في دول العالم المتقدمة طبعاً باإلضافة إلى الدول النامية ،وهذا برهان كبير يدل على القبول الدولي والعالمي لفكرة العمل المصرفي اإلسالمي وأساليب استثماره وبالتالي نجاح للتجربة اإلسالمية في المصارف . وقد تم إعداد جدول بموجب دراسة قام بها اإلتحاد الدولي للمصارف اإلسالمية بالتعاون مع جامعة هارفارد األمريكية لجمع المعلومات عن التمويل فوق الشريعة االسالمية : مجموع المنطقة المدفوع ) (1أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي ،محمود حسن صوان ،ص.84 ) (2المصارف اإلسالمية والرقابة الشرعية ،شامل شاهين ،ص.42 ()3البنوك اإلسالمية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق ،عائشة الشرقاوي المالقي ،ص. 24 87 رأس المال مجموع الموجودات قيمة ( ألف دوالر ) ( ألف دوالر ) -1دول اتحاد التعاون الخليجي العربي 1,357,612 18,489,200 -2دول الشرق األوسط 2,228,037 43,210,162 -3الدول األوربية واألمريكية 226,123 386,471 -4دول جنوب شرق آسيا 121,214 1,575488 -5دول جنوب آسيا 894,163 42,597,712 -6دول أفريقيا 126,858 3,866,840 4,954,007 101,125,873 المجموع الكلي ( )1 وفي ضوء هذا الجدول ،نالحظ اشتماله على ( )133مؤسسة ومصرف إسالمي قائمة في ( )25دولة في العالم .ولقد بلغ رأس مالها المدفوع حوالي ( )5بليون دوالر ،بينما فاق مجموع قيمة موجوداتها مبلغ ( )101بليون دوالر . مفهوم المصارف اإلسالمية : يوجد تعريف شائع للمصرف اإلسالمي بأنه (مؤسسة مصرفية ال تتعامل بالفائدة أخذاً وعطاء) ،وهذا التعريف قاصر إذ إنه غير جامع وال مانع ،فهو غير جامع ألن المصرف ً اإلسالمي ال يقتصر عمله على مجرد التعامل بدون فائدة ،بل له أهداف حقيقة أكبر وغايات أخرى ونشاطات متنوعة تخدم القضايا الضرورية التي تهم المودع والمستثمر ( المقترض) ،واللذان ) (1مجلة الدراسات المالية والمصرفية ،األكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية ،1998 ،عمان ،األردن ،المجلد السادس ،العدد الثاني ،ص. 58،57 88 يمثالن صفة اإلنسان وبالتالي هي خدمة لإلنسانية ،وكذلك غير مانع بسبب ظهور مصارف ال تتعامل بالربا (الفائدة) في دول الغرب ،وال تسمى مصارف إسالمية . إذاً المصرف اإلسالمي (:هو مؤسسة مالية مصرفية لتجميع األموال وتوظيفها في نطاق الشريعة اإلسالمية ،بما يخدم بناء مجتمع متكامل وتحقيق عدالة توزيع ووضع المال في المسار ( )1 اإلسالمي) . أو (هو منظمة إسالمية تعمل في مجال األعمال بهدف بناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم ،واتاحة الفرص المواتية للنهوض على أسس إسالمية تلتزم بقاعدة الحالل والحرام) (.)2 خصائص المصارف اإلسالمية : تقوم المصارف اإلسالمية بجميع وظائف المصرف التجاري من ادخار وجذب الودائع ، وخدمات تمويلية و استثمارية ومصرفية ،وصرف عمالت وتحويالت مصرفية ،إال أنها تتميز بسمات وخصائص معينة تمارس بها أعمالها المصرفية بأسلوب مختلف عن المصارف التجارية التقليدية . وتلك الخصائص هي : .1تقوم المصارف اإلسالمية في معامالتها على أساس المشاركة في الربح والخسارة الذي معتمدة في ذلك على النهج االقتصادي أقرته الشريعة اإلسالمية ،وتستبعد التعامل بالربا ً في اإلسالم الذي يتسم بموقف واضح ومحدد وحاسم ال َل ْب َس فيه وال غموض ،وهو إسقاط الفائدة الربوية ،وتعد هذه الخاصية المعلم الرئيسي واألول للمصرف اإلسالمي وبدونها ال تبقى حقيقته التي تأسس عليها ،وحاله فيها حال أي مصرف ربوي آخر . ) )1البنوك اإلسالمية ،ضياء مجيد ،مؤسسة شباب الجامعة ،اإلسكندرية ، 1997 ،ص.54 )(2الصيرفة اإلسالمية مفهومها وعملياتها ،سيف هشام صباح ،بحث بكاللوريس ،كلية اإلدارة واالقتصاد ،جامعة الموصل ، 2004،ص.8 89 .2عدم السماح للمصارف اإلسالمية بمخالفة قواعد الشريعة ،وتوجيه استثمارها وتركيزه في كل ما هو حالل ،أي بمعنى أوضح أن يقع إنتاج السلع والخدمات في دائرة الحالل ،وأن تكون كل أسباب اإلنتاج كأجور ونظام عمل منسجم مع دائرة الحالل ،وتتجنب األنشطة األخرى الواقعة في دائرة التحريم ،ويحتل االستثمار حي اًز كبي اًر في تعامالت المصارف اإلسالمية ،باختالف المصارف التجارية التي يكون الحيز الكبير لديها على اإلقراض بفائدة ،بل وال تقوم باالستثمار إال في نطاق ضيق . .3تخضع المصارف اإلسالمية للرقابة الشرعية باإلضافة إلى الرقابة المالية ،والتي تعمل على متابعة وفحص وتحليل كافة األعمال والتصرفات والسلوكيات التي تقوم بها المصارف الغراء ،كما تسعى إليجاد البدائل والصيغ اإلسالمية ،للتأكد أنها تتم وفق أحكام الشريعة ّ المشروعة ألية أعمال تخالف تلك األحكام ،وهي تهدف أيضاً إلى حفظ وتقويم العمل المصرفي الشامل ،أ هما المصارف التجارية فال تقع تحت أي رقابة . ٍ ٍ ٍ منقولة ،وهذا النوع من ثابتة أو أصول .4استثمارات المصارف اإلسالمية تتطلب تَ َملك التعامل ممنوع في المصارف التجارية خوفاً من تجميد أموالها . .5تستخدم المصارف اإلسالمية عدة صيغ استثمارية للتعامل مع العمالء (المقترضين ) ، كصيغة المرابحة والمشاركة واالستصناع واإلجارة وكلها صيغ شرعية ،أما المصارف التجارية فال تعتمد إال على أسلوب واحد هو القرض بفائدة . .6القروض التي تمنحها المصارف اإلسالمية ال يوجد فيها ضمان عودة رأس المال والربح بالغرم ) في تعامالتهم ،أما الغنم ُ بدون أي خسارة قد تحدث ،معتمدين على قاعدة ( ُ المصارف التجارية فهي ال تمنح القروض إال بضمان عودة رأس المال مع الفائدة الموضوعة عليه . 90 .7ربط التنمية االقتصادية بالتنمية االجتماعية ،ويأتي هذا من ناحية أن المصارف اإلسالمية ـ بطبيعتها المستمدة من النظرة اإلسالمية لالقتصاد ـ تحقق تزاوج بين جانبي اإلنسان المادي والروحي .وال تنفصل في المجتمع اإلسالمي الناحية االجتماعية عن الناحية االقتصادية ،فاإلسالم وحدةٌ متكاملة ال تنفصل فيها جوانب الحياة المختلفة .وترى أن التنمية االقتصادية ال تتحقق ثمارها ومكاسبها إال بمراعاة التنمية االجتماعية ،فتلتزم المصارف اإلسالمية بتحقيق عناصر التكافل االجتماعي بين أفراد المجتمع من خالل تقديم الخدمات االجتماعية الهادفة إلى إنشاء صور التعاضد والتكامل االجتماعي ،ومن هذه الخدمات إحياء نظام الزكاة ،حيث تقوم هذه المصارف بجمع أموال الزكاة بصندوق خاص هي تتولى إدارته ،وتوزيعها حسب األوامر الربانية بحسب مصارف الزكاة التي حددها القرآن الكريم ،وتقوم أيضاً بالمساهمة في حل مشكالت المجتمع كمشكلة السكن ، والشعور بمآسي المجتمع ،وتساهم في بعض الفعاليات االجتماعية . .8القضاء على االحتكار الذي تفرضه بعض شركات االستثمار ،فانطالقاً من وظيفتها األساسية في التقيد في معامالتها باألحكام الشرعية بالقضاء على االحتكار الذي تضعه بعض الشركات المساهمة على أسهمها ،حيث إن هذه الشركات تلجأ إلى إصدار (أسهم) تمكنها من الحصول على رأس مال جديد وابقاء أسهم الشركة محصورة في يد المساهمين فقط .بل إنها ،وبهدف زيادة رأس المال والتوسع في أعمالها ،تفتح باب االكتتاب على أسهمها أمام جميع الراغبين .وبالنسبة للسندات فإن المصارف اإلسالمية ال تقوم بإصدارها ألن فقهاء الشريعة قالوا بحرمتها. .9تقوم المصارف اإلسالمية على مبدأ الفصل الحسابي بين الموارد العادية والموارد الخاصة ،من أجل التوصل إلى البيان الدقيق ألرباح وخسائر االستثمار العام والخاص. 91 .10أنظمة المصارف اإلسالمية وأهدافها ونشاطاتها تتيح التكيف والتالؤم المستمر مع المتغيرات الهيكلية لالقتصاد ،ومواجهة األزمات بصورة مشتركة ومرنة وبما يحقق حاجات المواطنين. أهداف المصارف اإلسالمية(:)1 لكل مصرف هناك هدف يعمل من أجل تحقيقه ،وبهذه األهداف تتحقق القدرة على االستم اررية والتطور والحداثة ،ويكون عمل المصرف ونجاحه مبنياً عليها وأهداف المصارف ُ اإلسالمية هي : .1تحقيق الربح :فهو أهم األهداف التي تسعى المصارف اإلسالمية دوماً لتحقيقها في المقام األول ،وبدون تحقق هذا الهدف ال يمكن تحقيق األهداف األخرى ،والربح هنا ال يهم المساهمين في رأس مال المصرف اإلسالمي فحسب ـ باعتبار أن الربح يعد حاف اًز أساسياً لديهم لالحتفاظ بأسهمهم أو التخلص منها ـ بل يهم الربح المدخرين المودعين ألنه في النتيجة يحقق الضمان الكامل لودائعهم من الخسارة ويعمل على تنميتها ،وبذلك ستكون للمجتمع أيضاً أهمية في الربح ،الن الربح ضمانة لوجود المصرف الذي يساعد في عجلة النمو االقتصادي .ووجوده يعني استم اررية تدعيم المجتمع من خالل الخدمات التي يقدمها . .2تحقيق األمان :تسعى المصارف اإلسالمية دائماً وفي المقام الثاني بعد هدف الربح إلى توفير مناخ آمن ،والبعد عن أي شيء من المخاطر ويكون ذلك من خالل محاولة اتباع سياسة التنويع في التوظيفات ،والتي يطلق عليها محفظة األمان ،فمهمة المصرف هي عملية تحقيق التوازن المناسب بين الهدفين عن طريق ربط الربح بمستوى معين من ) (1الودائع االستثمارية في البنوك اإلسالمية ،محمد جمال سليمان ،دراسات في اإلقتصاد اإلسالمي ،المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ،ط ،1995 ، 1ص.41،40 92 المخاطرة ،حيث تتناسب درجة الخطورة مع المشروع االستثماري المختار من قبل المصرف . .3تحقيق النمو :بعد تحقيق الربح واألمان ،سينتج عنهم تحقيق الهدف األسمى واألكبر وهو النمو ،والذي يقصد به نمو الموارد الذاتية للمصرف والمتمثلة برأس ماله ،واألرباح المحتجزة واالحتياطيات ،وكذلك نمو الموارد الخارجية المتمثلة في الودائع بجميع أنواعها . رابعا :دور المصارف االسالمية في التنمية كيف تحقق المصارف اإلسالمية التنمية ؟ ه إن المتوقع من طبيعة العمل المصرفي اإلسالمي أن يساهم مساهمة فعالة في مجال التنمية من خالل التأثيرات التالية: .1المصارف اإلسالمية أداة رئيسية لتوسيع قاعدة االدخار الوطني المعد لالستثمار ،لألسباب اآلتية: إن معدالت الربحية في إطار آليات المشاركة تتغير بمرونة أكبر بكثير من أسعار الفائدة في إطار آليات التمويل بالدين ،ومن ثم فإنها أكثر قدرة على جذب المدخرات ألغراض االستثمار. فالمؤسسات المصرفية اإلسالمية ومن خالل آلية المشاركة التي تعمل بها تعني أنها ليست مؤسسة وسيطة بين المدخرين كفريق مستقل ،والمستثمرين كفريق آخرـ كما هو الحال في المصارف التجاريةـ بل هي قائمة على أساس مختلف تماماً .ذلك أن أرباب األموال (المودعين) هم الذين يتحملون مباشرة مخاطر المستثمرين .وبذلك فإن عمل المصرف اإلسالمي ال يقوم على تحمل المؤسسة المصرفية لمخاطر مستخدمي األموال ،بل هي وسيط يقوم أرباب األموال من خالله بتحمل مخاطر االستثمار مباشرة(.)1 ) )1البنك اإلسالمي أتاجر هو أم وسيط مالي ،محمد علي القري ،مجلة اإلقتصاد اإلسالمي ،المجلد العاشر ،ص. http://www.kantakji.com/fiqh/Banks.htm ،1 93 بينما ينتظر المدخرون من المصارف التجارية فائدة على أموالهم فإن المدخرين المستثمرين ينتظرون عائداً على أموالهم نتيجة استثمارها .والعائد على االستثمار ربح يتحدد مقداره تبعا لنجاح المشروع االستثماري ،ومن ثم فهو دخل يرتبط ارتباطاً مباش اًر بالنشاط اإلنتاجي ،وهناك بالطبع احتماالت تحيط بهذا العائد ؛ فقد يكون منخفضاً وقد يكون مرتفعاً. ومن المنطقي أن أي شخص يريد استثمار مدخراته سوف يجد حاف اًز أكبر كلما توقع ربحاً أكبر ،وهذا أمر ال يتحقق في إطار نظام الفائدة حيث إن هناك قيودا عديدة على ارتفاع سعر الفائدة في السوق المصرفية ،قيوداً يضعها البنك المركزي ألهداف اقتصادية كلية وقيوداً أخرى تمارسها المصارف نفسها ألغراض السياسات االئتمانية والمقدرة ) . )Solvencyوتجد هذه الفرضية تأكيدا منطقيا على سالمتها في إطار النظرية الكالسيكية التي كانت تؤكد على أن األرباح المحققة (أو معدالت الربح) هي التي تنمي االدخار ألجل االستثمار. زمنا بسبب النظرية النيو ونالحظ أن هذه النظرية الكالسيكية وقعت في طي اإلهمال ً كالسيكية التي أدخلت اعتبارات سعر الفائدة في عملية االدخار ثم النظرية الكينزية التي اعتبرت أن المدخرين يمثلون فريقاً مستقالً تماماً عن المستثمرين ،وأن سلوكهم االدخاري ال يتأثر بتغيرات سعر الفائدة ،بينما يتأثر المستثمرون بهذه التغيرات . ولكن تجارب البلدان النامية ما تزال تؤيد وجود الشخصية المتكاملة للمدخر/المستثمر، كما أن آليات المشاركة ال بد أن تعمل على تأكيد وجود هذه الشخصية التي كلما استطعنا تنميتها بطريق الممارسات الصحيحة ،أمكن لنا تنمية المدخرات ألغراض االستثمار على نحو أفضل بكثير وأكثر فاعلية مما هو قائم في إطار نظام الفائدة . ِ التجارب الحديثة المصرفية في العالم الغربي أن نظم التمويل التي تعتمد على ولقد أثبتت المال المخاطر أصبحت تلقى رواجاً أكثر من النظم المقيدة بسعر الفائدة ،كما أثبتت تجارب 94 األسواق المالية في بلدان العالم المختلفة أن الشركات المساهمة الناجحة بمؤشرات الربحية الموزعة تتمكن عن طريق إصدار األسهم من جذب ما تريد من مدخرات األفراد لتغطية احتياطاتها . وفيما كتب عن المصارف اإلسالمية سنجد أن أحد وسائل جمع المدخرات ألجل االستثمار يتمثل في إصدار شهادات إيداع يتم تداولها في أسواق األوراق المالية ،وتحصل في نهاية كل عام على نصيب مما يتحقق من أرباح نتيجة استثمار أرصدتها في أنشطة إنتاجية حقيقية ؛ فهل تملك المصارف التي تعمل بالفائدة هذه المقدرة ؟ وباإلضافة إلى ما سبق فقد أثبتت التجربة الفعلية للمصارف اإلسالمية اهتمامها وقدرتها على تعبئة المدخرات الصغيرة جدا ،بالمقارنة بالمصارف التجارية. وقد أظهرت الممارسات العملية للمصارف اإلسالمية كما تدل الدراسات واألبحاث التي اهتمت بها ،سواء من المدافعين أو المعارضين لها أن هذه المصارف تمكنت من اختراق أسوار النشاط المصرفي التقليدي ،واستطاعت بآلياتها وأدواتها المستحدثة أن تُْد ِخل في دائرة هذا النشاط ٍ فئات من المدخرين لم يكن لهم نصيب فيه قبل ذلك ،فالمودعون في المصارف يشكلون عنصر قوة واستمرار ،ومن ثم يجب المحافظة عليهم وتوسيع دائرتهم ،وتشير الدراسات الميدانية إلى أن هذه الفئات في المصارف اإلسالمية ينقسمون إلى أربعة أنواع( ،)1وهي بمعيار الباعث الدافع إلى التعامل : .1الفئة الداعمة التي تحرص على التعامل الشرعي وهي الرصيد األساسي للمصارف اإلسالمية . ) (1رؤية إستراتيجية لعمل البنوك اإلس ــالمية في ظل العولمة ،عبد الفتاح فرج ،مجلة اآلفاق االقتصادية ،غرفة التجارة والصناعة في دولة اإلمارات 2000 ،م ،المجلد ، 21العدد ، 83ص .24 95 .2الفئة المنحازة التي تفضل التعامل مع المصارف اإلسالمية إذا وجدت خدمات ومنتجات إسالمية منافسة وهي فئة كبيرة . .3الفئة النفعية التي تبحث عن المزايا فقط . .4الفئة المناوئة التي ال ترغب في التعامل مع المصارف اإلسالمية . و قيام المصارف اإلسالمية قد شجع هذه الفئات التي لم تكن المصارف التقليدية تظن لها أهمي ًة ولم تولها اهتماماً .وال يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقة أمام النمو المتزايد في الموارد المالية التي تتلقاها المصارف اإلسالمية من هذه الفئات . فعالوة على كون نسبة كبيرة من المسلمين قدرهم الدكتور أحمد النجار ،وهو أحد مؤسسي المصارف اإلسالمية بنسبة %90من الشعوب اإلسالمية ال يتعامل أصالً مع المصارف ألسباب مختلفة ،منها بال شك األمية ؛ مما يترك أرضية خصبة قابلة لالستغالل .نجد كذلك أن بعض الناس يرفضون مبدئياً التعامل مع المصارف الربوية(.)1 .2المصارف اإلسالمية أداة لتوسيع قاعدة االستثمار الوطني ،لألسباب اآلتية : أ .دلت دراسة قام بها مكتب البحث (المجموعة الدولية للمال واألعمال (IBFفي الغرب حديثًا أن %6من أصحاب مؤسسات المقاوالت يرفضون القروض الربوية رغم حاجتهم لها ،وأنهم مستعدون الستخدام التمويالت المبنية على المشاركة .وقد ساهمت أسلمة المصارف في بعض الدول اإلسالمية في تحريك االدخار االستثماري .ففي السودان مثالً :تضاعفت الودائع ) (1تطور دور المصارف اإلسالمية في التنمية االقتصادية واالجتماعية ،اعداد عمر راشد . http://www.ukb.com.kw/masaref/ar/category_detail.php?issueID=49&catID=31 ، 96 االستثمارية 20مرة فيما بين غضون خمس سنوات من بدء تطبيق التجربة ،في الوقت الذي ارتفعت فيه الودائع تحت الطلب بشكل بطيء(.)1 ب .