تحميل الملف المرفق

‫جامعة سانت كليمنتس‬
‫أثر القرض الحسن المقدم من المصارف‬
‫اإلسالمية في تنمية المجتمع‬
‫قدمت هذه الرسالة‬
‫استكماالً لمتطلبات درجة الماجستير في جامعة‬
‫‪ St.Clements‬تخصص اقتصاد‬
‫ومصارف إسالمية‬
‫إشراف المحامي الدكتور مسلم اليوسف‬
‫إعداد سيف هشام‬
‫‪1429‬هـ‪2008/‬م‬
‫المقدمة‬
‫الحمد هلل رب العالمين ‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات‬
‫أعمالنا ‪ ،‬من يهد هللا فال مضل له ‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له ‪ ،‬وأفضل الصالة والتسليم على سيدنا‬
‫وقدوتنا محمد خاتم األنبياء والمرسلين ‪ ،‬وعلى آله وصحبه أجمعين ‪ ،‬والتابعين ‪ ،‬ومن تبع هداهم بإحسان‬
‫إلى يوم الدين ‪ ،‬وبعد ‪:‬‬
‫إن الفقه اإلسالمي ‪ ،‬المستمد من الشريعة السمحاء يبحث عن دوره الغائب في عالم اليوم ‪ ،‬حيث‬
‫ال نجد التطبيق المتوافق معه في تعامالت هذا العصر ‪ ،‬ففقه المعامالت وضع كل الضوابط والشروط‬
‫واإلجراءات الوا ضحة لممارسة أي نشاط اقتصادي في حياتنا اليومية ‪ ،‬ولكن بحكم ابتعاد الناس عن‬
‫منابع اإلسالم وأحكامه الغراء ‪ ،‬ظهرت في أسواقنا الكثير من المعامالت الخاطئة والمنحرفة عن منطق‬
‫الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬ومن هذه المعامالت االقتراض بفائدة من المصارف التجارية ‪ ،‬وقد وصفها الفقهاء‬
‫بأنها من الربا المحرم شرعاً وليست بالقرض العادي المعروف في الشريعة ‪ ،‬واستندوا في كالمهم على‬
‫مصادر التشريع األساسية أال وهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ‪.‬‬
‫وحتى تستمر عملية التوازن بين المصالح والمفاسد ‪ ،‬فكان ال بد من ظهور المصارف اإلسالمية‬
‫لتط بق مبادئ الشريعة وتسد مكامن الخلل الموضوعة من قبل المصارف التجارية المنتمية بفعلها وعقلها‬
‫لفكر الغرب وتوجهاته ‪.‬‬
‫وبدأت بالفعل المصارف اإلسالمية بهذا الدور وأصبحت واقع ملموس وجزء من النظام المصرفي‬
‫الدولي ‪ ،‬واستقطبت أمواالً كثيرة ما كانت لتخرج لوال التوجه اإلسالمي من قبل المصارف ‪ ،‬وبدأت هذه‬
‫المصارف تمارس دورها في التنمية منذ عدة عقود ‪ ،‬وتقدم خدماتها المصرفية وأساليب تمويلها ‪ ،‬وأحد‬
‫هذه األساليب هو القرض الحسن الذي يمتلك أثر إيجابي على حالة التنمية االقتصادية واالجتماعية من‬
‫خالل قابليته للتطبيق في نطاق المؤسسات المالية والمصرفية المعاصرة ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫أهمية البحث‪:‬‬
‫إن األموال التي تكون عادة مدخرة لدى الملتزمين من أبناء المجتمع المسلم ‪ ،‬ال تجد السبيل إلى‬
‫المصارف الربوية التي تتعامل بالفائدة فتوجهت نحو المصارف اإلسالمية التي تحرم هذا التعامل ‪ ،‬ومن‬
‫هنا تأتي هذه الدراسة لتلقي الضوء على القرض الحسن كأحد أنشطة المصارف اإلسالمية وعلى دوره‬
‫وتأثيره في عملية التنمية ‪.‬‬
‫ويعد القرض الحسن نواة المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وكيف أن أهمية المصارف اإلسالمية قد أتت من‬
‫مبدأها األساسي وأحد خصائصها المميزة وهو استبعاد التعامل بإعطاء القروض الربوية ‪ ،‬والتحول إلى‬
‫أسلوب اإلقراض بالشكل الشرعي الغير محرم ‪ ،‬فإذاً أهمية البحث تأتي من أن القرض هو األساس‬
‫األقوى لفكرة إنشاء مصارف إسالمية والدور الذي يلعبه في عملية تمويل المشروعات اإلنتاجية‬
‫واالستهالكية ‪ .‬باإلضافة إلى أن هذه التجربة الفتية تستقطب الكثير من األموال الجديدة للمصرف ‪،‬‬
‫وبالتالي تدفع من مكانة المصرف في محيطه المجتمعي ‪ .‬ونتطرق في هذا المجال بدراسة الجوانب ذات‬
‫األهمية في تحقيق التنمية الفعلية ‪.‬‬
‫إشكالية البحث‪:‬‬
‫تقوم المصارف اإلسالمية بمختلف العمليات المصرفية التي تغطي فيها احتياجات زبائنها وروادها‬
‫وفي مختلف األنشطة وعلى وفق الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬وهذا النظام المصرفي اإلسالمي القائم في‬
‫مجتمعاتنا اليوم ال شأن له بالقرض الحسن كله كجانب من جوانب التمويل إال ما يعتبره من باب‬
‫المصلحة االجتماعية والخيرية فقط وال يتعداها إلى ما أبعد من ذلك‪ ،‬والمصارف اإلسالمية قد وضعت‬
‫ُجل اهتمامها على العمليات االستثمارية التي ال يبتغون فيها إال الربح ‪ ،‬وال نرى أي وجه فيها لتقديم‬
‫المال على أساس القرض الحسن ‪ ،‬فقد أُهمل ذلك النشاط في كثير من المصارف االسالمية وأصبح من‬
‫آخر االهتمامات فيها بحيث يشكل جزء قليل من عمليات المصارف هذا إن وجد ‪ ،‬وفي حقيقة األمر فإن‬
‫‪2‬‬
‫القرض الحسن لم يأخذ دوره المناسب في عملية التنمية في المصارف اإلسالمية بشكل خاص وفي‬
‫المجتمع بشكل عام ‪ ،‬وهذه إشكالية تستوجب الدراسة البحثية ‪.‬‬
‫هدف البحث‪:‬‬
‫يهدف البحث إلى تحليل أثر القرض الحسن في عملية التنمية ‪ ،‬وهل أن المصارف اإلسالمية‬
‫استطاعت أن تسخر هذه الخدمة المصرفية لصالح عملها المصرفي ولصالح مجتمعاتها اإلسالمية‪.‬‬
‫فرضية البحث‪:‬‬
‫يعتمد البحث على فرضية مفادها أن للقرض الحسن آثار ايجابية في تنمية البلدان اإلسالمية وان‬
‫المصارف اإلسالمية لم تعر اهتمام لهذه الخدمة في تعامالتها المصرفية‪.‬‬
‫منهج البحث‪:‬‬
‫يعتمد البحث في منهجه على أسلوب الربط بين اتجاهين رئيسين األول (وصفي ) يستند إلى‬
‫الدراسات النظرية التي درست الموضوع نفسه ‪ ،‬والثاني ( كمي) يستند إلى طرائق االستبيان وأساليبه ‪،‬‬
‫وصوالً إلى تفسير نتائج األسلوب الكمي اإلستبياني لتقييم الجانب العملي من الدراسة ‪.‬‬
‫اإلطار العام للبحث‬
‫بهدف اإلجابة على التساؤالت المطروحة في مشكلة البحث واختبار فرضيته ‪ ،‬فقد جاء البحث‬
‫متضمناً فصل تمهيدي في البداية ثم فصلين ‪ ،‬وخالصة وأهم االستنتاجات والتوصيات ‪ ،‬وقد أهتم الفصل‬
‫التمهيدي بإعطاء فكرة أولية عن القرض من خالل تعريفه ومشروعيته ‪.‬‬
‫وقد أهتم الفصل األول من البحث باإلطار النظري للقرض الحسن من خالل نظرة شاملة ومتفحصة‬
‫‪ ،‬وتضمن ثالثة مباحث حيث تناول األول أركان القرض مثلما حددها أهل الفقه والتي يجب أن تتوافر‬
‫في القرض حتى تتم صحته وتلك األركان هي الصيغة والعاقدان والمال اُلقرض ‪‬المحل‪ ، ‬أما المبحث‬
‫الثاني فقد أخذ جانب كيفية توثيق القرض مبيناً وسائل توثيق العقود وهي الكتابة واإلشهاد والكفالة والرهن‬
‫‪3‬‬
‫المقرضين والمقترضين وتوضيحها من خالل‬
‫‪ ،‬واهتم المبحث األخير بآداب القرض وكيفية التعامل بين ُ‬
‫عدة سلوكيات وأخالقيات أمرنا بها القرآن الكريم وحثتنا عليها السنة النبوية الشريفة ‪.‬‬
‫وقد درس الفصل الثاني دور القرض الحسن في المصارف اإلسالمية وامكانية االنتفاع به كدور‬
‫مستقبلي في تحقيق التنمية للمصرف والمجتمع ‪ ،‬وكان ذلك من خالل ثالثة مباحث ‪ ،‬حيث اهتم األول‬
‫بالتعريف بالمصارف اإلسالمية ونشأتها في ظل االستحواذ العالمي من خالل النظام الربوي المحتكر لكل‬
‫مجاالت االقتصاد والمال في العالم ‪ ،‬وكيف استطاعت المصارف اإلسالمية أن تشق طريقها في وسط‬
‫هذا النظام وتضع لها مكانة وأثر في تنشيط التنمية وتفعليها وفق مبادئ الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬واهتم‬
‫المبحث الثاني في وضع القرض الحسن كأداة من أدوات التمويل في المصرف اإلسالمي ‪ ،‬وتمييزه عن‬
‫الفائدة المعتمدة في المصارف الربوية والتي أدت إلى آثار سيئة على المجتمع ‪ ،‬وتناول المبحث األثر‬
‫االقتصادي واالجتماعي الذي يحققه القرض الحسن في تنمية المجتمع والصعوبات التي تواجهه ‪ ،‬وقد‬
‫أعطى المبحث ا لثالث دراسة تطبيقية وعملية لدور القرض الحسن في مسيرة التنمية من خالل استبانة‬
‫أجريت على شرائح مختلفة من المجتمع ‪.‬‬
‫الفصل األول‬
‫‪4‬‬
‫مفهوم القرض ومشروعيته‬
‫تمهيد ‪:‬‬
‫اعتنى اإلسالم جداً بالظروف المحيطة بالقرض وساعد في تمهيد فكرة القرض الجيد أو الحسن‬
‫بالمص طلح اإلسالمي ‪ ،‬وذلك ألن وضع القرض بهذه الصورة المثالية حسب نظرة وتوجه اإلسالم‬
‫ستعطي زخماً واضحاً إلمكانية االستفادة القصوى والمثلى من استخدام الطريقة األنجع في إقامة نظام‬
‫اقتصادي متكامل ومستقر يعطي حيوية في إنعاش عملية التنمية ‪.‬‬
‫لم يتجاهل اإلسالم تلك الظروف واألحوال ‪ ،‬فمكن للقرض من أن يكون أداة إنفاق واستثمار ‪ ،‬ولم‬
‫حث أهل وأصحاب رؤوس األموال على اإلقراض ‪ ،‬ورغبهم في‬
‫يقف عند حد تشريع االستقراض ‪ ،‬بل َ‬
‫العمل المتواصل على منح القرض ‪.‬‬
‫إ ن العمل بهذا الشكل المنتظم للقرض سيؤدي إلى حل كثير من المشاكل التي تصاحب الناس ‪،‬‬
‫وذلك بتوفير سيولة كافية تغنيهم عن العوز والحرمان والبطالة ‪ .‬وهنا يتبلور أصل التسامح والرأفة بين‬
‫الناس والذي أمرنا به ديننا الحنيف وحضنا عليه ُلنكون شبكة اقتصادية تُمأل كافة حلقاتها ‪.‬‬
‫وبهذا قدم اإلسالم خطاً متناسقاً متكامالً من خالل ما شرعه للقرض ‪ ،‬وكل ذلك سيثمر بلمحة خير‬
‫على المجتمع ‪ ،‬وأشمل دليل على حسن ثواب إعطاء القرض بالشكل الشرعي هو ما قاله الرسول الكريم‬
‫َخ ِ‬
‫يه َكان ه ِ‬
‫ظلِمه وَال يسلِمه من َكان ِفي حاج ِة أ ِ‬
‫ِ‬
‫اجِت ِه َو َم ْن‬
‫‪ ‬حين قال ‪ :‬اْل ُم ْسلِ ُم أ ُ‬
‫َ‬
‫َخو اْل ُم ْسل ِم َال َي ْ ُ ُ َ ُ ْ ُ ُ َ ْ َ‬
‫َّللاُ في َح َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ام ِة‪‬‬
‫ام ِة َو َم ْن َستَ َر ُم ْسلِ ًما َستََرهُ ه‬
‫َف هرَج َع ْن ُم ْسلِ ٍم ُك ْرَب ًة َف هرَج ه‬
‫َّللاُ َي ْوَم اْلق َي َ‬
‫َّللاُ َع ْن ُه ب َها ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ‬
‫‪.‬‬
‫المبحث األول ‪ :‬تعريف القرض‬
‫)‪ )1‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬خليل شيحا ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 1998 ، 5‬كتاب البر والصلة واآلداب ‪ ،‬باب تحريم الظلم ‪ ،‬ح (‪ ،)6521‬ج‪ ،16‬ص‪.351،350‬‬
‫‪5‬‬
‫(‪)1‬‬
‫قال أهل اللغة ‪:‬‬
‫القرض ( لغة ) ‪:‬‬
‫قرض ُت الشيء أ ِ‬
‫القرض ‪ :‬ماتعطيه من المال‬
‫ض ُه بالكسر َقرضاً ‪:‬‬
‫َقر ُ‬
‫القرض ‪ :‬القطع ‪َ ،‬‬
‫قطعته ‪ ،‬و ُ‬
‫ُ‬
‫رضت منه ‪ :‬أي أخذت منه‬
‫لتُقضاهُ ‪ ،‬واستقرضت من فالن ‪ ،‬أي طلبت منه‬
‫فأقرضني ‪ .‬وأقتَ ُ‬
‫َ‬
‫القرض َ‬
‫فت من إحسان ومن إساءة و هو على التشبيه(‪.)1‬‬
‫القرض أيضاً ‪ :‬ما سّل ُ‬
‫رض ‪ .‬و ُ‬
‫الَق َ‬
‫هِ‬
‫َّللا َقرضا حسنا َفيض ِ‬
‫اعَف ُه َل ُه ﴾ [ البقرة‪ ، ]245 :‬في قوله قرضاً‬
‫ض هَ ْ ً َ َ ً ُ َ‬
‫قال تعالى ‪َ ﴿ :‬من َذا الذي ُيْق ِر ُ‬
‫اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء من صدقة أو عمل‬
‫حسناً اسم ‪ ،‬ولو كان مصد اًر لكان إقراضاً ‪ ،‬و ُ‬
‫القرض ٌ‬
‫صالح ‪ ،‬تقول العرب ‪ :‬لك عندي قرض حسن و قرض سيء ‪ ،‬وأصل القرض ما ُيعطيه الرجل أو يفعله‬
‫وجل ال يستقرض من عوز ولكنه يبلو عباده بما مثل لهم من خير يقدمونه‬
‫ُليجازى عليه ‪ ،‬وهللا ّ‬
‫عز ّ‬
‫وعمل صالح يعملونه ‪ ،‬فجعل جزاءه كالواجب لهم مضاعفاً (‪.)2‬‬
‫ض ﴾ ‪ :‬أي يفعل فعالً حسناً في إتباع أمر هللا وطاعته والعرب‬
‫وقال األخفش في قوله تعالى‪ُ ‬يْق ِر ُ‬
‫تقول لكل من ُفعل إليه خي اًر ‪ :‬قد أحسنت قرضي وقد أقرضتني قرضاً حسناً(‪.)3‬‬
‫ض‬
‫وروي عن أبي الدرداء أنه قال ‪ :‬إن ْ‬
‫قارضوك وان تركتهم لم يتركوك ‪ ،‬ثم قال أَْق ِر ْ‬
‫قارضت الناس ُ‬
‫ِ‬
‫هم سابوك وجازوك ‪ .‬ومعنى‬
‫من عرضك ليو ِم َفقرك ومعنى قوله إن قارضتَ ُهم قارضوك ‪ ،‬يقول ‪ :‬إن َ‬
‫ساببتُ ْ‬
‫(‪ )1‬الصحاح ‪ ،‬إعداد نديم مرعشلي ‪ ،‬أسامة مرعشلي دار الحضارة العربية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1974 ،1‬ج‪ ، 2‬ص‪ ، 295‬انظر معجم المصطلحات االقتصادية ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ‪،‬‬
‫القاهرة ‪ ،‬ط‪ ، 1995 ، 3‬ص‪ ، 276‬القاموس المحيط ‪ ،‬للفيروز آبادي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬بإشراف محمد نعيم العرقسوسي‪،‬مؤسسة الرسالة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ،1993 ، 3‬ص‪ ، 840‬لسان العرب المحيط ‪ ،‬ابن منظور ‪،‬‬
‫المجلد الثالث‪ ،‬دار لسان العرب ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ص‪.60‬‬
‫(‪ )2‬تهذيب اللغة ‪ ،‬األزهري ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬عبد العظيم محمود ‪ ،‬بدون ت ‪ ،‬ج‪ ، 8‬ص‪. 340‬‬
‫)‪ (3‬تاج العروس من جواهر القاموس ‪ ،‬أبى الفيض الزبيدي ‪ ،‬الطبعة الخيرية ‪ ،‬مصر ‪1308 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 8‬ص‪. 75‬‬
‫‪6‬‬
‫ِ‬
‫عرضك بكالم يسوؤك ويحزنك فال ِ‬
‫تجازه‬
‫قوله‬
‫ْ‬
‫اقرض من عرضك ليو ِم َفقرك‪ ،‬يقول‪ :‬إذا اقترض الرجل ْ‬
‫حتى يبقى أجر ما ساءك به ليوم فقرك إليه في اآلخرة(‪.)1‬‬
‫القرض اصطالحاً ‪:‬‬
‫القرض عند أهل الفقه ‪:‬‬
‫القرض هو ‪ :‬ما تعطيه غيرك من مال على أن يرده إليك (‪.)2‬‬
‫يقول اإلمام ابن حزم في القرض ‪ :‬هو أن تعطي إنساناً شيئاً بعينه من مالك ‪ ،‬تدفعه إليه ‪ ،‬ليرد‬
‫عليك مثله إما حاالً في ذمته ‪ ،‬واما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه(‪.)3‬‬
‫وقد عرَف ُه الشافعية بأنه ‪ :‬هو تمليك الشيء على أن يرد بدله‪ .‬وسمي بذلك ألن المقرض يقطع‬
‫للمقترض قطعة من ماله ‪ ،‬وتسميه أهل الحجاز سلفاً‬
‫( ‪)4‬‬
‫‪ ،‬مندوب إليه بقوله تعالى ﴿ َوا ْف َعلُوا‬
‫اْل َخ ْير﴾]الحج‪. ] 77 :‬‬
‫وفي تعريف آخر قولهم ‪ :‬القرض يطلق شرعاً بمعنى الشيء المقرض بفتح الراء ‪ ،‬فهو اسم مفعول‬
‫هِ‬
‫ضا َح َسًنا﴾ [ البقرة‪ . ]245 :‬فإن القرض هنا معناه القرض‬
‫ض ه‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫من قوله تعالى ‪َ ﴿:‬من َذا الذي ُيْق ِر ُ‬
‫الموصوف بكونه حسناً ويطلق على معنى المصدر بمعنى اإلقراض ويسمى القرض سلفاً ‪ ،‬وهو تمليك‬
‫الشيء على أن يرد مثله (‪.)5‬‬
‫) ‪ )1‬تهذيب اللغة ‪ ،‬األزهري ‪ ،‬ص ‪. 341‬‬
‫(‪ (2‬القاموس الفقهي ‪ ،‬سعدي أبو الجيب ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ،1988 ،2‬ص‪. 300‬‬
‫(‪ )3‬المحلى ‪ ،‬ابن حزم ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬لجنة إحياء التراث العربي ‪ ،‬دار الجيل ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬كتاب القرض ‪ ،‬ج‪ ، 8‬ص‪. 77‬‬
‫)‪ (4‬مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ،1997 ،1‬فصل القرض ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص‪ ، 153‬تحفة المحتاج في شرح المنهاج ‪ ،‬الهيتمي ‪ ،‬دار حراء ‪،‬‬
‫‪ ، 1986‬ج‪ ، 5‬ص ‪.36‬‬
‫(‪ (5‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬دار الحديث ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬كتاب أحكام البيع ‪ ،‬أحكام القرض ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.304‬‬
‫‪7‬‬
‫ونجد هنا الشافعية قد أبرزوا خاصية " الحسن " في القرض ‪ ،‬ووصفوه بذلك تبعاً لما جاء في اآلية‬
‫الكريمة ‪ ،‬وهو بيان لخاصية القرض في الشريعة ‪ ،‬وهو كونه خالياً من الفائدة ‪ ،‬وأن الغرض والغاية منه‬
‫هو نفع المقترض ‪ ،‬فهو بمحض قربة هلل عز وجل (‪.)1‬‬
‫وقد عرفه فقهاء الحنابلة بتعريفات متعددة مختلفة األلفاظ متفقة المعاني ‪ ،‬التعريف األول هو ‪ :‬دفع‬
‫المال رأفة وارفاق لمن ينتفع به ويرد بدله‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪ ،‬وهو نوع من المعامالت على غير قياسها لمصلحة الحظها‬
‫الشارع ‪ ،‬رفقا بالمحاويج ‪.‬‬
‫وفي تعريف ثاني لدى الحنابلة للقرض ‪ :‬هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله ‪ ،‬وهو نوع من‬
‫( ‪)3‬‬
‫السلف النتفاع المقترض بالشيء الذي يقترضه‬
‫‪ .‬وفي هذين التعريفين نجد تركيز الحنابلة على أولوية‬
‫المْق َرض من قبل المقترض لكن بالمقابل يجب على المقترض أن يرد نظير هذا المال‬
‫االنتفاع بالمال ُ‬
‫للم ِ‬
‫قرض‪.‬‬
‫ُ‬
‫وعرفه المالكية بأنه ‪ :‬فعل معروف سواء كان بالحلول أو مؤخ اًر إلى اجل معلوم(‪ ،)4‬وفي قول آخر‪:‬‬
‫ِ‬