من جهة أخرى أتاحت المصارف اإلسالمية تمويالً لم يكن متاحاً من َق ْب ُل ألصحاب المشروعات الصغيرة والقزمية والذين كانوا دائما وفي كل العالم ، يعتمدون على مدخراتهم الخاصة والعائلية ،ومدخرات األقارب والجيران ،فإذا تعرضوا لمشكلة تمويلية اضطروا إلى سوق االئتمان غير الرسمي أو سوق الربا الفاحش والذي تصفه الدراسات المتخصصة أنه مدار من قبل حيتان القروض ؛ حيث ترتفع أسعار الفائدة فيه أحيانا إلى %1000في السنة أو أكثر في بعض الحاالت ،وال يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقية وان ادعى بأن المصارف اإلسالمية ليست ِ التجارب في التمويل الصغير هي تجربة بعد على المستوى والكفاءة المطلوبة ،ولعل أبرز وأنجح ُ "بنك فيصل فرع أم درمان" ،و "بنك جيرمين" برغم أن هناك تجارب عديدة ناجحة في إندونيسيا وبنجالديش وماليزيا ومصر واألردن . .3المصارف اإلسالمية تساهم مبدئيا في مقاومة التضخم ،وبالتالي في استقرار االقتصاد الذي يعتبر أساس التنمية : ذلك أن نمو الكتلة النقدية في االقتصاد القومي الذي من المحتمل أن يتحول إلى تضخم مرتبط بنظام التمويل بالمشاركة بنسبة األرباح من الودائع االستثمارية ،وليس مرتبطاً بنسبة الفوائد ) )1تطور دور المصارف اإلسالمية ،اعداد عمر راشد . http://www.ukb.com.kw/masaref/ar/category_detail.php?issueID=49&catID=31 ، 97 المترتبة على القروض ؛ أي أن االرتباط متعلق باإلنتاج الحقيقي وليس بإنتاج األموال عن طريق الفوائد المصرفية . وهذا ما جعل الخبراء األجانب ـ ومنهم خبراء المصرف الدولي ـ يعترفون بوفورة االستقرار لدى األنظمة المالية والمصرفية اإلسالمية .مضاف إلى ذلك أن الخسائر المحتملة المترتبة على اإلنتاج في النظام الربوي تتحول إلى فوائد مصرفية ،وهي إضافة يتحملها المستهلك عن طريق رفع األسعار ،بينما نرى توزع تلك الخسارة في النظام المصرفي اإلسالمي بين ثالث أطراف مساهمة ،وهي :المستثمر والمصرف والمودع .حيث أن التكلفة تخفف من خالل تحمل جميع األطراف مغرم الخسارة . .4دور المصارف اإلسالمية في التنمية يظهر كذلك من خالل إمكانيات التمويل التي تغطيها عاد ًة المصارف التجارية : ذلك يحصل خاصة في المجاالت التي تحمل طابع المخاطرة مثل تمويل المشاريع الفالحية ،والمؤسسات المالية اإلسالمية في مصر تنشط كثي اًر في هذا المجال الحيوي ،ومجال الصناعة التقليدية باإلضافة إلى المجاالت المختلفة األخرى ،ونجد مثالً مصرف فيصل اإلسالمي السوداني قطاعي النقل والتجارة الخارجية .إضافة إلى تمويل قطاعات الصناعة والفالحة يساهم في تمويل َ والصناعة التقليدية . كما نجد قابلية المصارف اإلسالمية لتمويل القروض الصغيرة التي اكتشف دورها في مقاومة الفقر والبطالة ومقاومة الهجرة العشوائية إلى المدن الكبيرة والتي ال يتوفر ألصحابها ضمانات كافية للحصول عليها من المصارف التجارية .وقد تكون البديل العملي للقروض الصغيرة الربوية التي تقوم بها المؤسسات المالية الربوية المختصة ،خاصة المؤسسات الدولية . 98 .5إن المصارف اإلسالمية أكثر قدرة على توزيع المتاح من الموارد النقدية على أفضل االستخدامات ألغراض التنمية االقتصادية : الشائع والمتوهم بين الناس أن نظام الفائدة يعمل كمصفاة تستبعد المشروعات األقل كفاءة وتستبقي تلك المشروعات األعلى عائداً فقط ،وهي األكثر قدرة على دفع الفائدة المطلوبة منها ، ومن ثم فإنها تحصل على النصيب األكبر من قروض البنوك ،ويليها المشروعات ذات األقل عائداً . أما المشروعات ذات العائد المنخفض التي يقل مستوى العائد فيها عن سعر الفائدة ،فإنها لن تحصل على شيء من البنوك ،والجزء األخير فقط من هذه المقولة هو الصحيح وفقاً لنظرية الكفاءة الحدية لالستثمار ،فحينما ينخفض معدل العائد المتوقع على مدى عمر المشروع االستثماري عن سعر الفائدة السائد يصبح االقتراض من المصرف أم ار غير مرغوب فيه على اإلطالق أو مغامرة فاشلة من بدايتها . لكن هل صحيح أن المشروعات األعلى عائدا تحصل على أكبر قدر من التمويل المصرفي القائم على الفائدة ،وتليها المشروعات األقل عائدا ؟ من الجهة النظرية فإن وجود سعر فائدة سائد في السوق المصرفية يعني أن جميع المشروعات التي تتوقع عائداً فوق هذا السعر ستكون راغبة في االقتراض ،وأن المشروعات التي تتوقع عوائد مرتفعة نسبياً قد تكون فعالً أكثر رغبة في االقتراض ،وذلك ألن العائد الصافي المتوقع لديها بعد دفع الفاتورة المستحقة للمصرف سيكون أعلى من غيرها ،ولكن األمر ليس بهذه البساطة أبداً ،سواء من الناحية النظرية أو الواقعية؛ ذلك ألن الحصول على االئتمان المصرفي ال يتحدد فقط برغبة "" willingnessالمشروعات ،وانما أيضا بالقدرة " "Abilityعلى فعل ذلك . 99 أما من جهة الرغبة فهناك عوامل تلعب دورها ،بغض النظر عن المقارنة بين الكفاءة الحدية لالستثمار وسعر الفائدة ـ كما بينت الدراسات االقتصادية ـ من هذه العوامل :مدى رغبة المشروع في التوسع من عدمه ،األمر الذي يتوقف على أهداف المشروع من جهة ،والمناخ االقتصادي العام من جهة أخرى ،ومنها وجود مصادر تمويلية بديلة أقل تكلفة أو أقل مخاطرة من االئتمان المصرفي ،مثل التمويل الذاتي من االحتياطيات أو التمويل بالمشاركة عن طريق سوق األوراق المالية . لذلك ليس من الضروري أبدا أن تكون المشروعات األعلى عائداً أكثر رغبة في االقتراض بالفائدة من المصارف .أما من جهة القدرة "" ABILITYعلى الحصول على االئتمان المصرفي فإن المشروعات األعلى عائداً قد تكون أقل قدرة في الحصول على االئتمان المصرفي إذا كانت ناشئة ولم تُكون لنفسها سمعة أو مرك اًز مالياً قوياً ،أو إذا كانت صغيرة والمصارف ال ترحب بإقراضها ،أو إذا كان هامش المخاطرة مرتفعاً في أعمالها ،والمصارف تبتعد بمواردها عن مثل هذه األعمال قدر اإلمكان حتى إن كانت ذات أهمية خاصة لالقتصاد . والحقيقة أن المصارف التجارية في ظل نظام الفائدة تتخير عمالءها أوالً ،وفقا لمعيار المالءة المالية " " CREDIT WORTHINESSألنها تريد أن تضمن استرداد قروضها باإلضافة إلى الفائدة ..هذا هو جوهر النظام الربوي منذ قديم الزمان .ومن ثم فالمصارف التي تعمل بالفائدة ال تعبأ في المقام األول بمن يحقق العوائد األعلى أو العوائد األقل من استثماراته بين من يلجأ إلى االقتراض منها . إن المصرف اإلسالمي من حيث المبدأ يستطيع أن يحقق ما لم يستطع المصرف الربوي تحقيقه ؛ ألنه ببساطة لن يعتمد على قاعدة المالءة المالية في توزيع موارده النقدية على مشروعات تريد قروضا لتردها باإلضافة إلى فائدتها .إن المصرف اإلسالمي يشارك فيما يتحقق من ربح ، 100 ومن ثم فإنه ألجل تعظيم أرباحه الحالل ال بد أن يعطي تفضيالً في عمليات التمويل للمشروعات األعلى عائداً فالتي تليها . ومن ثم فإن آلية المشاركة من حيث المبدأ تختلف عن آلية سعر الفائدة الجاري في السوق المصرفية في القدرة على توزيع الموارد النقدية تبعاً لمعدالت العوائد المتوقعة ،وتعتمد هذه النتيجة على الممارسات الكفء لعمليات المشاركة ،فكلما ارتبطت هذه العمليات بالمعدالت المتوقعة لألرباح مقدرًة على أسس سليمة مع أخذ عنصر المخاطرة في الحسبان أصبحت أكثر كفاءة ، واقترب استخدام الموارد النقدية المخصصة لالستثمار في المجتمع إلى وضع االستخدام األمثل لها .إن المصرف اإلسالمي لن يمتنع عن تمويل مشروع ناشئ أو مشروع صغير إذا تبين من دراسته له أحقيته في التمويل على أساس إنتاجيته وكفاءة القائمين عليه ،وذلك على عكس البنك الربوي . وال شك أن المصرف اإلسالمي ـ وفقاً لتعريفه في وضعه األمثل ،وفي ظل ظروف اقتصاد إسالمي ـ قد يوجه من قبل البنك المركزي لتمويل مشروعات ذات عوائد منخفضة نسبياً ألسباب اجتماعية .وقد يقال :إن في هذا انح ارًفا عن هدف أفضل توزيع ممكن للموارد التمويلية المتاحة لدى جهاز مصرفي إسالمي ،ولكن هذا ليس صحيحا في إطار اعتبارات الربح االجتماعي )(SOCIAL PROFITالتي يجب أن تؤخذ في الحسبان بدالً من الربح الخاص (PRIVATE ) PROFITكلما كان ذلك ضرورياً وفقاً للمنهج اإلسالمي في أولويات االستثمار . الواقع أن النظام المصرفي باعتماده على آلية سعر الفائدة لم ولن ينجح في توجيه الموارد إلى االستخدامات األكثر إنتاجية في البلدان النامية .وقد يعتقد البعض أن إدارة سعر الفائدة يمكن أن تؤدي إلى نتائج أفضل بالنسبة لقدرة الجهاز المصرفي الربوي على توزيع االئتمان على أفضل االستخدامات الممكنة .لكن الواقع على العكس ،لقد أدت السياسة االقتصادية الكلية (MACRO 101 )ECONOMICS SCHOOLالتي عمدت إلى إدارة سعر الفائدة إلى نتائج أسوأ ،والسبب في ذلك أن سعر الفائدة له دائما آثار متضاربة على االقتصاد القومي والنشاط المصرفي ،ومن ثم ال يمكن تحريكه بمرونة ألعلى أو ألسفل ألغراض توزيع االئتمان المصرفي على نحو أفضل . فالبنك المركزي ـ كما هو معروف ـ مقيد في تحريكه لسعر الفائدة بأوضاع الدين العام الداخلي وميزان المدفوعات ،وهو األمر الذي يضع قيداً على تغييرات سعر الفائدة ألغراض توزيع االئتمان المصرفي ،وحتى بالنسبة لألغراض المصرفية نجد أن سعر الفائدة سالح ذو حدين ،فإذا تم رفعه ألجل تنمية الودائع أدى هذا من الجهة األخرى إلى آثار غير مالئمة لمن يقترضون لالستثمار؛ فالمصارف ال بد أن تغطي بطريقة أو بأخرى فوائدها التي يستحقها المودعون بفوائدها الدائنة التي تحصل عليها من المقترضين . وتشير الدراسات االقتصادية إلى أن سياسات سعر الفائدة خالل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات أدت إلى مزيد من التحيز في توزيع االئتمان المصرفيالقروض الكبيرة لصالح كبار العمالء على حساب صغارهم ،والى تفضيل شركات القطاع العام على شركات القطاع الخاص، كذلك ذكر أحد تقارير البنك الدولي أن إدارة أسعار الفائدة مع السياسات االئتمانية االنتقائية قد تخدم أغراضاً معينة ،ولكنها إجماالً كانت ذات تأثير سيئ ،سواء على المدخرين أو المستثمرين (المقرضين والمقترضين) . لقد أدت هذه السياسات إلى خفض كفاءة االستثمار ،إلى خفض المدخرات إلى حد المنع في البلدان ذات معدالت التضخم المرتفعة والى إساءة استخدام الموارد التمويلية .إن آليات المشاركة ال تواجه كل هذه الصعوبات ،وال تؤدي إلى كل هذه المشكالت ،ولكنها تستلزم شرطاً أساسياً وهو أن يعود الناس إلى الحق الذي بينهه اإلسالم ،وال يطالبوا بعوائد عن رؤوس أموالهم بينما يرفضون تحمل مخاطرة استخدامها في النشاط اإلنتاجي . 102 إن العمالء الذين يودعون أموالهم ألجل االستثمار بالمشاركة يستطيعون أن يحصلوا على عائد أكبر باالتفاق مع من يقومون بتنفيذ المشروعات االستثمارية من خالل البنك اإلسالمي فليس هناك تناقضات مشابهة لنظام الفائدة ،أما حينما تكون معدالت األرباح المتوقعة منخفضة من بعض المشروعات ،فإن أصحاب الودائع االستثمارية يمكن أن يمتنعوا عن تمويل مثل هذه المشروعات ،أو يقبلوا إن لم يكن لديهم بدائل أفضل من هذه المعدالت في أنشطة أخرى .وهكذا فإن هناك تلقائية ودرجة عالية من المرونة في توزيع الموارد التمويلية من خالل المصرفية اإلسالمية ،وذلك بسبب االعتماد على آليات المشاركة . إن واقع البلدان اإلسالمية كبلدان نامية يشير إلى أن اختالالت هيكلية شائعة في اقتصادياتها ،فالموارد االقتصادية موزعة بين األنشطة االقتصادية على نحو بعيد عن الواقع األمثل بسبب االختالالت الشائعة في آليات السوق واألسعار ،وبسبب حصول كبار رجال األعمال واألثرياء على معظم الموارد التمويلية لدى البنوك ،وبسبب أنماط االستهالك غير الرشيدة وال نتوقع أبداً لهذه االختالالت أن تختفي من خالل أنظمة التمويل القائمة على نظام الفائدة .أما نظام التمويل بالمشاركة فيمكن أن يؤدي دو اًر مهماً في هذا الصدد إذا أتيحت له الفرصة كاملة . .6أن المصارف االسالمية تسهم بشكل مباشر في توزيع الدخل القومي على نحو عادل خالل عملية التنمية : فإنه ال يخفى على أحد األهمية المتزايدة التي أصبح التمويل المصرفي يحتلها من بين أنواع التمويل المختلفة ،كما ال يخفى على أحد أن من يحصل على التمويل يحصل أيضا على فرصة لزيادة دخله ،والعكس صحيح . من هنا نستطيع تقدير التأثير الهائل الذي يمكن أن يحدثه التوزيع غير العادل للتمويل المصرفي على هيكل توزيع الدخل القومي في أي مجتمع .ولقد تبين من تجارب التمويل المصرفي 103 أن كبار العمالء ـ سواء كانوا أثرياء أم شركات كبيرة ـ هم الذين يحصلون على النسبة العظمى من التمويل المصرفي ،وهكذا تتاح لهم فرصة الحصول على الشريحة الكبرى من الدخل ،فيزدادون ثراء وحجماً في المجتمع فتزداد قدراتهم على الحصول على التمويل والدخل . وهكذا لو قلنا :ه إن كبار العمالء هم األكثر كفاءة دائما لما كان هناك ضرر من حصولهم على النسبة األكبر من الموارد التمويلية والشريحة األكبر من الدخل ،ولكن هذا القول ال يؤيده واقع وال منطق نظري ،وقد أشرنا فيما سبق إلى أن المصارف التي تعتمد على نظام الفائدة ال تقرض بالضرورة المشروعات األكثر كفاءة واألعلى عائداً . من الجهة األخرى فإن نظام التمويل بالمشاركة كما ينبغي أن يمارس من خالل نظام مصرفي إسالمي ال يعتمد على المالءة المالية ألصحاب المشروعات االستثمارية ،وان جاز أخذ هذه في االعتبار ،وانما يعتمد أساسا على جدوى المشروع االقتصادي والثقة في جدية صاحبه وخبرته .من هنا فإن المصرفية اإلسالمية تفتح باباً جديداً للخروج من مأزق توزيع الموارد التمويلية المتاحة على أصحاب المالءة المالية فقط ،ومن ثم فهي تفتح الطريق أمام توزيع أفضل للدخل القومي ،وهذا أمر في غاية األهمية لعدالة التنمية االقتصادية . نعم إن التنمية االقتصادية قد تتحقق في بعض الحاالت حينما تقاس بمعدالت نمو الدخل القومي أو بمتوسط الدخل للفرد .لكن حينما نأتي إلى التوزيع الفعلي للدخل القومي نجد أن متوسط الدخل الفردي لفئة كبيرة من السكان لم يرتفع ،وربما قد انخفض وذلك بسبب سوء توزيع الدخل . .7إن المصارف االسالمية تشجع السلوك اإليجابي الدافع لعملية التنمية. فقد ثبت أن نظام الفائدة يلعب دو اًر سيئاً في تشجيع السلوك السلبي ،ومن ثم في توزيع الدخل على نحو غير عادل بين الكسالى أو النائمين أو السلبيين من جهة ،وأولئك الذين يعملون ويواجهون مخاطر ومتاعب النشاط اإلنتاجي .لقد تسبب نظام الفائدة منذ إق ارره بصفة قانونية في 104 نهاية العصور الوسطى في أوربا في نمو أعداد تلك الفئة الخاملة من الناس التي تعيش على اكتساب دخل من تأجير نقودها دون أن تتكلف مشقة القيام بأعمال منتجة . وهكذا يتم توزيع دخل األعمال اإلنتاجية بشكل بعيد عن العدالة والكفاءة بين من يملكون فوائض نقدية ـ سواء من مدخرات أم من ثروات مورثة أو مكتسبة بطرق قانونية أو غير قانونيةـ ومن يعملون وينتجون ويسهمون في زيادة الثروات الحقيقية للمجتمع .هذا ما يرفضه اإلسالم ، َ وهذا ما يرفضه النظام المصرفي اإلسالمي القائم على المشاركة . وقيام المصارف اإلسالمية إن المصرف اإلسالمي ضرورة ماسة لتصحيح األوضاع . ُ واعتمادها على المشاركة ال يعني فقط إسهاماً ايجابياً في تحقيق عدالة توزيع الدخل بين من يملكون فوائض نقدية قابلة لالستثمار ومن يستثمرونها ،وانما أيضاً إسهاماً في تنمية السلوك اإليجابي لألفراد الذي ُي ْع ِوُز حتماً للتنمية االقتصادية الصحيحة ؛ ذلك ألن المشاركة حينما تؤخذ بحقها تعني أن اثنين يفكران معا في القرار ويتحمالن معا مسئوليته ،وليس واحداً فقط هو الذي يفكر ويتحمل المسؤولية . أو بعبارة أخرى إن آليات المشاركة تدفع الجميع للمساهمة في النشاط االقتصادي ،وذلك مقابل آليات النظام الربوي الذي يقبل الغياب الكامل أو النوم لنسبة من أبناء المجتمع ،ال لشيء إال ألنهم ادخروا أمواال أو ورثوا ثروة من الغير أو ربما اكتسبوها بطرق غير شرعية . وفي أحد التقارير التي صدرت منذ أربعين عاماً عن لجنة ملكية في بريطانيا ذكر أن زيادة نسبة عدد الشركاء النائمين ) (sleeping partnersيمثل أحد العوامل الخطيرة في الحد من النمو االقتصادي . .8الدور التنموي للمصارف اإلسالمية يظهر كذلك من خالل الخدمات االجتماعية المتعددة التي تقوم بها هذه المؤسسات ،والتي يمكن تصنيفها على النحو التالي : 105 أ .خدمات اجتماعية مجانية في شكل :قروض حسنة ،ومساعدات خيرية ،ممولة من زكاة المصارف نفسها ،أو من تخصيصها ألوقاف مالية في وجه من وجوه الخير . ب .خدمات اجتماعية ذات طابع اقتصادي عندما يكون مصدرها صناديق مالية مهمة تقتضي توظيف هذه األموال في مشاريع لها مردودية اقتصادية .وبذلك تساهم المصارف اإلسالمية ،وهي من المؤسسات المالية القالئل المؤهلة لذلك ،في جباية الزكاة وتوظيف أموالها. المبحث الثاني دور القرض الحسن في عملية التنمية المقدمة : كلنا نعلم أن الفائدة هي جوهر النظام المصرفي الربوي إذ يلعب المصرف التجاري دور الوساطة بين المقرضين والمقترضين لغرض الحصول على الفائدة .إال أن هذا النظام المصرفي الربوي غير مباح في كافة الشرائع السماوية وعلى وجه الخصوص في الشريعة اإلسالمية ،والتي اعتبرته محرماً وظلماً يقع على المقترض من قبل المقرض ،وكذلك للدور السيئ الذي تلعبه الفائدة في اقتصاد دول العالم بشكل عام والدول النامية بشكل خاص . وقد تمكنت المصارف اإلسالمية من إيجاد وسائل أخرى للتمويل واالعتماد عليها ، وتستطيع من خالل هذه الوسائل أن تربط االدخار باالستثمار بشكل تجيزه الشريعة االسالمية مع 106 تحقيق الربح لها ولعمالئها ،واستخدام القرض الحسن كأداة للتمويل هو شيء أساسي لما له من دور مميز في تحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية ،وهذا ما سوف نوضحه ونبينه من خالل مبحثنا هذا . .1الفائدة هي أساس عمل المصارف التجارية الربوية : تعتبر المصارف التجارية أو التقليدية ،هي أدوات النظام المصرفي الربوي ،وأساس النظام االقتصادي المعاصر ،فهي التي تقوم بدور الوساطة بين المقرضين والمقترضين ،بغرض الحصول على الفائدة ،عن طريق االتجار في الديون والقروض واالئتمان ،ولسنا نقول أنه ال يمارس أعماال استثمارية أخرى ،ولكنها ال تشكل المهمة الرئيسة للمصرف ،فالغالب على أعمالة هو االتجار في القروض والديون ،للحصول على الربح ،بدون مخاطرة أو خسارة محتملة ، ووسيلته في ذلك أن يقترض بفائدة من المودعين ويقرض بفائدة للمحتاجين والمستثمرين والفرق بين الفائدتين يكون محصلة الربح المتحقق للمصرف . وهذا التعامل بالفائدة من جانب المصارف التقليدية ،ليس خاصا بالقروض المصرفية فقط ،إنما يعم كل عمليات المصرف ،مبدأ وغاية ،وتعتبر الفائدة الثابتة على القروض المصرفية أو السندات مسألة جوهرية ،ألجل سالمة النظام النقدي والمصرفي ،وضرورة ال غنى عنها ،لتجنيد 107 المدخرات المحلية وصحة االستثمار .وسوف نوضح هنا بعض العمليات المصرفية التي تعتمد الفائدة كأساس لها وبمسميات مختلفة. أ .خصم األوراق التجارية : تتلخص عملية خصم األوراق التجارية في تقديم العميل للمصرف أو الصيرفي ورقة تجارية شيك ،أو كمبيالة أو سند أذني ،قبل حلول موعد استحقاقها من أجل الحصول على قيمة السند المقدم حاالً ،بعد خصم الفوائد والعموالت التي يتقاضاها المصرف تغليبا ؛ ألن المصرف يقوم بالخصم عادة ،ويكون هذا العمل عن طريق تظهير الورقة التجارية عادة بأقل من قيمتها المسجلة بها -القيمة االسمية -مطروح منها ثالث عناصر: الفائدة(عن المدة بين تاريخ الخصم وتاريخ االستحقاق) األجرة أو العمولة (لتغطية النفقات العامة للمصرف) والمصاريف(مصاريف التحصيل). وفي العادة ،فإن عملية الخصم هذه تكون مسبوقة باتفاق يحدده شرط الخصم وسعر الفائدة والعمولة وكذلك السقف -الحد األقصى -المخصص للعميل من ناحية مجموع ما يمكن أن يخصمه ،فإذا تجاوز السقف توقفت عمليات الخصم لحين تسديد بعض الديون وهكذا. ويعتبر خصم األوراق التجارية ذو أهمية للمصارف حيث يمثل حقالً هاماً من حقول االستثمار قصير األجل والقابل للتصفية التلقائية .وأجل األوراق التجارية ال يزيد في الغالب عن ستة أشهر على األكثر .كما وأنها موزعة على مدينين مختلفين مما يسهل من أمر تحصيلها عند االستحقاق ،وكذلك بمقدور المصرف أن يعيد خصمها إذا بقيت لديه ،ويتم الخصم لدى المصرف المركزي . 108 وال ُيفهم الخصم في الفقه إال كونه قرضا ربوياً تحسب فائدته عن المدة الواقعة بين تاريخ الخصم وتاريخ االستحقاق .فالمصرف يقرض في الحال مبلغا من المال يساوي القيمة الحالية للورقة التجارية على أن يسترد في األجل ،مبلغا أعلى منه ،يساوي القيمة االسمية للورقة ،وهذا عين ربا النسيئة المحرم . واذا نظرنا للخصم على أنه حوالة حق ،حيث يحيل مظهر الورقة حقه فيها إلى المصرف في مقابل ما أقرضه المصرف ،نجد أن هناك أيضا معارضة بين مبلغين من النقود أحدهما حال بمبلغ معين ،واآلخر مؤجل بمبلغ أعلى من األول ،وهذا ربا النسيئة أيضا .واذا نظرنا للخصم على أنه بيع دين ،فإن الفقهاء يفرقون بين بيع الدين لمن هو عليه وبين بيع الدين لغير من هو عليه ،وبالنظر إلى الخصم نجد انه بيع الدين لغير من هو عليه هذا الدين ،وهنا يظهر الفقهاء ( )1 خالفاً في جوازه فنجد أن المالكية أجازوه بشروط ونجد الحنفية والحنابلة والشافعية لم يجيزوا بيع الدين لغير من هو عليه( ،)2فقد احتجوا بان الدين المبيع غير مقدور التسليم ،فقد يجحده المدين أو يتخلف عن دفعه ،فهو إذا من بيع الغرر. ومعاملة الخصم هذه باطلة من وجهة النظر اإلسالمي ،فهي ال تصح أن تكون حوالة أي من المظهر للمصرف الخاصم على المسحوب عليه ولو كان مديناً ،لفوات شريطة التساوي بين الهدين المحال به والهدين المحال عليه ،وكذلك ال تصح أن تكون قرضاً من المصرف الخاصم ، ألنه حين ذاك قرض جر نفعاً ،وأيضاً ال تصح على سبيل بيع الهدين لغير من هو عليه ،ألن ) )1الخرشي على مختصر سيدي خليل ،ج ،77/5البهجة في شرح التحفة ،التسولي ،ج. 47/2 ) )2تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ،الزيلعي ،دار المعرفة ،بيروت ،ط ، 2بدون تاريخ ،ج ، 4ص ، 83المجموع ،النووي ،ج ، 275/9المبدع في شرح المقنع ،ابن المفلح ،المكتب اإلسالمي ، بيروت ،1980،ج ، 4ص ، 199المحرر في الفقه على مذهب اإلمام أحمد ،مجد الدين أبي البركات ،مطبعة السنة المحمدية ،القاهرة ،1950 ،ج،1ص.338 109 العوضين هنا هما من النقود ،وال يجوز بيع النقود بالتفاضل .فإذاً هذه العملية (الخصم) تضاف إلى عمليات التسليف بالفائدة التي تقوم بها المصارف ،ويشملها كلها نظر شرعي واحد(.)1 ب .القروض : اإلقراض من أهم الخدمات والنشاطات الرئيسية في المصرف التقليدي ؛ الن المصرف في األصل تاجر ديون ،والفوائد التي يتقاضاها المصرف الربوي على القروض ربا محرم ،مهما اختلفت مسمياتها المهم تكييفها الفقهي ،ولذلك فانه ال فرق بين قرض إنتاجي واستهالكي أو استثماري ،وأن الربا المحرم قليله وكثيرة حرام. ج .السحب على المكشوف : أن يسمح المصرف التجاري لبعض عمالئه بالحصول على قروض تتجاوز قيمة أرصدتهم بحيث يصبح حسابهم الجاري مكشوفا أي مدين بعد أن كان دائن ،ويتم ذلك لمدة قصيرة مع تحديد حد أقصى بقيمة المبالغ المسحوبة ،وال يتقاضى المصرف عن ذلك أية مصاريف أو فوائد وبعد فترة سماح قصيرة يبدأ حساب الفوائد على الحساب المدين الذي قدم فيه المصرف ذاك القرض ، وقد بدأت المصارف الربوية بحساب فوائد على السحب حتى في فترة السماح. والسحب على المكشوف بهذه الصورة غير مشروع ،ويعتبر ربا محرما ،ويرى الدكتور محمد بابلي أنه في حالة السحب على المكشوف دون احتساب فوائد فان األمر جائز وهو من القرض الحسن التي تستحسنه الشريعة اإلسالمية. د .االعتماد المستندي غير المغطى بالكامل : ) )1الموسوعة الفقهية الكويتية ،و ازرة األوقاف ،الكويت ،1987 ،ص. 243،242 110 وهو ما تقوم به المصارف التقليدية من تمويل جزئي أو كلي لالعتمادات المستندية لقاء فائدة محتسبة على أساس فترة التمويل وهو تعامل ربوي محرم شرعا .وهناك بدائل شرعية لهذه المعاملة وتحويلها إلى عمل شرعي عن طريق عقد المضاربة أو المرابحة لآلمر بالشراء. هـ .الودائع بالفوائد : إن جميع الودائع التي تقبلها المصارف التقليدية مقابل فائدة متفق عليها ،تبعا لسعر الفائدة الجاري ،هذه الودائع كلها محرمة شرعا ،فالودائع الجارية التي تعطي فائدة ،ودفاتر التوفير بفائدة ،وودائع األجل ،والسندات بفائدة ثابتة أو عائمة أو قابلة للتحويل إلى أسهم ،وسواء أكانت بعملة محددة أو بسلة من العمالت ،كحقوق الدفع الخاص أو وحدات النقد األجنبي .فكل ما سبق سواء بالتحريم ؛ ألنها ال تخرج في تكييفها عن قرض بفائدة ،وهو ما تحرمه الشريعة . وهكذا نرى بوضوح مدى تغلغل الفائدة في عمل البنوك التجارية والتي تأخذ أشكال ومسميات مختلفة ،فالفائدة جزء ال يتج أز من عملية اإلقراض ،سواء كان القرض من الفرد للمصرف أو من المصرف للفرد أو لهيئة أخرى ،أو عند االكتتاب في السندات التي تطرحها الشركات للجمهور لالكتتاب العام فيها. وبهذا نجد أن التمويل في ظل النظام الرأس مالي ،وفي ظل المؤسسات المالية وعلى األخص المصارف التي نشأت لخدمته ،تعتمد على الفائدة ويتلخص تبرير سعر الفائدة في النظام المصرفي إلى أنها إما ثمن لالنتظار ،واما كما قال كين -ثمن التضحية بالسيولة النقدية ،ال ثمن االنتظار. .2الفائدة المصرفية من الربا المحرم شرعاً 111 ( )1 ض الربا في اللغة :هو الفضل والزيادة والنماء والعلو ،ومنها قوله تعالى َ ﴿ :وتَ َرى األَْر َ هِ يج﴾[الحج:اآلية ]5فاألرض هامدة َنبتَ ْت ِمن ُك ِّل َزْو ٍج َب ِه ٍ ام َد ًة َفِإ َذا أ َ ْ َنزل َنا َعَل ْي َها ال َماء ْ َ اهتَهز ْت َوَرَب ْت َوأ َ جامدة فإذا جاءها الغيث انتشت فيها البذور ،فتحركت وارتفعت وزادت عما كانت عليه قبل نزول الماء من السماء .وقوله تعالى ﴿ :أَن تَ ُكو َن أُ هم ٌة ِهي أ َْرَبى ِم ْن أُ هم ٍة﴾[النحل :اآلية ]92أي أكثر َ عدداً وقوة . وفي الشريعة يطلق الربا على الزيادة وفق معيار قانوني للكيل أو الوزن في صنفين متجانسين متقابلين في عقد تبادل إذ تفرض هذه الزيادة كشرط ضروري على احد المتعاقدين بدون ( )2 عوض للمقرض مقابل األجل في ،وكذلك يعرف الربا بأنه الزيادة في القدر أو النفع المشروطة ُ القرض(.)3 فالتعريف األول ينطبق على ربا البيوع أما التعريف الثاني فينطبق على ربا القروض أو كما يعرف في المصارف التجارية بالفائدة ،فال يوجد فرق بين مصطلح ربا القروض ومصطلح الفائدة من حيث الشكل والمضمون فكالهما زيادة مشروطة مقابل األجل . والربا في الغرب كان محرم في أول أمره ،فقد كانت الكنيسة ال تتعامل به في تاريخها القديم والوسيط ،فلما جاء عصر اإلحياء شرعت أوروبا في إقامة نهضة بشرية مجردة لنفسها ، مما عجل في التخلص من جميع القيود الدينية التي كانت تفرض من قبل الكنيسة ،فلم تجد الكنيسة بداً من االنجرار نحو أساليب الحياة الجديدة ،وبذلك استقر مفهوم المعامالت الربوية ، فاستبيحت الفائدة في الفكر الغربي . ) )1معجم مقاييس اللغة ،ابن فارس ،دار إحياء الكتب العربية ،مصر 1368 ،هـ ،ج ،2ص.483 ) (2الربا ،أبو األعلى المودودي ،مؤسسة الرسالة 1979 ،م ،ص. 80،79 ( )3تحفة المحتاج على المنهاج ،ابن حجر الهيتمي ،ج ،272/4أسنى المطالب ،زكريا األنصاري ،ج ،21/2مغني المحتاج ،الخطيب الشربيني ،ج ، 21/2نهاية المحتاج ،الرملي ،ج/3ص.424 112 ولكن الفائدة الربوية لم تكن مباحة بكل األشكال ،فقد جرت بعض المحاوالت التي تفرق بين الربا الفاحش والبسيط ،وكانت الدولة تارة تتدخل في تحديدها ،أو تحديد سقوفها ،كما كان يحدث في أيام اليونان ،وتارة أخرى ال تتدخل ،كما كان يحدث في أيام الرومان(.)1واعتبرت الفائدة مباحة إن كانت ضمن الحد المعقول ،أما إذا تضاعفت لحد كبير وأصابت بالضرر الجسيم فتكون بتلك الحالة ربا غير مباح . واستمرت محاوالت الغربيين بوضع حجج علمية وعملية لمنع تدخل الدولة في تحديد أي سقف للفائدة وفي نهاية المطاف انتصرت هذه المحاوالت وجمعت مفهوم الربا في قالب متكامل من دون أي فصل ،حيث صدر في بريطانيا قانون سمح للمقرض بأن يفرض لنفسه المعدل الذي يريده ،ومنذ صدور قانون االئتمان االستهالكي 1974م ،تم رفع القيود وتحرير معدالت (أسعار) الفائدة ،وصار على المقترضين الضعفاء إثبات استغاللهم أمام المحاكم ،كل حسب ظروفه(.)2 وفي أمريكا ،تم التخلي أيضاً عن قانون الربا ، Usury Lawمنذ ثمانينات القرن العشرين ،وسار عدد آخر من البلدان في الطريق نفسه( .)3وبهذا يثبت أن التمييز بين الربا والفائدة لم يكن تميي از صحيحا ،بل ربما كان مرحلة في الطريق إلى إباحة الربا أو الفائدة . وبالتأكيد أن للشريعة موقفا واضحا من الربا المقترن بعقد القرض ،وهذا الموقف منشأه النصوص القرآنية واألحاديث النبوية ،وما ذهب إليه الفقهاء أن الزيادة على القرض من قبيل الربا المحرم ،وقد أكدت النصوص القرآنية ذلك : هِ الربا الَ يُق ن ِ ه ط ُه ه ان الش ْي َ وم هالِذي َيتَ َخهب ُ ين َيأ ُ طُ ففي قوله تعالى﴿:الذ َ ْكُلو َن ِّ َ َ ُ ومو َ إال َك َما َيُق ُ ِم َن اْلم ِّ َّللاُ اْل َب ْي َع و َح هرم ِّ س َذلِ َك ِبأَهنهم َقاُلوْا ِإهنما اْل َب ْي ُع ِم ْث ُل ِّ َح هل ّ الرَبا َوأ َ الرَبا َف َمن َجاءهُ ُْ َ َ َ َ ) (1فقه المعامالت المالية ،رفيق المصري ،دار القلم ،دمشق ، 2005 ،ص.114 ) (2فقه المعامالت المالية ،رفيق المصري ،ص.144 )Islamic Finance, Mills and Presley, London, Macmilan,1999, p.105. (3 113 ظ ٌة ِمن هربِ ِه َفانتهى َفَله ما سَلف وأَمره ِإَلى ِ ِ اب الهن ِار ُه ْم ّ َم ْو ِع َ ّ ّ َص َح ُ َ َ َ ُ َ َ َ َ ْ ُُ َّللا َو َم ْن َع َاد َفأ ُْوَلـئ َك أ ْ ِ يها َخالُِدو َن﴾[البقرة:اآلية. ]275 فَ ه ِ َّللاُ الَ ُي ِحب ُك هل َكهف ٍار َّللاُ اْل ِّرَبا َوُي ْربِي الص َدَقات َو ّ وقوله تعالىَ ﴿:ي ْم َح ُق ّ أَِثي ٍم﴾[البقرة:اآلية. ]276 هِ ه َّللاَ وَذ ُروْا ما َب ِقي ِم َن ِّ الرَبا ِإن ُكنتُم وقال تعالىَ ﴿:يا أَي َها الذ َ آمُنوْا اتُقوْا ّ َ َ ين َ َ ِ ين﴾[البقرة :اآلية ]278وهذه اآليات جميعها اشتملت على الترهيب من رجس الربا م ْؤ ِمن َ ،وكذلك وعد إلهي بمحق الربا . وفي السنة وردت أحاديث كثيرة في تحريم الربا ،سواء بشكل عام كانت أو خاصة بصنف منه : الذهب ِب ه ه ِ الذ َه ِب ِإالّ يعوا َ َ فقد روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول هللا قال [ :ال تَب ُ ِ ِق ِباْلور ِ ِ ِِ ٍ ِ ضها َعَلى َب ْع ٍ ِق ِإاله ِم ْثالً ِب ِم ْث ٍل ، ض َ ،والّ تَب ُ يعوا اْل َور َ َ م ْثالً بم ْثل َ ،والّ تُشفوا َب ْع َ َ ِ ض ،والّ تَِبيعوا ِم ْنها َغ ِائبا ِب َن ِ ضها َعَلى َب ْع ٍ اج ٍز] ً ُ َ َ َوالَ تُشفوا َب ْع َ َ ()1 فالحديث صريح في منع الزيادة في تبادل النقود . ومنها ما ورد عن الحارث َوَك ِات َب ُه ِ ِ َّللاِ ِ آك َل ِّ ول ه الرَبا َو ُموكَل ُه َو َشاه َدهُ أنه قال َ [:ل َع َن َرُس ُ ٍ ِه ِ ِ ِ ال َ :ن َع ْم َ ،واْل َحال َواْل ُم َحهل ُل َل ُه َو َم ِان ُع ال :إال م ْن َداء َ ،فَق َ َواْل َواش َم َة َواْل ُموتَش َم َة َق َ ان َي ْن َهى َع ْن الهن ْو ِح َوَل ْم َيُق ْل َل َع َن](.)2 ه الص َدَقة ِ .وَك َ ) )1صحيح البخاري ،كتاب البيوع ،باب بيع الفضة بالفضة ،حديث رقم ( ، )2177ص.348 ) (2سنن النسائي ،النسائي ،كتاب الزينة،باب الموتشمات ،رقم الحديث (. )5104 114 الذهب ِب ه ه الذ َه ِب َواْل ِف ه ض ُة وأيضاً عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول هللاُ َ [ : ِباْل ِف ه ِ الش ِعير ِب ه ه ِ الش ِع ِ ير َوالته ْم ُر ِبالته ْم ِر َواْل ِمْل ُح ِباْل ِمْل ِح ِم ْثالً ِب ِم ْث ٍل َيًدا ِب َيٍد ضة َواْلُبر باْلُب ِّر َو ُ ِ ِِ ِ اء](.)1 َف َم ْن َزَاد أ َْو ْ استَ َزَاد َفَق ْد أ َْرَبى اآلخ ُذ َواْل ُم ْعطي فيه َس َو ٌ ومن خالل تدبر النصوص القرآنية واألحاديث النبوية قسم الفقهاء الربا إلى قسمين : األول :ربا الديون ويندرج تحته صنفان من الربا هما : أ .ربا الجاهلية :وهو ربا األضعاف المضاعفة ،أو الربا المركب أو بالتعبير القانوني تقاضي الفائدة على متجمد الفائدة ،وهذا الربا ثابت بالقرآن ،وحرمته اشد أنواع الحرمة. ب .ربا النسيئة :هو ربا بسيط ليس مركبا أو مضاعفاً وجب لمجرد التأخر بالمدة عن الوفاء وهو الربا الثابت بالسنة .