‫يرد له مثله أو عينه(‪ .)5‬ومن خصائص هذين‬
‫دفع المال على وجه القربة هلل تعالى لينتفع به آخ ُذهُ ثم ُ‬
‫التعريفين االهتمام بميزة المعروف من خالل صيغة اإلقراض حيث تكون منفعة القرض عائدة على‬
‫المقرض بأي شيء من القرض ‪ ،‬كفائدة وغيرها من المنافع فليس له‬
‫المقترض وحده فقط دون أن ينتفع ُ‬
‫إال قرضه ‪ ،‬حيث يرجو فيه خالصاً رضاء هللا وأجره ونيل ثوابه ‪.‬‬
‫) ‪ )1‬القرض كأداة للتمويل في الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬محمد الشحات الجندي ‪ ،‬المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬ط‪ ،1996 ،1‬ص‪.29‬‬
‫)‪ )2‬كشاف القناع عن متن اإلقناع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بيروت ‪ ،1982 ،‬ج‪ ، 3‬ص‪ ، 298‬اإلنصاف ‪ ،‬بن سليمان المرداوي الحنبلي ‪ ،‬تصحيح وتحقيق ‪ :‬محمد الفقي ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت‬
‫‪ ،‬ط‪ ،1956 ،1‬ج‪ ، 5‬ص‪. 123‬‬
‫)‪ (3‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.304‬‬
‫(‪ )4‬موسوعة الفقه المالكي ‪ ،‬إعداد خالد العك ‪ ،‬دار الحكمة ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ،1993 ، 1‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪. 409‬‬
‫(‪ )5‬كفاية الطالب الرباني ‪ ،‬القيرواني ‪ ،‬مكتبة الثقافة الدينية ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص ‪. 455‬‬
‫‪8‬‬
‫أما الحنفية فكان كالمهم بالقرض هو ‪ :‬ما تعطيه من مثلى لتتقاضاه بمثله أو عقد مخصوص يرد‬
‫على دفع مال مثلي آلخر ليرد مثله(‪.)1‬‬
‫قيد يفيد خصوص اللفظ أي لفظ القرض ونحوه كأعطني درهماً ألرده عليك‬
‫قوله((عقد مخصوص)) ُ‬
‫مثله ‪ ،‬أو بلفظ اإلعارة ‪ ،‬وقوله‬
‫((‬
‫يرد على دفع مال‬
‫))‬
‫قيد يخرج به ماال يرد على دفع مال ‪ ،‬كالنكاح ‪،‬‬
‫ٌ‬
‫قيد يفيد خروج نحو الوديعة والهبة‬
‫وقوله ((آلخر ليرد مثله)) ٌ‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪ ،‬ومعنى قوله ((مثلي)) فهو ما تماثلت‬
‫آحاده أو أجزاؤه ‪ ،‬بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق ُيعتد به ‪ ،‬وكان له نظير في‬
‫األسواق ‪ ،‬وهو في العادة إما مكيل أو موزون أو مذروع أو معدود(‪.)3‬‬
‫وبذلك التعريف أعطى الحنفية درجة المماثلة كمقياس للتعامل بالقرض وذلك بالتساوي بين‬
‫للمقرض نفس أو مثل العين التي أخذها منه ‪ ،‬وبذلك نفهم سبب وضعهم‬
‫المقترض ُ‬
‫العوضين بأن يرد ُ‬
‫المقترض ماالً مثلياً ‪ ،‬وبتلك الخاصية تتحقق ميزة القرض باعتباره حسن من خالل‬
‫شرط أن يكون المال ُ‬
‫المستقرض‪.‬‬
‫المقرض لحاجة ُ‬
‫تجرده من عنصر االستغالل واالستفادة من طرف ُ‬
‫نفس المال المدفوع على الوجه المذكور‪ /‬قرضاً ‪ ،‬والدافع للمال ‪ :‬مقرضاً ‪،‬‬
‫وقول الفقهاء ‪ :‬ويسمى ُ‬
‫واألخذ ‪ :‬مقترضاً و مستقرضاً ‪ ،‬أي أن هناك ثالثة أطراف مستفيدة من خطوات إنشاء عملية القرض ‪،‬‬
‫وبهذه الحالة فان المال الذي يرده المقترض إلى المقرض عوضاً عن القرض ُي َسمى ‪ :‬بدل القرض ‪،‬‬
‫وأخذ أو تملك المال مؤقتا على جهة القرض ُي َسمى ‪ :‬اقتراضاً ‪.‬‬
‫والقرض بهذا المعنى عند الفقهاء هو القرض الحقيقي ‪ ،‬وقد تفرد الشافعية فجعلوا له قسيماً سموه‬
‫‪‬القرض الحكمي‪ ‬ووضعوا له أحكاماً تخصه ‪ ،‬ومثلوا له على اللقيط المحتاج ‪ ،‬واطعام الجائع وكسوة‬
‫(‪ ) 1‬رد المحتار على الدر المختار وحاشية ابن عابدين ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ج‪ ، 4‬ص ‪. 171‬‬
‫(‪ )2‬أحكام المعامالت ‪ ،‬كامل موسى ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 1994 ، 2‬ص‪. 270‬‬
‫(‪ )3‬معجم المصطلحات االقتصادية ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬ص‪. 298‬‬
‫‪9‬‬
‫العاري إذا لم يكونا فقراء بنية القرض ‪ ،‬وبمن أمر غيره بإعطاء مال لغرض األمر‪ ،‬كإعطاء شاعر أو‬
‫ظالم أو إطعام فقير أو فداء أسير‪ ،‬وكِبع هذا وأنفقه على نفسك بنية القرض(‪.)1‬‬
‫سبب التسمية ‪:‬‬
‫المقرض‬
‫سمي القرض قرضاً ألنه قطعة من المال ُ‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪ ،‬وفي هذا الخصوص يقول الشيخ الشربيني‬
‫وسمي بذلك ألن المقرض يقطع للمقترض قطعة من مال‬
‫رحمه هللا تعالى ‪ُ :‬‬
‫) ‪)3‬‬
‫‪ ،‬و يقول الكاساني ‪:‬‬
‫سمي هذا العقد قرضاً لما فيه من قطع طائفة من ماله ‪ ،‬وذلك بالتسليم إلى المستقرض فكان مأخذ االسم‬
‫دليال على اعتبار هذا الشرط (‪.)4‬‬
‫العالقة بين المصطلحين ( اللغوي والفقهي ) ‪:‬‬
‫تبدو العالقة بين المعنى اللغوي والفقهي للقرض من وجهين ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬أن القرض في االصطالح الشرعي مأخوذ من المعنى اللغوي له وهو القطع ‪ ،‬ألن‬
‫يجعله مقروضاً من ماله أي مقتطع من ماله لصالح الم ِ‬
‫الم ِ‬
‫ستقرض‪.‬‬
‫قرض‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫والثاني ‪ :‬ماعبر عنه القاضي ابن العربي بقوله‪ :‬إن القرض في الشرع مخصوص بالسلف على‬
‫عادة الشرع في أن يجري على أسلوب اللغة في تخصيص االسم ببعض محتمالته(‪.) 5‬‬
‫وعلى ذلك فان كل قرض من حيث التعريف الفقهي هو قرض بالمعنى اللغوي وال العكس ‪ ،‬إذ‬
‫األخص يتطلب بالديمومة معنى األعم وال العكس ‪.‬‬
‫(‪ ) 1‬تحفة المحتاج في شرح المنهاج ‪ ،‬الهيتمي ‪ ،‬ص‪. 37‬‬
‫)‪ )2‬الخرشي على مختصر خليل وبهامشه حاشية العدوي ‪ ،‬دار صادر ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ج‪ ،5‬ص‪. 229‬‬
‫(‪ )3‬مغني المحتاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ص‪.153‬‬
‫(‪ ) 4‬بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 1998 ، 2‬ج‪ ، 6‬ص‪. 517‬‬
‫(‪ ) 5‬أحكام القرآن ‪ ،‬ابن العربي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬علي البجاوي ‪ ،‬مطبعة عيسى البابي الحلبي ‪ ،‬مصر ‪1376 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 1‬ص‪. 230‬‬
‫‪10‬‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬مشروعية القرض الحسن‬
‫األحكام الشرعية أصلها ِ‬
‫الح ُل ( وفق رأي كثير من أهل العلم ) مالم يرد نص بالتحريم ‪،‬‬
‫والتعريف بالحكم الشرعي للقرض يوجب علينا بيان مشروعيته ‪ ،‬و سأحاول في هذا المبحث بيان‬
‫حاجة الناس للقرض ( الحسن ) في معامالتهم ‪ ،‬و بيان مشروعيته في مصادر التشريع األساسية‪:‬‬
‫الكتاب ‪ ،‬السنة ‪ ،‬اإلجماع ‪.‬‬
‫‪ -1‬في القرآن الكريم ‪:‬‬
‫جاء في الكتاب الكريم عدد من اآليات التي تدل على مشروعية القرض الحسن ومدى ثوابه‬
‫العميم والخير الوفير الذي سيتحصل عليه اإلنسان من ذلك الفعل القويم ونيل الرضا من رب العباد‬
‫‪ ،‬وهذه اآليات الكريمة ما هي إال إشارة إلى التجارة األهم في حياة المسلم أال وهي التجارة مع رب‬
‫السموات العلى ‪ ،‬تلك التجارة التي لن تبور ‪ ،‬ألن ما سوف تقدمه ستجده أضعافاً مضاعفة ‪ ،‬وهي‬
‫بذلك أعظم وأربح تجارة ‪ ،‬ألن هللا يعطيك الرزق فتنفقه في وجوه الخير واإلحسان ‪ ،‬وعندما ستُنفق‬
‫في هذا الدرب يأتيك العوض من هللا أضعافاً مع جزيل الثواب في الدارين ‪ ،‬واآليات كما يلي ‪:‬‬
‫ِ‬
‫‪ ‬قال تعالى ﴿ همن َذا هالِذي يْق ِرض َّللا َقرضا حسنا َفي ِ‬
‫ضاعَف ُه َل ُه أ ْ‬
‫ُ ُ َّ ْ ً َ َ ً ُ َ‬
‫َض َعاًفا َكث َيرًة َو ّ‬
‫َّللاُ‬
‫ط َوِاَل ْي ِه تُ ْر َج ُعو َن﴾ [ سورة البقرة ‪ :‬آية ‪ ، ]245‬فإقراض هللا الموصوف‬
‫ض َوَي ْب ُس ُ‬
‫َيْقِب ُ‬
‫بالغنى ‪ ،‬والغني عن عباده قد خاطبنا بأن القرض الحسن موجب كالعمل الصالح‬
‫بالمضاعفة أضعافاً كثيرة لمن قام به ‪ ،‬والجزاء طبعاً بإثابة فاعله الثواب الجزيل ‪.‬‬
‫فصل اإلمام الشوكاني في فتح القدير أصل القرض بأنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ‪،‬‬
‫يقال ‪ :‬أقرض فالن فالناً ‪ :‬أي أعطاه ما يتجازاه ‪ ،‬واستدعاء القرض في اآلية إنما هو تأنيس‬
‫‪11‬‬
‫وتقريب للناس بما يفهمونه ‪ ،‬وهللا الذي هو الغني الحميد شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه باآلخرة‬
‫بالقرض ‪ ،‬كما شبه إعطاء النفوس واألموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء (‪.)1‬‬
‫وقوله تعالى﴿ َح َسًنا﴾ قال الواقدي ‪( :‬محتسباً طيبة به نفسه ‪ ،‬وقال عمرو بن عثمان‬
‫الصدفى ‪ :‬ال ُيمن به وال يؤذي ‪ ،‬وقال سهل بن عبد هللا ‪ :‬اليعتقد في قرضه عوضاً وفي قوله‬
‫تعالى ﴿ َفي ِ‬
‫َض َعاًفا َكِث َيرًة ﴾ ّبين هللا عز وجل أن من أنفق في سبيل هللا ال يضيع عند‬
‫ضاعَف ُه َل ُه أ ْ‬
‫َُ‬
‫طعا وأبهم الجزاء)‬
‫هللا تعالى بل يرد الثواب َق ْ‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫وقد دلت اآلية على ِعظم رتبة الغني حيث سأل من القرض ‪ ،‬و لكن رتبة الفقير في هذا‬
‫أعظم ألنه ُسأل ألجله القرض ‪ ،‬و قد ُيسأل القرض من كل أحد ‪ ،‬و لكن ال ُيسأل لكل أحد ‪ .‬ويقال‬
‫القرض الحسن ال يعطى على الغفلة ‪ ،‬و إنما يعطى عن شهود(‪.)3‬‬
‫يم ﴾ [الحديد ‪:‬‬
‫ضوا ه‬
‫ضا َح َسًنا ُي َ‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫‪ ‬قال تعالى ﴿ َوأَْق َر ُ‬
‫اع ُ‬
‫ض َ‬
‫ف َل ُه ْم َوَل ُه ْم أ ْ‬
‫َجٌر َك ِر ٌ‬
‫اآلية ‪. ]18‬‬
‫ضا َح َسًنا ﴾ بالصدقة والنفقة في سبيل هللا ‪،‬‬
‫ضوا ه‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫قال القرطبي في تفسيره ‪َ ﴿( :‬وأَْق َر ُ‬
‫قال الحسن ‪ :‬كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو العمل الصالح من‬
‫ضا ﴾ أي صدقة ﴿ َح َسًنا ﴾ أي محتسبا من‬
‫الصدقة وغيرها محتسباً صادقاً ‪ ،‬قال الكلبي ‪َ ﴿ :‬ق ْر ً‬
‫أذى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬القرض الحسن هو أن يقول سبحان هللا والحمد هلل وال إله إال هللا وهللا‬
‫قبله بال ً‬
‫من وال ً‬
‫أكبر ؛ رواه سفيان عن أبي حيان ‪ ،‬وقال زيد بن أسلم ‪ :‬هو النفقة على األهل ‪ ،‬الحسن ‪ :‬التطوع‬
‫بالعبادات ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أنه عمل الخير‪ ،‬ومن القرض الحسن أال يقصد إلى الرديء فيخرجه ‪﴿ ،‬‬
‫)‪ )1‬فتح القدير ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ج‪ ، 1‬ص‪.262،261‬‬
‫)‪ (2‬الجامع ألحكام القران ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪ ،1987 ،‬ج‪ ،5‬ص‪.242-240‬‬
‫)‪ (3‬تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ‪ ،‬القشيري ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،2000 ،‬ج‪ ،1‬ص‪. 112‬‬
‫‪12‬‬
‫ف﴾ بفتح العين وتشديدها ‪َ ﴿،‬وَل ُه ْم‬
‫ف َل ُه ْم ﴾ أمثالها أي الذين أقرضوا ‪ ،‬ويعقوب ﴿ ُي َ‬
‫ُي َ‬
‫ض َع ُ‬
‫اع ُ‬
‫ض َ‬
‫(‪)1‬‬
‫ف﴾ القراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله ‪.‬‬
‫يم ﴾ يعني الجنة) ‪ُ﴿.‬ي َ‬
‫اع ُ‬
‫ض َ‬
‫أْ‬
‫َجٌر َك ِر ٌ‬
‫يقول القشيري في تفسيره ‪( :‬بأن القرض الحسن ما يكون من وجه حالل ثم عن طيب قلب‬
‫من على الفقير ‪ ،‬و ال يكدره تطويل الوعد و ال‬
‫‪ ،‬و صاحبه مخلص فيه ‪ ،‬بال رياء يشوبه ‪ ،‬و بال ّ‬
‫ف َل ُه ْم ﴾ في الحسنات بعشر أمثالها إلى ما‬
‫ينتظر عليه كثرة األعواض ‪ ،‬و المضاعفة ﴿ ُي َ‬
‫اع ُ‬
‫ض َ‬
‫يم ﴾ ثواب كبير حسن و الثواب الكريم ّأنه ال يضن‬
‫شاء هللا ‪ ،‬و األجر الكريم ﴿ َوَل ُه ْم أ ْ‬
‫َجٌر َك ِر ٌ‬
‫بأقصى األجر على الطاعة و إن هقل ْت )(‪.)2‬‬
‫َّللا َقرضا حسنا يض ِ‬
‫ِ‬
‫يم﴾‬
‫اعْف ُه َل ُك ْم َوَي ْغ ِف ْر َل ُك ْم َو ه‬
‫ضوا ه َ ْ ً َ َ ً ُ َ‬
‫‪ ‬قال تعالى ‪ِ ﴿:‬إن تُْق ِر ُ‬
‫َّللاُ َش ُك ٌ‬
‫ور َحل ٌ‬
‫[ التغابن ‪ :‬اآلية‪. ]17‬‬
‫يقول ابن كثير في تفسيره ‪(:‬أي مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و مهما تصدقتم من شيء‬
‫(‪)3‬‬
‫عز‬
‫جل و ّ‬
‫فعليه جزاؤه و نزل ذلك منزلة القرض له) ‪ .‬و يقول القشيري في تفسيره‪( :‬بأن هللا ّ‬
‫يتوجه بهذا الخطاب إلى األغنياء لبذل أموالهم ‪ ،‬و للفقراء في إخالء أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم و‬
‫إيثار مراد الحق على مراد أنفسهم)(‪.)4‬‬
‫ِ‬
‫الص َالةَ وآتُوا ه‬
‫َنف ِس ُكم‬
‫ضوا ه‬
‫يموا ه‬
‫ضا َح َسًنا َو َما تَُقِّد ُموا ِأل ُ‬
‫الزَك َ‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫اة َوأَْق ِر ُ‬
‫َ‬
‫‪ ‬قال تعالى ﴿ َوأَق ُ‬
‫ِمن خي ٍر ت ِجدوه ِعند ه ِ‬
‫َج ًار﴾[ المزمل ‪ :‬اآلية ‪. ]20‬‬
‫َع َ‬
‫ّ ْ َْ َ ُ ُ َ‬
‫َّللا ُه َو َخ ْي ًار َوأ ْ‬
‫ظ َم أ ْ‬
‫(‪ )1‬لجامع ألحكام القران ‪ ،‬ج‪.252 ،242/17‬‬
‫)‪ (2‬تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ‪ ،‬ج‪. 290-287 /1‬‬
‫)‪ (3‬تفسير القرآن العظيم ‪ ،‬ابن كثير ‪ ،‬تحقيق كمال علي الجمل ‪ ،‬دار التوزيع والنشر اإلسالمية ‪ ، 1998 ،‬ج‪ ، 4‬ص‪. 463‬‬
‫)‪ (4‬تفسير القشيري (لطائف اإلشارات ) ‪ ،‬ج‪. 327 /1‬‬
‫‪13‬‬
‫ضا َح َسًنا﴾ القرض الحسن ما قصد به وجه‬
‫ضوا ه‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫يقول القرطبي في تفسيره ‪َ ﴿ :‬وأَْق ِر ُ‬
‫هللا تعالى خالصاً من المال الطيب ‪ ،‬وقال عمر بن الخطاب ‪( :‬هو النفقة في سبيل هللا)(‪.)1‬‬
‫و في اآليات التي أوردناها من كتاب هللا نالحظ ما يلي‪-:‬‬
‫‪ ‬الخطاب اإللهي في مستهل اآليات يحمل أسلوب استفهام ﴿ همن َذا هالِذي ﴾ ‪ِ ﴿ ،‬إن‬
‫َّللاَ ﴾ أسلوب طلب مع ترغيب ‪.‬‬
‫ضوا ه‬
‫ضوا ﴾ أسلوب شرط ‪َ ﴿ ،‬وأَْق ِر ُ‬
‫تُْق ِر ُ‬
‫ضا َح َسًنا ﴾‪.‬‬
‫‪ ‬كلمة قرض قد حددها سبحانه وتعالى بصفة الحسن ﴿ َق ْر ً‬
‫‪ ‬جزاء القرض الحسن مضاعفة الثواب أضعافاً كثيرة ﴿ َفي ِ‬
‫َض َعاًفا َكِث َيرًة ﴾ ‪﴿ ،‬‬
‫ضاعَف ُه َل ُه أ ْ‬
‫َُ‬
‫يضاعف َلهم ﴾ ‪ ﴿ ،‬يض ِ‬
‫اعْف ُه َل ُك ْم ﴾‪.‬‬
‫َُ‬
‫ُ َ َ ُ ُْ‬
‫عز قد أتبع إقامة الصالة و إيتاء الزكاة‬
‫جل و ّ‬
‫‪ ‬في الدليل الرابع ‪ ،‬نجد أن هللا ّ‬
‫ِ‬
‫يموا‬
‫﴿ َوأَق ُ‬
‫الص َال َة وآتُوا ه‬
‫ضوا‬
‫ه‬
‫الزَك َ‬
‫اة ﴾ و هما ركنين أساسيين من أركان الدين اإلسالمي بقوله ﴿ َوأَْق ِر ُ‬
‫َ‬
‫ضا َح َسًنا﴾ و الرابط هنا واو العطف‬
‫ه‬
‫َّللاَ َق ْر ً‬
‫التي تفيد معنى المرافقة و في هذا إعالء من‬
‫شأن القرض الحسن و كأنه ركن من أركان ديننا اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ -2‬في السنة النبوية ‪:‬‬
‫أكدت السنة النبوية الشريفة على أهمية التراحم والتكافل بين المسلمين فقال الرسول‪َ [ : ‬م ْن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ام ِة َو َم ْن َي هس َر َعَلى‬
‫َنهف َس َع ْن ُم ْؤ ِم ٍن ُك ْرَب ًة ِم ْن ُك َر ِب الد ْن َيا َنهف َس ه‬
‫َّللاُ َع ْن ُه ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ‬
‫َّللاُ ِفي َع ْو ِن‬
‫َّللاُ ِفي الد ْن َيا َو ْاآل ِخ َرِة َو ه‬
‫َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا َو ْاآل ِخ َرِة َو َم ْن َستَ َر ُم ْسلِ ًما َستَ َرهُ ه‬
‫ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه‬
‫اْل َع ْبِد‬
‫َخ ِ‬
‫ما َكان اْلعبد ِفي عو ِن أ ِ‬
‫يه ](‪.)2‬‬
‫َ َ َ ُْ‬
‫َْ‬
‫)‪ (1‬الجامع ألحكام القران ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬ج‪58 / 19‬‬
‫)‪ (2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار ‪ ،‬باب فضل االجتماع على تالوة القرآن ‪ ،‬حديث‪ ،6793‬ج‪.24،23/ 17‬‬
‫‪14‬‬
‫ومن الصور األساسية لهذا التكافل و التعاون صورة اإلقراض واالستقراض بين أبناء‬
‫المجتمع ‪ ،‬فتعددت األحاديث عن النبي ‪ ‬التي تثبت مشروعيتهما مدعمة بأقوال النبي ‪ ‬و أفعاله‬
‫‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪ ‬عن ابن مسعود أ ه ِ‬
‫ان‬
‫ضا َم هرتَ ْي ِن ِإالّ َك َ‬
‫ض ُم ْسل ًما َق ْر ً‬
‫ال ‪َ [ :‬ما م ْن ُم ْسل ٍم ُيْق ِر ُ‬
‫َن الهنب هي ‪َ ‬ق َ‬
‫ص َدَقِت َها َم هرًة] ‪ .‬قال علقمة ‪ :‬كذلك أنبأني ْاب ُن مسعود‬
‫َك َ‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪ .‬قال في البحر ‪ :‬موقعه‬
‫أعظم من الصدقة ‪ ،‬إذ ال يقترض إال محتاج (‪.)2‬‬
‫َّللاِ ‪ [ : ‬أرَْي ُت َلْيَل َة أُس ِري ِبي َعَلى ب ِ‬
‫اب اْل َجهن ِة‬
‫ول ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ال َرُس ُ‬
‫‪ ‬عن أنس بن مالك ‪ ‬قال ‪َ :‬ق َ‬
‫الصدَق ُة ِبع ْش ِر أَمثَالِها ‪ ،‬واْلَقر ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ال‬
‫ْ َ َ ْ ُ‬
‫َم ْكتُ ً‬
‫وبا ‪ :‬ه َ َ‬
‫يل ! َما َب ُ‬
‫ض بثَ َمان َي َة َع َش َر‪َ ،‬فُقْل ُت ‪َ :‬يا ج ْب ِر ُ‬
‫الصدَق ِة ؟ َقال ‪ِ :‬ألَ هن ه ِ‬
‫ِ‬
‫اْلَق ْر ِ‬
‫ض َال‬
‫ض ُل م ْن ه َ‬
‫ض أَْف َ‬
‫َل َو ِع ْن َدهُ ‪َ ،‬واْل ُم ْستَْق ِر ُ‬
‫السائ َل َي ْسأ ُ‬
‫َ‬
‫يستَْق ِر ِ ِ‬
‫اجة](‪ .)3‬فالقرض الحسن سلفة لمحض الخير القائم على الشهامة‬
‫َْ ُ‬
‫ض إالّ م ْن َح َ‬
‫حياء وخجالً من شدة‬
‫‪ ،‬فقد يستعفف بعض الناس عن تناول الزكاة والصدقات‬
‫ً‬
‫الحاجة ‪ ،‬أما في القرض الحسن فإنهم ينالون ما فيه سد لحاجاتهم مع صيانة حيائهم‬
‫وعزتهم وكرامتهم(‪.)4‬‬
‫)‪ (1‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬القزويني ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬فؤاد عبد الباقي ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب القرض ‪ ،‬حديث‪ ،2430‬ج‪ ، 2‬ص‪. 812‬‬
‫)‪ (2‬نيل األوطار ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬دار الجيل ‪ ،‬بيروت ‪ ، 1973 ،‬ج‪ ، 5‬كتاب القرض ‪ ،‬ص‪.347‬‬
‫)‪ (3‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب القرض ‪ ،‬حديث(‪ ،)2431‬ج‪.812/2‬‬
‫)‪ (4‬القرض (ثوابه وأحكامه) ‪ ،‬عمار موشلي ‪ ،‬دار األلباب ‪ ،‬دمشق ‪ ، 1993 ،‬ص‪.53‬‬
‫‪15‬‬
‫روى أبو رافع ‪ ‬في الحديث ‪ [ :‬أن رسول ه ِ‬
‫ف ِم ْن َرُج ٍل َب ْك ًار ‪َ ،‬فَقِد َم ْت َعَل ْي ِه‬
‫استَ ْسَل َ‬
‫َُ َ‬
‫َّللا ‪ْ ‬‬
‫ِ ِ‬
‫الصدَق ِة ‪َ ،‬فأَمر أَبا رِاف ٍع أَن يق ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ‪َ :‬ل ْم‬
‫ضي ه‬
‫ِإِب ٌل م ْن ِإِب ِل ه َ‬
‫ََ َ َ‬
‫الرُج َل َب ْك َرهُ ‪َ ،‬ف َر َج َع إَل ْيه أَُبو َراف ٍع َفَق َ‬
‫ْ َْ َ‬
‫َجد ِفيها ِإالّ ِخي ا ِ‬
‫ِ‬
‫َع ِط ِه ِإيهاهُ ‪ِ ،‬إ هن ِخ َي َار الهن ِ‬
‫اء] (‪ .)1‬معنى‬
‫َح َسُن ُه ْم َق َ‬
‫ال ‪ :‬أ ْ‬
‫اس أ ْ‬
‫ًَ‬
‫ار َرَباعًيا ‪َ ،‬فَق َ‬
‫أ ْ َ‬
‫ضً‬
‫ار ‪ :‬مختا اًر ‪ ،‬رب ِ‬
‫اعًيا ‪ :‬بفتح‬
‫ض ‪ ،‬أما قوله َب ْك ًار ‪ :‬الصغير من اإلبل ‪ِ ،‬خ َي ًا‬
‫ف ‪ :‬ا ْقتَ َر َ‬
‫استَ ْسَل َ‬
‫ََ‬
‫ْ‬
‫الراء ‪ ،‬ما دخل السنة السابعة(‪.)2‬‬
‫قال ابن رسالن ‪ :‬وال خالف في جواز سؤاله عند الحاجة وال نقص على طالبه ولو كان‬
‫( ‪)3‬‬
‫فيه شيء لما استسلف النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫‪ .‬وقال النووي بصحيح مسلم ‪ :‬وفي هذا‬
‫( ‪)4‬‬
‫الحديث جواز االستقراض واالستدانة ‪ ،‬وانما أقترض النبي ‪ ‬للحاجة‬
‫‪.‬‬
‫‪ ‬وفي صحيح البخاري جاء حديث مقارب للحديث أعاله وبنفس الخصوص فقد ورد‬
‫ِ‬
‫عن أبي هريرة ‪ [ : ‬أ ه‬
‫َّللاِ ‪: ‬‬
‫ول ه‬
‫َن َرُجالً أَتَى الهنِب هي ‪َ ‬يتََق َ‬
‫ال َرُس ُ‬
‫ال ‪َ :‬ق َ‬
‫اضاهُ َبعي اًر ‪َ ،‬ق َ‬
‫ِ ِ ِِ‬
‫ِ‬
‫ه ِ‬
‫َّللاُ ‪،‬‬
‫اك ه‬
‫ال ه‬
‫َع ُ‬
‫طوهُ ‪َ ،‬فَقاُلوا ‪ :‬ال َن ِجُد ِإال سًّنا أَْف َ‬
‫أْ‬
‫الرُج ُل ‪ :‬أ َْوَف ْيتَني أ َْوَف َ‬
‫ض َل م ْن سّنه ‪َ ،‬فَق َ‬
‫َفَقال رسول ه ِ‬
‫طوهُ َفِإ هن ِم ْن ِخ َي ِار الهن ِ‬
‫ضاء] (‪.)5‬‬
‫َع ُ‬
‫َح َس َن ُه ْم َق َ‬
‫َّللا ‪ : ‬أ ْ‬
‫اس أ ْ‬
‫َ َُ ُ‬
‫ض ِمِّني النهِبي‬
‫استَْق َر َ‬
‫‪ ‬روى النسائي عن عبد هللا بن أبي ربيعة المخزومي ‪ ،‬قال ‪ْ [ :‬‬
‫ِ‬
‫ِ ه‬
‫ِ‬
‫َّللاُ َل َك ِفي‬
‫ال ‪َ :‬ب َار َك ه‬
‫صهلى ه‬
‫َّللاُ َعَل ْيه َو َسل َم أ َْرَبع َ‬
‫اءهُ َم ٌ‬
‫ال َف َدَف َع ُه إَل هي ‪َ ،‬وَق َ‬
‫َ‬
‫ين أَْلًفا َف َج َ‬
‫أَهلِك ومالِك ِإهنما ج َزاء ه ِ‬
‫اء ](‪.)6‬‬
‫السَلف اْل َح ْمُد َو ْاأل ََد ُ‬
‫ْ َ ََ َ َ َ ُ‬
‫المباركفوري ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬علي معوض ‪،‬‬
‫)‪ ( 1‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)4084‬ج‪ ، 37/ 11‬تحفة األحوذي بشرح جامع الترمذي ‪،‬‬
‫ُ‬
‫عادل عبد الموجود ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب ماجاء في استقراض البعير أو الشيء من الحيوان ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )1318‬ج‪ ، 4‬ص‪ ، 626‬انظر تحفة المحتاج إلى شرح المنهاج ‪،‬‬
‫ابن الملقن ‪ ،‬تحقيق‪:‬عبد هللا اللحياني ‪ ،‬دار حراء ‪ ،1986 ،‬ج‪ ،2‬ص‪.250‬‬
‫(‪ (2‬إعالم األنام ( شرح بلوغ المرام من أحاديث األحكام للعسقالني ) ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬نور الدين عتر ‪ ،‬دار الفرفور ‪ ،‬دمشق‪ ،‬ط‪ ،1999 ، 7‬ص ‪.67‬‬
‫(‪ )3‬نيل األوطار ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬ج‪.347/ 5‬‬
‫(‪ (4‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬ج‪.38/11‬‬
‫(‪ )5‬صحيح البخاري ‪ ،‬دار السالم ‪ ،‬الرياض ‪ ،‬ط‪ ، 1999 ، 2‬كتاب االستقراض ‪ ،‬باب هل يُعطى أكبر من سنه ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، ) 2392‬ص‪،384‬‬
‫(‪ )6‬سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ‪ ،‬دار البشائر اإلسالمية ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 1994 ، 3‬ج‪ ، 7‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب االستقراض ‪ ،‬ح ‪ ، 4683‬ص‪.314‬‬
‫‪16‬‬
‫ونستنتج من األحاديث الشريفة السابقة على جملة من األحكام ‪:‬‬
‫‪ ‬إن الخطاب النبوي يحث على القرض الحسن ويرغب به ويطالبنا بخير وأحسن القضاء‬
‫طوهُ َفِإ هن ِم ْن ِخ َي ِار الهن ِ‬
‫َع ِط ِه ِإيهاهُ ِإ هن ِخ َي َار الهن ِ‬
‫َح َس َن ُه ْم‬
‫َع ُ‬
‫اء ‪  ، ‬أ ْ‬
‫َح َسُن ُه ْم َق َ‬
‫‪‬أْ‬
‫اس أ ْ‬
‫اس أ ْ‬
‫ضً‬
‫ضاء‪. ‬‬
‫َق َ‬
‫‪ ‬المقارنة الواضحة بين الصدقة والقرض وذلك القتران الفعل الطيب في عمل القرض‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضا َم هرتَ ْي ِن ِإالّ‬
‫ض ُم ْسل ًما َق ْر ً‬
‫الحسن بفعل الصدقة ويكون أفضل منه ‪َ ‬ما م ْن ُم ْسل ٍم ُيْق ِر ُ‬
‫الصدَق ُة ِبع ْش ِر أَمثَالِها واْلَقر ِ ِ‬
‫َكان َك ِ‬
‫ِ‬
‫يل َما‬
‫ْ َ َ ْ ُ‬
‫ص َدَقت َها َم هرًة ‪  ، ‬ه َ َ‬
‫ض بثَ َمان َي َة َع َش َر َفُقْل ُت َيا ج ْب ِر ُ‬
‫َ َ‬
‫ال اْلَق ْر ِ‬
‫الص َدَق ِة ‪. ‬‬
‫ض ُل ِم ْن ه‬
‫ض أَْف َ‬
‫َب ُ‬
‫‪ ‬في المقابلة اإلبداعية يصور الرسول عليه أفضل الصالة والسالم في الحديث الشريف‪‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫امة‪، ‬‬
‫َم ْن َنهف َس َع ْن ُم ْؤ ِم ٍن ُك ْرَب ًة ِم ْن ُك َر ِب الد ْن َيا َنهف َس ه‬
‫َّللاُ َع ْن ُه ُك ْرَب ًة م ْن ُك َرب َي ْو ِم اْلق َي َ‬
‫بأن ثواب المقرض يحقق غاية كبيرة وهي فك كربة من يوم القيامة ‪ ،‬ثم ُيتمم الرسول‪‬‬
‫َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا َواآل ِخ َرة‪ ‬يدخل القرض في باب التفريج‬
‫‪َ ‬و َم ْن َي هس َر َعَلى ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه‬
‫والتخفيف والتيسير ؛ ألن من يكون في حالة حاجة أو سؤال سيتحول إلى حالة إعسار‬
‫أي يكون هو المعسر أي المقترض وبدوره المقرض الذي هو في وضع ُيسر سيكون‬
‫َّللاُ ِفي‬
‫َّللاُ ِفي الد ْن َيا َواآل ِخ َ ِرة َو ه‬
‫المقرض‪ ،‬وفي قوله ‪َ  ‬و َم ْن َستَ َر ُم ْسلِماً َستَ َرهُ ه‬
‫بدوره هو ُ‬
‫عو ِن اْلعبِد ما َكان اْلعبد ِفي عو ِن أ ِ‬
‫َخيه‪ ،‬سيستحق النعمة الكبيرة التي سيجنيها في‬
‫َ َ ُْ‬
‫َْ‬
‫َْ‬
‫َْ َ‬
‫حال توفير المقرض أي شيء يستر به المسلم وكذلك سيبقى تحت رعاية وعناية هللا‬
‫مادام هو في هذا الطريق ‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫‪ -3‬في اإلجماع ‪:‬‬
‫أجمع المسلمون على جواز القرض ‪ ،‬وان األمة ال تزال تتعامل به منذ عهد رسول هللا ‪‬‬
‫والى عصرنا هذا ‪ ،‬والعلماء يقرونه من غير إنكار أحد منهم ‪.‬‬
‫فقد اقترض الصحابة رضي هللا عنهم وأقرضوا ‪ ،‬وكان معنى اإلقراض لديهم دليل على‬
‫المروءة والتقوى وقياس ألفعال الخير وأبواب البر بالناس والتخفيف عن كاهل المسلم بشتى الطرق‬
‫واألساليب التي اكتسبوها من هدي النبي صلى هللا عليه وسلم وهي أيضاً قربة يتقربون بها إلى هللا‬
‫سبحانه لما فيه من أبواب الرفق والرحمة واإلحسان بالغير ‪.‬‬
‫استسلف عبد هللا بن عمر من ٍ‬
‫رجل دراهم ‪ ،‬ثم قضاه دراهم‬
‫‪ ‬عن مجاهد ‪ ،‬أنه قال ‪ْ  :‬‬
‫خير من دراهمي التي أسلفتك ‪،‬‬
‫خي اًر منها ‪ ،‬فقال‬
‫الرجل ‪ :‬يا أبا عبد الرحمن ‪ ،‬هذه ٌ‬
‫ُ‬
‫فقال عبد هللا بن عمر ‪ :‬قد َعِل ْمت ‪ ،‬ولكن نفسي بذلك طيبة ‪.)1(‬‬
‫‪ ‬عن كعب بن مالك‬
‫‪‬‬
‫أنه تقاضى ابن أبي َح ْد َرد ديناً كان له عليه ‪ ،‬في عهد رسول‬
‫هللا‪ ، ‬في المسجد ‪ ،‬فارتفعت أصواتهما ‪ ،‬حتى سمعها‬
‫رسول هللا‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫وهو في بيته ‪ ،‬فخرج إليهما‬
‫ِ‬
‫ف حجرته ‪ ،‬ونادى كعب بن مالك ‪ ،‬فقال ‪  :‬يا‬
‫حتى كشف س ْج َ‬
‫كعب!‪‬‬
‫فقال ‪ :‬لبيك يا رسول هللا! فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من َدينك ‪ ،‬قال كعب ‪ :‬قد‬
‫فعلت ‪ ،‬يا رسول هللا! قال رسول هللا‪ُ  : ‬قم ِ‬
‫فاقض ِه‪ . ‬معنى تقاضى ‪ :‬طالبه به‬
‫ْ‬
‫وأراد قضاه ‪ ،‬قوله ‪(:‬كشف سجف حجرته) هو بكسر السين ‪ ،‬وفتحها لغتان ‪،‬‬
‫(‪)2‬‬
‫ِ‬
‫ف ‪ :‬الستر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬اليسمى سجفاً إال إذا كان مشقوق‬
‫واسكان الجيم ‪ .‬والس ْج َ‬
‫الوسط كالمصرعين(‪.)3‬‬
‫)‪ (1‬موطأ اإلمام مالك ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بيروت ‪ ، 1984 ،‬حديث (‪ ، )1373‬ص ‪. 367‬‬
‫(‪ )2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب استحباب الوضع من الدين ‪،‬حديث ‪ ،3961‬ص‪.464‬‬
‫(‪ (3‬التدابير الواقية من الربا ‪ ،‬فضل إلهي ‪ ،‬مكتبة المؤيد ‪ ،‬الرياض ‪ ،‬ط‪، 2‬عام ‪1412‬هـ ‪ ،‬ص ‪.218‬‬
‫‪18‬‬
‫‪ ‬وعن القاسم عن عائشة رضي هللا عنها ‪ ،‬أنها كانت تدان فقيل لها ما لك والدين‬
‫وليس عندك قضاء ؟ فقالت ‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول ‪ :‬ما من‬
‫عبد كانت له نية في أداء دينه ‪ ،‬إال كان له من هللا عون ‪ ،‬فأنا ألتمس ذلك العون‬
‫‪ .)1(‬وكان زمن الحديث بعد انتقال الرسول‪ ‬إلى بارئه الكريم ‪.‬‬
‫‪ ‬وعن أبي الدرداء ‪ ‬أنه قال ‪  :‬ألن أ ِ‬
‫ُقرض دينارين ثم يردان ‪ ،‬ثم أُقرضهما أحب إلي‬
‫من أن أتصدق بهما ‪ ،)2(‬ألن فيه تفريجاً عن أخيه المسلم وقضاء لحاجته وعونا له‬
‫‪ ،‬فكان مندوباً إليه كالصدقة عليه وليس واجباً ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬ال إثم على من سئل‬
‫القرض فلم ُيقرض ‪ ،‬وذلك ألنه من المعروف ‪ ،‬فأشبه بصدقة التطوع ‪ ،‬وليس بمكروه‬
‫(‪)3‬‬
‫في حق المقرض ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬ليس القرض من المسألة يعني ليس مكروه ‪.‬‬
‫‪ ‬وعن ابن مسعود وابن عباس رضي هللا عنهما أنهما قاال ‪  :‬قرض مرتين خير من‬
‫صدقة مرة ‪‬‬
‫(‪)4‬‬
‫القرض خي اًر من الصدقة ‪ ،‬ألن الصدقة قد تُدفع إلى من هو في‬
‫‪،‬و ُ‬
‫غنى عنها ‪ ،‬أما القرض فال يسأله إنسان إال وهو يحتاج إليه ‪.‬‬
‫‪ ‬وروى اإلمام أبو عبيد القاسم بن سالم عن إبراهيم قال ‪  :‬أرسل عمر‪ ‬إلى عبد‬
‫الرحمن بن عوف‬
‫‪‬‬
‫يستَسلَِفه أربعمائة درهم ‪ ،‬فقال عبد الرحمن ‪ :‬أتس ِ‬
‫تسلَفني ‪،‬‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وعندك بيت المال ‪ ،‬أال تأخذ منه ثُم ُترده؟ فقال عمر ‪ :‬إني أتخوف أن يصيبني‬
‫قدري ‪ ،‬فتقول أنت وأصحابك ‪ :‬اتركوا هذا ألمير المؤمنين ‪ ،‬حتى يؤخذ من ميزاني‬
‫(‪ )1‬المستدرك على الصحيحين ‪ ،‬الحاكم ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،1978 ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب أداء الدين ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.22‬‬
‫)‪ )2‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬مطبعة مصطفى الحلبي وأوالده ‪ ،‬ط‪ ، ،1976 ، 3‬ج‪ ، 1‬ص‪. 302‬‬
‫)‪ (3‬المغني ‪ ،‬ابن قدامة المقدسي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬محمد محيسن ‪ ،‬شعبان إسماعيل ‪ ،‬مكتبة الرياض الحديثة ‪ ،‬الرياض ‪ ، 1981،‬ج‪ ،4‬ص‪. 347‬‬
‫)‪ )4‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪،‬ج‪.302/ 1‬‬
‫‪19‬‬
‫يوم القيامة ‪ ،‬ولكني أتسلفها منك لما أعلم من شحك ‪ ،‬فإذا ُم ْت ‪ِ ،‬ج ْئ َت فاستَوفيتها‬
‫من ميراثي‪ .)1(‬وقوله يصيبني قدري أي ‪ :‬يجيئني أجلي ‪.‬‬
‫وقد نال القرض بذلك الشرعية الكاملة ‪ ،‬فنالحظ أن االقتراض وضع في مكانه المناسب‬
‫من نظر الصحابة ‪ ،‬ولم يجدوا أي حرج في االقتراض أو اإلقراض ‪ ،‬والبيان الذي استنبطانه من‬
‫الكالم السابق هو أن للقرض دور منهجي في تحسين حالة المجتمع ‪.‬‬
‫)‪ (1‬األموال ‪ ،‬أبي عبيد بن سالم ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬محمد حامد الفقي ‪ ،‬المكتبة التجارية الكبرى ‪ ،‬القاهرة ‪ ، ،1953 ،‬ج‪ ، 3‬ص‪.249‬‬
‫‪20‬‬
‫الفصل األول‬
‫القرض بين الواقع والمأمول‬
‫مقدمة ‪:‬‬
‫إن القرض ُينشأ نوع من التبادل اإلنساني الكبير بين طرفي اإلقراض إن ُخصص في مثل ما‬
‫المقرض‬
‫يرتضيه الشرع والدين ‪ ،‬ومن خالل االلتزام بما حددته الشريعة سيتولد حتماً ترابط اجتماعي بين ُ‬
‫والمقترض وهما طرفي العقد في صيغة القرض ‪ ،‬وحتى تكتمل حلقات هذا العقد فال بد له من أركان‬
‫اتجاهاته ‪ ،‬وتضع له طريق سالك ليتمكن من تحقيق غايته النبيلة ‪ ،‬حتى تكون النتيجة‬
‫وشروط تحدد‬
‫ُ‬
‫بالمقرضين والمقترضين ‪.‬‬
‫إيجابية تجاه أطراف المجتمع المتمثلة ُ‬
‫باإل ضافة إلى ذلك فقد حدد الشرع جملة من اآلداب والسلوكيات واألخالقيات التي يجب أن تتواجد‬
‫في أثناء التعامل بعملية اإلقراض ‪ .‬وتلك اآلداب مشرعة في القرآن والسنة ‪ ،‬والغاية منها عدم حصول‬
‫مشكلة أو خالف بين صاحب القرض والمستفيد من ذلك القرض ‪ ،‬وهناك خالفات كثيرة تحدث تتسبب‬
‫بحصول حالة من فقدان الثقة نتيجة فعل خاطئ ‪.‬‬
‫ومن أهم تلك الخالفات أن المقترض في بعض األحيان ال يستطيع سداد ما عليه من قرض فيؤدي‬
‫ذلك الفعل إلى المماطلة والتسويف في رد القرض وأدائه ‪ ،‬وألجل ذلك جاء اإلسالم بهذه اآلداب المتمثلة‬
‫بتشريعات محددة لكي يتم رد األموال المستقرضة ألصحابها المقرضين ‪ ،‬ومن جانب آخر تشكل ديمومة‬
‫لممارسة عملية اإلقراض واالقتراض ‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫المبحث األول‬
‫أركان القرض وشروطه‬
‫القرض بحكم إنه عقد من العقود فمن البديهي أن لدى هذا العقد أركان ال يتم إال بها ‪،‬‬
‫وبنفس الوقت شروط تحقق الوجود الشرعي للقرض ‪ ،‬وبذلك يجب وضع التوضيح الكامل لتلك‬
‫األركان والشروط في هذا المبحث ‪ ،‬وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان القرض ثالثة هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬الصيغة ‪.‬‬
‫‪ .2‬العاقدان ‪.‬‬
‫‪ .3‬المحل ‪.‬‬
‫الركن األول (الصيغة) ‪ ( :‬اإليجاب والقبول )‬
‫بما أن القرض عقد يتم بين الطرفين ‪ ،‬فإن وجوده يتوقف على صيغة تُبين ماهية رغبة‬
‫العاقدين في إنشائه ‪ ،‬وتعطي بوضوح صورة متكاملة عن االتفاق الذي يحصل بينهما الخاص‬
‫بتشكيل القرض‪ .‬وذلك ألن النية من المستبعد كشفها ألنها أمر باطن وال يمكن االطالع عليه ‪،‬‬
‫يدل عليه ويكشف عنه وهو اإليجاب والقبول المتصلين المتوافقين ‪.‬‬
‫فوضع مكانه ما ُ‬
‫كأقرضتُ َك واقترضت وال يشترط فيها لفظ القرض ‪ ،‬بل‬