ويبدو أن درجة الحرمة فيه أقل منها في سابقه ،وذلك للتفرقة بالدليل المثبت كونه توجيه القرآن في األول وفي الثاني قول السنة ،حيث تتكامل العلة في الربا المركب ، فيعتبر تحريم مقاصد ،بينما يعتبر تحريم الربا للتأخير في موعد السداد ،تحريم وسائل(.)2 ثانيا :ربا البيوع : قال ابن القيم :هو الربا الخفي( .)3ويكون في بيع األموال الربوية . وهذا النوع من الربا نادر الوقوع في هذه األيام ،وال يكون إال عند مقايضة أنواع معينة ببعضها ،ولم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية ،ولم يأت تحريمه في اإلسالم حتى كان يوم خيبر في السنة السابعة من الهجرة(.)4 ويندرج تحته صنفان هما : ( )1صحيح مسلم ،كتاب البيوع ،باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ،حديث رقم ( ، )1584ج16/11 ) (2الكثير من الفقهاء ال يميلون إلى التفريق بين ربا الجاهلية وربا النسيئة ويعتبرون كليهما زيادة مشروطة على رأس المال في القرض ) (3تفسير القرآن الكريم ،محمود شلتوت ،دار الشروق ،بيروت 1399 ،هـ ،ص.151،150 ) )4في فقه المعامالت المالية والمصرفية المعاصرة ،نزيه حماد ،دار القلم ،دمشق 2007 ،م ،ص.25،24 115 أ .ربا الفضل : وهو ما ينشأ عن مبادلة متجانسة مبادلة فورية مع الزيادة في احد البدلين عن اآلخر. فالزيادة في ربا الفضل تكون مشروطة مقدما ألحد العاقدين في عقد المعاوضة بدون مقابل ؛ كأن يبادل مزارع آخر طن قمح جيد بطن ومائة كيلو رديء من اجل البذر ويتسلمان البدلين في المجلس(.)1فربا الفضل ال يكون إال في البيوع ،وبهذا فإن ربا الفضل(هو الزيادة الكمية في احد البدلين عند مبايعة المال المثلي بمثله ولو تفاوتا في الجودة والنقاء)(.)2 ب .ربا النساء : ينشأ من مبادلة متجانسين (ذهب بذهب) أم متقابلين (ذهب بفضة) مع النساء في أحد البدلين ،ويجتمع النساء والفضل في معاملة واحدة إن كانا من جنس واحد حيث يكون التساوي والتقابض مطلوبي التحقق ،وفي حالة اختالف الجنسين وعدم تتحقق التقابض في نفس المجلس يحصل ربا النساء . ويشبه ربا النساء في عصرنا الحالي شهادات االستثمار ذات العائد الشهري (فئة ب) ، ألن صاحب المال يدفع ماله لمؤسسة االستثمار– وهي في الواقع تضع األموال بفوائد عند البنوك – وينتظر ربحاً معيناً ،ورأس المال ٍ باق بحاله(. )3 ) )1المصارف اإلسالمية ،جمال الدين عطية ،كتاب األمة ،مطابع الدوحة ،1986 ،ص ، 131االقتصاد االسالمي والقضايا الفقهية المعاصرة ،علي أحمد السالوس ،ج/1ص.266 ) (2تطوير األعمال المصرفية بما يتفق مع الشريعة اإلسالمية ،سامي حسن حمود ،دار اإلتحاد العربي ،1976 ،ص.206 ) )3الزواجر عن اقتراف الكبائر ،ابن حجر الهيتمي ،ج.180/ 2 116 والذي يهمنا هنا هو ربا الجاهلية والنسيئة ،فقد شنت عليهما النصوص وانعقد اإلجماع على تحريمهما ،الرتباطهما الوثيق بعمل المصارف التجارية ومقابلتهما للفائدة ،وهو يمثل صورة الواقع المصرفي المعاصر ،كما نوهنا لهذا سابقا . ويعتبر الفقه ،أن تقدير الزمن بالمال في عقد القرض ،أو في عالقة المديونية غير جائز ألن الزمن ال يلد المال ،وعدم الجواز هنا ليس مرجعه فقط جانب الزيادة في الدين أو القرض من جانب المقترض ،وانما أيضا في جانب النقص في الدين ،من المقرض لصالح المقترض ويكون بشكلضع وتعجل ، فالتحريم مطلق في تقويم الزمن بالمال . لكن الوضع من الدين المؤجل مقابل تعجيله هو موضع جدل بين أهل العلم ،ففقهاء الحنابلة والحنفية أجاوزوها إن كانت بين طرفين واعتبروها من باب اإلرفاق ،حيث يتم فيها براءة ذمة الغريم ( المقترض) من الدين وانتفاع المقرض من التعجيل ،وهذا هو عكس الربا حيث تتضمن الربا زيادة في األجل والدين وذلك يسبب إضرار بالطرفين . وشرعية هذا الكالم نجدها في السنة الشريفة (،فقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي هللا عنهما أن النبي لما أمر بإخراج بني النضير ،جاءه ناس منهم ،فقالوا :يا نبي هللا إنك أمرت بإخراجنا ،ولنا على الناس ديون لم تحل .فقال رسول هللا ] :ضعوا وتعجلوا[)(.)1 والوضيعة في اللغة :الحطيطة أو النقصان ويقال ُ :وضع في تجارته وضيعة ؛ أي خسر ولم ( )2 يربح وتأتي بمعنى الحسم ( الخصم ) . والوضيعة للتعجيل هي من باب خصم تعجيل الدفع ،فهي عالقة ثنائية بين طرفين ،فإذا دخل بينهما طرف ثالث (مصرف مثال) لم تجز ،ألنها عندئذ تصير من باب خصم األوراق ) )1المستدرك للحاكم وصححه ،بيروت ،دار الفكر ،1978 ،ج ،2ص.52 ) )2معجم المصطلحات االقتصادية ،نزيه حماد ،ص.351 117 التجارية ،أو الخصم المصرفي .وهذا ما أخذ به مجمع الفقه اإلسالمي المنبثق عن منظمة المؤتمر اإلسالمي فقد نص على ما يلي : (( الحطيطة من الدين المؤجل ألجل تعجيله ،سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين(ضع بناء على اتفاق مسبق ،ومادامت وتعجل) جائزة شرعاً ،ال تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن ً العالقة بين الدائن والمدين ثنائية ،فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز ،ألنها حينئذ تأخ ُذ حكم حسم األوراق التجارية )) ( )1 . للمقرض فإذاً دخول المصرف كطرف ثالث سيحيل األمر إلى مسألة منح المصرف مبلغ ُ (المتعجل) أقل من مبلغ القرض الحقيقي ،ومن ثم يسترد المبلغ كامالً من الذي عليه الدين ،وهنا أصبحت حطيطة التعجيل في مقابل الزمن من باب ربا النسيئة المحرم . والربا محرم قليله وكثيره لخطورته حتى لو كان قليل ،فعند افتراض االستقرار وعدم التضخم ،فإن ثروة المرابي ستتراكم حتى تصل إلى أحجام مخيفة ،وال سيما إذا كان الربا مركبا ، أي بحيث يستثمر األصل والعائد معاً في كل دورة زمنية ،فالربا المركب يعمل وفق قوانين المتوالية الهندسية التي يصعب على العقل المجرد اإلحاطة بالنماء القائم على أساسها . فالنظام الربوي نظام معيب من الوجهة االقتصادية البحتة ،وقد بلغ سوئه الحد الذي دعا بعض أساتذة االقتصاد الغربيين إلى التنبه إلى عيوبه ،وهم أنفسهم قد نشأوا في ظله ،وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي بثتها عصابات المال في جميع فروع الثقافة والتصور واألخالق . ) )1قرار مجلس مجمع الفقه اإلسالمي بخصوص بيع التقسيط ،الدورة السابعة ،جدة . 1992 ، 118 وقد كان في مقدمة هؤالء األساتذة الدكتور األلماني (شاخت) مدير بنك الرايخ سابقاً ،وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام ( : 1953أنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن جميع المال في األرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين)(.)1 هِ ْكُلوْا ِّ َض َعاًفا آمُنوْا الَ تَأ ُ الرَبا أ ْ ويكفينا حجة على مأساة الربا قوله تعالى َ ﴿:يا أَي َها الذ َ ين َ َّللاَ َل َعهل ُك ْم تُْفلِ ُحو َن﴾ [آل عمران :اآلية ، ]130فقد كان خطاب للمؤمنين بأن ال مَ اعَف ًة َواتهُقوْا ّ ض َ يأكلوا الربا ،ألنه أياً ما كان معد له البد أن يصير أضعافا مضاعفة ،وسيسهم في زيادة الفوارق الطبقية ويضع المال في أيدي شبكة صغيرة من الجشعين ،فيحدث الخلل في دورة المال ونمو االقتصاد وتسحق األغلبية الكبيرة من الناس ،وترجع الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية لتلك الزمرة من المرابين . والخالصة :إن الفائدة غير شرعية ،وأن معاملة المصارف مع العمالء بالفائدة هي ليست من قبيل المضاربة وال من قبيل المرابحة وال من قبيل الوديعة ،وال من قبيل أي طريق أو عقد حالل ،وانما هي عالقة قرض بفائدة ،والفائدة في الحكم اإلسالمي لها حكم الربا . والربا ثبت تحريمه في الكتب السماوية كافة ،وعلى الخصوص في النصوص القرآنية واألحاديث النبوية الشريفة وبإجماع المسلمين ،وثبتت تأثيراته الضارة على واقع الحياة االقتصادية واالجتماعية ،من خالل ما خلفته من مآسي كبيرة لدى قطاعات واسعة من المجتمعات . وفي محاولة لاللتفاف على الربا لجأ المرابون إلى استخدام حيل ربوية لتظليل المجتمع وتحليل ما حرمه هللا ،وسنذكر هنا أشهر هذه الحيل والتي تعتبر ضربا من ضروب الخداع والتحايل على الشريعة وتلك الحيل هي : أوالً :بيع العينة : ( )1في ظالل القرآن ،سيد قطب ،ج(3تفسير آيات الربا ) ،ص.321 119 وهو أن يشتري شخص سلعة من شخص آخر بـ( )100إلى أجل ،ثم يبيعها لنفس الذي اشتراها منه بـ( )80نقداً ،أي بثمن أقل دون قبض المبيع فعالً ،وهذه الصورة هي عبارة عن وسيلة تتضمن الربا المحرم ولكن بحيلة تأخذ صورة البيع حيث يعود حاصل البيعتين إلى أن يبدل نقوده بنقود أكثر وهذا ما موجود في الربا .وسميت عينة لحصول النقد (العين ) لطالب العينة ،أو ألنه يعود إلى البائع عين ماله ،أي السلعة التي باعها .وال يعني هذا إن البيع بثمن مؤجل أعلى من المعجل ال يجوز ،إنما يعني عدم جواز اتخاذ البيع المؤجل حيلة للوصول إلى القرض الربوي ،أي عدم جواز االعتماد على ما هو حالل للوصول إلى ما هو حرام . ثانياً :بيع التورق : وهو أن يشتري شخص السلعة إلى أجل ،ليبيعها ويأخذ ثمنها لينتفع به ويتوسع فيه ، كأن يحتاج إلى نقود فيذهب إلى التاجر ويشتري منه ما يساوي ( )100بـ( )150إلى أجل ،ليسد به حاجته وهو يختلف عن بيع العينة ،ألن البائع الذي كان مشترياً باع السلعة إلى شخص آخر غير البائع األول . وفي التورق خالف بين الفقهاء ،فقد أجاز جمهور الفقهاء التورق ،وقولهم فيه هو صيغة بيع وشراء طبيعية وليس فيه حالة تواطؤ ،وخالف في ذلك ابن تيمية ،وذهب إلى كراهة التورق( ،)1وحكي انه اختار حرمته( .)2وهي رواية عن أحمد أيضاً . وقد ارتضى ابن القيم مذهب شيخه ( ابن تيمية ) حظر التورق ،ونبه إلى أنه مع ذلك أخف من العينة ،فقال (( :وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها ،فهي العينة ،وان باعها محلل الربا ،واألقسام الثالثة يعتمدها لغيره فهي التورق ،وان رجعت إلى ثالث يدخل بينهما ،فهو ُ ) )1مجموع فتاوي ابن تيمية ،ج. 446 ، 442، 302/29 ) )2اإلنصاف ،المرداوي ،ج ، 195/11المبدع على المقنع ،برهان الدين ابن مفلح ،مطبعة المكتب اإلسالمي ،دمشق 1400 ،هـ ،ج ، 4ص. 49 120 المرابون وأخفها التورق .وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال :هو أُخيةُ الربا .وكان شيخنا يمنع حاضر ،فلم ُي َرخص فيها ))(.)1 من مسألة التورق ،وروجع فيها م ار اًر وأنا ٌ والعلة في المنع والتحريم لديهم هو أنه يتحول إلى عملية بيع بصورة ربا من خالل حصول تواطؤ بين أطراف عملية البيع . ثالثاً :بيع وسلف : يلجأ المسلف أحياناً إلى اشتراط البيع بسعر معين مع إقراضه ،فيقول :المسلف (المقرض) أسلفك هذا المبلغ على أن تبيعني بسعر كذا في حالة إن كان المقترض هو البائع له ، أما إذا كان هو البائع فيشترط زيادة ربحه من خالل بيعه سلعة بسعر أعلى مقابل إقراضه مبلغ ( )2 للمقترض ،وهو من البيوع الفاسدة فقد نهى رسول هللا عن بيع وسلف ،أي قرض وبيع ، والنهي عنه كالنهي عن بيع العينة ،إنما هو لسد الذريعة ألنه يقرضه على أن يحابيه في الثمن ، فيكون المراد به التوصل إلى الربا . بيع الوفاء : هو البيع بشرط التراد ،أي متى رد البائع الثمن رد إليه المشتري سلعته ،وسمي بيع الوفاء ألن فيه تعهداً من المشتري بالوفاء بالشرط وهو وهو رد البيع عند رد الثمن ،ويسمى أيضاً بيع األمانة ،ألن السلعة فيه تصبح كاألمانة عند المشتري يردها للبائع متى رد عليه ماله. واختلف أهل العلم في حكم هذا البيع ،قسم منهم اعتبره رهناً صحيحاً تجري عليه أحكامه ، وقسم ثاني اعتبره بيعاً فاسداً وذلك لشرط التراد ،والقسم اآلخر اعتبره مزيج بين البيع الصحيح والبيع الفاسد والرهن ،وأنه بيع مشروع للحاجة إليه . ( )1إعالم الموقعين عن رب العالمين ،ابن القيم الجوزية ،مطبعة السنة المحمدية ،مصر 1358،هـ ،ج ، 3ص. 212 ، 182 ( )2سنن أبي داؤد ،ج ، 283/3سنن النسائي ،ج/7ص295 121 والصحيح هنا عدم جوازه ألن المقصود الحقيقي من وراء ذلك هو الربا ،وصورته هو أن يقول البائع للمشتري :بعتك هذا العقار بـ( )1000على أنه متى رددت إليك الثمن أو أرجعت لك الدين ،أعدت إلي المبيع ،وتكون هنا منفعة العقار أو نحوه هي الفائدة التي ينتفع بها المقرض والذي هو بصفة مشتري في عملية البيع هذه ،وهو بذلك أصبح قرض ربوي موثق بشرط التراد أو الرهن ،وعبرة العقود تكون بالحقائق والمعاني وليس باألسماء والمباني . .3أثر الفائدة السلبي على التنمية : تأسيس النظام المصرفي على الفائدة ،واعتبارها المحور األساسي الذي ترتكز عليه العمليات المصرفية في أشكالها وجوانبها المتعددة ،يجعل منها نقيض للفلسفة الحقيقية من مسألة التمويل بالقروض ،وكذلك لفلسفة التنمية التي يهدف إليها النظام المالي واالقتصادي في المجتمع ،وهذا األمر واضح من خالل تتبع األغراض التي ألجلها يقدم القرض ،فهو عادة يقدم إلى شكلين من المطالب : األغراض االستهالكية . األغراض اإلنتاجية . ومن ثم فإن تحريم الفائدة في الشكل االستهالكي ،هو باب من أبواب المعاملة اإلنسانية ، وفكرة التحريم فيه مرجعها إلى مبدأ العدالة بين اإلنسان وأخيه اإلنسان ،وتلك النظرة تعتبر حجر الزاوية في الفلسفة اإلسالمية ورؤيتها للحياة االجتماعية واالقتصادية ،وهذا ما يجب أن يتوفر في كل نظام اقتصادي يسعى إلى التنمية التي توفر النفع للفرد والمصلحة للمجتمع ،وال تضحى لتحقيق غاية طرف على حساب الطرف اآلخر . إن ما يتجاهله نظام الفائدة هو عدم االكتراث لتحقيق المصلحة الثنائية والكلية ،واالعتماد على افتراض معيار ثابت أال وهو معيار الفائدة ،وعدم األخذ بنظر االعتبار جانب الخسارة الذي 122 يتحقق أثناء تمويل أي مشروع من قبل القروض التي تتحصل على الفائدة كنتيجة حتمية لإلقراض .وبالتالي يعود بالضرر الكبير على الجانبين االقتصادي واالجتماعي ،فأي مشروع ال يمكن التنبؤ بنتائج تشغيله ،كما أنه ال يمكن تحديد الربح أو الخسارة وحجم أي منهما(.)1 واذا كان هناك مستفيد من نظام الفائدة ،فهو ليس إال المقرض فرداً كان أو مؤسسة أو مصرف ،وهو طرف ال نقول بتجاهل حقه في الربح ،لكن بشرط أن ال يكون ذلك الربح على حساب تجاهل حقوق المقترضين ،الذين لهم حق مماثل ،ألن اإلخالل بحق الطرف األخير الذي يمثل الكثرة العددية والقوة الضاربة التي تبني بجهودها عمليات التنمية االجتماعية واالقتصادية ، سيؤدي إلى إخالل أكبر بحق المجتمع والجماعة ،والتي هي في مسيس الحاجة إلى التقدم والتطور والتنمية الفاعلة . و في الحاصل ،فإن قيام نظام اقتصادي على أساس الفائدة الربوية يجعل العالقة بين أصحاب األموال وبين العاملين في ميدان التجارة والصناعة عالقة مقامرة ومشاكسة مستمرة ،ألن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة .ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ،ويستمر برفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه ال فائدة لهم من استخدام هذا المال ،ألنه ال يدر عليهم ربحا يوفون به الفائدة ويبقى لهم منه شيء . عندئذ ينكمش حجم المال المستعمل في هذه المجاالت االقتصادية والتي يشتغل فيها ماليين البشر ،وتُضيق المصانع دائرة إنتاجها ،و يتعطل العمال فتقل القدرة على الشراء وتزيد البطالة .وتضعف البنية التحتية في القطاعات األساسية للمجتمع ،ويزيد من كثرة تجمع المال ) )1إلغاء الفائدة من االقتصاد ،تقرير م جلس الفكر اإلسالمي في باكستان ،المركز العالمي ألبحاث االقتصاد اإلسالمية ،جامعة الملك عبد العزيز ،جدة ، 1984 ،ط ، 2ص. 23 123 لدى طبقة قليلة بسبب زيادة الفائدة إلى حالة ضارة ،وهكذا تفشل العملية التنموية وتقع األزمات االقتصادية الدورية العالمية . وال ننسى هنا أن كل زيادة ( فائدة) تفرض من خالل عملية اإلقراض ،ستدفع بأصحاب المصانع والمتاجر إلى رفع أثمان السلع االستهالكية ،فيقع عبئها الجم وتأثيرها السلبي على المستهلكين ،لينقص بذلك من قدرة هذه الفئة على االدخار ،ومن دعمها لمسيرة العملية التنموية . ومن المفيد في هذا المقام هو استعراض سلبيات نظام الفائدة من وجهات نظر اقتصادية غربية ،حتى ال يبقى أي شك تجاه من يروجون لتلك السلعة الفاسدة من أبناء جلدتنا وغيرهم ،ألن تلك األصوات االقتصادية خرجت من البلدان التي نبعت منها فكرة الفائدة ،فكانت تلك اآلراء هي الحجة األقوى والبرهان األعمق على األثر السيئ للفائدة . وبنفس الوقت الدليل االقتصادي العملي الغير متحمل على نظام الفائدة كالفكر االقتصادي االسالمي على حد تعبيرهم ،وسنذكر بعض تلك اآلراء التي تطرق لها كبار االقتصاديين الغربيين وهي –: .1إن الفائدة هي أحد أسباب التضخم ،فقد أكد ذلك ( )SIMONSحيث قال ( :أن السبب األساسي للكساد العالمي في الثالثينيات هو تغيرات الثقة التجارية الناشئة عن نظام ائتماني غير مستقر)(.)1 .2في دراسات ميدانية قام بها ( )ENZLER&CONRAD&JOHNSOتوصلوا فيها إلى أن رأس المال في االقتصاديات المعاصرة قد أسيء تخصيصه إلى حد خطير بين قطاعات )"Economic Policy for a free Sociey ", Simon ,H., University of Chicago, 1948, p.320 )1 124 االقتصاد وأنواع االستثمارات بسبب سعر الفائدة( ،)1والمقصود هنا أن الفائدة أداة رديئة ومضللة في تخصيص الموارد ،وال تعير الناحية االجتماعية أية أهمية ،فتحرم المجتمع من مشروعات ضرورية وتعيق حركة التنمية فيها ،فالمشروعات الكبيرة تحصل على قروض أكثر وبسعر فائدة أقل ،بينما يحدث العكس بالنسبة للمشروعات المتوسطة والصغيرة التي قد تكون ذات فائدة أكبر وانتاجية أكثر . .3تشير الدالئل اإلحصائية إلى عدم وجود ترابط ايجابي كبير بين الفائدة واالدخار ،وهذا ما أكده ( )SAMELSONعند قوله ( (:إن بعض الناس يقل ادخارهم بدل أن يزيد حينما تزيد أسعار الفائدة ،وان كثي اًر من الناس يدخرون المبلغ نفسه تقريباً بغض النظر عن مستوى سعر الفائدة ،وان بعض الناس يميلون إلى خفض استهالكهم إذا وعدوا بأسعار أعلى ) ، ثم يتابع قائالً ( :كل الدالئل توحي بأن مستوى الفائدة يميل في قراري االستهالك واالدخار إلى إبطال تأثير كل منهما على اآلخر )) ()2 . .4في دراسة أجراها ( )LEIBLINGللتجربة األمريكية ( )1978–1970وجد أن الفوائد قد بلغت ثلث العائد اإلجمالي على رأس المال ،مما أدى إلى تآكل أرباح الشركات وانخفاض إنتاج االقتصاد األمريكي ،وبالتالي أدى إلى انخفاض التكوين الرأسمالي( .)3ولذا فإن الفائدة تؤدي إلى زيادة التكاليف وانخفاض مشاريع التنمية ،وكلما ارتفع سعر الفائدة أصبح عائق االستثمار أكبر . )"Public Policy and Capial Formation", Enzler&Conrad&Johnso, Federal Reserve Bullein(Oc.,1981), P.759 )1 )"Economics", Samuelson, P.A, 7hed,. McGraw Hill, New York, 1967, p.574 )2 )"Corpora Profitability and Capial Formation: Are Raise of Return Sufficient?", Leibling , H., U., S., Pergamon Po licy Studies, NY 1980, p. 70–8 )3 125 .5في بداية الثمانينات وضع ( )FRIEDMAN ()1 تساءل عن أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل لالقتصاد األمريكي ،وقد توصل إلى أن هذا السلوك الطائش بسبب أسعار الفائدة مما يصعب اتخاذ الق اررات االستثمارية الطويلة األجل أو التخطيط الجيد لألعمال . .6قال(( : )URVEYأن السعر النقدي للفائدة ليس هو المتحكم في االقتصاد ،وأن سعر الفائدة ال يصلح لذلك ،وهو غير مناسب لق اررات االستثمار ،وبناء على هذا يجب أن يحل محله سعر األصول الحقيقية الموجودة أو المستوى العام ألسعار األسهم)( .)2وهذا الكالم يؤكد على ضرورة فك ارتباط االقتصاد عن سعر الفائدة ،مما يجعل حرية أكبر في اتخاذ الق اررات االستثمارية وتوجيهها بالشكل المطلوب وبما يخدم عملية التنمية . .7وبخصوص درجة ضرر الفائدة المركبة على االقتصاد وما تسببه على المجتمع من آثار سيئة كاالستغالل والظلم والحيف ،قال(( : )j. H. HOSTONالفائدة المركبة إثم مركب ، أسي يسبب ظلماً كبي اًر ،ويجعل الديون يطلق الحرية في عالم اقتصادي محدود ،لنمو ّ غير قابلة للسداد ،وهذا ليس مجرد ديانة مجردة ،بل هو حصيلة آالف السنين من التجربة الكئيبة لتركز الثروة في القليل من األيدي ،ومن استرقاق الدين ،مما تحدثت عنه جميع كتب الحكمة القديمة :الكتاب المقدس ،والقرآن ،وفالسفة اليونان .وفي عالم ال ينمو فيه الناتج الفردي ،وال الناتج الحقيقي الكلي ،والنقود فيه ال يمكن أن تنمو باستمرار ،فإن فرض أي معدل فائدة موجب سرعان ما يؤدي إلى اإلفراط في تركيز الثروة في أيدي قلة من المرابين ،كما يؤدي إلى االنهيار االقتصادي)(.)3 )" he yo-yo U.S. Economy", Friedman, M., Newsweek, 15Feb, 1982, p.4. )1 )"Does he Rate of Interest Rule he Rooms?", Urvey , R., Hahn, G., eds., pp.,172&329. )2 )Islamic Finance, Mills and Presley, p.117. )3 126 وبناء على ما تقدم ،فإن االعتماد الكلي على الفائدة في عملية اإلنتاج والتنمية واهمال األخذ بالربح والذي يمثل محرك النمو الحقيقي لالقتصاد ،سيؤدي إلى حرمان فئات كثيرة من العمل في تأدية دورها االيجابي تجاه اإلنتاج القومي ودعمه بقدراتها المتنوعة ،وبالتالي سيتولد خلل كبير في عملية التوازن بين طبقات المجتمع ،وتنشأ فجوة واسعة من السلبية االقتصادية واالجتماعية التي بدورها ستكون معوق رئيسي أمام مسيرة التنمية . .4المصارف اإلسالمية وأساليب التمويل المعوضة لإلقراض بالفائدة : تقوم المصارف اإلسالمية بعمليات تمويل مختلفة تهدف جميعها إلى تدعيم التنمية في المجتمع ،ويكون إقراض عمليات المستثمرين ليس بأسلوب الفائدة ،وانما يكون بأساليب متنوعة تعوض عن التعامل بالفائدة ،فاالستثمار اإلسالمي يمتلك طرقا وأساليب متميزة وعديدة تهدف كلها إلى تحقيق الربح الحالل ومن أبرز هذه األساليب واألشكال . أوال :المضاربة تعتبر المضاربة هي الوسيلة التي تجمع بين المال والعمل بقصد استثمار األموال التي ال يستطيع أصحابها استثمارها .كما أنها الوسيلة التي تقوم على االستفادة من خبرات الذين ال يملكون المال . والمضاربة :هي عقد بين طرفين أو أكثر يقدم أحدهما المال واألخر يشارك بجهده على أن يتم االتفاق على نصيب كل طرف من األطراف بالربح بنسبة معلومة من اإليراد(.)1 وهناك عدة أشكال أو صور للمضاربة نذكر منها(:)2 .1المضاربة الخاصة :بمعنى أن المال والعمل مقدمان من شخص واحد. ) )1أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي (الواقع واآلفاق) ،عبد الحميد محمود البعلي ، 1990،القاهرة ،ص.68 ) )2إدارة البنوك مدخل استراتيجي معاصر ،فالح حسن الحسيني ،مؤيد عبد الرحمن الدوري ، 2000 ،دار وائل للنشر ،عمان ،ص.201 127 .2المضاربة المشتركة :يتعدد فيها أصحاب األموال وأصحاب العمل. .3المضاربة المطلقة :وهي التي ال يقيد فيها صاحب المال المضارب بنوع محدد من االستثمار أو التجارة وانما يكون له مطلق الحرية في اختيار النشاط الذي يراه مناسبا. .4المضاربة المقيدة :وهي المضاربة التي يلزم فيها صاحب رأس المال المضارب باستخدام األموال في نشاط أو تجارة معينة من قبله. شروط المضاربة(:)1 .1يجب أن يكون رأس المال المضارب به نقدا ومعلوماً . .2إن المضارب ال يضمن رأس المال المضارب به في حالة الخسارة إال إذا أثبت صاحب المال أن تقصير المضارب هو السبب وراء هذه الخسارة . .3يمكن للمصرف أن يطالب بضمان يقدمه المضارب يحفظ فيه حقه في حالة تقصيره عن تنفيذ الشروط التي تم االتفاق عليها . .4يجب أن يتم تحديد نصيب كل طرف من األرباح كنسبة من األرباح وال يجوز أن يكون الربح مقدا ار محددا ألنه قد تكون األرباح المتحققة أقل من ذلك . .5يجوز االتفاق على وقت المضاربة ومكانها . ثانياً :المشاركات المشاركة :هي صورة قريبة من المضاربة والفرق األساسي بينهما أنه في حالة المضاربة يتم تقديم رأس مال من قبل صاحب المال وحده .أما في حالة المشاركة فإن رأس المال يقدم بين الطرفين ويحدد عقد المشاركة الشروط الخاصة بين األطراف المختلفة ) )1إدارة البنوك ،فالح حسن الحسيني ،مؤيد عبد الرحمن الدوري ،ص.202 128 ( )1 . معنى المشاركة : هي عقد بين طرفين يقدم كل منهما مقدا ار معلوما من رأس المال ويكون فيه الحق بالتصرف في المال تصرفا كامال باعتباره شريكا ومالكا له ويتم توزيع الربح حسب ما يتم االتفاق عليه ببن الطرفين .أما الخسارة فتوزع حسب نسبة المشاركة برأس المال(.) 2 ويمكن أن تقسم المشاركة إلى نوعين رئيسيين : أوالً :المشاركة المتناقصة : هي أن تقوم المشاركة بين طرفين أحدهما المصرف وأي طرف أخر سواء كان فردا أم شركة يكون فيها الحق للشريك أن يحل محل المصرف في ملكية المشروع المشترك بينهما وذلك أما دفعة واحدة أو على دفعات .على أن ال يتم دفع نصيب الفرد أو الشركة من األرباح المتحققة كجزء من استرداد قيمة حصة المصرف أي أن الشريك في النهاية سيتمكن من تملك المشروع بعد أن تمكن من رد التمويل إلى المصرف(.) 3 ثانياً :المشاركة الثابتة : قد يأخذ المشروع المعول شكال قانونيا ثابتا مثل شركة مساهمة أو التوصية البسيطة أو توصية بأسهم أو تضامن حسب صيغة المشروع وحجمه ،وهنا يقوم المصرف اإلسالمي بتمويل جزء من رأس مال مشروع معين يجعله شريكاً في إدارته واإلشراف عليه ،وشريكا في الربح الذي يكون حسب النسبة المتفق عليها ،وتبقى حصة كل شريك من الشركاء ثابتة لحين االنتهاء من مدة المشروع أو الشركة التي حددت في االتفاق(.)4 أنواع الشركات في الفقه اإلسالمي : ) (1إدارة البنوك ،فالح حسن الحسيني ،مؤيد عبد الرحمن الدوري ،ص.202 ) (2المؤسسات المالية البورصة والبنوك التجارية ،محمد صالح الحناوي ،عبد السالم سعيد فتاح ،الطبعة األولى ، 2000 ،الدار الجامعة ،القاهرة ،ص.406 ) )3إدارة البنوك ،فالح حسن الحسيني ،مؤيد عبد الرحمن الدوري ،ص.202 ) (4نحو نظام نقدي عادل ،محمد عمر شبرا ،وآخرون ، 1990 ،الطبعة الثانية ،دار البشير للنشر والتوزيع ،عمان ، ،ص.44 129 .1شركات األمالك :هي اشتراك شخصين أو أكثر في ملك عين معينة ذات قيمة مالية. .2شركات العقود :هي عقد بين طرفين أو أكثر على االشتراك في رأس المال واألرباح الناتجة عن استثماره وتقسم شركات العقود إلى: آ) شركات العنان :وهي أحد أنواع شركات العقود التي تم االتفاق فيها بين األطراف المتشاركة على عدم تصرف أي شريك إال بإذن صاحبه . ب) شركة المفاوضة :وهي الشركة التي يتساوى فيها الشركاء في كل شيء . وتعتبر شركة العنان من أنسب الصيغ االستثمارية في المصارف اإلسالمية مثل المشاركة الدائمة والمشاركة المنتهية بالتمليك(.)1 ثالثاً :المرابحة المرابحة :هي البيع بالثمن الذي اشتريت به السلعة مع ربح معلوم واتفق الفقهاء في المذاهب المختلفة على أمرين بالنسبة للمرابحة( .)2 األول :بيان الثمن وما يدخل فيه ويلحق فيه . الثاني :زيادة ربح معلوم على الثمن . شروط المرابحة : .1أن يكون ثمن السلعة معلوما. .2أن يكون الربح معلوما للبائع والمشتري . .3أن يكون المبيع عرضا فال يصح بيع النقود مرابحة. ) (1العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ،حسين محمد سمحان ،مطابع شمس ،عمان ،بدون تاريخ ،ص.44 ()2المؤسسات المالية البورصة والبنوك التجارية ،محمد صالح الحناوي ، ،ص.407 130 .4أن يكون العقد األول صحيحا .فلو كان فاسدا لم تجر المرابحة ألنها بيع بالثمن األول مع زيادة الربح. أنواع البيوع تصنف البيوع إلى أنواع متعددة هي : .1بيع المقايضة :وهو مبادلة عين بعين بدون نقد وقد كان هذا البيع شائعا قبل استخدام النقود. .2بيع الصرف :وهو بيع الثمن بالثمن سواء كان الثمن عاجال أو أجال ويشمل : بيع السلم :ويتم بدفع الثمن مال مع تأجيل تسليم المبيع. بيع األجل :ويتم بتسليم المبيع ماال مع تأجيل دفع الثمن . بيع المساومة :ويتم دون معرفة المشتري لتكلفة السلعة على البائع فال يعرف المشتري مقدار ربح البائع أو خسارته ويجوز هذا البيع إذا لم يكن من البيوع غير المشروعة كبيع المسترسل. بيوع األمانة :ويتم فيها البيع بمعرفة المشتري كلفة السلعة على البائع ويتم تحديد الثمن بينهما بناء على ذلك ()1 . رابعاً :السلم وهو بيع شيء يقبض ثمنه حاال وتأجيل تسليمه إلى فترة قادمة ،وقد يسمى بيع السلف فصاحب رأس المال يحتاج أن يشتري السلعة وصاحب السلعة يحتاج إلى ثمنها مقدما لينفقه على السلعة التي وصفها المشتري .وبهذا نجد أن المصرف أو أي تاجر يمكن له أن يقرض المال ) (1العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ،حسين محمد سمحان ،ص.72 131 للمنتجين ويسدد القرض ال بالمال النقدي ألنه سيكون (قرض بالفائدة) ،ولكن بمنتجات معينة وموصوفة في الذمة . مما يجعلنا أمام بيع سلم يسمح للمصرف أو للتاجر بربح مشروع ويقوم المصرف بتصريف المنتجات والبضائع التي يحصل عليها وهو بهذا ال يكون تاجر نقد وائتمان بل تاجر حقيقي يعترف اإلسالم بمشروعيته وتجارته .وبالتالي يصبح المصرف اإلسالمي ليس مجرد مشروع يتسلم األموال بفائدة لكي يوزعها بفائدة أعلى ولكن يكون له طابع الخاص حيث يحصل على األموال ليتاجر ويضارب ويساهم بها . وهكذا يمكن أن يكون عقد السلم طريقا للتمويل يغني عن القرض بالفائدة .فأصحاب السلع والبضائع يمكنهم أن يحصلوا من المصرف على ثمن بضائعهم مقدما على أن تسلم للمصرف مستقبال ليتاجر بها كما يمكن للمصرف أن يستخدم بيع السلم في بيع تجارته(.)1 مشروعية السلم : ( )2 السلم على غير القياس فقد وضع العلماء شروط وقيود تحفظ للسلم إباحته منها .1بيان الجنس والنوع والصفة في الثمن تجنبا للنزاع . .2بيان جنس ونوع وصفة المسلم فيه (السلعة) . .3أن يكون المسلم فيه مؤجال إلى أجل معلوم . .4أن يكون المسلم موجودا عند حلول اآلجل . ) )1المؤسسات مالية البورصة والبنوك التجارية ،محمد صالح الحناوي ،ص.411 ( )2العمليات الم صرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ،حسين محمد سمحان ،ص.71 132 : .5يشترط في المسلم فيه أن ال يكون من جنس الثمن وأن ال يكون متفقاً معه في علة ربوية . .6البعض اشترط بأن ال يقل األجل عن شهر واحد ذلك ألن الشهر أقل مدة يمكن أن تتحقق فيها الفائدة من بيع السلم. .7يجب أن يكون الثمن معجالً . خامساً :االستصناع االستصناع :هو طلب الصنعة كأن يطلب من شخص أن يصنع لك حذاء أو حقيبة أو غير ذلك فإن هذا األمر هو ما يعرف باالستصناع .وبعض الفقهاء قالوا أنه يجب أن يوضع االستصناع من حيث محل العقد وصفته ووزنه ......الخ .ويذكر أن الناس تعاملوا بهذا العقد منذ زمن رسولنا محمد صلى هللا عليه وسلم الذي استصنع خاتما وقيل أنه استصنع منب ار .