‫وصيغة اإليجاب والقبول هي ‪:‬‬
‫ْ‬
‫المقترض ‪ :‬استلفت وتملكت‬
‫يصح بكل لفظ يؤدي معناه كأسلفتك وملكتلك ببدله وخذه بمثله ‪ ،‬وقول ُ‬
‫ببدله ونحو ذلك ‪ ،‬ويصح أيضاً بلفظ الماضي واألمر كقوله ‪ :‬أقرضني وأسلفني ‪ ،‬وأقترض مني‬
‫واستلف ونحوها(‪.)1‬‬
‫)‪ )1‬فقه المعاوضات ‪ ،‬مصطفى البغا ‪ ،‬مطبعة دمشق ‪ ،1989 ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.61‬‬
‫‪22‬‬
‫وال خالف بين الفقهاء في صحة اإليجاب بلفظ القرض والسلف وبكل ما يؤدي معناهما ‪،‬‬
‫تك وأعطيتُك ‪ ،‬أو في حالة وجود قرن ٌة دالة على إرادة القرض ‪ ،‬كأن سأله قرضاً فأعطاه ‪،‬‬
‫ْ‬
‫كأقرض ُ‬
‫وكذلك صحة القبول بكل ٍ‬
‫بلت ‪.‬‬
‫لفظ يدل على الرضا بما أوجبه األول ‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫استقرضت أو ق ُ‬
‫ْ‬
‫قال السيد سابق ‪ :‬عقد القرض عقد تمليك ‪ ،‬ال يتحقق إال باإليجاب والقبول كعقد البيع‬
‫والهبة ‪ .‬وينعقد بلفظ القرض والسلف ‪ ،‬وبكل لفظ يؤدي إلى معناه (‪ .)1‬وقال الشيخ األنصاري ‪:‬‬
‫رض مني ‪ ،‬يقوم مقام اإليجاب ‪ ،‬ومن المقترض ‪،‬‬
‫وظاهر أن االلتماس من المقرض ‪ ،‬كا ْقتَ ْ‬
‫ٌ‬
‫كأقرضني ‪ ،‬يقوم مقام القبول ‪ ،‬كما في البيع(‪.)2‬‬
‫يقول الكاساني في بيان ركن القرض ‪ :‬أما ركنه فهو اإليجاب والقبول ‪ ،‬واإليجاب قول‬
‫المقرض ‪ :‬أقرضتك هذا الشيء ‪ ،‬أو خذ هذا الشيء قرضاً ونحو ذلك ‪ ،‬والقبول هو أن يقول‬
‫المستقرض ‪ :‬استقرضت أو رضيت أو مايجري هذا المجرى ‪ ،‬وهذا قول محمد رحمه هللا وهو إحدى‬
‫الروايتين عن أبي يوسف(‪.)3‬‬
‫وروى عن أبي يوسف أخرى أن الركن فيه اإليجاب ‪ ،‬أما القبول فليس بركن حتى لو حلف‬
‫‪ ،‬ال يقرض فالناً ‪ ،‬فأقرضه ولم يقبل لم يحنث عند محمد ‪ ،‬وهو إحدى الروايتين عند أبي يوسف‬
‫‪ ،‬وفي رواية أخرى يحنث ‪ ،‬وجه هذه الرواية لدى الكاساني أن اإلقراض إعارة لما نذكر والقبول‬
‫المستقر ِ‬
‫ِ‬
‫مثل المستَْق َرض ‪ ،‬فلهذا‬
‫ليس بركن في اإلعارة ‪ .‬ووجه قول محمد ‪ :‬أن الواجب في ذمة‬
‫ض ُ‬
‫(‪)4‬‬
‫له مثل ‪ ،‬فأشبه البيع ‪ ،‬فكان القبول ركناً فيه كما في البيع‬
‫اختص جوازه بما ُ‬
‫‪ ،‬وبقول الحنفية إن‬
‫اإلقراض إعارة ‪ ،‬فإن َدل ذلك على شيء فقد َدل بالنص الصريح على صحة القرض بلفظ اإلعارة‬
‫قرض حقيقة‬
‫‪ ،‬نظ اًر ألن إعارة المثليات ٌ‬
‫)‪ (1‬فقه السنة ‪ ،‬السيد سابق ‪ ،‬المجلد الثالث ‪ ،‬دار الكتاب العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 1971 ،1‬ص‪.146 ،145‬‬
‫)‪ (2‬أسنى المطالب شرح روض الطالب ‪ ،‬زكريا األنصاري ‪ ،‬مطبعة الميمنة ‪ ،‬مصر ‪1313 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.141‬‬
‫(‪ )3‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.517/ 6‬‬
‫)‪ (4‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪، ،‬ج‪.517/ 6‬‬
‫‪23‬‬
‫ويقول الشيخ الشربيني الشافعي صيغته أي إيجابه ‪  :‬أقرضتك أو أسلفتك‪ ‬هذا ‪ ‬أو خذه‬
‫بمثله أو ملكتكته على أن ترد بدله‪ ‬أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله كما في أصل الروضة ‪،‬‬
‫وأسقطه المصنف لالستغناء عن ‪‬وأصرفه في حوائجك‪ ، ‬ولو اقتصر على ((ملكتك)) فهو في هبة‬
‫في الظاهر ‪ .‬وأما قبوله أي اإلقراض ‪‬في األصح ‪ ‬كسائر المعاوضات ‪ ،‬وشرط القبول الموافقة‬
‫في المعنى كالبيع ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬أقرضتك ألفاً فقبل خمسمائة أو بالعكس لم يصح وان فرق بعضهم‬
‫بأن المقرض متبرع فال يضر قبول بعض المسمى أوالزائد عليه(‪.)1‬‬
‫ويقول اإلمام النووي في المجموع ‪ :‬ال ينعقد إال باإليجاب والقبول ‪ ،‬ألنه تمليك آدمي فلم‬
‫يصح من غير إيجاب وقبول كالبيع والهبة ؛ ويصح بلفظ القرض والسلف ألن الشرع ورد بهما ‪،‬‬
‫ويصح بما يؤدي معناه ‪ ،‬وهو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد علي بدله (‪.)2‬‬
‫َ‬
‫وقال الشافعية أيضاً أركان القرض كأركان البيع فال بد فيه أن يكون الشيء المقترض‬
‫معلوم القدر وكذلك البد فيه اإليجاب والقبول كالبيع ‪ ،‬واإليجاب تارة يكون صريحاً ‪ ،‬وتارة يكون‬
‫كناية ‪ ،‬فالصريح كأن يقول ‪ :‬أقرضتك هذا الشيء أو سلفتك ‪ ،‬والكناية كأن يقول ‪ :‬خذ هذا الشيء‬
‫بمثله ‪ ،‬أو اصرفه في حوائجك ورد بدله (‪.)3‬‬
‫رض ‪ ،‬وحاله‬
‫وعلى الرغم من قول الشافعية باشتراط اإليجاب والقبول كأساس لصحة الَق ْ‬
‫كحال سائر المعاوضات ‪ ،‬إال أنهم قد استثنوا منه ما هسموه في اصطالح القرض ((القرض‬
‫الحكمي )) ‪ ،‬ولم يتشرطوا فيه الصيغة أصالً (‪ ،)4‬نعم القرض الحكمي كاإلنفاق على اللقيط‬
‫المحتاج واطعام وكسوة العاري ال يفتقر إلى اإليجاب والقبول(‪.)5‬‬
‫)‪ (1‬مغني المحتاج على متن منهاج الطالبين ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪.154/2‬‬
‫)‪ (2‬المجموع بشرح المهذب‪ ،‬محيي الدين بن شرف النووي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬محمد المطيعي ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ، 1995 ،‬ج‪.12،252‬‬
‫)‪ (3‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬ج‪.305/2‬‬
‫)‪ (4‬تحفة المحتاج في شرح المنهاج ‪ ،‬ج‪ ، 40/5‬أسنى المطالب ‪،‬ج‪.141/2‬‬
‫(‪ )5‬مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪.154/ 2‬‬
‫‪24‬‬
‫فرع اإلمام أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية على اشتراط اإليجاب والقبول ألجل‬
‫وقد َ‬
‫أقرضتُ َك ألفاً ‪ ،‬وَقِب َل ‪ ،‬وتفرقا ‪ ،‬ثُم دفع إليه‬
‫رض للمستقرض ‪ْ (( :‬‬
‫المق ُ‬
‫انعقاد القرض ‪ ،‬ما لو قال ُ‬
‫ص ُل لم يجز ‪،‬‬
‫األلف ‪ ،‬فإن لم يطل الفصل جاز ‪ ،‬ألن الظاهر أنه قصد اإليجاب‪ .‬وان طال َ‬
‫الف ْ‬
‫ص ِل ))(‪ .)1‬ثم أكمل قوله ‪(( :‬‬
‫حتى ُيعيد لفظ القرض ‪ ،‬ألنه ال يمكن البناء على العقد مع طول َ‬
‫الف ْ‬
‫أقرضتُ َك كذا ‪ ،‬ففيه وجهان أحدهما ؛ ينعقد ألن الحاجة مع الغيبة‬
‫غائب ‪:‬‬
‫وان كتب إليه وهو‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫قادر على النطق ‪ ،‬فال ينعقد عقده بالكتابة ‪ ،‬كما لو‬
‫داعي ُة إلى الكتابة ‪ ،‬والثاني ؛ ال ينعقد ألنه ٌ‬
‫وقول القائل األول إن الحاجة داعي ٌة إلى الكتابة ال يصح ‪ ،‬ألنه يمكنه أن يوكل‬
‫كتب وهو حاضر ‪ُ ،‬‬
‫َم ْن يعقد العقد بالقول))(‪.)2‬‬
‫وتحرير الكالم في مسألة ألفاظ القبول واإليجاب ‪ ،‬نجده لدى العالمة ابن تيمية حيث قال‬
‫إن عرفا المقصود انعقدت ‪ ،‬فأي لفظ من األلفاظ ُعرف به المتعاقدان‬
‫‪ ( :‬والتحقيق أن المتعاقدين ْ‬
‫يحد ألفاظ العقود حداً ‪ ،‬بل‬
‫مقصودهما أنعقد به العقد ‪ ،‬وهذا عام في جميع العقود ‪ ،‬فإن الشارع لم َ‬
‫ُ‬
‫يدل عليها من األلفاظ الفارسية والرومية وغيرهما من األلسن‬
‫ذكرها ُمطلقة ‪ ،‬فكما تنعقد العقود بما ُ‬
‫ٍ‬
‫يدل‬
‫يدل عليها من األلفاظ العربية ‪ ،‬ولهذا وقع الطالق والعتاق بكل لفظ ُ‬
‫العجمية ‪ ،‬فهي تنعقد بما ُ‬
‫عليه ‪ ،‬وكذلك البيع وغيرهُ)(‪.)3‬‬
‫المقرض والمقترض) ويشترط فيهما ‪:‬‬
‫الركن الثاني العاقدان ‪ُ ( :‬‬
‫(أ)‬
‫المقرض فيما يقرضه ‪:‬‬
‫أهلية التبرع في ُ‬
‫(‪ )1‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج‪ ، 303/ 1‬المجموع ‪ ،‬محي الدين النووي ‪ ،‬ج‪.252/ 12‬‬
‫(‪ )2‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج‪.303/1‬‬
‫)‪ (3‬مجموع فتاوى بن تيمية ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬عبد الرحمن النجدي الحنبلي ‪ ،‬دار عالم الكتب ‪ ،‬الرياض ‪ ،1991 ،‬ج‪ ، 20‬ص‪.533‬‬
‫‪25‬‬
‫المقرض أن يكون من أهل التبرع ‪ ،‬أي‬
‫ال وجود للخالف بين الفقهاء في أنه ُيشترط في ُ‬
‫ح اًر بالغاً عاقالً رشيداً ‪ ،‬وعلى ذلك فال َي ْملكه َم ْن ال يملك التبرع كالصبي والمكاتب والعبد المأذون‬
‫ونحوهم (‪.)1‬‬
‫المقرض ممن يصح تبرعه ‪ ،‬ألنه‬
‫عند الحنابلة قال اإلمام البهوتي ‪ (( :‬يشترط أن يكون ُ‬
‫يص هح إال ممن ِ‬
‫عقد إرفاق ‪ .‬فلم ِ‬
‫يصح تبرعه ‪ ،‬كالصدقة ))(‪ .)2‬وكذلك ذكر المرداوي بخصوص‬
‫المقرض ممن يصح تبرعه))‬
‫المقرض فقال ‪ُ (( :‬يشترط أن يكون ُ‬
‫ُ‬
‫(‪)3‬‬
‫‪.‬‬
‫وذكر الكاساني وهو قول الحنفية تأكيده لهذا المعنى بقوله ‪ (( :‬إن القرض للمال تبرع ‪،‬‬
‫أال ترى إنه ال يقابله عوض في الحال ‪ ،‬وكذا ال يملكه من ال يملك التبرع ))(‪ ،)4‬فإذن مضمونه‬
‫هو عقد تبرع بالحال ‪.‬‬
‫ولم يعتبر الشافعية القرض أنه من عقود اإلرفاق والتبرع ‪ ،‬وعللوا ذلك بأن القرض فيه‬
‫شائبة التبرع ‪ ،‬فقد قالوا ‪ (( :‬إن القرض فيه شائبة التبرع ‪ ،‬ولو كان معاوضة محض ًة لجاز للولي‬
‫ض مال موليه لغير ضرورة ‪ ،‬والالزم باطل ))(‪.)5‬‬
‫(غير القاضي) َق ْر ُ‬
‫(ب) الرشد و االختيار ‪:‬‬
‫معنى الرشد هو‪ (( :‬االتصاف بالبلوغ والصالح في الدين والمال ‪ ،‬ألن القرض عقد‬
‫معاوضة مالية ‪ ،‬والرشد في العاقد شرط في صحة عقود المعاوضة ‪ ،‬فال يصح اإلقراض وال‬
‫)‪ (1‬نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ‪ ،‬محمد الرملي ‪ ،‬مكتبة البابي الحلبي ‪ ،‬القاهرة ‪ ،1938 ،‬ج‪ ،4‬ص‪ ، 219‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.519/ 6‬‬
‫)‪ (2‬كشاف القناع عن متن اإلقناع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬هالل مصطفى هالل ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ج‪ ، 3‬ص‪.313‬‬
‫)‪ (3‬اإلنصاف ‪ ،‬المرداوي ‪ ،‬ج‪.123/5‬‬
‫)‪ (4‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.519/ 6‬‬
‫)‪ (5‬مغني المحتاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪ ، 154/ 2‬أسنى المطالب ‪ ،‬زكريا األنصاري ‪ ،‬ج‪.140/2‬‬
‫‪26‬‬
‫االستقراض من صبي وال مجنون وال محجور عليه لسفه ألنهم غير راشدين في التصرف بأموالهم‬
‫)) ‪ .‬أما معنى االختيار فهو‪ (( :‬تصرف الشخص بالمال بإرادته دون إكراه ؛ ألن اإلكراه يفقد‬
‫الرضا )) ‪.‬‬
‫وقد نص الشافعية بهذين المعنيين في أن أهلية الم ِ‬
‫تستلزم رشده واختياره ‪،‬‬
‫قرض للتبرع‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ومحله إذا كان اإلكراهُ بغير حق ‪ ،‬أما إذا أُكرَه بحق ـ‬
‫كرٍه ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫ُ‬
‫وعلى ذلك فال يصح إقر ُ‬
‫اض ُم َ‬
‫اض لنحو اضطرٍار ـ فإن إقراضه مع اإلكراه يكون صحيحاً(‪.)1‬‬
‫جب عليه اإلقر ُ‬
‫بأن َو َ‬
‫(ج)‬
‫المقترض ‪:‬‬
‫ما ُيشترط في ُ‬
‫المقترض أن يكون أهالً للمعاملة ‪ ،‬بأن يكون‬
‫ذكر الشافعية في مدوناتهم أنه يشترط في ُ‬
‫بالغاً وعاقالً غير محجور عليه(‪ ،)2‬ولم يتشرطوا أهلية التبرع فيه ‪.‬‬
‫وقد نص الحنابلة على أن شرط المقترض تَمتُ ُعه بالذمة ‪ ،‬فمن شأنه ؛ أي ‪ :‬القرض ‪ ،‬أن‬
‫يثبت إال في الذمم ‪ ،‬ثم هفرعوا على ذلك فقالوا ‪ :‬فال‬
‫يصادف ذمة ‪ .‬قال ابن عقيل ‪( :‬الدين ال ُ‬
‫يصح قرض جهة ‪ ،‬كمسجد ونحوه ‪ ‬كمدرسة ورباط‪ .)3(‬فال يصح قرض هذه الجهات برأيهم لعدم‬
‫وجود ذمم لها ‪.‬‬
‫للمقترض ‪ ،‬والذي ُيستفاد من فروعهم‬
‫أما بالنسبة للحنفية فلم ينصوا على شروط خاصة ُ‬
‫الفقهية اشتراطهم أهلية التصرفات القولية فيه ‪ ،‬بأن يكون ح اًر بالغاً عاقالً وعلى ذلك قالوا ‪ :‬إذا‬
‫فاستهلكه الصبي ال يضمن (وقوله استقرض صبياً محجو ار‬
‫رض‬
‫صبي محجور عليه شيئاً‬
‫ُ‬
‫استْق َ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ف‬
‫فاستهلكه) قيد بالمحجور ألنه لو كان مأذوناً فهو كالبالغ وباالستهالك فإنه يضمن ‪ ،‬ولو َتل َ‬
‫(‪ )1‬تحفة المحتاج على المنهاج وحاشية الشرواني عليه ‪ ،‬ابن حجر الهيتمي ‪ ،‬مطبعة الميمنة ‪ ،‬مصر ‪1315 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 5‬ص‪.41‬‬
‫)‪ (2‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬ج‪.305/2‬‬
‫)‪ (3‬كشاف القناع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬ج‪.313/ 3‬‬
‫‪27‬‬
‫قرض أن ِ‬
‫عينه فللم ِ‬
‫الشيء بنفسه ال يضمن اتفاقاً ‪ ،‬ولو بقيت ُ‬
‫يستردهُ‬
‫ُ‬
‫( ‪)1‬‬
‫فالحكم هنا مبني على‬
‫‪ُ ،‬‬
‫ٌ‬
‫عدم صحة اقتراض المحجور عندهم‪.‬‬
‫الم ْقَرض)‬
‫الم َحل ‪( :‬‬
‫ُ‬
‫المال ُ‬
‫الركن الثالث َ‬
‫ذكر الفقهاء ثالثة شروط ‪ ،‬ومعها بيان اختالف الفقهاء في اعتبارها أو في مدى اشتراطها‬
‫وتلك الشروط هي ‪:‬‬
‫الشرط األول ‪ ( :‬أن يكون من المثليات ) ‪:‬‬
‫تختلف به قيمتها ‪ ،‬كالنقود وسائر المكيالت‬
‫المثليات ‪ :‬هي األموال التي ال تتفاوت آحادها تفاوتاً‬
‫ُ‬
‫والموزونات والمذروعات والعدديات المتقاربة (‪.)2‬‬
‫قال الحنفية ‪ِ :‬‬
‫يصح القرض في المثليات أو في المثلى ‪ ،‬وهو كل ما ُيضمن بالمثل عند‬
‫االستهالك ‪ ،‬أما في القيميات كالحيوان والحطب والعقار وكل متفاوت فال ِ‬
‫يصح إقراضها لتعذر رد‬
‫ِ‬
‫المثل‬
‫(‪)3‬‬
‫‪.‬‬
‫المثل‪ : ‬علة لقوله ال في غيره ‪ ،‬أي ال ِ‬
‫وذكر ابن عابدين معنى ‪‬لتع َذر رد ِ‬
‫يصح‬
‫َ ُ‬
‫انتهاء ؛ ألنه ال‬
‫صح بلفظها ‪ ،‬معاوض ٌة‬
‫المثلى ‪ ،‬ألن القرض إعارةٌ‬
‫ابتداء حتى َ‬
‫القرض في غير ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُيمكن االنتفاع به إال باالستهالك عينه ‪ ،‬فيستلزم إيجاب المثل في الذمة وهذا ال يتأتى في غير‬
‫المثلى ‪ .‬وقال في البحر ‪ :‬ال يجوز في غير المثلى (‪.)4‬‬
‫ُ‬
‫وقال الكاساني ‪ (( :‬أن يكون القرض مما له ِم ْثل كالمكيالت والموزونات ‪ ،‬فال يجوز قرض‬
‫ما ال مثل له من المذروعات والمعدودات المتقاربة ‪ ،‬ألنه ال سبيل إلى إيجاب رد العين وال إلى‬
‫)‪ (1‬رد المحتار وحاشية ابن عابدين عليه ‪،‬ج‪.174/ 4‬‬
‫)‪ (2‬عقد القرض في الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ، 1991 ،1‬ص‪.33‬‬
‫(‪ )3‬رد المحتار وحاشية ابن عابدين ‪ ،‬ج‪.171/ 4‬‬
‫)‪ )4‬رد المحتار وحاشية ابن عابدين ‪ ،‬ج‪.171/4‬‬
‫‪28‬‬
‫إيجاب رد القيمة ألنه يؤدي إلى المنازعة الختالف القيمة باختالف تقويم المقومين فتعين أن يكون‬
‫الواجب فيه رد المثل فيختص جوازه بما له مثل))(‪. )1‬‬
‫المثليات ‪ ،‬فذهبوا بذلك المنحى إلى ما ذهب إليه‬
‫وقال الشافعية ‪ :‬يجوز القرض في ُ‬
‫بالمثليات ‪ ،‬لكنهم وسعوا في نطاق دائرة القرض ‪ ،‬فقال الشيرازي ‪( :‬يجوز‬
‫الحنفية من الَق ْرض ُ‬
‫ويضبط بالوصف ‪ ،‬ألنه عقد تمليك يثبت العوض فيه بالذمة فجاز فيما‬
‫قرض كل مال ُيمَلك بالبيع ُ‬
‫يملك ويضبط بالوصف كالسلم) (‪.)2‬‬
‫ويدخل أيضاً في دائرة القرض لدى الشافعية ‪( :‬العقارات والحيوانات وغيرها من القيميات‬
‫التي ُيمكن ضبطها بالوصف) ‪.‬‬
‫ط بالوصف كالجواهر‬
‫أما ما ال ُي ْسَل ُم فيه ‪ ،‬وهو ما ال ُيضب ُ‬
‫( ‪)3‬‬
‫والخبز وغيرها ففيه وجهان ‪:‬‬
‫‪‬أحدهما‪ ‬ال يجوز إقراضه ؛ألن القرض يقتضي رد المثل وما ال ُيضبط بالوصف ال مثل له ‪،‬‬
‫المستقرض بالقيمة ‪ ،‬والجواهر كغيرها في القيمة (‪.)4‬‬
‫‪‬والثاني‪ ‬يجوز؛ ألن ما ال مثل له يضمنه ُ‬
‫وقد رجح الشافعية الوجه األول حيث قال النووي في شرح المهذب ‪( :‬إن قلنا يجب رد‬
‫القيمة جاز قرض هذه األشياء ‪ ،‬وان قلنا يجب رد المثل فيها لم يجز قرضها ولكن توجيهها يأتي‬
‫المثليات )(‪.)5‬‬
‫في رد ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫السلم فيه جواز‬
‫قرضه ما ال‬
‫وقد استثنى الشافعية من عدم جواز‬
‫قرض الخبز وزناً‬
‫ُ‬
‫يجوز َ‬
‫لعموم الحاجة إليه ‪ ،‬وبعضهم يقول ‪ :‬يجوز إقراضه عداً ووزناً(‪.)6‬‬
‫(‪ )1‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.517/ 6‬‬
‫)‪ (2‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج‪.303/1‬‬
‫)‪ (3‬الجواهر ‪ :‬جمع جوهر وهو ما له صفاء ولون شفاف كالياقوت واللؤلؤ والفير وزج وغير ذلك‪.‬‬
‫)‪ )4‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج ‪.303/ 1‬‬
‫)‪ (5‬المجموع في شرح المهذب ‪ ،‬النووي ‪ ،‬ج‪.259/12‬‬
‫(‪ )6‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬ج‪. 306/ 2‬‬
‫‪29‬‬
‫وقد قال النووي ‪( :‬قطع صاحب التتمة ( أبو سعد المتولي) والمستظهري بجواز قرضه وزناً‬
‫‪ ،‬واجتمع صاحبا الشامل والتتمة بإجماع أهل األمصار على فعله في األعصار بال إنكار)‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫تحل له ‪،‬‬
‫السلم فيه َق ْرض الجارية لمن ُ‬
‫كما استثنى الشافعية من جواز إقراض كل ما يجوز َ‬
‫يجوز إقراضها له ولو غير مشتهاة ( في األظهر ) ألنه قد يطؤها‬
‫قال الشيخ الشربيني ‪( :‬فال‬
‫ُ‬
‫ويردها ؛ ألنه عقد جائز من الطرفين يثبت الرد واالسترداد ‪ ،‬فيصير في معنى إعارة الجواري للوطء‬
‫‪ ،‬وهو ممتنع (‪ ،)2‬أي محظور شرعاً ‪.‬‬
‫فإن‬
‫خالف البيع والهبة ‪َ ،‬‬
‫وي ُ‬
‫بخصوص إقراض الجارية ـ وبنفس الصدد ـ قال الشيرازي ‪ُ (( :‬‬
‫غير‬
‫الم َ‬
‫الملك في القرض ُ‬
‫لك فيهما تام ‪ ،‬ألنه لو أراد ُ‬
‫كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ ‪ ،‬لم يملك‪ ،‬و ُ‬
‫ُ‬
‫يحل له وطؤها َأدى إلى الوطء‬
‫جوزنا فيمن ُ‬
‫تام ‪ ،‬ألنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ ‪ ،‬فلو َ‬
‫ُ‬
‫في ٍ‬
‫ملك غير تام ‪ ،‬وذلك ال يجوز))‬
‫( ‪)3‬‬
‫ٍ‬
‫وثني ٍة أو نحوه ‪،‬‬
‫‪ ،‬أما َم ْن ال يحل له وطؤها‬
‫لمحرمية أو َ‬
‫َ‬
‫فيجوز إقراضها له (‪.)4‬‬
‫أما المالكية ‪ ،‬فكان قولهم قريباً من قول الشافعية ‪ ،‬فنصوا على ‪ (( :‬ه‬
‫نسه‬
‫كل ما يقبل ِج ُ‬
‫أن َ‬
‫السلم يصح قرضه كالمكيل والمعدود والموزون ‪ ،‬فإن جنس كل واحد منها يقبل السَلم ‪ ،‬فالقمح مثالً‬
‫َ‬
‫السلم أحياناً ‪ ،‬ولكن ال يمتنع فيه القرض ‪ ،‬وكذلك‬
‫يقبل السلم ‪ ،‬وكذلك اللحم وان كان قد يمتنع فيه َ‬
‫القرض في الحيوان وعروض التجارة ألنه يصح السلم في ِجنسهما))(‪.)5‬‬
‫يصح‬
‫ُ‬
‫وكذلك استثنوا مما يجوز السلم فيه ‪ ،‬الجواري من جواز القرض مثل ما قال الشافعية فقيل‬
‫القرض) في كل ما يجوز أن يثبت بالذمة سلماً إال الجواري ‪ ،‬ألنه يؤدي‬
‫لديهم ‪(( :‬يجوز السلف (‬
‫ُ‬
‫)‪ (1‬المجموع ‪ ،‬النووي ‪ ،‬ج‪. 260/ 12‬‬
‫(‪ )2‬مغني المحتاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪.155/ 2‬‬
‫(‪ )3‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج‪. 303/ 1‬‬
‫(‪ )4‬روضة الطالبين ‪ ،‬محيي الدين النووي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬محمد المطيعي ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ، 1995 ،‬ج‪ ،4‬ص‪ ،33،32‬انظر التنبيه ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬إعداد عماد الدين حيد ‪ ،‬عالم الكتب ‪ ،‬بيروت‬
‫‪ ، 1983،‬باب القرض ‪ ،‬ص‪.99‬‬
‫)‪ (5‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬ج‪.307/ 2‬‬
‫‪30‬‬
‫إلى إعارة الفروج ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يجوز إن أسلفت جارية للذي ُمحرم ِمنها ‪ ،‬أو لمن يتلذذ بالنساء ‪ ،‬أو‬
‫كانت الجارية ال تحمل الوطء))(‪.)1‬‬
‫إن َح ُرَم ْت عليه أو تع َذ َر‬
‫وفي استثناء منع قرض الجارية قال الزرقاني ‪(( :‬انتفى المنعُ ْ‬
‫وطؤه لها ‪ ،‬لصغره أو كونه شيخاً فانياً أو كونها في سن َم ْن ال توطأ مدة القرض في الثالثة ‪ ،‬أو‬
‫فيجوز قرضها))‬
‫المقترض امرًأة‬
‫كان‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫وبالنسبة للحنابلة ‪ ،‬فقد قالوا ‪ِ :‬‬
‫يصح قرض المكيل والموزون بغير خالف ‪ .‬قال أبو بكر ‪:‬‬
‫أجمع ُكل َم ْن نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر‬
‫والزبيب ‪ ،‬وكل ماله مثل من األطعمة المكيل منها والموزون جائزة (‪ ،)3‬وتطابق قولهم بذلك مع قول‬
‫الحنفية‪.‬‬
‫وقال البهوتي ‪ِ (( :‬‬
‫يجوز بيعها ) ‪ ،‬من مكيل وموزون ومذروع‬
‫ويصح القرض (في ُكل عين ُ‬
‫ومعدود وغيره (إال الرقيق فقط) فال ِ‬
‫يصح قرضه ‪ ،‬ذك ًار كان أو أنثى ‪ ،‬ألنه لم ينقل ‪ ،‬وال هو من‬
‫المرافق ‪ ،‬وألنه ُيفضي إلى أن َيقترض جاري ًة يطؤها ثم َي ُردها))(‪.)4‬‬
‫يصح إقراضه ‪ ،‬قال المرداوي‪ :‬أما‬
‫وبني آدم يثبت بالذمة إال أنه ُمستثنى من اإلقراض وال ُ‬
‫قرض بني آدم ال يصح ‪ .‬وهو المذهب(‪ ،)5‬أي قول المذهب الحنبلي ‪ ،‬وأي شي غير بني آدم مما‬
‫قرضه ‪ ،‬يقول ابن المنذر‪ :‬يجوز قرض كل ما يثبت بالذمة َسَلما ًً(‪،)6‬وبذلك‬
‫يثُبت بالذمة َسَلماً جاز ُ‬
‫قال الشافعية والمالكية في هذا الوجه‪.‬‬
‫)‪ (1‬موسوعة الفقه المالكي ‪ ،‬إعداد خالد العك ‪ ،‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪.410‬‬
‫)‪ (2‬شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني عليه ‪ ،‬مطبعة محمد مصطفى ‪ ،‬مصر ‪1307 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪، 5‬ص ‪ ،226‬الخرشي وحاشية العدوي على هامشه ‪ ،‬دار صادر ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬باب المساقاة ‪،‬ج‪، 5‬‬
‫ص‪229‬ومابعدها‪.‬‬
‫النيسابوري ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬أيمن شعبان ‪ ،‬دار الحديث ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬ط‪ ،1994 ، 1‬ص‪.309‬‬
‫)‪ (3‬اإلقناع ‪َ ،‬‬
‫الروض المربع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬عماد عامر ‪ ،‬دار الحديث ‪ ،‬القاهرة ‪ ، 1994 ،‬باب القرض ‪ ،‬ص‪.314‬‬
‫)‪ (4‬كشاف القناع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬ج‪، 314/ 3‬‬
‫ُ‬
‫)‪ )5‬اإلنصاف ‪ ،‬المرداوي ‪ ،‬ج‪/5‬ص‪.123‬‬
‫)‪ )6‬فقه المعامالت ‪ ،‬محمد الصابوني ‪ ،‬المكتبة العصرية ‪ ،‬بيروت ‪ ، 2007 ،‬ج‪،1‬ص‪.169‬‬
‫‪31‬‬
‫(المغني) ‪ ( :‬لم‬
‫وأما ما ال ُ‬
‫يثبت بالذمة سلماً كالجواهر وما شابهها ‪ ،‬قال ابن ُقدامة في ُ‬
‫يجز قرض الجواهر وما ال يثبت في الذمة سلماً لتعذر رد المثل ‪ ،‬وان ُقلنا الواجب رد القيمة ‪ .‬جاز‬
‫( ‪)1‬‬
‫قرضه إلمكان رد القيمة ‪ ،‬وألصحاب الشافعي وجهان كهذين )‬
‫ونستنتج من أقوال الفقهاء لدى المذاهب األربعة بخصوص الشرط األول ما يلي ‪:‬‬
‫المقترض مثله وهذا باتفاق الفقهاء واجماعهم ‪.‬‬
‫المقرض مثلياً وأن َي ُرهد ُ‬
‫‪ .1‬أن يكون المال ُ‬
‫‪ .2‬ذهب جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية ‪ ،‬باإلضافة إلى صحة َق ِ‬
‫رض المثليات إلى‬
‫القرض لديهم إال‬
‫جواز إقراض القيميات كالحيوان وغيره ‪ ،‬وقد اختلفوا مع الحنفية الذين ال يصح‬
‫ُ‬
‫بالمثليات ‪ ،‬وقد استدل جمهور العلماء لما ذهبوا إليه بنظرتين وهما ‪:‬‬
‫ُ‬
‫رض َب ْك اًر ‪ ،‬والذي ورد في الحديث الشريف المروي‬
‫صح عن النبي‪ ‬من أنه استَْق َ‬
‫‪ ‬ما َ‬
‫(‪)2‬‬
‫عن أبي رافع‬
‫الب ْكر ليس مكيالً أو‬
‫ـ وِق ْي َس غيره عليه ـ ووجهة االستدالل ‪ :‬أن َ‬
‫حصل ِف ْع ُل االقتراض من‬
‫موزوناً ‪ ،‬وبالرغم من ذلك ‪ ،‬لكن‬
‫َ‬
‫الرسول‪‬‬
‫كالمثلى يعني ‪ِ ‬مثله في‬
‫‪ ‬أن ما ثبت سلماً ُيملك بالبيع ُ‬
‫ويضبط بالوصف ‪ ،‬فأصبح ُ‬
‫رض ُه ‪.‬‬
‫األسواق ‪ ، ‬فجاز َق ُ‬
‫وفي ما يصح فيه القرض لدى فقهاء ومذاهب أخرى ‪ ،‬قال السيد سابق ‪(( :‬يجوز قرض‬
‫قرض ما كان مكيالً أو موزوناً ‪ ،‬أو ما كان من عروض التجارة ‪ ،‬كما‬
‫الثياب والحيوان ‪ ،‬ويجوز ُ‬
‫يجوز قرض الخبز والخمير(‪.)3‬‬
‫القرض جائز في الجواري والعبيد والدواب والدور واألرضين‬
‫قال ابن حزم في المحلى ‪ (( :‬و ُ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َج ٍل م َس ًّمى﴾[ البقرة ‪ :‬آية ‪ ]282‬فعمم تعالى‬
‫وغير ذلك لعموم قوله تعالى ‪ ﴿ :‬إ َذا تََد َاينتُم ب َد ْي ٍن إَلى أ َ‬
‫(‪ )1‬المغني ‪ ،‬ابن قدامة المقدسي ‪ ،‬ج‪/4‬ص‪.350‬‬
‫)‪ (2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)4084‬ج‪37/ 11‬‬
‫)‪ )3‬فقه السنة ‪ ،‬السيد سابق ‪ ،‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪.147‬‬
‫‪32‬‬
‫التخصيص في ذلك بالرأي الفاسد بغير قرآن وال سنة ‪ ،‬وقولنا في هذا هو‬
‫ولم يخص ‪ ،‬فال يجوز‬
‫ُ‬
‫قول المزني وأبي سليمان ومحمد بن جرير وأصحابنا))(‪.)1‬‬
‫ٍ‬
‫اء أكان‬
‫فذهب ابن حزم وبعض الفقهاء بهذا القول إلى أنه يجوز إقر ُ‬
‫اض كل شيء ‪ ،‬سو ٌ‬
‫تحل ‪.‬‬
‫للمقترض أو لم يكن ُ‬
‫اء أكان حيواناً أو جارية ُ‬
‫مما يضبط بالصفة أو لم يكن ‪ ،‬وسو ٌ‬
‫تحل ُ‬
‫الشرط الثاني ‪ ( :‬أن يكون عيناً ) ‪:‬‬
‫عيناً أي معناه عدم صحة إقر ِ‬
‫اض المنافع ‪ ،‬وفي ذلك قال الحنابلة وهو ظاهر كالم كثير‬
‫( ‪)2‬‬
‫السلم ‪،‬‬
‫السلم فيه صح‬
‫ُ‬
‫يصح بها َ‬
‫قرضه ‪ ،‬والمنافع ال ُ‬
‫من أصحاب المذهب حيث قالوا ‪ :‬ما صح َ‬
‫وان عدم صحة إقراض المنافع جاء من مخالفته للعرف وما تعود عليه الناس من التعامل فأُعتُبر‬
‫مستند للمنع حيث عبر الشيخ البهوتي عنه بقوله ‪ (( :‬وال ِ‬
‫يص ُح قرض المنافع ألنه غير‬
‫ذلك‬
‫ٌ‬
‫معهود))(‪ ، )3‬أي بغير ُعرف الناس وعادتهم‪.‬‬
‫أن شيخ اإلسالم اإلمام تقي الدين بن تيمية من شيوخ الحنابلة خالف هذا الرأي من‬
‫غير َ‬
‫ويحصد معه اآلخر يوماً ‪ ،‬أو‬
‫يحصد معه يوماً‬
‫الحنابلة ‪ ،‬فقال ‪ (( :‬يجوز ُ‬
‫ُ‬
‫قرض المنافع ‪ ،‬مثل أن ُ‬
‫ِ‬
‫لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات األمثال ‪،‬‬
‫يسكنه اآلخر دا اًر ُليسك َنه اآلخر بدلها ‪َ .‬‬
‫رد المثل‬
‫حتى يجب على المشهور في األخرى القيمة ‪،‬‬
‫ويتوجه في المتقوم أنه يجوز ُ‬
‫َ‬
‫( ‪(4‬‬
‫بتراضيهما))‬
‫(‪ )1‬المحلى ‪ ،‬بن حزم ‪ ،‬ج‪.82/8‬‬
‫(‪ )2‬اإلنصاف ‪ ،‬المرداوي ‪ ،‬ج‪.125/ 5‬‬
‫(‪ )3‬كشاف القناع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬ج‪.314/ 3‬‬
‫)‪ (4‬االختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ‪ ،‬البعلي ‪ ،‬مطبعة السنة المحمدية ‪ ،‬مصر ‪1396 ،‬هـ ‪ ،‬ص‪ ، 131‬وانظر الفقه اإلسالمي وأدلته ‪ ،‬الزحيلي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ، ،1989 ، 3‬ج‪ ، 4‬ص‪.723‬‬
‫‪33‬‬
‫أما بالنسبة للحنفية فكان أساس عدم صحة إقراض المنافع لديهم ومنعها هو ‪ :‬أن القرض‬
‫إنما َي ِرُد على دفع مال مثلي آلخر ُليرهد مثله (‪ ،)1‬وحسب مذهبهم فإن المنافع ال تُعد أمواالً لديهم ‪،‬‬
‫يجوز إقراض المنافع لدى الحنفية ‪.‬‬
‫وعلى هذا فال ُ‬
‫تحدث شيئاً فشيئاً ‪ ،‬وآناً فآناً ‪،‬‬
‫اض‬
‫ُ‬
‫غير قابلة لإلحراز واالدخار ‪ ،‬إ ْذ هي أعر ٌ‬
‫فالمنافع ُ‬
‫ُ‬
‫يصح َج ْع ُل المنافع‬
‫يحد ُث منها غير الذي ينتهي ‪ ،‬ومن أجل ذلك لم‬
‫وتنتهي بانتهاء وقتها ‪ ،‬وما ُ‬
‫َ‬
‫محالً لعقد القرض (‪.)2‬‬
‫محل القرض عيناً ‪ ،‬ولكنهم‬
‫أما الشافعية والمالكية فلم يشترطوا في باب القرض أن يكون َ‬
‫اشترطوا في الشيء المقرض أن يكون مما يصح فيه السلم فوضعوا معيا اًر لما ِ‬
‫يصح إقراضه ‪ ،‬وفي‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫السلم في المنافع كما هو الشأن في األعيان‬
‫باب السلم نصوا على جواز َ‬
‫( ‪)3‬‬
‫‪ ،‬فنستنتج من ذلك‬
‫السلم فيه المنضبط بالوصف بمقتضى ما موجود‬
‫الكالم صح َة إقراض المنافع فهي ضمن ما يجوز َ‬
‫في قواعد مذهبهم‪.‬‬
‫ه‬
‫ولكن هناك قوالً ألحد الشافعية منفرداً ُيبعد المنافع من صحة اإلقراض حيث قال النووي‬
‫يجوز السَل ُم فيها))(‪، )4‬‬
‫يجوز إقراض المنافع ‪ ،‬ألنه ال ُ‬
‫نقالً عن القاضي حسين في الروضة ‪ (( :‬وال ُ‬
‫السلم‬
‫يؤخذ من تعليله أن محله في منافع العين المعينة ‪ ،‬أما التي في الذمة فيجوز إقراضها لجواز َ‬
‫فيها (‪ .)5‬وهذا تعليل الشافعية لذلك القول ‪.‬‬
‫الشرط الثالث ( أن يكون معلوماً) ‪:‬‬
‫)‪ (1‬رد المحتار وحاشية ابن عابدين ‪، ،‬ج‪.171/ 4‬‬
‫)‪ (2‬عقد القرض ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬ص‪.37‬‬
‫(‪ )3‬أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ‪ ،‬ج‪ ، 123/ 2‬الخرشي وبهامشه حاشية العدوي عليه ‪ ،‬ج‪.203/‬‬
‫)‪ )4‬روضة الطالبين ‪ ،‬النووي ‪ ،‬ج‪.33/ 4‬‬
‫)‪ (5‬مغني المحتاج على متن منهاج الطالبين ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪.155/ 2‬‬
‫‪34‬‬
‫المقرض ضرورية ألجل صحة العقد‪ ،‬فعلى هذا القول(يشترط‬
‫اشتراط معلومية أو قدر المال ُ‬
‫في محل القرض أن يكون معلوم القدر عند القرض ‪ ،‬كيالً أو وزناً أو عدداً أو ذرعاً ُليتَمكن من رد‬
‫( ‪)1‬‬
‫المقرض‪.‬‬
‫بدله) ‪ ،‬وهذا ما سنوضحه من خالل أقوال الفقهاء في خصوص معلومية المال ُ‬
‫قال ابن حزم في المحلى ‪ (( :‬كل ما ُيمكن وزنه أو كيله أو عدده أو ذرُعه لم َي ُجز أن‬
‫رده ‪ ،‬فيكون أكل ٍ‬
‫مال بالباطل))(‪.)2‬‬
‫ُيقرض جزافاً ‪ ،‬ألنه ال يدري مقدار ما َي َلزُمه أن َي ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ثل ‪ ،‬كالمكيالت والموزونات والعدديات‬
‫وقال الكاساني ‪ (( :‬أن يكون القرض مما له م ٌ‬
‫المتقاربة))(‪ .)3‬وقال الحنفية أيضاً ‪ (( :‬يجب أن يكون القرض معلوم القدر عند قبضه ؛ لئال يتعذر‬
‫الوفاء به ‪ ،‬أو يكون سبباً للخالف أو سوء الظن ‪ .‬واذا كان المتعاقدان ممن يتسامحان ‪ ،‬أو كانت‬
‫( ‪)4‬‬
‫مادة القرض مما ُيتساهل به الناس ‪ ،‬فيكفي تقديرها في الذهن ولو تخميناً))‬
‫قدر أو يكون معروف الصفة ‪،‬‬
‫قرض ‪ ،‬وهو أن يكون مما ُي ّ‬
‫الم َ‬
‫وهذا رأي الحنفية في الشيء ُ‬
‫ِ‬
‫اضه حتى يمكن رد بدله‬
‫وال يص ُح لديهم عقد القرض بدون اشتراط المثلية وهي معلومة ما تم إقر ُ‬
‫بدون أي خالف ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ض ُه دراهم‬
‫أقر َ‬
‫وعند الشافعية ‪ ،‬قال الشيرازي ‪ (( :‬ال يجوز إال في مال معلوم القدر ‪ ،‬فإن َ‬
‫يعرف كيله ‪ ،‬لم يجز ألن القرض يقتضي رد ِ‬
‫ال يعرف وزنها أو طعاماً ال ِ‬
‫المثل ‪ ،‬فإذا لم يعلم‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َُ‬
‫القدر لم ُيمكن القضاء))‬
‫( ‪)5‬‬
‫‪ ،‬وقيل ‪ :‬وال يصح القرض إال في ٍ‬
‫مال معلوم ‪ ،‬ألنه إذا لم يعلم (‬
‫المقترض ) قدر ذلك لم ُيمكنه القضاء(‪ .)6‬وقد جاء في أسنى المطالب يحدد المال المعلوم بالقدر‬
‫ُ‬
‫)‪ )1‬فقه المعاوضات ‪ ،‬مصطفى البغا ‪ ،‬ج‪.63/2‬‬
‫)‪ (2‬المحلى ‪ ،‬بن حزم ‪ ،‬ج‪.83/ 8‬‬
‫(‪)3‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.517/ 6‬‬
‫)‪ )4‬المفصل في الفقه الحنفي( األموال والمعامالت المالية)‪ ،‬محمد ماجد عتر ‪ ،‬مكتبة دار المستقبل ‪ ،‬حلب ‪ ،‬ط‪ ، 2005 ،1‬ص‪.57‬‬
‫)‪ (5‬المهذب ‪ ،‬الشيرازي ‪ ،‬ج‪.303/ 1‬‬
‫(‪ )6‬المجموع شرح المهذب ‪ ،‬النووي ‪ ،‬ج‪260/ 12‬‬
‫‪35‬‬
‫والصفة كشرط لصحة القرض ‪ (( :‬يشترط لصحة اإلقراض ِ‬
‫الع ُلم بالَق ْدر والصفة ليتأتى أداؤه ‪ ،‬فلو‬
‫ُ‬
‫ويرد مثله صح))(‪. )1‬‬
‫أقرض ُه كفاً من دراهم لم‬
‫أقرض ُه على أن ُيستبان مقداره ‪َ ،‬‬
‫يصح ‪ ،‬ولو َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وقد استثنى الشافعية من اشتراط كون‬
‫معلوم القدر ما َس هموه ‪‬بالقرض‬
‫محل القرض‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫الحكمي‪ ‬والمراد به ‪ :‬اإلنفاق على اللقيط المحتاج واطعام الجائع وكسوة العاري ‪ ،‬وقد مررنا على‬
‫ذكره سابقاً في تعريف القرض لدى الشافعية ‪ ،‬فلم ُيوجبوا معرفة القدر فيه ألجل صحة القرض (‪.)2‬‬
‫يصح القرض إال بآلة الكيل المعروفة بين الناس ‪ِ ،‬‬
‫وقال المالكية ‪ :‬ال ِ‬
‫وآلة الوزن المعروفة‬
‫( ‪)3‬‬
‫بين الناس أيضاً ـ كالكيلة والربع والقدح ـ والرطل واألوقية المعلومة‬
‫‪ ،‬وهنا المالكية اعتبروا تعيين‬
‫ن‬
‫المقرض‬
‫معلومية للكيل أو الوز بآالت معروفة ومعلومة لدى الناس ‪ ،‬حتى يتم تقدير وتقويم المال ُ‬
‫‪.‬‬
‫المْق َرض ‪ ،‬قال‬
‫وقد ربط الحنابلة اشتراط صحة عقد القرض ‪ ،‬بمعرفة قدر ووصف الشيء ُ‬
‫( ‪)4‬‬
‫ذكره العالمة المرداوي حين‬
‫ويشترط معرفة قدر القرض ووصفه)) ‪ ،‬ونفس الكالم َ‬
‫البهوتي ‪ُ (( :‬‬
‫ُ‬
‫قال ‪ُ (( :‬يشترط في صحة القرض معرف ُة ْقدرهُ ٍ‬
‫ووصفه ))(‪.)5‬‬
‫بقدر معروف‬
‫ُ‬
‫اقترض دراهم أو‬