ومن فوائد االستصناع أنه يشجع اإلنتاج والعمل وتشغيل األيدي العاملة ويزيد النشاط االقتصادي ويؤمن عملية التسويق. هذا ويمكن للمصارف اإلسالمية اآلن الدخول في عمليات االستصناع ،كمثال يمكن لها أن تجعل عقود استصناع عن طريق امتالكها المصانع والقيام بالتصنيع أو أن تكون صانعا ومستصنعا في نفس الوقت وهو يعرف ب (االستصناع الموازي) وهذا النوع هو األكثر مالئمة ( )1 لعمل المصارف اإلسالمية . شروط االستصناع (:)2 ) )1العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ،حسين محمد سمحان ،ص.75 ) )2العمليات المصرفية اإلسالمية ،حسين محمد سمحان ،ص.75 133 .1أن يكون محل العقد معلوم الجنس والنوع والصفة والقدرة وهذا التحديد الدقيق يجعل الوقوع في النزاع والخالفات بين الصانع والمستصنع في أضيق الحدود. .2أن يكون محل العقد مما يجعل فيه التعامل بين الناس استصناعاً مثل األحذية والمالبس واألثاث. .3أن يقدم الصانع مستلزمات الصناعة . .5القرض الحسن كأداة للتمويل وأثره في عملية التنمية. يعزو العديد من من خبراء التنمية ظاهرة التخلف في البلدان النامية إلى كونها نتاج التقدم والهيمنة والتبعية التي مارستها الدول المتقدمة على الدول المتخلفة ،وكان هذا التقدم الزم لعملية التراكم الرأسمالي في بعض الدول ،ومن طرف ثاني لتكريس التخلف في دول أخرى من أجل زيادة التقدم ،فقد قامت عدة دراسات حول السبب الكامن وراء التراكم الرأسمالي للعالم الذي اقلع باتجاه التقدم . فوصلت هذه الدراسات إلى القول أن السبب هو الهيمنة والتبعية التي فرضت على الدول المتخلفة باعتبارها مصد ار للمواد األولية وسوقا رائجة لبضائع الدول المتقدمة ،ومكاناً الستثمار ( )1 رؤوس أموالها ،وأن هذه التبعية والهيمنة الوافدة وتدخل الشركات المتعددة الجنسيات ،وارتباط اقتصاديات الدول المتخلفة بالمركز الرأسمالي ووجود رأس المال األجنبي والقنوات التجارية ،أدت إلى انقسام االقتصاد العالمي نحو قسمين : oاقتصاد م ِ ستغل . ُ o ستغل . واقتصاد ُم َ ) )1محمد سعيد طالب ، 2005،الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة (التخلف العربي ثقافي أم تكنولوجي) ،منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،صhttp:/ /www.awu-dam.org ، 93-92 134 واذا نظرنا على صعيد بناء االقتصاديات المتخلفة ،فقد أدت األسباب السابقة إلى تشوه هذه االقتصاديات ،والى تعدد األنماط فيها ،والى تفكك قطاعاتها االقتصادية وانتشار االزدواجية ( )1 فيها ،وتظهر هذه االزدواجية في كل جانب من جوانب االقتصاد الوطني ،فنجد قطاعاً زراعياً وقطاعاً صناعياً ال عالقة بينهما ،ونجد سوقاً مالية محدودة وأخرى أجنبية ال يوجد أي رابط بينهما ،ونجد قطاعات اقتصادية عديدة لكن مبعثرة ومرتبطة بالمركز إلى جانب قطاعات اقتصادية متخلفة. إن التفكك في القطاعات االقتصادية وعدم وجود ترابط وتواثق بينها ال يمكن تفسيره إال ِ ستغل . الم َ المستغل واالقتصاد الوطني ُ بسبب التبعية االقتصادية ،ووجود االقتصاد األجنبي ُ وبالتالي نرى وجود اقتصاد متقدم يملك صناعة متطورة وامكانية على استيعاب التكنولوجية الحديثة ،مع اقتصاد متخلف مرتبط بالزراعة التقليدية غير قادر على امتصاص التقدم التقني واستيعابه ، واقتصاد يتقيد باإلنتاجية المحدودة وباالقتصاد المعيشي. وهذه التبعية والتفكك واالزدواجية التي تعاني منها اقتصاديات المجتمع المتخلف ،ترجمت على شكل عدم قدرة هذه االقتصاديات على تغطية حاجات اإلنسان األساسية ،وليس فقط انخفاض مستوى معيشة اإلنسان ،فقد أصبح اإلنسان في الدول المتخلفة يعاني من مأساة تمس ( )2 وجوده الفيزيولوجي واإلنساني ممثل في : .1عدم تغطية حاجته من الغذاء الالزم للحياة . .2المرض وتدهور الصحة وانخفاض معدل المعيشة . .3األمية وعدم تلبية حاجات اإلنسان الثقافية واإلنسانية . ( )1ويقصد باالزدواجية انقسام القطاعات االقتصادية إلى قطاع متخلف مرتبط في العمق المتخلف (ريف متخلف ،تقنية بسيطة) وقطاع متقدم يعتمد تكنولوجية مستوردة متجهه نحو الخارج وفي خدمة المركز . ) )2التنمية االقتصادية ،عبد الرحيم بوادقجي ،المطبعة الجديدة ،دمشق ،طبعة ، 1977ص.27،26 135 ومن خالل فهمنا ألسباب ونتائج التخلف نستطيع أن نجد الطرق الناجعة التي تمكننا من كسر هذا التخلف وماهية العملية التنموية المطلوبة ،فنجد أن التنمية هي (عملية شمولية ومتكاملة ،أي ال تقتصر على الجانب االقتصادي وانما تشمل الجوانب االجتماعية والفكرية والسياسية وال يكفي كي نحقق التنمية تحقيق زيادة في الناتج القومي وال حتى تحقيق زيادة في اإلنتاج أو تبديل البنى االقتصادية ،وانما يجب رفع المستوى االجتماعي والفكري والثقافي وكذلك مستوى الوعي والممارسة السياسية) . إن التنمية يجب تركيزها على اإلنسان ،ألنه أداتها ،وألنه المستفيد منها ،وحتى تصبح التنمية بهذا الشكل فهي ليست مجرد تنمية لألشياء ،ولكنها تنمية لإلنسان أوالً وقبل كل شيء . ويثير هذا المفهوم عدة اعتبارات منها أن اإلنسان يجب أن يتحول من كونه عبارة عن كيان بايولجي يحتا ج فقط إلى إشباع لحاجاته األساسية ،إلى إنسان يوجد ضمن مجموعة من األفراد األحرار المشكلين للمجتمع ،ويتحمل عبء المشاركة في تحديد أهداف التنمية وتنفيذها . إن التنمية عملية ذاتية وداخلية أي عملية تعتمد على النفس عصامية وال تعتمد على العالم الخارجي في تمويل عملياتها كما يرى تيار من المفكرين الذين يعتقدون أن التنمية ال تأتي إال من الخارج المتقدم على الداخل ،وهذا ال يعني عدم العمل على االستفادة من العالم الخارجي أو التقدم الذي حدث في باقي أنحاء العالم ،لكن شريطة أن ال تتحول هذه االستفادة إلى تبعية للعالم الخارجي ،فمصادر التنمية موجودة داخل أي بلد متخلف أو نامي ممثلة في الطاقة البشرية الهائلة ،وفي المواد األولية والمتاحة. ونفهم من العرض السابق ألسباب التخلف ونتائجه ،أن التنمية الكفيلة بكسر هذا التخلف يجب أن تكون ذات وجهين وجه اجتمعي ووجه اقتصادي ال يمكن فصل احد الوجهين عن اآلخر فهما متكامالن ومتزامنان ويعتبر التمويل هاجسهم األهم . 136 وقد حددت الشريعة االسالمية وبشكل واضح اطر التنمية بمنظور إسالمي وبينت طرق التمويل المشروعة والقادرة على كسر التخلف والتبعية .وقد وضحنا في المبحث األول من هذا الفصل الدور الذي تضطلع به المصارف االسالمية في تمويلها لعملية التنمية ،والقرض الحسن هو احد أوجه التمويل ،وللقرض الحسن وجهان الوجه األول استهالكي والوجه الثاني استثماري ، فالقروض االستهالكية هي القروض الممنوحة لألفراد ،من أجل سد حاجتهم الشخصية والعائلية الجارية ،في الغذاء والكساء والدواء والسكن ومستلزماته ،والمتعة ( اللهو ،النزهة ،والسفر..الخ) . ونجد أن القرض الحسن االستهالكي موجه للتنمية االجتماعية ،ويعالج نتائج التخلف وهو تمويل داخلي ال يرهق المقترض .أما القرض الحسن اإلنتاجي فهو القرض الممنوح للتجار والزراع والصناعيين والحرفيين وأصحاب المهن ،من أجل سد حاجتهم اإلنتاجية والمهنية ،ـ كشراء أثاث أو أآلت أو سيارات لالستعمال اإلنتاجي ،أو كشراء مواد أولية ،أو دفع أجور عمال ـ وهؤالء المنتجون قد يكونون من كبار المنتجين أو متوسطهم أو صغارهم . لقد وضع الفكر االقتصادي الرأسمالي لكل عنصر من عناصر اإلنتاج عائدا يقابله، فاألجر يقابل العمل ،واإليجار يقابل األرض ،والفائدة الربوية تقابل رأس المال ،والربح يقابل التنظيم أو اإلدارة ،وفي الفكر االقتصادي الشيوعي كان العمل وعائده األجر هو الممثل لعناصر اإلنتاج حيث اعتبروا عمل اإلدارة عمل ورأس المال قيمة مضافة أصلها عمل واألرض ال يصلحها إال العمل. أما الفكر االقتصادي االسالمي فقد اعتبر عناصر اإلنتاج هما العمل ورأس المال ،فالمال يشمل جميع أشكاله حسبما عرفة الغزالي بقوله ":عبارة عن أعيان األرض وما عليها مما ينتفع به ،وأعالها األغذية ثم األمكنة التي يأوي اإلنسان إليها وهي الدور ،ثم األمكنة التي يسعى فيها 137 للتعيش كالحيوانات واألسواق والمزارع ثم الكسوة ثم أثاث البيت وآالته ثم آالت اآلالت وقد يكون في اآلالت ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب . أو كما نعبر عنها بطرف األصول في الميزانية حيث يتمثل رأس المال بعناصر األصول من أرض وعقار وآالت وبضاعة وأوراق مالية ونقدية وغيرها ،أما العمل فال فرق بين العمل الناجم عن عمل العمال أو العمل الناجم عن تنظيم اإلدارة فكالهما عمل ،وعوائدهما الربح واألجر وهذا ما قامت علية شركة المضاربة أصال .لذلك يقبل االسالم بالربح كعائد للملكية فقط (رأس المال وما يمثله) ،وال يقبل بالفائدة الربوية بأي شكل من األشكال للقاعدة الفقهية (الغنم بالغرم) الشتراكهما بالمخاطر . أما القرض الحسن فتكون عناصر اإلنتاج هي نفسها في الفكر االسالمي العمل ورأس المال إال أن األرباح أو الخسائر ستعود على المقترض صاحب رأس المال المقترض من المقرض . وبذلك نجد أن المقرض يتنازل عن حقه في العائد من االستثمار إلى المقترض مبتغيا من ذلك مثوبة من هللا في آخرته ومقدماً فرصة استثمارية ألخيه المسلم الذي يملك القدرة أو الخبرة اإلدارية على االستثمار وال يملك القدرة المالية التي تسمح له تحقيق استثماره. وقد يسال سائل ،ما الداعي للقرض وهناك مبدأ المشاركة الذي يضمن لالثنين أرباحهما؟ ويمكن اإلجابة على هذا التساؤل بالقول :أن بعض المشاريع ال تغطي أرباحها عملية المشاركة ، وباللغة ا القتصادية الدارجة أن الكثير من االستثمارات ال تتم بسبب أن عوائد هذا االستثمارات ال تغطي مبلغ الفائدة ،فقد يكون المشروع يغطي عوائد المنظم والعمل واألرض وال يستطيع أن يغطي أرباح رأس المال ،وخصوصا في المشاريع الصغيرة ففي هذه الحالة ال يجد المستثمر من طريق 138 سوى القرض الحسن كما وان بعض المشاريع تبغي خفض تكاليفها بغية خفض أسعارها ومن ثم زيادة مقدرتها على المنافسة في األسواق خصوصا الخارجية. إن القرض الحسن يحقق دوره في عملية التنمية من خالل قدرته على توفير التمويل إلى المستثمر الذي ال يتكلف عناء الفائدة التي تفرضها علية البنوك الربوية محوال هذه الفائدة إلى أرباح إضافية تمكن المستثمر من زيادة ادخاره ومن ثم زيادة استثماره وهذه اآللية هي جوهر عملية التنمية. ومن جانب آخر ،يتمكن المستثمر بالقرض الحسن وكما اشرنا سابقا من خفض تكاليف إنتاجه ومن ثم تخفيض سعر إنتاجه والذي يستطيع بدوره من المنافسة في األسواق الداخلية والخارجية ومن ثم زيادة الطلب على سلعه المنخفضة السعر وزيادة الطلب تؤدي إلى إحالل سلعته بدل السلع المماثلة المستوردة وزيادة صادراته( ،)1وفي كال الحالتين نوفر عملة أجنبية إضافية تُعتبر العملية التنموية في أمس الحاجة لها . وهكذا يتم االستعانة بالشريعة االسالمية لتحفيز المسلمين الذين يكتنزون األموال دون استثمار ،على ضخ هذه األموال بشكل مباشر وشخصي من قبلهم أو بشكل غير مباشر عن طريق مصارفهم التي يثقون بها كونها تطبق تعاليم الشرع وتتقي هللا في تعامالتها ،ويمارس المقرضون المسلمون الجانب االقتصادي من عقيدتهم الذي يوفر راحة الضمير وهدوء البال في عالقاتهم مع نفسهم وعالقاتهم مع اآلخرين ،والقضاء على االزدواجية في الشخصية المسلمة بين القول والعمل وغرس وتعميق المعايير الروحية لدى الفرد وتحقيق التوافق الداخلي للفرد وتحقيق ا لتوافق بينه وبين المجتمع ،األمر الذي يعني أن يسير المجتمع إلى الصورة التي يقل فيها الصراع إلى اقل حد ممكن . ) ) 1التحليل االقتصادي والجزئي (نظريته وتطبيقاته) ،اعداد وترجمة علي مصطفى ،دار الرضا ،دمشق ،الطبعة األولى ،2003،ص.50 139 وهنا يجب أن نوضح ،أن القرض عمل حسن ال يبتغى منه أي منفعة سوى أرضاء هللا وكل والتقرب منه ،كما سبق أن أوضحنا ،وأن المقرض حينما يتوسع في قرضه يكون ثوابه أكبر ٌ على قدره . ( )1 فمثالً ما نجده في تجربة البروفيسور محمد يونس الحائز على جائزة نوبل للسالم ،كانت تجربة كبيرة صبت في خدمة تنمية بلد كامل مثل بنغالديش ،إذ رأى هذا البروفيسور أن النظام المصرفي الربوي القائم في بنغالديش ال يتيح للفقراء توفير قرش واحد ،وال يستطيعون تحسين أحوالهم مهما بلغ جدهم واجتهادهم في العمل ،واكتشف إنهم ال يحتاجون سوى رأس مال يتيح لهم االستفادة من عوائد أموالهم ،ومن ثم اقرض 42امرأة من الفقراء مبلغا بسيطا من ماله الخاص بدون فائدة ،ودن تحديد لموعد الرد ،إال أنه لم يستطع في وقتها إقناع المصارف الربوية بان تقرض الفقراء والمحتاجين قروض حسنة بدون فائدة ،واخذ الموضوع على عاتقة إذ بدء بإقراض الفقراء قروضا صغيرة بدون ضمانات وبدون فائدة ، وقد نجح مشروعه نجاحاً باه اًر وغير حياة 500أسره من الفقراء ،وفي عام 1979اقتنع البنك المركزي البنغالديشي بنجاح الفكرة وتبنى مشروع (جرامين) أي مشروع القرية ،وفي عام 1981زاد من حجم المشروع ليشمل 5مقاطعات ،وقد تبين فاعلية نظام القروض المتناهية الصغر والتي ال تتطلب ضمانات ،ووصل عمالء بنك جرامين عام 1983إلى 59ألف عميل يخدمها 86فرعاً . إن بنك جرامين هو مصرف ربوي وغير إسالمي إذ اقتصرت فكرة القرض الحسن على الفقراء المعدومين في حين كانت القروض الربوية معمول بها مع عمالء البنك اآلخرين ،إال أن الفائدة المفروضة على القروض كانت األدنى على مستوى البلد ،ويمكن أن ُيستفاد من هذه ) )1تجربة بنك الفقراء ،مجدي علي سعيد ،الدار العربية للعلوم_ ناشرون ،بيروت ،الطبعة الثانية ، 2007 ،ص. 15–10 140 التجربة في عمل المصارف االسالمية ،وتعتبر تجربة بنك جرامين خطوة مهمة في مجال القرض الحسن لما حققته هذه التجربة من نجاح باهر في خدمت التنمية في بنغالديش. وكما أن للقروض االستثمارية الصغيرة أهمية فان للقروض االستثمارية الكبيرة أهمية بالغة أيضاً ،فينبغي أن ال نحصر القرض في منطقة ضيقة ،فاألمة االسالمية تمتلك قدرة روحية هائلة من الممكن أن تحقق التنمية التي عجزة عن تحقيقها النظريات الغربية ،فنحن نعلم أهمية المشاريع الكبيرة في عملية التنمية التي تحقيق وفورات الحجم وزيادة األرباح والقضاء على البطالة من خالل توفر آالف فرص العمل التي تعتبر البلدان النامية في أمس الحاجة لها . وما ينطبق على الجزء ينطبق على الكل ،فالدول أيضا عانت ما عانته من القروض الربوية ،وهي في أمس الحاجة إلى قروض حسنة استهالكية وانتاجية تمكنها من كسر الحلقة المفرغة للفقر ،وهذا ما يتطلبه استحداث نظام اقتصادي إسالمي عالمي يجنبها الهيمنة التي تفرضها المؤسسات النقدية العالمية المتشكلة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإلنشاء والتعمير التي سحقت اقتصاديات الدول النامية بفوائد القروض الربوية وما أدت إليه من تبعية طوال هذا القرن . .6الصعوبات التي تواجه التمويل بالقرض الحسن : إن استخدام القرض الحسن كوسيلة للتمويل في التنمية االقتصادية واالجتماعية أمر تنفرد به الشريعة االسالمية ،وأسلوب تتبعه المؤسسات المصرفية االسالمية طبقاً لما تراه متناسق مع الدستور المنظم لعملياتها أال وهو الشريعة االسالمية ،وتلك الوسيلة حسب هذا الدستور تكون متناغمة مع ما يتطلبه النظام االقتصادي ،من خالل إسهام ذوي القدرة األغنياء والميسورين في دعم كفة الفقراء والمحتاجين عن طريق توفير السيولة الالزمة للمشروعات اإلنتاجية الصغيرة 141 والمتوسطة ،مثال ذلك تمويل اإلسكان الشعبي ،صناعات التي تتعلق بذوي الحرف والمهن البسيطة كالنجار والحداد . والغاية هنا تتشكل من قيمة العمل المكتسب الجاد الذي يثمر عن توليد اكتفاء ذاتي للمقترضين ،باإلضافة إلى العدالة التي ستنشأ نتيجة التوزيع الحقيقي للموارد ،وتقليص نسبة الفوارق الطبقية بسبب مزج التعامل بين المقرضين والمقترضين ،وكنتيجة حتمية هو تكوين مجتمع إسالمي متكامل ومتكافل . وبالرغم من كل تلك المنافع التي ستتحقق من خالل التمويل بطريقة القرض الحسن ،إال أنه يصطدم بعدة عقبات منها : .1إن فلسفة النظام المصرفي تقوم على توظيف واستثمار األموال وتحقيق تنمية المجتمع ، ويعني ذلك أن المصارف ليست مؤسسات خيرية ،أو بيوت أنشئت للتبرع واإلحسان . .2انعدام الحافز المادي الذي يتأمله المقرض في العادة ،ويسعى من أجل تحقيقه وخاصة في ظل العصر الذي أصبح فيه الوازع الديني ضعيف أو خافت ،حيث أضحى الربح المقرض والحافز الذي ينشده من خالل تقديمه واالنتفاع هو الجانب األهم من خيارات ُ القرض ،وهو أمر واقع في زماننا هذا ،وال مجال إلنكاره أو التغافل عنه ،ويجب التعامل معه من منطلق عملي واقعي . .3عدم توافر القناعة لدى المسلم بقدرة القرض الحسن في تمويل المشروعات اإلنتاجية وتحقيق أهداف التكافل االجتماعي والعدالة االجتماعية ،وغياب الثقة تجاه فاعلية القرض الحسن كأداة للتمويل في ميدان القطاعات اإلنتاجية . .4القرض الحسن يتنافى مع نظام الفائدة الراسخ رسوخاً عميقاً في الحياة االقتصادية الحالية ، فإذا تم انتهاج أسلوب التمويل بالقرض الحسن كبديل للقرض بفائدة ،فال بد فإنه سيثير 142 مشكالت في غاية التعقيد ،ألن الفائدة تعتبر األساس الذي قامت عليه المصارف التجارية التي كونت النظام المالي الحالي ،وال ننسى أن جميع اقتصاديات الدول اإلسالمية تعمل في ظل هذا النظام ،وهي تابعة فكريا في مجال عالم المال والمصارف للفكر الغربي الناشئ على أساس الفائدة . .5التقلبات في القدرة الشرائية للنقود ،نتيجة التغير في قيمة سعر النقد سواء باالنخفاض أو االرتفاع ،وبالتالي ستكون ذات آثار ضارة على الفرد والمجتمع وتغير دخول األفراد أيضاً ،فعند انخفاض قيمة النقود سيعود الضرر على المقرض وتختلف لديه القوة الشرائية عما كانت عليه عند اإلقراض ،وعند ارتفاع قيمة النقد فإن ذلك سيكون في غير مصلحة المقترض وسيؤدي إلى أثر مادي سيء عليه ،ويصبح العبء أكثر من خالل تكلفه دفع قيمة أكبر من قيمة القرض عند القبض ،وبالتالي فإن نتيجة تقلب المقدرة الشرائية ستكون عائق كبير تجاه عملية اإلقراض أو التمويل . .6تأخر المقترض عن الوفاء بالقرض وخاصة في القروض المصرفية ،وما ينتج عنه من بالمقرض فرداً كان أم مؤسسة ،وهذا يتطلب أخذ ضمانات كافية على ضرر يلحق ُ المقترض ألجل تمكين المقرض من استرجاع حقوقه كاملة ،وهذا يعتبر حل مناسب المقرضين يقبلون على عملية التمويل بالقرض الحسن ،ولكن هي بنفس الوقت لجعل ُ المقترض الذي سيرى في تلك الضمانات تقييد عملية اإلقبال على ستشكل عقبة تجاه ُ طلب القرض الحسن ،ألن كثير من األشخاص الذين يحتاجون إلى القرض الحسن هم من طبقة الفقراء ،فلو كان لديهم تلك الضمانات لما لجأوا إلى المصرف لتوفير حاجاتهم ،وتشكل هذه النقطة مشكلة معقدة تقف حائل أمام تقديم القروض الحسنة بسهولة ويسر . 