‫وعلة هذا االشتراط لديهم ‪ ،‬قد َبينها ابن قدامة المقدسي بقوله ‪ (( :‬واذا‬
‫َ‬
‫المثل لم‬
‫عرف‬
‫ألن‬
‫القرض فيها يوجب َ‬
‫غير معروفة الوزن لم يجز ‪َ ،‬‬
‫ُ‬
‫رد المثل ‪ ،‬فإذا لم ُي َ‬
‫دنانير َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫بعينه أو‬
‫بمكيال‬
‫ُيمكن القضاء ‪ ،‬وكذلك لو‬
‫َ‬
‫اقترض مكيالً أو موزوناً جزافاً لم َي ْج ُز ذلك ‪ .‬ولو َقد َرهُ‬
‫(‪ )1‬أسنى المطالب ‪ ،‬األنصاري ‪،‬ج‪.141/ 2‬‬
‫)‪ )2‬نهاية المحتاج وحاشية الرشيدي عليه ‪ ،‬الرملي ‪ ،‬ج‪.223/ 4‬‬
‫)‪ (3‬الفقه على المذاهب األربعة ‪ ،‬الجزيري ‪ ،‬ج‪.207/2‬‬
‫الروض المربع شرح زاد المستنقع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬ص‪.314‬‬
‫)‪( 4‬‬
‫ُ‬
‫)‪ (5‬اإلنصاف ‪ ،‬المرداوي ‪ ،‬ج‪.123/ 5‬‬
‫‪36‬‬
‫ٍ‬
‫رد المثل ‪،‬‬
‫لف ذلك ‪ ،‬فيتع َذ ُر ُ‬
‫يأم ُن َت َ‬
‫صنجة بعنيها ُ‬
‫غير معروفين عند العامة لم يجز ؛ ألنه ال َ‬
‫الس َلم في ِم ْثل ذلك))(‪.)1‬‬
‫فأشبه َ‬
‫ونالحظ مما سبق ذكره عن اشتراط معلومية محل القرض لدى الفقهاء أنها تتضمن شقين ‪-:‬‬
‫ُ‬
‫‪ ‬الشق األول هو أن تكون ذات قدر معين‬
‫‪ ‬الشق الثاني هو أن تكون ذات صفة محددة‬
‫يصح اإلقراض‬
‫ففي حالة عدم وجود أي من األمرين يصبح عقد القرض غير جائز ‪ ،‬وال ٌ‬
‫بتلك الحالة ‪ ،‬الن احد شروطها األساسية والذي نص عليه الفقهاء مفقود ‪ ،‬والدافع هو حتى يتمكن‬
‫للمقرض ‪ ،‬وعلى ذلك اتفق الفقهاء كما بينا وال خالف بينهم فيه ‪.‬‬
‫المقترض من رد البدل المماثل ُ‬
‫ُ‬
‫المغني ‪ ،‬المقدسي ‪ ،‬ج‪.352،351/ 4‬‬
‫)‪ُ ( 1‬‬
‫‪37‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫توثيق القرض الحسن‬
‫شرع اإلسـالم أمو اًر صانت العقود من التحريف وحفظت الحقوق من الجحود فصـارت‬
‫المعامالت أكثر نشاطاً ‪ ،‬فكانت وسائل التوثيق على النحو التالي ‪:‬‬
‫‪ -1‬الكتابة ‪:‬‬
‫الكتابة هي من أهم الوسائل لحفظ المعلومات من الضياع أو التحريف ‪ ،‬وقد استخدمها‬
‫اإلنسان عبر التاريخ فهي قديمة بقدمه ‪ .‬وجاء القرآن فأعلى من شان الكتابة ‪ ،‬فكان أول اآليات‬
‫نزوالً ‪ ﴿ :‬ا ْق َْأر َوَرب َك ْاأل َْك َرُم هالِذي َعهل َم ِباْلَقَل ِم﴾]العلق ‪ :‬اآلية‪. ]3،4‬‬
‫وأوصانا بكتابة الديون المترتبة على المعامالت وذلك حفظاً للحق من الضياع ‪ ،‬فقال‬
‫هِ‬
‫ين ءامُنوا ِإ َذا تََداي ْنتُم ِب َدي ٍن ِإَلى أ ٍ‬
‫َ ْ ْ‬
‫َ‬
‫َجل ُم َس ًّمى َفا ْكتُُبوهُ‬
‫سبحانه في أطول آية في القرآن ‪َ ﴿ :‬ياأَي َها الذ َ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫َّللاُ َفْل َي ْكتُ ْب َوْلُي ْملِ ِل الهِذي َعَل ْي ِه اْل َحق‬
‫َن َي ْكتُ َب َك َما َعهل َم ُه ه‬
‫ْب َكات ٌب أ ْ‬
‫َوْل َي ْكتُ ْب َب ْي َن ُك ْم َكات ٌب باْل َع ْدل َوالّ َيأ َ‬
‫ِ‬
‫َّللا ربهه والّ يبخس ِم ْنه َشيًئا َفِإن َكان هالِذي عَلي ِه اْلحق س ِفيها أَو ِ‬
‫َن ُي ِم هل‬
‫يع أ ْ‬
‫َْ َ َ ً ْ َ‬
‫ُ ْ ْ َ‬
‫َوْل َيته ِق ه َ َ ُ َ َ ْ َ ْ‬
‫ضع ًيفا أ َْو الّ َي ْستَط ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ام َأرَتَ ِ‬
‫ان ِم هم ْن‬
‫استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن م ْن ِر َجالِ ُك ْم َفِإ ْن َل ْم َي ُك َ‬
‫ونا َرُجَل ْي ِن َف َرُج ٌل َو ْ‬
‫ُه َو َفْلُي ْمل ْل َولِي ُه باْل َع ْدل َو ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء ِإ َذا َما ُد ُعوا َوالّ‬
‫اه َما ْاأل ْ‬
‫ض ْو َن م َن الش َه َداء أ ْ‬
‫تَ ْر َ‬
‫اه َما َفتُ َذ ّك َر ِإ ْح َد ُ‬
‫َن تَض هل ِإ ْح َد ُ‬
‫ُخ َرى َوال َيأ َ‬
‫ْب الش َه َد ُ‬
‫َّللاِ وأَْقوم لِ ه ِ‬
‫ير ِإَلى أَجلِ ِه َذلِ ُكم أَْقس ُ ِ‬
‫ه‬
‫ه‬
‫َن‬
‫ير أ َْو َكِب ًا‬
‫ص ِغ ًا‬
‫لش َه َادة َوأ َْد َنى أَال تَ ْرتَ ُابوا ِإال أ ْ‬
‫َموا أ ْ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َن تَ ْكتُُبوهُ َ‬
‫تَ ْسأ ُ‬
‫ط ع ْن َد ه َ َ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه‬
‫ض هار‬
‫وها َوأ ْ‬
‫تَ ُكو َن ت َج َارًة َحاض َرًة تُد ُير َ‬
‫َش ِهُدوا ِإ َذا تََبا َي ْعتُ ْم َوال ُي َ‬
‫اح أَال تَ ْكتُُب َ‬
‫ون َها َب ْي َن ُك ْم َفَل ْي َس َعَل ْي ُك ْم ُج َن ٌ‬
‫ٍ ِ‬
‫ِ‬
‫َّللا و ه ِ ِ‬
‫يم ﴾]البقرة ‪:‬‬
‫َك ِات ٌب َوال َش ِه ٌيد َواِ ْن تَْف َعُلوا َفِإهن ُه ُف ُسو ٌق ِب ُك ْم َواتهُقوا ه‬
‫َّللاُ ب ُك ّل َش ْيء َعل ٌ‬
‫َّللاَ َوُي َعّل ُم ُك ُم ه ُ َ‬
‫اآلية‪. ]282‬‬
‫‪38‬‬
‫وحثت السنة النبوية الشريفة على كتابة الوصية تبياناً للحقوق المتعلقة بذمة المسلم ‪ ،‬فعن‬
‫وصي ِف ِ‬
‫عبد هللا بن عمر رضي هللا عنهما أن رسول هللا ‪ ‬قال‪ ]:‬ما حق ام ِرٍئ مسلِ ٍم َله َشيء ي ِ‬
‫يه‬
‫َ َ ْ ُْ ُ ْ ٌ ُ‬
‫ِ‬
‫وب ٌة ِع ْن َدهُ](‪.)1‬‬
‫َيِب ُ‬
‫يت َلْيَلتَْي ِن ِإال َوَوصيهتُ ُه َم ْكتُ َ‬
‫مشروعية الكتابة وحجتها ‪:‬‬
‫اتفق العلماء الذين يعتد برأيهم على مشروعية الكتابة كوسيلة من وسائل اإلثبات لكثرة‬
‫النصوص وصراحتها ‪ ،‬ولكن اختلفوا بعد ذلك في التفاصيل ‪ .‬هل اآلية " فاكتبوه " للوجوب و‬
‫الفرضية أم للندب واإلرشـاد ؟ وهل الحجة بالكتابة المقرونة باإلشهاد أم الخالية منه ؟‬
‫على كل حال فإن الكتابة إذا استجمعت األمور التي ذكرتها اآلية فهي حجة بال ريب ‪:‬‬
‫(وْل َي ْكتُ ْب َب ْي َن ُك ْم َك ِات ٌب ِباْل َع ْد ِل )‪.‬‬
‫‪ .1‬أن يكون الكاتب عدالً معتمداً َ‬
‫استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن ِم ْن ِر َجالِ ُك ْم ) ‪.‬‬
‫(و ْ‬
‫‪ .2‬توثيق الكتابة باإلشهاد َ‬
‫‪ .3‬أن تحتوي الوثيقة اعتراف من عليه الحق بذلـك الحق ( َفْل َي ْكــتُ ْب َوْلُي ْملِ ِل هالِذي‬
‫هه َوالّ َي ْب َخ ْس ِم ْن ُه َش ْيًئا )‪.‬‬
‫َعَل ْي ِه اْل َحق َوْل َيته ِق ه‬
‫َّللاَ َرب ُ‬
‫‪ .4‬أن تحوي الوثيقة تفاصيل العقد (وال تَسأَموا أَن تَ ْكتُبوه ِ‬
‫ير أَو َكِب ا ِ‬
‫َجلِ ِه‬
‫ير إَلى أ َ‬
‫صغ ًا ْ ً‬
‫َ ْ ُ ْ ُُ َ‬
‫)‪.‬‬
‫(واذا أردنا اختصار المعنى فنقول ‪ :‬إن اآلية الكريمة أمرت بكتابة الدين لدى كاتب موثوق‬
‫معتمد ‪ ،‬مع توثيق الكتابة باإلشهاد عليها ‪ ،‬وهذا هو السند العادي أو العقد الرسمي الذي يستعمل‬
‫اليوم في أنحاء العالم ‪ ،‬وانتشر استعماله في كل األمور ومن كل األشخاص ‪ ،‬ويعتبر سنداً في‬
‫الدين ‪ ،‬حجة في القضاء ‪ ،‬يلزم صاحبه ‪ ،‬ويلزم القاضي بالحكم به ‪ ،‬مالم يثبت تزويره أو‬
‫تغييره)(‪.)2‬‬
‫)‪ (1‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب الوصايا ‪ ،‬باب الوصايا ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2738‬ص‪.452،451‬‬
‫)‪ (2‬أصول المحاكمات الشرعية والمدنية ‪ ،‬محمد مصطفى الزحيلي ‪ ،‬منشورات جامعة دمشق ‪ 1993 ،‬م ‪ ،‬ص‪.22‬‬
‫‪39‬‬
‫أنواع الكتـابة ‪:‬‬
‫للكتابة أنواع كثيرة ذكرها الفقهاء(‪ ،)1‬وقبلوا االحتجاج بها أمام القضاء ‪ ،‬وسنقوم بذكر أهمها‪:‬‬
‫‪ .1‬البراءات السلطانية ‪ :‬هي األوامر الكتابية التي تصدر عن الحاكم ‪ ،‬وتكون ممهورة بخاتم‬
‫الدولة ‪ ،‬وموقعة من ُمصدرها ‪ ،‬وهي حجة أمام القاضي ؛ ألنها تصدر عن الحاكم ‪،‬‬
‫وخاتم الدولة يصعب تقليده ‪ ،‬ويقوم جمع غفير بنقلها ‪ ،‬وألنها تسجل وتحفظ ‪ ،‬فاألمن من‬
‫التزوير مقطوع به ‪ ،‬وتشبه في أيامنا هذه المراسيم الجمهورية أو الق اررات الو ازرية ‪.‬‬
‫‪ .2‬كتاب القاضي إلى القاضي ‪ :‬وهو أن يكتب القاضي ما يسمعه من الشهادة ‪ ،‬أو ما يقضي‬
‫به ويرسله لقاض آخر ليعمل به ‪ .‬ويسمى الكتاب الحكمي ‪ .‬وقد أجمع العلماء على العمل‬
‫به فيما يتعلق باألمور المالية ‪.‬‬
‫‪ .3‬ديوان القاضي ‪( :‬وهو الخرائط التي فيها السجالت وغيرها ألنها وضعت فيها لتكون‬
‫حجة)(‪ ،)2‬وتسمى المحضر أو السجل ‪ ،‬ويحفظهـا القاضي تحت يده أو عند أمنائه ‪ ،‬و‬
‫اء كان بخط القاضي نفسه أم قاض سابق ‪،‬‬
‫هي حجـة يجب العمل بها باتفـاق الفقهاء ‪ ،‬سو ٌ‬
‫ولكن بشرط أن يكون موثّقاً (‪ .)3‬ويماثله في الحكم كل نص محرر صادر عن موظف‬
‫رسمي إذا كان مضبوطاً بالقاعدة المالزمة لذلك كالتسجيل في الدائرة الحكومية الصادر‬
‫عنها وممهو اًر وموقعاً من كاتبها ‪.‬‬
‫‪ .4‬الكتابة التي تتضمن الشهادة أو اإلقرار ‪ :‬وتتضمن الوثيقة اعتراف الكاتب بالـحق على‬
‫نفسه أو بشهادتـه ‪ ،‬واشترط العلماء لقبولها اعتراف الكاتب بخطه ‪.‬‬
‫)‪ (1‬رد المحتار على الدر المختار ‪ ،‬ج‪ ،413/ 4‬ج‪. ، 89/ 7‬المبدع في شرح المقنع ‪ ،‬ابن المفلح ‪ ،‬المكتب اإلسالمي ‪ ،‬دمشق ‪ ، 1980 ،‬ج ‪ ،10‬ص‪ ، 103‬فتح القدير ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬ج‪.286/ 7‬‬
‫)‪ (2‬الهداية شرح بداية المبتدي ‪ ،‬المرغياني ‪ ،‬المكتبة اإلسالمية ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ج‪.102/ 3‬‬
‫)‪ )3‬البحر الرائق شرح كنز الدقائق ‪ ،‬ابن نجيم ‪ ،‬دار الكتب العربية الكبرى ‪ ،‬مصر ‪1333 ،‬هـ ‪،‬ج‪ ،6‬ص‪. 299‬‬
‫‪40‬‬
‫‪ .5‬دفاتر البياع أو السمسار ‪ :‬فما وجد في دفاترهم يكون حجة عليهم وليس حجة على غيرهم‬
‫‪ ،‬ويجب العمل بما فيها صيانة لحقوق العباد‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ .6‬الرسـائل ‪ :‬وقد اتفق الفقهاء على حجية الرسائل في اإلثبات بين الغائبين ‪ ،‬وصرحوا‬
‫بالقاعدة الفقهية المشهورة‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪" :‬الكتاب بين الغائبين ‪ ،‬كالخطاب بين الحاضرين" ‪ ،‬يقول‬
‫صاحب البحر الرائق ‪( :‬وهو أن يكتب في صدره من فالن بن فالن على ما جرت به‬
‫العادة في سير الكتب فيكون هذا كالنطق فيلزم حجة)(‪.)3‬‬
‫‪ .7‬صكوك العقـود ‪ :‬وهي األوراق التي تدون فيها العقود مع التوقيع واإلشهاد ‪ ،‬وتذكر فيه‬
‫الشروط وتفاصيل العقد ‪ ،‬ومتى ثبت الكتاب أمام القاضي صار حجة لصاحب الحق بال‬
‫خالف عند الفقهاء ‪.‬‬
‫ومن كل ذلك نرى أن الكتابة منها ما يكون صاد اًر عن جهة رسمية كالقضاء ومثله الق اررات‬
‫الو ازرية والمراسيم الجمهورية وأشباهها من الوثائق التي تحمل خاتم الدولة ؛ تكون حجة أمام‬
‫القضاء ‪.‬‬
‫ومنها ما يكون موثقاً بالشهادة كالصكوك ـ وهذه تقبل أمام القضاء إلثبات الحق لصاحبها‬
‫ـ ومنها ما يكون غير موثق بالشهادة أو بخاتم الدولة وانما تكون بخط صاحبها فهي حجة عليه‬
‫وليس له ‪ ،‬كدفاتر التجار والرسائل و االعتراف المدون على وثيقة ‪.‬‬
‫كل هذه طرق لحفظ الحقوق المالية ـ ومن أهمها القرض ـ من الضياع و الجحود والنكران ‪.‬‬
‫وأفضل طريقة هي ما أمرت به اآلية القرآنية من تدوين العقد وتوثيقه بالشهادة على يد كاتب بالعدل‬
‫‪ ،‬الذي يطلق عليه اآلن نفس التسمية القرآنية ( أي التوثيق عند كاتب العدل )‪.‬‬
‫)‪ (1‬مجلة األحكام العدلية ‪ ،‬جمعية المجلة ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬نجيب هواويني ‪ ،‬طبعة كارخانة تجارت كتب ‪ ،‬ص‪.318‬‬
‫)‪ (2‬مجلة األحكام العدلية ‪ ،‬جمعية المجلة ‪ ،‬ص‪.24‬‬
‫)‪ (3‬البحر الرائق ‪ ،‬ابن نجيم ‪ ،‬ج‪. 544/ 8‬‬
‫‪41‬‬
‫‪ -2‬اإلشهاد‪:‬‬
‫الشهادة هي طريقة أخرى لتوثيق الدين وحفظه من الضياع ‪ ،‬لذلك جعل هللا سبحانه‬
‫الشهادة حقاً له فقال ‪﴿ :‬وأ َِقيموا ه‬
‫الش َه َاد َة ِهلِلِ﴾[ الطالق ‪ :‬اآلية‪ ،]2‬وحث عز وجل عليها حفظاً‬
‫َ ُ‬
‫ه‬
‫ونا َرُجَل ْي ِن‬
‫استَ ْش ِهُدوْا َش ِه َيد ْي ِن من ِّر َجالِ ُك ْم َفِإن ل ْم َي ُك َ‬
‫للحقوق من الضياع و دفعاً للتنازع فقال ‪َ ﴿ :‬و ْ‬
‫ِ‬
‫َفرجل وام أرَتَ ِ ِ‬
‫ْب‬
‫ان م همن تَ ْر َ‬
‫ض ْو َن م َن الش َه َداء﴾[البقرة ‪ :‬اآلية‪ ، ]282‬وقال في نفس اآلية ‪َ ﴿ :‬والَ َيأ َ‬
‫َ ُ ٌ َ َْ‬
‫َش ِهُد ْوْا ِإ َذا تََب َاي ْعتُ ْم﴾ ‪ ،‬وقال تعالى ‪َ ﴿ :‬والَ تَ ْكتُ ُموْا‬
‫الش َه َداء ِإ َذا َما ُد ُعوْا﴾ ‪ ،‬وذكر هللا فيها قوله‪َ ﴿ :‬وأ ْ‬
‫ِ‬
‫ه‬
‫الشه َاد َة ومن َي ْكتُمها َفِإهن ُه ِآثم َقْلُب ُه و ّ ِ‬
‫يم﴾[البقرة ‪ :‬اآلية‪ ، ]283‬وقال تعالى‪َ﴿:‬فِإ َذا‬
‫َّللاُ ب َما تَ ْع َمُلو َن َعل ٌ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫َ ََ‬
‫َش ِهُدوا‬
‫الِلِ َح ِس ًيبا﴾[النساء ‪ :‬اآلية‪ ،]6‬وقال تعالى ‪َ ﴿ :‬وأ ْ‬
‫َدَف ْعتُ ْم ِإَل ْي ِه ْم أ َْم َواَل ُه ْم َفأ ْ‬
‫َش ِهُدوْا َعَل ْي ِه ْم َوَكَفى ِب ّ‬
‫نك ْم ﴾[الطالق ‪ :‬اآلية‪.]2‬‬
‫َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ‬
‫ِ‬
‫القاطع ‪ ،‬والبينة ‪،‬‬
‫الخ ُبر‬
‫والشهادة في اللغة ‪ :‬أن يخبر بما رأى ‪ ،‬وأن ُيقر بما علم ‪ ،‬و َ‬
‫ُ‬
‫ومجموع ما يدرك به الحس(‪.)1‬أما اإلشهاد فهو الحضور والمعاينة مأخوذ من المشاهدة(‪.)2‬‬
‫حكم اإلشهاد ‪ :‬ندب الشرع اإلشهاد وحض عليه ‪ .‬نصاب الشهادة ‪َ :‬ي ْثُب ُت الحق أمام‬
‫القضاء بشهادة رجلين قد استوفيا شروط الشهادة ‪.‬‬
‫قال اإلمام القرافي ‪ (:‬ما علمت عندنا وال عند غيرنا خالفاً في قبول شهادة مسلمين عدلين‬
‫(‪)3‬‬
‫نك ْم﴾‪ .‬وينوب‬
‫في الدماء والديون ) ؛ وذلك اعتماداً على اآلية القرآنية ‪َ ﴿ :‬وأ ْ‬
‫َش ِهُدوا َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ‬
‫عنها شهادة رجل وامرأتين ‪ ،‬وذلك على الخيار بين الحالتين ‪ ،‬فال يشترط وجود مانع لمشاركة‬
‫النساء بدل الرجلين ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ ﴿:‬فِإن َلم ي ُكونا رجَلي ِن َفرجل وام أرَتَ ِ ِ‬
‫ض ْو َن ِم َن الش َه َد ِاء‬
‫ان م هم ْن تَ ْر َ‬
‫ْ ْ َ َ َ ُ ْ َ ٌ َ َْ‬
‫أ ِ‬
‫ِ‬
‫اء ِإ َذا َما ُد ُعوا﴾‪.‬‬
‫اه َما ْاأل ْ‬
‫ْ‬
‫اه َما َفتُ َذ ّك َر ِإ ْح َد ُ‬
‫َن تَض هل ِإ ْح َد ُ‬
‫ُخ َرى َوال َيأ َ‬
‫ْب الش َه َد ُ‬
‫)‪ )1‬القاموس الفقهي ‪ ،‬سعدي أبو الجيب ‪ ،‬ص‪.203‬‬
‫)‪ )2‬رد المحتار ‪ ،‬ج‪.461/ 5‬كشاف القناع ‪ ،‬البهوتي ‪،‬ج‪ ، 404/ 6‬مغني المحتاج ‪ ،‬الشربيني ‪ ،‬ج‪. 426/ 4‬حاشية الدسوقي ‪ ،‬عرفة الدسوقي‪ ،‬تحقيق ‪ :‬محمد عليش ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬ج‪ ، 4‬ص‪، 164‬‬
‫)‪ )3‬أنوار البروق في أنواع الفروق ‪ ،‬القرافي ‪ ،‬دار إحياء الكتب العربية ‪ ،‬مصر ‪1344 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 4‬ص ‪. 86‬‬
‫‪42‬‬
‫عادة عن العقود والمعامالت في المجتمع اإلسالمي‬
‫ونابت المرأتان عن الرجل لبعد النساء‬
‫ً‬
‫‪ ،‬فكانت عرضة للنسيان‪.‬‬
‫( ‪)1‬‬
‫شروط الشهود‬
‫‪ :‬يجب على من يريد اإلشهاد لحفظ حقه من الضياع أو الجحود أن‬
‫يتحرى توفر الشروط التالية في الشهود لتكون شهادتهم صحيح ًة مقبولة عند القاضي ‪:‬‬
‫استَ ْش ِهُدوا َش ِه َيد ْي ِن ِم ْن ِر َجالِ ُك ْم ﴾ وألن في الشهادة والي ًة على المشهود‪.‬‬
‫‪ .1‬اإلسـالم ‪َ ﴿ :‬و ْ‬
‫‪ .2‬العقل والبلوغ ‪ :‬وهما سبب في تحري الصواب و الحق ‪ ،‬والصبي والمجنون ال يدركان‬
‫عواقب الكذب ‪ ،‬كما أنه ال مسؤولية عليهما‪.‬‬
‫‪ .3‬البصر والتيقظ ‪ :‬أن يكون متيقظاً حافظاً لما يشهد به فإن كان مغفال أو معروفا بكثرة‬
‫الغلط لم تقبل شهادته ‪.‬‬
‫‪ .4‬العلم بالمشهود به ‪ :‬أي أن يشاهد بعينه و يكون حاض اًر للعقد ؛ لهذا ال يصح أن يشهد‬
‫على ظنه و إنما يشهد على يقين ‪ ،‬فعن ابن عباس‪ ، ‬قال ‪ :‬سئل النبي ‪ ‬عن الشهادة ‪،‬‬
‫قال ‪[ :‬هل ترى الشمس ؟ » قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬على مثلها فاشهد أو دع](‪.)2‬‬
‫نك ْم﴾ ‪( ،‬وجملته أن ال َع ْد َل هو الذي تعتدل أحواله في دينه‬
‫‪ .5‬العدالة ‪َ ﴿ :‬وأ ْ‬
‫َش ِهُدوا َذ َو ْي َع ْد ٍل ِّم ُ‬
‫وأفعاله قال القاضي يكون ذلك في الدين والمروءة واألحكام أما الدين فال يرتكب كبيرة وال‬
‫(‪)3‬‬
‫هِ‬
‫اءكم َف ِ‬
‫ِ‬
‫اس ٌق ِب َن َبأ َفتََبيُهنوا‬
‫يداوم على صغيرة) ‪ ،‬قال عز وجل ‪َ ﴿ :‬يا أَي َها الذ َ‬
‫آمُنوا إن َج ُ ْ‬
‫ين َ‬
‫ِ ٍ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ين﴾[الحجرات‪ :‬اآلية‪ ، ]6‬والفاسق ال‬
‫صِب ُحوا َعَلى َما َف َعْلتُ ْم َنادم َ‬
‫أَن تُص ُيبوا َق ْو ًما ب َج َهاَلة َفتُ ْ‬
‫يتورع عن شهادة الزور والقول الباطل ‪.‬‬
‫)‪ (1‬المغني ‪ ،‬بن قدامة المقدسي ‪ ،‬ج‪166/ 10‬‬
‫)‪ (2‬شعب اإليمان ‪ ،‬البيهقي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬باب فيما يقول العاطس ‪ ،‬ج‪ ، 22‬ص‪363‬‬
‫)‪) 3‬المغني ‪ ،‬ابن قدامة المقدسي ‪ ،‬ج‪. 169/ 10‬‬
‫‪43‬‬
‫هِ‬
‫ين َي ْرُمو َن‬
‫‪ .6‬أال يكون محدوداً بقذف ‪ :‬وذلك لقوله تعالى عن الذين يقذفون بغير بينة ‪َ ﴿:‬والذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اْلمحصن ِ‬
‫ات ثُ هم َلم يأْتُوا ِبأَربع ِة ُشهداء َف ِ‬
‫ك‬
‫ُْ ََ‬
‫ََْ ََ‬
‫وه ْم ثَ َمان َ‬
‫ين َجْل َد ًة َوَال تَْقَبلُوا َل ُه ْم َش َه َاد ًة أ ََبًدا َوأ ُْوَلئ َ‬
‫اجلُد ُ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫هم اْلَف ِ‬
‫اسُقو َن﴾[النور‪ :‬اآلية‪ .]4‬ومن ال يتورع عن الوقوع في أعراض الناس ال يتورع عن‬
‫ُُ‬
‫التعدي على أموالهم وأماناتهم ‪.‬‬
‫‪ .7‬أال يكون متهماً بقرابة ‪ :‬كاألصول من مثل األب و الجد واألم ‪ ،‬والفروع كاالبن أو كل‬
‫من الزوجين لألخر ‪ .‬أو شهادة أحد الشريكين لآلخر أو متهماً بخصومة‪.‬‬
‫‪ -3‬الكفالة‬
‫( ‪)1‬‬
‫الكفالـة في اللغة ‪ :‬هي الضمن والضمان ‪ ،‬والكفيل ‪ :‬الكافل والضامن‬
‫‪ ،‬ومعناها في‬
‫الشرع كما قال األحناف ‪ :‬هي ( ضم ذمة الكفيل إلى ذمة األصيل في المطالبة )(‪ .)2‬وعند‬
‫الشافعية ‪ ( :‬االلتزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونه)(‪.)3‬‬
‫مشروعيتها ‪:‬‬
‫ثبتت مشروعية الكفالة بالمال في القرآن والسنة وأجمعت عليها األمة ‪.‬‬
‫في القرآن ‪:‬‬
‫‪‬‬
‫ال َل ْن أ ُْرِسَل ُه َم َع ُك ْم َحتهى‬
‫قال هللا تعالى مخب اًر على لسان نبيه يعقوب أنه قال لبنيه ‪َ ﴿:‬ق َ‬
‫ِ‬
‫َّللاِ َلتَأْتُهنِني ِب ِه ِإاله أَن ُيحا َ ِ‬
‫ِ‬
‫ول‬
‫ال ّ‬
‫تُ ْؤتُو ِن َم ْوِثًقا ّم َن ّ‬
‫َ‬
‫َّللاُ َعَلى َما َنُق ُ‬
‫ط ب ُك ْم َفَل هما آتَ ْوهُ َم ْوثَق ُه ْم َق َ‬
‫ِ‬
‫يل﴾[يوسف ‪ :‬اآلية‪. ]66‬‬
‫َوك ٌ‬
‫)‪ (1‬القاموس الفقهي ‪ ،‬سعدي أبو الجيب ‪ ،‬ص‪.333‬‬
‫)‪ (2‬رد المحتار على الدر المختار ‪ ،‬ج‪. 282 / 5‬‬
‫)‪ (3‬مغني المحتاج ج‪.198 / 2‬‬
‫‪44‬‬
‫‪‬‬
‫ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫اع اْلملِ ِك ولِمن َجاء ِب ِه ِح ْم ُل َب ِع ٍ‬
‫يم﴾[يوسف ‪:‬‬
‫ير َوأ ََن ْا به َزع ٌ‬
‫ص َو َ َ َ َ‬
‫قال عز وجل ‪َ ﴿ :‬قاُلوْا َنْفقُد ُ‬
‫اآلية‪ ، ]72‬ومعنى (زعيم ‪ :‬ضامن) ‪ .‬وهذا استدالل يتفق مع قول من قال أن شرع من‬
‫قبلنا َش ْرعٌ لنا ‪.‬‬
‫في السنة ‪:‬‬
‫ازة لِي ِ‬
‫ِ ِ ٍ‬
‫ال ‪َ [ :‬ه ْل َعَل ْي ِه ِم ْن َد ْي ٍن؟]‬
‫صّل َي َعَل ْي َها َفَق َ‬
‫‪ ‬عن سلمة بن األكوع ‪‬أن النبي ‪ ‬أُت َي ب َج َن َ ُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ‪َ [ :‬ه ْل َعَل ْي ِه ِم ْن َد ْي ٍن؟] َقاُلوا ‪َ :‬ن َع ْم ‪،‬‬
‫صهلى َعَل ْيه ‪ ،‬ثُ هم أُت َي ِب َج َن َازٍة أ ْ‬
‫ُخ َرى َفَق َ‬
‫َفَقاُلوا ‪ :‬ال ‪َ ،‬ف َ‬
‫احِبكم] ‪َ .‬قال أَبو َقتادة ‪ :‬عَلي دينه يا رسول ه ِ‬
‫ِ‬
‫صهلى َعَل ْي ِه )(‪.)1‬‬
‫َ ُ َ َ َ َ ه َ ُْ ُ َ َ ُ َ‬
‫َق َ‬
‫ص ُْ‬
‫َّللا ‪َ ،‬ف َ‬
‫صلوا َعَلى َ‬
‫ال ‪َ [ :‬‬
‫أما اإلجماع ‪:‬‬
‫‪ ‬فقد ورد في المغني ‪( :‬أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة وانما اختلفوا في‬
‫فروع)(‪ .)2‬وفي مشروعيتها من الحكمة ما ال يخفى على المتأمل ؛ من سد حاجة كبيرة‬
‫للناس في استقرار معامالتهم بتوثيقها ‪ ،‬وزيادة حركة العقود في السوق بزيادة إقدام‬
‫المتعاقدين على عقودهم ‪.‬‬
‫أركان الكفالة ‪:‬‬
‫‪.1‬‬
‫الكفيل ‪ :‬وهو الضامن الذي يلتزم بأداء الحق ‪ ،‬ويشترط له أهلية التبرع بأن يكون بالغاً عاقالً‬
‫رشيداً‪.‬‬
‫‪.2‬‬
‫المكفول له ‪ :‬وهو الطرف الذي يستحق الدين ‪ ،‬واشترط أكثر العلماء معرفته للكفيل ‪.‬‬
‫‪.3‬‬
‫المكفول عنه ‪ :‬أي المدين وهو األصيل الذي يلزمه دفع الدين ‪.‬واشترط األحناف معرفته‬
‫للكفيل بخالف الشافعية الذين قالوا بجواز كفالة المجهول ولكنهم شرطوا أن يكون مديناً ‪.‬‬
‫)‪ )1‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب الكفالة ‪ ،‬باب من تكفل عن ميت ديناً فليس له أن يرجع ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2295‬ص‪.367،366‬‬
‫)‪ )2‬المغني ‪ ،‬ابن قدامة المقدسي ‪ ،‬ج ‪.344 / 4‬‬
‫‪45‬‬
‫‪.4‬‬
‫المكفول به ‪ :‬وهو ما وقع عليه الضمان من عين أو دين ‪ .‬و اتفق الفقهاء على أن يكون‬
‫الدين الزماً أو آيالً للزوم ‪ ،‬وأن يكون الحق قابالً للتبرع ‪ .‬واختلفوا في معلوميته ‪ ،‬أو أن‬
‫يكون ثابتاً حال العقد‪.‬‬
‫‪.5‬‬
‫الصيغة ‪ :‬وهي اإليجاب والقبول بلفظ ملزم من كال الطرفين ‪ ،‬واكتفى بعض العلماء‬
‫باإليجاب من الكفيل وحده من غير حاجة للقبول‪.‬‬
‫أحكام متفرقة‬
‫‪ o‬ال تب أر ذمة المكفول عنه بمجرد الكفالة ويحق للدائن أن يطالب كال الطرفين ‪.‬‬
‫‪ o‬إذا أب أر الدائن ذمة الكفيل من الدين ال تب أر ذمة األصيل ‪ .‬و يحق له مطالبته بالدين ‪،‬‬
‫واذا أب أر األصيل من الدين برأت ذمة الكفيل ‪.‬‬
‫‪ -4‬الرهن ‪:‬‬
‫الرهن من أهم وسائل حفظ حق المقرض في االستيفاء ‪ ،‬وذلك ببيع العين المرهونة ‪،‬‬
‫ِ‬
‫مخاطر عدم عودة المال الذي قام بإقراضه إلى‬
‫وحصوله على كامل حقوقه من دون أن يقع في‬
‫المقترض ‪.‬‬
‫الرهن في اللغة ‪ :‬الحبس(‪ ،)1‬قال ابن فارس ‪ :‬أصل يدل على ثبات شيء ُيمسك بحق أو غيره(‪.)2‬‬
‫وفي الشرع ‪( :‬جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون)(‪.)3‬‬
‫مشروعية الرهن ‪:‬‬
‫في القرآن ‪:‬‬
‫)‪ )1‬القاموس الفقي ‪ ،‬سعدي أبو الجيب ‪ ،‬ص‪.154‬‬
‫)‪ )2‬معجم المصطلحات االقتصادية ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬ص‪.184‬‬
‫)‪ )3‬الهداية شرح بداية المهتدي ‪ ،‬ج‪. 126 / 4‬‬
‫‪46‬‬
‫ِ‬
‫وض ٌة﴾[البقرة‪ :‬اآلية ‪.]283‬‬
‫‪ ‬قوله تعالى ‪َ ﴿ :‬واِ ْن ُك ْنتُ ْم َعَلى َسَف ٍر َوَل ْم تَ ِجُدوا َكاتًبا َف ِرَه ٌ‬
‫ان َمْقُب َ‬
‫‪ ‬وقوله تعالى ‪ُ ﴿ :‬كل َنْف ٍ‬
‫س ِب َما َك َس َب ْت َرِه َين ٌة ﴾[المدثر ‪ :‬اآلية ‪ . ]38‬أي ‪ :‬محبوسة وملزمة‬
‫بما اكتسبته في الحياة الدنيا ‪.‬‬
‫ومن السنة أحاديث كثيرة منها ‪:‬‬
‫طع ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َج ٍل َوَرَه َن ُه ِد ْرًعا‬
‫‪ ‬عن عائشة رضي هللا عنها ‪ [ :‬أن النبي‪ْ ‬‬
‫اما م ْن َي ُهود ٍّي إَلى أ َ‬
‫اشتَ َرى َ َ ً‬
‫ِم ْن َحِد ٍيد](‪.)1‬‬
‫هِ‬
‫َّللاُ َعَل ْي ِه وسهلم ِد ْرَع ُه ِب َش ِع ٍ‬
‫ير]‬
‫صهلى ه‬
‫‪ ‬وعن أنس ‪ ‬قال ‪َ [:‬وَلَق ْد َرَه َن النبي َ‬
‫ََ َ‬
‫(‪)2‬‬
‫ِِ‬
‫ه‬
‫ونا ‪َ ،‬وَل َب ُن‬
‫ان َم ْرُه ً‬
‫‪ ‬وعن أبي هريرة ‪ ‬قال ‪ :‬قال رسول هللا ‪ [: ‬الظ ْه ُر ُي ْرَك ُب ِب َنَفَقته ِإ َذا َك َ‬
‫ِِ‬
‫ونا ‪َ .‬و َعَلى هالِذي َي ْرَك ُب َوَي ْش َر ُب الهنَفَق ُة](‪.)3‬‬
‫ان َم ْرُه ً‬
‫الهد ِّر ُي ْش َر ُب ِب َنَفَقته ِإ َذا َك َ‬
‫وأما إجماع األمة فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن(‪ .)4‬واتفق الفقهاء على أن الرهن‬
‫وض ٌة﴾ فهو‬
‫من األمور الجائزة وليست من الواجبة على المتعاقدين ‪ ،‬وأما نص اآلية ﴿َف ِرَه ٌ‬
‫ان َمْقُب َ‬
‫لإلرشاد وليس لإللزام ‪ ،‬وذلك مبين في قوله تعالى ‪﴿ :‬فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن‬
‫أمانته﴾[البقرة‪ :‬اآلية ‪. ]283‬‬
‫أركان عقد الرهن(عند الجمهور)(‪:)5‬‬
‫)‪ (1‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب شراء النبي ‪ ‬بالنسيئة ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2068‬ص‪.332‬‬
‫)‪ )2‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب في الرهن في الحضر‪ ،‬باب في الرهن في الحضر ‪ ،‬حديث رقم ( ‪ ، )2508‬ص‪.405‬‬
‫)‪ )3‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب في الرهن في الحضر ‪ ،‬باب الرهن مركوب ومحلوب ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2512‬ص‪.406‬‬
‫البهوتي ‪ ،‬ج‪.321/3‬‬
‫)‪ )4‬كشاف القناع عن متن اإلقناع ‪ُ ،‬‬
‫)‪ )5‬المعامالت المالية المعاصرة ‪ ،‬وهبة الزحيلي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ، 2006 ،‬ص‪.82‬‬
‫‪47‬‬
‫‪ .1‬العاقـد ‪ :‬والمقصود به كل من الراهن والمرتهن ‪ ،‬ويشترط في كل منهما أن يكون مكلفاً‬
‫بالغاً عاقالً ‪ .‬وأن يكون غير مكره ‪ .‬وأن يكون من أهل التبرع ؛ فال يصح رهن المحجور‬
‫عليه ‪.‬‬
‫‪ .2‬الصيغة ‪ :‬ال يصح إال باإليجاب والقبول كما قرر جمهور العلماء ‪.‬‬
‫‪ .3‬المرهون ‪ :‬أهم شروطه عند الجمهور هي أن يكون عيناً قابالً للبيع بتقومه وتملكه ‪.‬‬
‫‪ .4‬المرهون به ‪ :‬ويشترط أن يكون ديناً أو عيناً مضمونة بنفسها ‪.‬‬
‫أحكام الرهن الصحيح(‪:)1‬‬
‫ِ‬
‫العين المرهونة بنفسه أو بغيره ‪ ،‬و َم ْن َع المالك من‬
‫إذا ثبت الرهن استحق الدائن َح ْب َس‬
‫عجز المدين عن إيفاء كامل الدين ِب ْي َع الرهن بإذن‬
‫التصرف بها إلى حين استيفاء الحق ‪ .‬فإن َ‬
‫المدين أو بإذن القاضي ‪ ،‬وأخذ الدائن حقه كامالً ‪ ،‬ورد الباقي لصاحبه ‪.‬‬
‫أحكام الرهن الباطل ‪:‬‬
‫يوجب رد العين لصاحبها بسبب بطالن الرهن ‪ ،‬وان تلفت العين ال تكون مضمونة ‪ .‬أما‬
‫حالة فساد الرهن عند الحنفية‬
‫( ‪)2‬‬
‫فتوجب الضمان على المرتهن بقدر هالك العين المرتهنة ‪ ،‬ويثبت‬
‫حق استيفاء الدين منها ‪.‬‬
‫وضع الرهن تحت يد رجل عـدل(‪:)3‬‬
‫)‪ )1‬األم ‪ ،‬الشافعي ‪ ،‬ج‪ ،191/8‬المغني ‪ ،‬ابن قدامة المقدسي ‪ ،‬ج‪.361/4‬‬
‫)‪ )2‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.154/5‬‬
‫)‪ )3‬فقه المعامالت ‪ ،‬محمد الصابوني ‪ ،‬ج‪.160،159/2‬‬
‫‪48‬‬
‫يحق للعاقدين أن يتفقا على وضع الرهن في يد شخص ثالث ‪ ،‬وتكون العين أمانة عنده‬
‫إلى وقت االستحقاق ‪ ،‬فيبيعها بإذن العاقدين أو بأمر القاضي ‪.‬‬
‫وبهذا نرى أن أحكام الرهن في الشرع اإلسالمي (كغيرها من وسائل التوثيق) تحفظ‬
‫للمقرض وغيره من أصحاب العقود حقهم في االستيفاء ‪ ،‬و تجعل األفراد في المجتمع اإلسالمي‬
‫أكثر إقداماً على دفع القروض الحسنة‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫آداب القرض الحسن‬
‫ق‬
‫السبل‬
‫المقترض ‪ ،‬وتحدد ُ‬
‫المقرض مع ُ‬
‫إن الفقه اإلسالمي وضع خطوات تبين طر تعامل ُ‬
‫المناسبة لوضع نوع م ن أحوال الود والتفاهم بين الطرفين ‪ ،‬وحتى ال يسود جو المنازعة والمشاحنة‬
‫المعاملة ‪ ،‬وتلك المعايير هي آداب القرض‬
‫أو الخالف ‪ ،‬فكان البد من وضع معايير تُحقق ُحسن ُ‬
‫فسأذكرها بنوع من اإلسهاب في هذا المبحث بإذن هللا تعالى ‪.‬‬
‫وتلك اآلداب هي ‪:‬‬
‫المقترضين ‪.‬‬
‫اوالً – آداب التعامل مع ُ‬
‫ثانياً – آداب التعامل مع المقرضين ‪.‬‬
‫المقترضين)) حيث ُتقسم إلى ثالثة أقسام ‪:‬‬
‫أوالً ‪ (( :‬آداب التعامل مع ُ‬
‫المعسر والتجاوز عنه ‪.‬‬
‫‪ )1‬إنظار ُ‬
‫‪ُ )2‬حسن التقاضي ‪.‬‬
‫‪ )3‬الوضع من الدين ‪.‬‬
‫المعسر والتجاوز عنه ‪:‬‬
‫‪ .1‬إنظار ُ‬
‫(في الكتاب) ‪:‬‬
‫المعسر مهلة حتى يجد ما يستطيع أن يقضي به َدينه‬
‫أمر هللا تعالى أصحاب الحق بإعطاء ُ‬
‫ٍ‬
‫ٍ ِ ِ‬
‫صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن‬
‫‪ ،‬قال هللا تعالى في محكم آياته ‪َ ﴿:‬واِن َك َ‬
‫ان ُذو ُع ْس َرة َف َنظ َرةٌ إَلى َم ْي َس َرة َوأَن تَ َ‬
‫ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[ البقرة ‪ :‬اآلية ‪ . ]280‬يقول الشوكاني في تفسيره ‪( :‬العسرة ‪ :‬ضيق الحال من جهة‬
‫اليسر ‪ ،‬وارتفع ( ذو)‬
‫عدم المال ‪ ،‬ومنه جيش العسرة ‪ .‬والنظرة ‪ :‬التأخير ‪ ،‬والميسرة مصدر بمعنى ُ‬
‫بكان التامة التي بمعنى وجد ‪ ،‬وهذا قول سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما ‪ ،‬لذلك ينبغي إنظار‬
‫‪50‬‬
‫ان ُذو ُع ْس َ ٍرة ﴾ على معنى‪ :‬وان كان‬
‫المعسر إذا كان حقاً معس اًر ‪ ،‬وفي مصحف أُبهي ﴿ َوِان َك َ‬
‫ُ‬
‫المطلوب ذا عسرة)(‪.)1‬‬
‫ان ُذو ُع ْس َرٍة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َرٍة ﴾ هو ‪ :‬إذا كان المستدين معس اًر‬
‫فاآلية الكريمة ﴿ َواِن َك َ‬
‫ِ‬
‫لمدينه ‪ :‬إما أن تُقضي‬
‫اليسر ‪ ،‬ال كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم‬
‫فعليكم أن تمهلوه إلى وقت ُ‬
‫( ‪)2‬‬
‫واما أن تُربي‬
‫المعسر إذا كان حقاً معس اًر‪.‬‬
‫‪ ،‬لذلك ينبغي إنظار ُ‬
‫(وفي السنة) ‪:‬‬
‫المعسر‪ ،‬وتيسير أمره‬
‫نجد هناك العديد من األحاديث التي تدل على عظم ثواب إنظار ُ‬
‫ومدى أهمية ذلك الفعل الكريم ‪ ،‬وخاصة إذا كان اإلنسان في حالة ضيق شديد ‪ ،‬أو إعسار عميق‬
‫‪.‬‬
‫‪ ‬فعن أبي هريرة‬
‫‪‬‬
‫قال ‪ :‬قال رسول هللا‬
‫‪‬‬
‫َّللاُ َعَل ْي ِه ِفي الد ْن َيا‬
‫‪َ [ :‬م ْن َي هس َر َعَلى ُم ْع ِس ٍر َي هس َر ه‬
‫ابتداء ‪ ،‬أو بعد‬
‫َو ْاآل ِخ َرِة ](‪ ،)3‬وفسر القزويني ( من يسر على ُمعسر) ‪ :‬بتأجيل القرض‬
‫ً‬
‫(‪)4‬‬
‫حلول األجل األول‬
‫‪.‬‬
‫‪ ‬عن عبد هللا بن أبي قتادة ‪ ،‬أن أبا قتادة ‪ ‬طلب غريماً له ‪ ،‬فتوارى عنه ‪ ،‬ثم وجده ‪ ،‬فقال‬
‫‪ :‬إني ُم ْع ِسر ‪ ،‬فقال ‪ :‬آهلل ؟ قال ‪ :‬أهلل ‪ .‬قال ‪ :‬فإني سمعت رسول هللا ‪ ‬يقول ‪َ [ :‬م ْن‬
‫(‪)5‬‬
‫َّللا ِمن كر ِب يو ِم اْل ِقي ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫س هره أ ْ ِ‬
‫صُده (‬
‫امة ‪َ ،‬فْلُي َنّف ْس َع ْن ُم ْعس ٍر أ َْو َي َ‬
‫َ ُ‬
‫َن ُي ْنج َي ُه ه ُ ْ ُ َ َ ْ‬
‫ض ْع َع ْن ُه] ‪ ،‬وَق ْ‬
‫ََ‬
‫ض َمر كثي اًر مع هللا ‪،‬‬
‫قسم سؤال ‪ ،‬أي أباهلل ؟ وباء القسم تُ ْ‬
‫فقال آهلل ؟ قال ‪ :‬أهلل ) األول َ‬
‫ومعنى َفْلُي َنِّف ْس ‪ :‬فليمد وليؤخر المطالبة (‪.)6‬‬
‫)‪ )1‬فتح القدير ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬ج‪.298/1‬‬
‫)‪ (2‬صفوة التفاسير ‪ ،‬الصابوني ‪ ،‬دار إحياء التراث العربي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 2004 ، 1‬ج‪ ، 1‬ص‪.145‬‬
‫المعسر ‪ ،‬رقم الحديث(‪ ، )2417‬ج‪ .808 /2‬بيان درجة الحديث للتصحيح‬
‫(‪)3‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب إنظار ُ‬
‫(‪ )4‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬ص‪. .808‬‬
‫(‪ )5‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪، ،‬باب فضل إنظار المعسر ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )3976‬ج‪. 470/10‬‬
‫(‪ )6‬الجامع في أصول الربا ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ،2001 ، 2‬ص‪.285‬‬
‫‪51‬‬
‫المعسر والثناء على من يسر عنه ‪ ،‬روى ُنفيع أبي داود‬
‫‪ ‬وفي حديث آخر عن أهمية إنظار ُ‬
‫ظر مع ِس ار َك َ ِ ِ‬
‫ص َدَق ٌة ‪َ .‬و َم ْن‬
‫‪ ،‬عن ُبريدة األسلمي ‪ ،‬عن النبي‪ ‬قال ‪َ [:‬م ْن أ َْن َ َ ُ ْ ً‬
‫ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ‬
‫ِِِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ص َدَق ٌة](‪ .)1‬و ُيوضح الرسول‪ ‬في حديث آخر ما‬
‫أ َْن َ‬
‫ظ َرهُ َب ْع َد حّله َك َ‬
‫ان َل ُه م ْثُل ُه في ُك ّل َي ْو ٍم َ‬
‫كيفية حال الصدقة قبل وبعد الحلول ‪ ،‬فقد روى أبو جعفر الطحاوي عن ُبريدة بن‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ص َدَق ٌة ‪ ،‬ثُم ُقلت‬
‫الخصيب قال ‪ :‬قال رسول هللا ‪َ [ : ‬م ْن أ َْن َ‬
‫ظ َر ُم ْعس ًار َك َ‬
‫ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ‬
‫ِ‬
‫ظره بعد ِ‬
‫ِ‬
‫الحل‬
‫الد ْين فإذا أ َْن َ‬
‫ص َدَق ٌة ؛ قال ‪ :‬فقال ‪ ِ:‬ب ُك ِّل َي ْو ٍم مالم َي ِح ْل ّ‬
‫َ‬
‫‪ ِ:‬ب ُك ّل َي ْو ٍم م ْثُل ُه َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ص َدَق ٌة]‬