143 .7قلة التجارب في استخدام القرض الحسن في عملية التمويل ،وعلة هذا األمر هي محدودية نطاق تعامل المصارف اإلسالمية بهذه األداة في عملية االستثمار واإلنتاج ، مما أدى إلى جعلها بال تأثير يذكر في صياغة نظام مالي خال من الفائدة . المبحث الثالث تحليل البيانات ومناقشة النتائج يتناول هذا المبحث عرضاً وتحليالً للبيانات والنتائج التي تم الحصول عليها من اإلجابات على األسئلة التي تضمنتها االستبانة ،والتي وجهت إلى شرائح مختلفة ومتنوعة من المجتمع . (االستبانة مرفقة مع هذه الدراسة ) . القسم األول :ما يخص اإلقراض : م االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال ال نعـــم الع النسبة الع النسبة % دد %دد هل تحب وضع حسابك فـي مصـرف إسـالمي 1 2 ال يقرض قرضاً حسناً ؟ %7 25 %93 ه ـ ــل ت ـ ــرى أن الق ـ ــرض الحس ـ ــن ب ـ ــديل ن ـ ــاجح 2 22 للقرض الربوي؟ 144 %81 5 %19 م االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال ال نعـــم الع النسبة الع النسبة % دد %دد هــل تمييــز القــرض الحســن عــن الربــوي بكلمــة 3 18 (الحسن) رأي صائب ؟ %67 9 %33 هــل القــرض الحســن هــو أداة تمويــل فعالــة فــي 4 المصارف االسالمية أكثر من القـرض الربـوي 17 %63 10 %37 في المصارف التجارية؟ هل القرض الحسـن دوره اكبـر فـي التنميـة مـن 5 20 القرض الربوي ؟ %74 7 %26 هــل القــرض الحســن فــي المصــارف االسـالمية 6 5 يمثل الجانب االجتماعي فقط؟ %19 22 %81 هـ ـ ـ ــل تح ـ ـ ـ ــب أن تق ـ ـ ـ ــوم المص ـ ـ ـ ــارف بتموي ـ ـ ـ ــل 7 25 األشخاص بالقرض الحسن؟ %93 2 %7 هل لمست بنفسك التعامل بالقرض الحسن 8 9 كخدمة مصرفية في المصارف اإلسالمية؟ 5 %19 22 %81 هل تتعامل المصارف االسالمية بالقرض الحسن من باب توفير سيولة عند الحاجة ؟ 145 12 %44 15 %56 الســـــــــــــــــؤال م م االجابــــــه االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال ال نعـــم الع النسبة الع النسبة % دد %دد ه ـ ــل ت ـ ــرى أن الق ـ ــرض الحس ـ ــن ح ـ ــل مناس ـ ــب 10وفعل ـ ـ ـ ــي للمش ـ ـ ـ ــكالت االجتماعي ـ ـ ـ ــة ك ـ ـ ـ ــالزواج 22 %81 5 %19 والعالج من األمراض؟ هـ ـ ــل تـ ـ ــرى أن القـ ـ ــرض الحسـ ـ ــن يحقـ ـ ــق نم ـ ـ ـواً 11 22 اقتصادياً واجتماعياً؟ %81 5 %19 ه ـ ــل يلع ـ ــب الق ـ ــرض الحس ـ ــن ف ـ ــي المص ـ ــارف اإلسالمية بدور فاعل في تحقيق التكافل؟ 146 16 %59 11 %41 نعـــم عدد نسبة عدد هل يدفع القرض الحسـن إلـى تـرك التعامـل 13 20 بالقرض الربوي؟ هــل أعطــي القــرض الحســن دوره المطلــوب 14 5 في المصارف اإلسالمية؟ هــل كــل فئــات المجتمــع تســتطيع االســتفادة 15 12 من خدمة القرض الحسن؟ هــل شــعرت بمنفعــة القــرض الحســن المقــدم 16 هـ ــل تعتبـ ــر القـ ــرض الحسـ ــن وسـ ــيلة ذكيـ ــة 17 هـ ــل تحبـ ــذ اسـ ــتخدام القـ ــرض الحسـ ــن فـ ــي 18 هـ ــل هنـ ــاك آليـ ــة بسـ ــيطة للحصـ ــول علـ ــى 19 م 44 % 15 26 % 7 القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟ 22 88 % 24 تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟ 19 % 85 % 23 لجذب األموال إلى المصارف اإلسالمية؟ 7 19 % 5 من المصارف اإلسالمية؟ 74 % 22 4 3 20 ال نسبة %26 %81 %56 %81 %15 %12 %74 االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال ال نعـــم النسبة النسبة العدد العدد % % 20هل ترى أن هناك عقبات موضوعة فـي 147 23 %85 4 %15 االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال م ال نعـــم النسبة النسبة العدد العدد % % وج ـ ــه اس ـ ــتخدام الق ـ ــرض الحس ـ ــن ك ـ ــأداة لتمويل المشروعات االستثمارية؟ هــل تهــتم بالجانــب المــادي قبــل التنمــوي 21 19 في تعاملك مع القرض الحسن؟ %70 8 %30 ه ـ ـ ـ ـ ــل تح ـ ـ ـ ـ ــب أن تض ـ ـ ـ ـ ــع المص ـ ـ ـ ـ ــارف 22 اإلسالمية لوائح توعية للقرض الحسن ؟ 26 %96 %4 1 هل لديك ثقافة كاملة ورؤية معينـة تجـاه 23القـ ـ ـ ـ ـ ــرض الحسـ ـ ـ ـ ـ ــن فـ ـ ـ ـ ـ ــي المصـ ـ ـ ـ ـ ــارف 6 %22 21 %78 اإلسالمية؟ هل تـرى أن القـرض الحسـن يحتـاج إلـى 24تخط ـ ــيط منهج ـ ــي قب ـ ــل اس ـ ــتخدامه ف ـ ــي التمويل؟ 27 100 % - - القسم الثاني :ما يخص إيفاء القرض : م الســـــــــــــــــؤال االجابــــــه نعـــم 148 ال عدد نسبة عدد نسبة ه ـ ــل ت ـ ــرى أن وض ـ ــع أج ـ ــل للق ـ ــرض ش ـ ــيء 1 23 ايجابي ؟ %85 4 %15 هل ترى من حق المصارف اإلسـالمية أخـذ 2 ضمانات كافية تجاه القرض الحسن ؟ 20 %74 7 %26 هل إنظار المعسر عنـد حلـول أجـل القـرض 3 الحسن هو واجب مطلوب على المصارف 24 %88 3 %12 اإلسالمية؟ هل يجوز المماطلة في إرجاع مبلغ القرض 4 الحسن إلى المصارف اإلسـالمية عنـد تـوفر 3 %12 24 %88 السيولة الكافية؟ هـ ــل تـ ــرى مـ ــن المناسـ ــب وضـ ــع جـ ــزء م ـ ـن 5 القرض الحسن عند عدم القدرة على تسديده 23 %85 4 %15 كامال ؟ هــل يجــوز انتفــاع المصــارف اإلســالمية مــن 6 7 القرض الحسن من باب ُحسن القضاء؟ 20 %74 7 %26 هـ ــل تـ ــرى وضـ ــع األجـ ــل يمنـ ــع المصـ ــارف اإلسالمية من استيفاء قرضها قبل حلوله؟ 149 21 %78 6 %22 االجابــــــه الســـــــــــــــــؤال م ال نعـــم عدد نسبة عدد نسبة هــل تؤيــد وفــاء القــرض الحسـن علــى أقســاط 8 26 بالرغم من أنه خدمة بدون مقابل ؟ %96 1 هــل مــن حــق المســتفيد مــن القــرض الحســن 9 عدم االهتمام بوفاء القرض الحسن ؟ _ _ 27 %4 100 % هــل تحــب أن يقــدم القــرض الحســن بشــروط 10 18 ال تزيد عن قيمة القرض ؟ %67 9 %33 هــل تحــب أن يكــون القــرض الحســن ب ــدون 11 7 ضمانات ؟ %26 20 %74 هــل تحبــذ فك ـرة تخصــيص صــندوق للقــرض 12 26 الحسن في المصارف اإلسالمية ؟ %96 1 %4 هــل تعتبــر القــرض الحســن واجهــة أخالقيــة 13داعم ـ ــة لتقب ـ ــل فكـ ـ ـرة المص ـ ــارف اإلس ـ ــالمية 26 والترويج لها؟ المصدر :االستبانة 150 %96 1 %4 مناقشة النتائج : (مناقشة القسم األول) .1نسبة %93من الشريحة المستهدفة أبدت إيجابية نحو تعزيز دور القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ،وكانت آرائهم تعبر في هذا االتجاه حيث فضلوا وضع حساباتهم في مصارف إسالمية تستخدم أسلوب القرض الحسن في اإلقراض . .2نسبة %81رأت أن القرض الحسن سيكون بديل ناجح للقرض الربوي ،وسيحصل ذلك من خالل تفعيل ذلك الدور ورفع نشاطه في تمويل المشروعات ،وزيادة إسهامه في عملية التنمية . .3تمييز القرض الحسن بكلمة الحسن كانت لها ردود فعل إيجابية لدى %67من الشرائح المستهدفة حيث رأت في ذلك مصلحة لتحديد هدف ونشاط القرض من حيث فعل الخير والبر واإلحسان ،ونسبة %33قالت أنه ليس بالرأي الصائب مقارنة القرض الحسن بالقرض الربوي ،ألن األول هو أساس الشريعة اإلسالمية أما الثاني فهو عنوان دخيل أتى من الغرب على مجتمعاتنا اإلسالمية ،وليس له أي عالقة بمفهوم القرض في اإلسالم . .4أعتبر %63أن القرض الحسن هو أداة تمويل فعالة عند المصارف اإلسالمية ،وقد أبدى %37من المستهدفين مشورة حول ضرورة زيادة اهتمام المصارف اإلسالمية بهذه األداة واعطائها جزئية كبيرة من العمل المصرفي اإلسالمي ،حيث نرى أن القرض الربوي هو أساس عمل المصارف التجارية ،وقد أستحوذ على الجزء األكبر من نشاطاتها . 151 .5إن دور القرض الحسن في عملية التنمية ال يأتي إال من خالل تسليط الضوء على أهمية القرض الحسن ،وأن يكون جزء مهم من العمل المصرفي اإلسالمي وعدم إهمال ذلك الجانب من التمويل ،فقد أعطى %74من الشرائح التي أجابت على االستبانة أثر إيجابي للقرض الحسن في دوره الذي يحدثه بالتنمية ،ورأى %26أن القرض الربوي هو المعروف لدى المجتمع وهو المتعامل به ،فأعطوه الدور األكبر في التنمية . .6إن النسبة الكبيرة من شرائح االستبانة ،أعطت دافع كبير لكي يكون القرض الحسن في الجانب االقتصادي وأن ال يمثل الجانب االجتماعي وحده ،حيث قال %81أن القرض الحسن ال يجب أن يمثل الجانب االجتماعي فقط ،بينما رأى %19القرض الحسن كأسلوب خاص بالجانب االجتماعي ال أكثر . .7الغالبية العظمى من شرائح االستبانة دعمت فكرة تمويل األشخاص وأفراد المجتمع بالقرض الحسن من خالل المصارف اإلسالمية ،حيث قال %93أن ذلك من باب التخلص من فائدة قروض المصارف التجارية التي تشكل عبئ كبير عليهم ،وهذا ما دفعهم لإلقبال على فكرة تمويل األشخاص بالقرض الحسن الذي يرفع عن كاهلهم أثر الفائدة السيئ . ويدل هذا على الرغبة الكبيرة الموجودة في أفراد المجتمع تجاه القرض ،وتوفير تلك الرغبة سيولد عالقة متينة بين المجتمع والمصارف اإلسالمية وبالتالي تحقيق مكسب تنموي كبير للمصارف اإلسالمية والمجتمع. .8من خالل ما ورد في إجابات االستبانة ،تبين أن هناك %81لم تكن لهم تجربة سابقة مع خدمة القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ،وذلك يعطي نظرة واقعية عن ضعف تمثيل تلك الخدمة في عمل المصارف اإلسالمية ،وحتى ال %19الذين لمسوا هذا 152 التعامل فلم يجربوه بشكل مباشر ،بل من خالل تقارير اقتصادية أو نشرات دورية قاموا بقراءتها أو من خالل مشاهدتهم لذلك في القنوات الفضائية أو أثناء تصفحهم لبعض مواقع المصارف اإلسالمية في شبكة االنترنت . .9إن توفير سيولة عند الحاجة هو ليس السبب الوحيد الذي وضع من أجله القرض الحسن في المصارف اإلسالمية فقد كان هذا رأي %56ممن شملهم االستبيان ،بينما رأى %44 أن الغرض األساسي من التمويل هو لسد االحتياجات الضرورية الهامة . .10حبذت نسبة كبيرة من المستطلعة آرائهم أن يكون القرض الحسن هو الحل المرئي المناسب للمشاكل االجتماعية ذات األولوية في المجتمع ،وهذا ما قله %81منهم ،بينما فضل اآلخرون وهم ال %19النسبة األقل ،أن دعم الحكومات والجمعيات الخيرية والتعاونية لمشاكل الزواج والعالج سيكون حل أنسب فيما لو اعتمد القرض الحسن فقط لهذه المسألة . .11مما يدعم هذه الدراسة الخاصة بالقرض الحسن ويقوي حجتها ،هو وجود فئة كبيرة تنظر للقرض الحسن بنظرة تفاؤلية كبيرة حيث ترى أنه سيكون له تأثير تنموي كبير في الجانب االقتصادي واالجتماعي ،وسيضع مشاكل البطالة والفقر وقلة اإلنتاج وعدم استثمار الكفاءات الحرفية في خانة الزوال ،فقد أكد %81هذه النظرية ما عدا %19فإنهم أروا غير ذلك . .12حتى نؤسس مجتمع تكافلي متين ،نحتاج إلى تدعيم مسألة القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ،وتلك المصارف ال تعطي مجال كافي للقرض الحسن ليقوم بدوره في خلق أجواء من الود والترابط والتعاضد بين المؤسسات المالية اإلسالمية والمستثمرين والمودعين 153 ،فقد أيد %59تأثير القرض الحسن في قضية التكافل ،بينما رأى %44أن القرض الحسن ال يلعب ذلك الدور الفعال . .13إن نسبة %74كانت إجابتها واضحة بخصوص ترك التعامل بالقرض الربوي عند وجود القرض الحسن ،بينما ارتأت نسبة %26غير ذلك بسبب عدم وجود قدرة لدى القرض الحسن لفعل هذا . .14لقد ذهبت أكثر آراء المستطلعين أي بنسبة ، %81إلى القول بأن المصارف اإلسالمية لم تضع خطوات جادة ومثمرة وفعلية في سبيل تفعيل مادة القرض الحسن كأداة رئيسية للتمويل حالها حال بقية األدوات واألساليب كالمرابحة والمشاركة والمضاربة واالستصناع ، وهذا يدعونا القول إلى ضرورة إعادة النظر في عمل المصارف اإلسالمية تجاه أسلوب القرض الحسن ،وعلى الرغم من قول %19بهذا الدور إال أن هذا ال يشكل نسبة كافية في المجتمع . .15يجب وضع خطوات دقيقة لشمل كل فئات المجتمع في عملية توزيع القرض الحسن من خالل منظومة المصارف اإلسالمية ،ألن %56وجدوا أن هناك خلل في طريقة شمل كل الفئات لهذا القرض الحسن ،وقد وجد %44أن القرض الحسن بصيغته الشرعية يشمل كل الفئات . .16حتى نصل إلى الحالة المثلى في مسألة القرض الحسن المقدم من المصارف اإلسالمية ، يجب علينا إشعار أفراد المجتمع وهيئاته بمنافع ذلك القرض ،سواء كانت تلك المنافع مادية ظاهرة للعيان من خالل تحسن في الحالة المعيشية أو معنوية من خالل إجراء 154 دورات تدريبية بإشراف المصارف اإلسالمية على أثر القرض الحسن في حياة الفرد والمجتمع . .17لقد حددت االستبانة طريقة ذكية للمصارف اإلسالمية في جذب األموال والودائع إليها ، حيث أعتبر األكثرية وهم %85أن أسلوب القرض الحسن في االستثمار واإلنتاج سيكون وسيلة ناجحة في توجيه إنظار الناس نحو المصارف اإلسالمية ،بينما رأى %15عكس ذلك . .18إن ما يعكر صفو أذهان الطبقة الكادحة ( الفقيرة والمتوسطة) من الناس تجاه المصارف الربوية ،هو عدم اكتراثها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ،فقد رأينا العدد األكبر من الشرائح المستهدفة بنسبة %88تحبذ استخدام المصارف اإلسالمية للقرض الحسن في هذا االتجاه لتطابق ذلك مع أهدافه ،وأما ال %12قالوا ال نحبذ ذلك منطلقين من مبدأ محدودية توجيهه في جانب المشاكل الكثيرة التي تعم المجتمع . .19يشتكي %74من المأخوذة وجهات نظرهم في االستبانة إلى عدم وجود ضوابط أو آليات واضحة وسهلة بخصوص الحصول على القرض الحسن ،حيث يتكلون عن وجود تعقيد وصعوبة بالغين في طلب القرض الحسن من المصارف اإلسالمية ،بينما أخذ %26رأي مغاير لذلك . .20القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ال يجد السهولة المناسبة في المساهمة في عملية التمويل والتنمية ،فقد رأى %85من المشمولين باالستبيان أن هناك عقبات موضوعة في وجه استخدام القرض الحسن في دعم المشروعات االستثمارية وتمويلها ،والعقبات تلك موضوعة من قبل النظام المصرفي العالمي الذي فرض واقع الفائدة الربوية في القروض 155 على اقتصاديات الدول االسالمية والنامية ،وليس من الهين تغيير تلك القناعات ألنها مخيبة لطموحاتهم التوسعية وتوفر استقاللية عن أنظمتهم المالية ،ومن أختلف على هذا الكالم جزء بسيط من فئات الشرائح وكانت نسبتهم . %15 .21وضع االستبيان نتيجة %70ممن يحبذون الجانب المادي قبل التنموي وتمثل النسبة األكبر وتأتي تلك النتيجة انطالقاً من رؤيتهم لمصالحهم الشخصية قبل تفكيرهم بالتنمية وقد جبل اإلنسان بطبعه على ذلك ،حيث قال هللا تعالى في حقه﴿ َواِهن ُه لِ ُح ِّب اْل َخ ْي ِر َل َشِد ٌيد﴾[ العاديات :اآلية ]8والخير هو المال ،أما البقية وهم ال %30النسبة األقل انطلقوا من منطلق المصلحة الجماعية حيث تتحقق بالتنمية . .22بحكم الوعي القليل تجاه أداة القرض الحسن ،ونقص التثقيف الكامل تجاه ذلك األسلوب من التمويل ،فقد رأت الغالبية العظمى من شرائح اإلستبيان وبنسبة %96ضرورة وضع لوائح تزيد من المعرفة والعلم تجاه مفهوم القرض الحسن .والدليل على ذلك أن %78من األشخاص الذين قاموا باإلجابة على االستبيان ،ال يمتلكون أي ثقافة ورؤية حول القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ،وأن القلة أي %22لديها نوع من التبصر بخصوص القرض الحسن ،وهذا يدعو بنا إلى التركيز على تثقيف منتسبي المصارف اإلسالمية أوالً ،ومن ثم توجيه تلك الخبرات المصرفية المكتسبة عن القرض الحسن نحو المجتمع . .23لقد كانت اإلجابة باإلجماع أي بنسبة %100على أن القرض الحسن يحتاج إلى عملية تخطيط ممنهج ودراسة مستفيضة ،قبل عرضه على الجمهور كأحد استخدامات المصارف اإلسالمية . (مناقشة القسم الثاني) 156 .1إن وضع أجل للقرض الحسن عند تقديمه من قبل المصارف اإلسالمية يعتبر أمر إيجابي من جانب المتعاملين ،حيث رأت األغلبية ذلك وبنسبة ، %85ولكن هناك قول آخر وبنسبة %15يرى عدم وضع أجل للقرض الحسن لما فيه من تأثيرات سلبية على المصرف اإلسالمي ،أما عند اشتراط األجل فهو من جانب المصارف اإلسالمية يعتبر عقبة تجاهها في استيفاء قرضها قبل حلول أجله مما يسبب في مخاطر سيولة لدى المصارف اإلسالمية حيث كانت نسبة المؤيدين لعدم اشتراط األجل هي %78وهي األغلبية ،أما النسبة المعارضة فكانت %22ورأت أن اشتراط األجل ال يمنع من استيفاء القرض قبل حلوله . .2لقد أقرت نسبة كبيرة من الشرائح المستهدفة ضمانات كافية تجاه من يقترض من عندها ، حيث قال %74بذلك ألن فيه حفظ لحقوق المصرف اإلسالمي من الضياع والهدر ،أما ال %26التي أخذت رأي معاكس وهم القلة استندت على أن الغاية من اإلقراض هي توفير مساعدة لذوي الدخول المحدودة الذين ال يمتلكون أي شيء للضمان به ،ومن هذا المبدأ فهم ال يحتاجون للقرض الحسن إذا كانت لديهم أمالك للضمان .ورأي األكثرية هو األصح من ناحية المنطق والعقل . ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى .3إنظار المعسر واجب ديني أمرنا به القرآن بقوله تعالى﴿ َواِن َك َ َم ْي َس َرٍة ﴾[ البقرة :اآلية ]280وحثت عليه كذلك السنة ،وقد جاءت نتيجة االستبيان بذلك حيث كان جواب %88من أشخاص االستبيان في اتجاه إنظار المعسر واعتبروه واجب مطلوب في حالة عدم قدرة المقترض على السداد عند حلول األجل ،واآلراء المخالفة لذلك كانت بنسبة . %12 157 .4المماطلة في إعادة القرض الحسن إلى المصارف اإلسالمية عند وجود السيولة لم تجزها أكثرية شرائح المجتمع المستهدفة حيث كانت النتيجة ضد المماطلة بنسبة ، %88وذلك الن مطل الغني ظلم كما حدثنا رسول هللا ، أما نسبة ال %12فكانت موافقتها للمماطلة مبينة على فهم خاطئ لها . .5إن وضع جزء من القرض الحسن يأتي من باب التخفيف على المقترض عند عدم إمكانيته تسديد المبلغ كامالً ،فكانت نسبة االستبيان المؤيدة للوضع من القرض الحسن ، %85 وقد حثنا القرآن على التصدق بالدين أو القرض أي بالوضع منه بقوله تعالى َ ﴿:وأَن صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[ البقرة :اآلية ، ]280والنسبة الباقية هي تشكل تَ َ الجانب الضعيف من المعادلة فقد كانت . %15 .6إن االنتفاع المشروط من القرض الحسن هو أمر غير وارد ألنه يعتبر من الربا المحرم ، ولكن االنتفاع الغير مشروط هو من باب حسن القضاء الذي حثنا عليه رسول هللا ، فكانت النتيجة بنسبة %74في حق المصرف اإلسالمي من االنتفاع الغير المشروط من القرض الحسن باعتباره من باب حسن القضاء على فعل الخير ،والنسبة التي كانت معاكسة هي %26وهي األقل . .7وافقت الشرائح المتمثلة باالستبيان وباألغلبية الساحقة بنسبة %96على فكرة إيفاء القرض الحسن باألقساط ،حيث يكون بمقدور المقترض تجميع تلك األقساط بسهولة أكثر من إعادة المبلغ كدفعة واحدة . .8اتفق جميع الذين شملهم االستبيان أي بنسبة %100على رفض أي أحقية للمستفيد من القرض الحسن في عدم االهتمام بالوفاء ،ألن ذلك يظهر ضرر واضح وجلي تجاه عمل 158 المصارف اإلسالمية ،وبالتالي ضرب المصالح التنموية للمجتمعات من خالل عرقلة مسيرة المصارف اإلسالمية التي تمثل همزة الوصل لمقومات التنمية . .9إن تقديم ضمانات للمصرف اإلسالمي هو من حق المصرف كما أظهرت ذلك أحدى نتائج االستبيان السابقة ،ووضع هذه الضمانات بشكل ال يزيد عن قيمة القرض الحسن القى قبول من لدن شرائح المجتمع التي جرى عليها االستبيان حيث وافق هذا المقترح %67منهم ،و %33أروا في عدم تحبيذهم هو الرأي األفضل حيث يرون من األفضل إلغاء تلك الضمانات .10إن فكرة تخصيص صندوق للقرض الحسن في المصارف اإلسالمية القت تأييد كبير من الفئات المستهدفة باالستبيان ،حيث قالت شريحة واسعة منهم بذلك ألن تخصيص صندوق هو من الغايات التي يتأملها كل مسلم ،وقد بلغت النسبة %96أي من خالف الرأي يشكل نتيجة ضئيلة جدا للغاية بحيث ال تذكر . .11القرض الحسن مما يمتلكه من معاني سامية خالقة ،تجعل منه واجهة أخالقية داعمة لفكرة المصارف اإلسالمية ومروج لها في الوقت ذاته ،هذا ما قاله جميع الذين أُجريت عليهم االستبانة باستثناء رأي واحد مخالف ،وهذا الرأي ال يغير من طبيعة الحقيقة الغالبة ،الن نسبة ال %4ال تشكل شيء أمام نسبة ال. %96 159 الملحق أجريت استبانة من خالل العمل على تحليل البيانات وعرض النتائج بنسب مئوية وبأسلوب تطبيقــي يــدعم الجانــب النظــري لهــذه الرســالة ،وكــذلك الوقــوف علــى أهــم المقترحــات التــي مــن شــأنها العمل على زيادة فاعليته لذا أمل منكم دعم هذه الد ارسـة مـن خـالل تعـاونكم المشـكور فـي اإلجابـة عـن جميـع فقـرات االســتبانة بطريقــة تعبــر عــن رأيكــم الشخصــي بكــل صــدق وموضــوعية ،وأدرك تمام ـاً بــأن تعــاونكم سيكون له أكبـر األثـر بـإذن هللا تعـالى فـي إثـراء هـذه الد ارسـة ،والوصـول إلـى نتـائج علميـة صـادقة؛ لــذا آمــل مــن ســعادتكم التكــرم بقـراءة كــل عبــارة بدقــة وعنايــة ومــن ثــم وضــع عالمــة (√) أمــام العبــارة التــي تعب ــر ع ــن وجهــة نظ ــركم ،م ــع وض ــع وجهــة نظ ــركم الشخص ــية ورأيكــم الخ ــاص سـ ـواء كان ــت اإلجابة على نعم أو ال . كمــا يأمــل الباحــث مــنكم عــدم تــرك أي عبــارة دون اإلجابــة عنهــا ؛ علمـاً بــأن مــا ســتدلون بــه من معلومات ستكون بسرية تامة ،ولن تستخدم إال فيما يحقق أهداف الدراسة فهي ألغراض البحث العلمي فقط .ومن هللا التوفيق 160 بنود االستبيان وفقراته : القسم األول :ما يتعلق باإلقراض السؤال م 1 2 3 اإلجابة نعم هـ ــل تحـ ــب وضـ ــع حسـ ــابك فـ ــي مصـ ــرف إسالمي ال يقرض قرضاً حسناً ؟ هــل تــرى أن الق ــرض الحســن بــديل ن ــاجح للقرض الربوي؟ هـ ــل تمييـ ــز القـ ــرض الحسـ ــن عـ ــن الربـ ــوي بكلمة (الحسن) رأي صائب ؟ هــل القــرض الحســن هــو أداة تمويــل فعالــة 4 في المصارف االسالمية أكثر من القرض الربوي في المصارف التجارية؟ 5 6 7 هـل القــرض الحســن دوره اكبـر فــي التنميــة من القرض الربوي ؟ ه ـ ـ ــل القـ ـ ـ ــرض الحس ـ ـ ــن فــ ـ ــي المصـ ـ ـ ــارف االسالمية يمثل الجانب االجتماعي فقط؟ ه ـ ــل تح ـ ــب أن تق ـ ــوم المص ـ ــارف بتموي ـ ــل األشخاص بالقرض الحسن؟ هـ ـ ــل لمس ـ ـ ــت بنفسـ ـ ــك التعام ـ ـ ــل ب ـ ـ ــالقرض 8 الحس ــن كخدم ــة مصـ ـرفية ف ــي المص ــارف اإلسالمية ؟ ه ـ ــل تتعام ـ ــل المص ـ ــارف االس ـ ــالمية م ـ ــع 9 القرض الحسن من باب توفير سـيولة عنـد الحاجة ؟ 161 ال سبب اختيارك نعم أو ال إن وجد هــل تــرى أن القــرض الحســن حــل مناســب 10وفعل ـ ــي للمش ـ ــكالت االجتماعي ـ ــة ك ـ ــالزواج والعالج من األمراض؟ 11 12 ه ــل ت ــرى أن الق ــرض الحس ــن يحق ــق نمـ ـوا اقتصادياً واجتماعياً؟ هــل يلعــب القــرض الحســن فــي المصــارف اإلسالمية بدور فاعل في تحقيق التكافل؟ 13 هل يدفع القرض الحسن إلى ترك التعامـل 14 هــل أعطــي القــرض الحســن دوره المطلــوب 15 16 17 18 19 بالقرض الربوي ؟ في المصارف اإلسالمية؟ هـل كـل فئــات المجتمـع تسـتطيع االســتفادة من خدمة القرض الحسن؟ هـل شــعرت بمنفعــة القــرض الحســن المقــدم من المصارف االسالمية ؟ ه ــل تعتب ــر الق ــرض الحس ــن وس ــيلة ذكي ــة لجذب األموال إلى المصارف اإلسالمية؟ هـ ــل تحبـ ــذ اســـتخدام القـ ــرض الحســـن فـ ــي تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟ هـ ــل هنـ ــاك آليـ ــة بسـ ــيطة للحصـ ــول علـ ــى القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟ هــل تــرى أن هنــاك عقبــات موضــوعة فــي 20وجه استخدام القرض الحسن كأداة لتمويـل المشروعات االستثمارية؟ 162 21 22 23 هل تهتم بالجانب المادي قبل التنموي فـي تعاملك مع القرض الحسن؟ هــل تحــب أن تضــع المصــارف اإلســالمية لوائح توعية للقرض الحسن ؟ هــل لــديك ثقافــة كاملــة ورؤيــة معينــة تجــاه القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟ ه ــل ت ــرى أن الق ــرض الحس ــن يحت ــاج إل ــى 24تخط ـ ـ ــيط منهج ـ ـ ــي قب ـ ـ ــل اس ـ ـ ــتخدامه ف ـ ـ ــي التمويل؟ القسم الثاني :ما يتعلق بإيفاء القرض 1 هـ ـ ــل تـ ـ ــرى أن وضـ ـ ــع أجـ ـ ــل للقـ ـ ــرض شـ ـ ــيء ايجابي ؟ 163 2 هــل تــرى مــن حــق المصــارف اإلســالمية أخــذ ضمانات كافية تجاه القرض الحسن ؟ هــل إنظــار المعســر عنــد حلــول أجــل القــرض 3 الحســن هــو واجــب مطلــوب علــى المصــارف اإلسالمية؟ 4 هـل يجـوز المماطلـة فـي إرجـاع مبلـغ القـرض الحســن إلــى المصــارف اإلســالمية عنــد تــوفر السيولة الكافية؟ ه ـ ــل ت ـ ــرى م ـ ــن المناس ـ ــب وض ـ ــع ج ـ ــزء م ـ ــن 5 القرض الحسـن عنـد عـدم القـدرة علـى تسـديده كامال ؟ 6 7 8 9 10 11 12 هــل يجــوز انتفــاع المصــارف اإلســالمية مــن القرض الحسن من باب ُحسن القضاء؟ ه ـ ــل ت ـ ــرى وض ـ ــع األج ـ ــل يمن ـ ــع المص ـ ــارف اإلسالمية من استيفاء قرضها قبل حلوله ؟ هــل تؤيــد وفــاء القــرض الحســن علــى أقســاط بالرغم من أنه خدمة بدون مقابل ؟ ه ــل م ــن ح ــق المس ــتفيد م ــن الق ــرض الحس ــن عدم االهتمام بوفاء القرض الحسن ؟ هل تحب أن يقدم القـرض الحسـن بشـروط ال تزيد عن قيمة القرض ؟ ه ــل تح ــب أن يك ــون الق ــرض الحس ــن بـ ــدون ضمانات ؟ ه ــل تحب ــذ فكـ ـرة تخص ــيص ص ــندوق للق ــرض الحسن في المصارف اإلسالمية ؟ 164 - ه ــل تعتب ــر الق ــرض الحس ــن واجه ــة أخالقي ــة 13داعمـ ـ ــة لتقبـ ـ ــل فك ـ ـ ـرة المصـ ـ ــارف اإلسـ ـ ــالمية والترويج لها؟ 165 االستنتاجات والتوصيات االستنتاجات : .1تبين لدي من خالل البحث الذي قمت به أن القرض الحسن له أثر إيجابي في تنمية مجتمعات الدول اإلسالمية ،وهذا ما يتطابق مع فرضية البحث . .2تطابقت نتائج البحث مع الفرضية ،من جهة عدم إعارة أي اهتمام من قبل المصارف اإلسالمية ألداة القرض الحسن إال بحاالت خاصة معينة ال تشكل سوى جزءا يسي اًر من عملها . .3إن القرض عبارة عن تمليك الشيء على أن يرد بدله .وسمي بذلك ألن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ،وهو نوع من المعامالت على غير قياسها لمصلحة الحظها الشارع ،رفقا بالمحاويج . .4القرض الحسن عمل مشروع في الشريعة ،باالستناد على دالالت النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وعلى قول علماء األمة باإلجماع . .5القرض عقد تبرع غير ملزم ،أوله تبرع وآخره معاوضة ،وهو من باب الرفق واإلحسان ، فثاب من يقوم بتقديمه أحسن الثواب وال يؤثم من تركه . .6ال بد لصحة عقد القرض من توافر أركانه وال يتم إال بها ،وهي ثالثة أركان الصيغة والتي المقرض المقرض والمقترض ،والمحل أي المال ُ تتمثل باإليجاب والقبول ،والعاقدان وهما ُ . .7القرض هو عبارة عن فعل خير محض متبادل بين طرفين ،ولهذا فهو يتمثل بجملة من المقرض والمقترض ،وتكون الحجر الصلب اآلداب والسلوكيات واألخالقيات تنشأ بين ُ لتيسير عملية اإلقراض . 166 .8القرض هو معاملة مالية يتم فيها إعطاء شيء من المال بدون مقابل ،وحتى يضمن صاحب المال حقوقه ،شرع له اإلسالم توثيق ذلك الحق من خالل عدة وسائل يضمن فيه ماله من الضياع أو التلف أو الجحود . .9إن القرض المذكور في الشريعة هو القرض الحسن الخالي من الفائدة والذي تطور تطو ًار مهماً بدخوله ساحة العمل المصرفي اإلسالمي ،وصارت له تطبيقات واستخدامات معينة خدمت قضايا المجتمع . .10المصارف اإلسالمية عبارة عن مؤسسات مالية ومصرفية لتجميع األموال وتوظيفها وفق نظام الشريعة اإلسالمية ،لبناء المجتمع التكافلي الرصين ،وتوفير عدالة توزيع الموارد وضع المال في المسار اإلسالمي ،وبالتالي صنع تنمية حقيقية . .11تحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية بشكلها السليم المبني على فكر اإلسالم المستقيم ، ال يتم إال من خالل تربع المصارف اإلسالمية وحلولها في الصدارة كبديل مناسب للمصارف التجارية التي تعتمد على مبدأ محرم كأساس في تعامالتها . .12إن التمويل بالقرض الحسن من خالل المصارف اإلسالمية ،سيساهم في توفير جزء من متطلبات االستثمار واإلنتاج في مجاالت المجتمع كافة ،وبالتالي دعم العملية التنموية لشعوب العالم اإلسالمي . .13إن القرض الحسن أداة فاعلة للتنمية من خالل تقديم عالج مناسب للقضاء على آفة الفائدة في القرض والذي تتعامل به المصارف التجارية ،فقد ثبتت تأثيرات الفائدة السلبية ، فاقتصادياً تزداد أسعار السلع التي تفرض على المستهلك ويقل االدخار ويضعف االستثمار ،واجتماعياً يتزايد مبدأ الظلم واالستغالل والنيل من أصحاب الحاجات الضرورية عند 167 لجوئهم إلى االقتراض بفائدة وباإلضافة إلى ذلك نشوء حالة فراغ طبقية بين أفراد المجتمع . .14إن التمويل بالقرض على المستوى المصرفي ،يقتصر على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة على األغلب وساهمت بعض المصارف اإلسالمية في تمويل المشاريع الكبيرة أيضاً ،وكذلك المشاركة في النشاطات االجتماعية المختلفة من خالل توفير السيولة الالزمة للحاجات االجتماعية الملحة . .15يهد ف القرض الحسن إلى تحقيق التكافل والتعاضد بين أفراد المجتمع من ناحية ،ومن ناحية أخرى يخلق أواصر التعاون اإليجابي بين األفراد والمصارف اإلسالمية . .16إن القرض الحسن يقلل من تكاليف اإلنتاج ،الذي يؤدي دوره إلى تخفيض األسعار وزيادة قدرة المشاريع االستثمارية على المنافسة في األسواق الداخلية والخارجية وزيادة أرباحها وصادراتها ،ومن ثم زيادة االدخار واالستثمار وتحقيق عملية التنمية .17هناك الكثير من العقبات والمشاكل التي تقف حائالً أمام التمويل بالقرض الحسن في المصارف اإلسالمية ،وهذه العقبات منعت من تفعيل أداة القرض في العمل المصرفي اإلسالمي ،وأدت بالنتيجة إلى تقليص االهتمام بالقرض والتفكير به كحالة جدية في المشاركة في النشاطات التي تدعم عملية التنمية التوصيات : .1إجراء المزيد من البحوث والدوريات والمقاالت والدراسات عن القرض في الشريعة اإلسالمية ،ونشرها في المجالت العلمية واالقتصادية ،وفي الجامعات والمعاهد لكي يتكون من خاللها صورة واضحة متكاملة عن القرض ومفهومه وشرعيته وأحكامه وشروطه وأخالقياته وآدابه . 168 .2تفعيل اإلجراءات القانونية الصارمة تجاه المقترضين الذين يحاولون التفريط بحقوق المقرض سواء كان فرد أو مؤسسة ( مصرف) ،والغاية هي ضمان استرداد أموالهم وعدم ُ ضياعها ،وكذلك الحفاظ على ديمومة اإلقراض بهذه اإلجراءات . .3إنشاء صناديق للقروض الحسنة في المصارف اإلسالمية ،وتكون مصادر أموال هذه الصناديق من الجمعيات الخيرية ومن تبرعات أثرياء المسلمين الذين يسعون لتقديم العون واإلحسان ،وكذلك من أرباح المساهمين في المصارف اإلسالمية حيث يكون دعمهم ألجل تحقيق تنمية خاصة بالمصرف والمساهمة في دعم التنمية الشاملة للمجتمع . .4زيادة الوعي لدى إدارات المصارف ورواده وعمالئه وزواره بفكرة القرض الحسن ،من خالل توضيح فوائد ومنافع القرض الحسن ،وما ستجنيه كل األطراف من تفعيل ودعم ذلك األسلوب الذي سيجلب آثار إيجابية عليهم . .5العمل على تنسيق الجهود بين الدول اإلسالمية من خالل عقد المؤتمرات اإلقليمية والدولية بينها ،والخروج بق اررات عملية واقعية تضع األساس لبناء نظام مصرفي إسالمي عالمي يهدف إلى توفير السيولة الكافية للتمويل بالقروض الحسنة لمساعدة الدول اإلسالمية الفقيرة والتي هي بأمس الحاجة إلى هذه األموال ،واغالق الفرصة أمام المؤسسات العالمية الربوية التي تنهش بدماء تلك الشعوب ،ويمتلك العالم اإلسالمي اإلمكانية لتحقيق ذلك ، ألن فيه دول غنية بالنفط ودول تتميز باقتصاديات متطورة . .6التوسع في مجال القرض الحسن اإلنتاجي ،وخاصة أنه أثبت جدواه في تحقيق ميزة اقتصادية أكثر من القرض االستهالكي وفي عدة جوانب ،فالقرض اإلنتاجي من جانب للمقترض ،ومن يحقق غاية اقتصادية تنموية ويوفر فرص عمل تعطي دخل مستمر ُ 169 جانب آخر يعطي نسبة ضمان كبيرة السترداد القرض وارجاعه بأسرع وقت ممكن المقرض . للمصرف ُ .7وضع خطة من قبل المصارف اإلسالمية ،لتحديد األثر الفعلي للمشاريع المقدمة لديها من المستثمرين وهل تصلح أن تمول بصيغة القرض الحسن . للمقترضين في عملية دراسة الجدوى االقتصادية ، .8تقديم المصارف اإلسالمية مساعدة ُ لتحديد المشاريع االقتصادية التي تحقق التنمية ودعمها من خالل القروض الحسنة ، وتفضيلها على المشروعات التي تحقق جدوى اقتصادية أكبر لكنها ال تساهم في عملية التنمية . 170
© Copyright 2026 Paperzz