‫فَل ُهِ ب ُك ّل َي ْو ٍم م ْثُل ُه َ‬
‫(‪)2‬‬
‫‪ ‬روى البخاري في صحيحه عن ُحذيفة‬
‫‪‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يل‬
‫ول ‪َ [ :‬م َ‬
‫ات َرُج ٌل َفق َ‬
‫‪ ،‬قال ‪َ :‬سم ْع ُت الهنب هي ‪َ ‬يُق ُ‬
‫َله ‪ :‬ما ُك ْنت تَُقول؟ َقال ‪ُ :‬ك ْنت أُبايِع الهناس َفأَتَج هوُز عن اْلم ِ‬
‫وس ِر ‪ ،‬وأ ِ‬
‫ف َع ْن اْل ُم ْع ِس ِر ‪،‬‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ُخّف ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫َْ ُ‬
‫َف ُغ ِف َر َل ُه]‬
‫(‪)3‬‬
‫‪َ .‬قال أَُبو مسع ٍ‬
‫ود ‪َ :‬س ِم ْعتُ ُه َع ِن الهنِب ِي ‪ ، ‬وقوله ُي ْن ِظ ُروا ‪ :‬قصد اإلنظار هو‬
‫َْ ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫المعسر سواء كان غنياً أم فقي اًر ‪.‬‬
‫على ُ‬
‫سمعت‬
‫قال ‪:‬‬
‫ُ‬
‫المعسر تأتيك المغفرة من هللا ‪ ،‬فعن عبد الملك بن ُعمير َ‬
‫‪ ‬وأيضاً في إنظار ُ‬
‫ِ‬
‫عن ُحذيفة‪ ، ‬عن النبي ‪ ‬؛ [أ ه‬
‫يل َل ُه ‪َ :‬ما‬
‫ِربعي بن حراش ‪ُ ،‬ي َح ُ‬
‫َن َرُجالً َم َ‬
‫دث ْ‬
‫ات ‪َ .‬فق َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الس هك ِة َوالهنْقد ‪َ ،‬وأ ُْن ِظ ُر اْل ُم ْع ِس َر‪.‬‬
‫َعمْل َت؟ (َفإ هما َذ َك َر أ َْو ُذ ّك َر) َق َ‬
‫ال ‪ :‬إّني ُك ْن ُت أَتَ َج هوُز في ّ‬
‫َّللاُ َل ُه](‪.)4‬‬
‫َف َغَف َر ه‬
‫المعسر ‪ ،‬رقم الحديث(‪ ، )2418‬ج‪ .808/ 2‬بيان درجة الحديث‬
‫(‪)1‬سنن ابن ماجة ‪ ، ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب إنظار ُ‬
‫)‪ (2‬الجامع ألحكام القرآن ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬ج‪.374/3‬‬
‫)‪ (3‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب االستقراض ‪ ،‬باب حسن التقاضي ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2391‬ص‪.384‬‬
‫المعسر ‪ ،‬رقم الحديث (‪ ،) 2420‬ج‪ 808/2‬بيان درجة الحديث‬
‫)‪ (4‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب إنظار ُ‬
‫‪52‬‬
‫ِ‬
‫‪ ‬وعن أبي هريرة ‪ ، ‬عن النبي ‪ ‬قال ‪َ [:‬ك َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال‬
‫ان تَاجٌر ُي َداي ُن النه َ‬
‫اس َفإ َذا َأرَى ُم ْعس اًر ‪َ ،‬ق َ‬
‫َّللاُ َع ْن ُه](‪ .)1‬ومعنى التجاوز‬
‫َن َيتَ َج َاوَز َعهنا ‪َ ،‬فتَ َج َاوَز ه‬
‫لِ ِف ْت َي ِان ِه ‪ :‬تَ َج َاوُزوا َع ْن ُه ‪َ ،‬ل َع هل ه‬
‫َّللاَ أ ْ‬
‫نقص يسير ‪.‬‬
‫والتجوز ‪ :‬المسامحة في االقتضاء واالستيفاء ‪ ،‬وقبول ما فيه ٌ‬
‫المعتمد هو‬
‫المعسرين ‪ ،‬فقد كان أساسها ُ‬
‫أما نظرة و طبيعة تعامل صحابة النبي ‪ ‬مع ُ‬
‫بالسنة النبوية الشريفة‬
‫المعسر والتجاوز عنه ‪ ،‬اتباعاً في ذلك لمنهج القرآن الكريم واقتداء ُ‬
‫إنظار ُ‬
‫التي سار عليها الرسول أفضل الصالة والتسليم عليه ‪ ،‬وسنذكر هنا مثال واحداً يوضح لنا جانباً‬
‫الصحابة لهذه المسألة ‪:‬‬
‫من رؤية ه‬
‫ِ‬
‫به ‪،‬‬
‫رجل لق َي ر ُ‬
‫فعن ربعي بن حراش قال ‪ ( :‬اجتمع حذيفة وأبو مسعود ‪ ،‬فقال حذيفة ‪ٌ :‬‬
‫عملت من الخير إال أني ُكنت رجالً ذا مال ‪ ،‬فكنت أطالب به الناس ‪ ،‬فكنت أقبل‬
‫فقال ‪ :‬ما‬
‫ُ‬
‫الميسور ‪ ،‬وأتجاوز عن المعسور ‪ ،‬فقال ‪ :‬تجاوزوا عن عبدي ‪ .‬قال أبو مسعود ‪ :‬هكذا سمعت‬
‫رسول هللا ‪)‬‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫كنت أُيسر على الموسر‪ ،‬وأُنظر المعسر))‪ .‬وتابعه شعبة عن‬
‫قال أبو مالك عن ربعي ‪ُ ((( :‬‬
‫عبد الملك ‪ ،‬عن ربعي ‪ .‬وقال أبو عوانة عن عبد الملك ‪ ،‬عن ربعي ‪(( :‬أُنظر الموسر‪ ،‬وأتجاوزعن‬
‫ِ‬
‫المعسر)))(‪.)3‬‬
‫الم ْعسر)) ‪ .‬وقال نعيم بن أبي هند عن ربعي ‪(( :‬فأقبل من الموسر ‪ ،‬وأتجاوز عن ُ‬
‫ُ‬
‫للمقترض ‪،‬‬
‫قال سعدي أبو جيب ‪ ( :‬إن فقهاء األمصار مجمعون على أن عدم وجود مال ُ‬
‫يؤثر في إسقاط القرض إلى وقت َم ْيسرِت ِه )(‪.)4‬‬
‫المعسر نوعين من األحكام وهي ‪:‬‬
‫ونالحظ ونستنتج مما ورد على إنظار ُ‬
‫)‪ (1‬صحيح بخاري ‪،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب من أنظر معس ار ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2078‬ص‪.333‬‬
‫(‪ )2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬بان فضل إنظار المعسر ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )3970‬ج‪.468/10‬‬
‫)‪ (3‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب من أنظر موس ًار ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)2077‬ص‪. 333‬‬
‫)‪ )4‬موسوعة اإلجماع في الفقه االسالمي ‪ ،‬سعدي أبو جيب ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ، 1999 ، 3‬ج‪ ، 1‬ص‪340‬‬
‫‪53‬‬
‫بحكم الواجب وليس فقط ُمستحب ‪ ،‬ويبين ذلك قوله تعالى ‪َ ﴿:‬واِن‬
‫المعسر ٌ‬
‫أمر ُ‬
‫‪ ‬إن إنظار ُ‬
‫ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َ ٍرةَ ﴾[البقرة ‪ :‬اآلية ‪ . ]280‬قال القرطبي في تفسيره اآلية ‪:‬‬
‫َك َ‬
‫كم هللا جل وعز في ذي العسرة ‪ ،‬بالنظرة إلى حال الميسرة ‪ .‬وقال أيضاً ‪ :‬وحديث أبي‬
‫( َح َ‬
‫قتادة ‪ ،‬يدل على أن رب الدين ـ القرض ُيعتبر من الدين ـ إذا علم عسرة غريمه ‪ ،‬أو ظنها‬
‫(‪)1‬‬
‫المعسر هو الذي ال يملك السداد ‪ .‬فهنا‬
‫َح ُرمت عليه) ‪ .‬وقال سيد قطب في تفسيره ‪ُ ( :‬‬
‫كان األمر في صورة شرط وجواب ؛ باالنتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء )‬
‫(‪)2‬‬
‫‪،‬‬
‫(وضابط اإلعسار الذي يوجب اإلنظار ‪ ،‬أن ال يكون له مال فائض عن حوائجه األصلية‬
‫يفي به دينه ‪ .‬فال ُي َعد معس اًر من كانت أمواله النقدية قاصرة عن وفاء ديونه ‪ ،‬وله أموال‬
‫أخرى غير نقدية يستطيع بيعها لوفاء دينه) (‪ .)3‬وهللا أعلم ‪.‬‬
‫المعسر ‪ ،‬الترغيب المنصوص عليه بكونه‬
‫‪ ‬نرى في األحاديث الشريفة التي تخص إنظار ُ‬
‫سبباً للنجاة في الدارين ‪ ،‬وصوالً إلى مقارنة فاعله بالمتصدق في االنتظار قبل حلول‬
‫يكُبر في إنظاره بعد الحلول ‪ ،‬وهذا ما لمسناه في‬
‫الدين ‪ ،‬وأن صدقته تتضاعف وثوابه ْ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ص َدَق ٌة ‪.‬‬
‫رواية بريدة األسلمي عن الرسول ‪ ‬قوله ‪َ [ :‬م ْن أ َْن َ‬
‫ظ َر ُم ْعس ًار َك َ‬
‫ان َل ُه ب ُك ّل َي ْو ٍم َ‬
‫ظره بع َد ِحّلِ ِه َك َ ِ ِ ِ‬
‫ص َدَق ٌة]‪.‬‬
‫َو َم ْن أ َْن َ َ ُ َ ْ‬
‫ان َل ُه م ْثُل ُه في ُك ّل َي ْو ٍم َ‬
‫‪ .2‬حسن التقاضي ‪:‬‬
‫)‪ (1‬الجامع ألحكام القرآن ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬ج‪.375،371/3‬‬
‫)‪ (2‬في ظالل القرآن ‪ ،‬سيد قطب ‪ ،‬دار الشروق ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ،1992 ، 17‬ج‪،3‬ص‪.333‬‬
‫)‪ (3‬بيع التقسيط ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪،1997 ، 2‬ص‪.106‬‬
‫‪54‬‬
‫حض النبي الكريم ‪ ‬على ُحسن التقاضي ‪ ،‬حيث أمر صاحب الحق باالمتناع عن كل ما‬
‫ِ‬
‫مطالبته حهقه ‪.‬‬
‫يحل وقت‬
‫ال ُ‬
‫‪ ‬فقد روى عبد هللا بن يامين ‪ ،‬عن أَبي هريرة‬
‫‪‬‬
‫‪ ،‬أن رسول هللا‬
‫‪‬‬
‫قال لِص ِ‬
‫اح ِب اْل َح ِّق ‪[ :‬‬
‫َ‬
‫اف ‪ ،‬أَو َغي ِر و ٍ‬
‫اف و ٍ‬
‫ٍ‬
‫ه ِ‬
‫اف](‪ .)1‬قال القزويني في تفسيره الحديث ‪(( :‬في‬
‫ْ ْ َ‬
‫ُخ ْذ َحق َك في َعَف َ‬
‫عفاف) العفاف الكف عن المحارم ‪ ،‬أي فليطلبه حال كونه ساعياً في عدم الوقوع في‬
‫تم له العفاف أم ال )(‪.)2‬‬
‫المحارم مهما أمكن‪( .‬واف أو غير واف) أي َ‬
‫حث ‪ ‬على السماحة في التعامل وترك الخناق على الناس في المطالبة ‪ ،‬وذلك‬
‫‪ ‬كما َ‬
‫بدعائه ‪ ‬للمتسامحين في البيع والشراء واالقتضاء ‪ ،‬فقد روى البخاري ‪ ،‬عن جابر بن‬
‫عبد هللا ر ِ‬
‫َّللاُ َرُجالً َس ْم ًحا ِإ َذا َباعَ ‪َ ،‬واِ َذا‬
‫َّللاُ َع ْن ُه َما ‪ ،‬أن رسول هللا ‪ ‬قال ‪َ [:‬رِح َم ه‬
‫ضي ه‬
‫َ َ‬
‫ضى](‪ .)3‬ومعنى ( سمحاً) ‪ :‬السمح الجواد ‪ُ ،‬يقال ‪ :‬سمح بكذا ‪ ،‬أي ‪:‬‬
‫ْ‬
‫اشتَ َرى ‪َ ،‬واِ َذا ا ْقتَ َ‬
‫المراد هنا المساهلة (‪.)4‬‬
‫جاد ‪ ،‬و ُ‬
‫المعسر‬
‫بالمقترض ُ‬
‫وهنا األمر بحسن التقاضي والسماحة في المعاملة ال يختص ُ‬
‫فقط ‪ ،‬بل هو يشمل الموسر والمعسر سواء ‪ ،‬كما هو ّبين في األحاديث التي أوردناها ‪،‬‬
‫ولكن الم ِ‬
‫عسر يكون التقاضي منه بطريقة تعامل خاصة ‪ ،‬بحكم ظرفه الصعب وضيق‬
‫ُ‬
‫حاله ‪.‬‬
‫‪ .3‬الوضع من الدين ‪:‬‬
‫)‪ (1‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب حسن المطالبة وأخذ الحق في عفاف ‪ ،‬رقم الحديث (‪ ، )2422‬ج‪.809/2‬‬
‫(‪ )2‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬ج‪.809/2‬‬
‫(‪ )3‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب ا لبيوع ‪ ،‬باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ‪ ،‬رقم الحديث (‪ ، )2076‬ص‪.333‬‬
‫)‪ (4‬التدابير الواقية من الربا ‪ ،‬فضل إلهي ‪ ،‬ص‪.235‬‬
‫‪55‬‬
‫وقبل الدخول في تفاصيل الوضع من الهدين ‪ ،‬يجب أن نعطي فكرة عن مفهوم الهدين ‪ ،‬وأسباب‬
‫غموض لدى المطلع على‬
‫حصوله بشكل بسيط ‪ ،‬لكي نحدد جزئية القرض فيه حتى ال يصبح‬
‫ٌ‬
‫المصطلحين ‪.‬‬
‫الدين‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪ –:‬لغة ‪ :‬كل ما ليس حاض اًر ‪ ،‬وفي االصطالح ‪ :‬هو الواجب في الذمة‪ .‬ويسمى‬
‫َمن وجب المال في ذمته ‪ :‬مديناً ‪ ،‬ومن وجب المال لصالحه ‪ :‬دائناً ‪ ،‬وأسباب حصوله ثالثة ‪.1 :‬‬
‫بالعقد ‪ .2 ،‬باالستهالك ‪ .3 ،‬باالستقراض ‪(:‬وال يسقط الدين إال باألداء ‪ ،‬أو باإلبراء أو يعفو الدائن‬
‫عن المدين)‪.‬‬
‫المقترض الذي يعاني من‬
‫وما يهمنا من الدين هو االستقراض ‪ ،‬فمن أجل تخفيف العبء عن ُ‬
‫مشاكل تسديد ما عليه من دين وصعوبة في إيفاء كامل ما يتوجب في ذمته ‪ ،‬كان من األولى‬
‫وضع الدين كله أو بعضه ‪.‬‬
‫ففي الكتاب ‪–:‬‬
‫نجد توضيحاً آللية وضع الدين ‪ ،‬حيث كانت الصورة بين ًة وقاطعة وهي بالتصدق ‪ ،‬حين‬
‫ٍ‬
‫ٍ ِ ِ‬
‫صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[البقرة‬
‫قال هللا تعالى ‪َ ﴿:‬وِان َك َ‬
‫ان ُذو ُع ْس َرة َف َنظ َرةٌ إَلى َم ْي َس َرة َوأَن تَ َ‬
‫صهدُقوْا ﴾ ( أي ‪ :‬وان تصدقوا على‬
‫‪ :‬اآلية ‪ . ]280‬ذكر الشوكاني في تفسير قوله تعالى‪َ ﴿ :‬وأَن تَ َ‬
‫معسري غرمائكم باإلبراء خير لكم ‪ ،‬وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برؤوس أموالهم على من أعسر‬
‫‪ ،‬وجعل ذلك خي اًر من إنظاره)‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ )1‬الموسوعة اإلسالمية الميسرة ‪ ،‬إشراف محمود عكام ‪ ،‬دار صحارى ‪ ،‬حلب‪ ،‬المجلد الخامس ‪ ،‬ص‪.1096،1095‬‬
‫)‪ (2‬فتح القدير ‪ ،‬الشوكاني ‪،‬ج‪.298/1‬‬
‫‪56‬‬
‫صهدُقوْا ﴾ ابتداء ‪ ،‬وخبره ‪َ ﴿:‬خ ْيٌر﴾ ‪ ،‬ندب هللا تعالى‬
‫وقال القرطبي في تفسيره ‪َ ﴿( :‬وأَن تَ َ‬
‫المعسر ‪ ،‬وجعل ذلك خي اًر من إنظاره ‪ ،‬والوضع عنه إسقاط الدين‬
‫بهذه األلفاظ إلى الصدقة على ُ‬
‫( ‪)1‬‬
‫عن ذمته)‬
‫‪ ،‬أي أن وضع الدين كله أو جزئه أفضل عند هللا تعالى من اإلنظار‪.‬‬
‫في السنة ‪–:‬‬
‫المعسر ‪ ،‬وذلك ببيان فضله ‪،‬‬
‫كان توجيه النبي ‪ ‬واضحاً بخصوص وضع الدين عن ُ‬
‫واعتبار ذلك الفعل هو من أبواب الخير والمعروف ‪.‬‬
‫‪‬‬
‫ول ه ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ُصيب رجل ِفي عهِد رس ِ‬
‫اع َها ‪،‬‬
‫َّللا‪ ‬في ث َم ٍار ْابتَ َ‬
‫قال ‪( :‬أ َ َ ُ ٌ‬
‫َْ َُ‬
‫َّللاِ‬
‫ول ه‬
‫ال َرُس ُ‬
‫َف َكثَُر َد ْيُن ُه َفَق َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء‬
‫صهد َق الهن ُ‬
‫‪َ [ :‬ت َصَّد ُقوا َعَلْيه]‪َ.‬فتَ َ‬
‫اس َعَل ْيه ‪َ ،‬فَل ْم َيْبُل ْغ َذل َك َوَف َ‬
‫‪ ‬فعن أبي سعيد الخدري‬
‫َّللاِ‬
‫ِِ‬
‫ول ه‬
‫ال َرُس ُ‬
‫َد ْينه ‪َ ،‬فَق َ‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫ِ ِِ‬
‫س َل ُك ْم إال َذل َك](‪.)2‬‬
‫ل ُغ َرَمائه ‪ُ [ :‬خ ُذوا َما َو َج ْد ُت ْم ‪َ ،‬وَلْي َ‬
‫اليسر صاحب النبي ‪ ‬قال ‪ :‬قال رسول هللا‬
‫‪ ‬عن أبي ُ‬
‫‪‬‬
‫َّللاُ ِفي ِظّلِ ِه‬
‫َن ُي ِظهل ُه ه‬
‫َح هب أ ْ‬
‫‪َ [:‬م ْن أ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض ْع َل ُه](‪ .)3‬فإن اإلنظار ُيمكن اإلنسان من الوقوف في ظل هللا ‪،‬‬
‫َفْلُي ْنظ ْر ُم ْعس ًار ‪ ،‬أ َْو ل َي َ‬
‫وهو خير مآب في دار اآلخرة ‪.‬‬
‫‪ ‬وعن عمرة بنت عبد الرحمن ‪ ،‬قالت ‪ :‬سمعت عائشة ‪ ‬تقول ‪( :‬س ِمع رسول ه ِ‬
‫ص ْو َت‬
‫َ ُْ‬
‫َ َ َُ ُ‬
‫َ ُ‬
‫َّللا ‪َ ‬‬
‫ٍِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اآلخ َر َوَي ْستَ ْرِفُق ُه ِفي َشي ٍء ‪َ ،‬و ُه َو‬
‫َحُد ُه َما َي ْستَ ْوض ُع َ‬
‫َص َواتُ ُهم ‪َ ،‬واِ َذا أ َ‬
‫صو ٍم باْل َباب ‪َ ،‬عال َية أ ْ‬
‫ُخ ُ‬
‫ْ‬
‫َّللاِ ال أَْفعل ‪َ ،‬فخرج عَلي ِهما رسول ه ِ‬
‫ّللا ال َي ْف َع ُل‬
‫ول ‪َ :‬و ه‬
‫ال ‪[ :‬أَْي َن اْل ُم َتأَلي َعَلى َّ‬
‫َّللا ‪َ ‬فَق َ‬
‫ََ َ َ ْ َ َ ُ ُ‬
‫َُ‬
‫َيُق ُ‬
‫اْلمعروف؟] َفَقال ‪ :‬أَنا يا رسول ه ِ‬
‫ِ‬
‫َح هب)(‪(.)4‬إذا ‪ :‬كلمة للمفاجأة ‪ .‬أحدهما ‪:‬‬
‫َ ُْ َ‬
‫َّللا َفَل ُه أَي َذل َك أ َ‬
‫َ َ َ َُ َ‬
‫مبتدأ ‪ ،‬خبره ‪ :‬يستوضع ‪ .‬ويستوضع ‪ :‬يطلب منه أن يرفق به في التقاضي ‪ ،‬يسترفقه ‪:‬‬
‫)‪ (1‬الجامع ألحكام القرآن الكريم ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬ج‪.375،374/3‬‬
‫(‪ )2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب استحباب الوضع من الدين ‪ ،‬حديث رقم(‪ ، )3958‬ج‪ ، 463،462/10‬سنن أبي داود ‪ ،‬كتاب البيوع واالجارات ‪ ،‬باب وضع الحائجة ‪ ،‬حديث رقم حديث‬
‫رقم (‪ ، )3469‬ج‪ ، 744/3‬سنن النسائي ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب وضع الحوائج ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )4530‬ج‪ ، 265/7‬تحفة األحوذي بشرح الترمذي ‪ ،‬كتاب الزكاة ‪ ،‬باب ما جاء من تحل له الصدقة من الغارمين‬
‫وغيرهم ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )655‬ج‪.362/3‬‬
‫(‪ )3‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب إنظار المعسر ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2419‬ج‪/2‬ص‪.808‬‬
‫(‪ )4‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب الصلح ‪ ،‬باب هل يشير اإلمام بالصلح ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)2705‬ص‪. 442‬‬
‫‪57‬‬
‫يطلب منه أن يرفق به في التقاضي ‪ ،‬فله أي ذلك أحب ‪ :‬هذا من جملة مقول المتألي‬
‫‪ ،‬أي فلخصمي ما أحب من الوضع أو الرفق)(‪.)1‬‬
‫قال النووي في شرح الحديث ‪ ( :‬واأللية ‪ :‬اليمين ‪ .‬وفي هذا كراهة الحلف على ترك الخير‬
‫‪ ،‬وانكار ذلك ‪ ،‬وأنه يستحب لمن حلف ال يفعل خي اًر أن يحنث ‪ ،‬فيكفر عن يمينه ‪ ،‬وفيه شفاعة‬
‫إلى أصحاب الحقوق ‪ ،‬وقبول الشفاعة في الخير)(‪.)2‬‬
‫حسن‬
‫المقترضين من حيث‬
‫ُ‬
‫ونالحظ بعض المالحظات مما ورد آنفا بخصوص التعامل مع ُ‬
‫الوضع في الكتاب والسنة ‪:‬‬
‫التقاضي و‬
‫ُ‬
‫‪ ‬حث القرآن الكريم على نقطة رئيسية ومهمة ‪ ،‬أن ما يكون من فعل اإلنسان الواضع من‬
‫صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم‬
‫المقرض بقوله تعالى ‪َ ﴿ :‬وأَن تَ َ‬
‫الدين ‪ ،‬هو أفضل لدى المؤمن ُ‬
‫تَ ْعَل ُمو َن﴾ ‪ ،‬وقد دخل الوضع من الدين هنا معنى التصدق ‪ ،‬قال سيد ُقطب في تفسيره ‪:‬‬
‫( فاهلل يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه ؛ إن تطوع بهذا الخير‪ .‬وهو خير لنفسه كما‬
‫هو خير للمدين ‪ ،‬وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة ‪ ،‬لو كان يعلم ما يعلمه هللا‬
‫من سريرة هذا األمر)‬
‫(‪)3‬‬
‫‪ ،‬وهذا أيضاً ما دل عليه َحث الرسول ‪ ‬على هذا المبدأ بقوله ‪:‬‬
‫صهدُقوا َعَل ْي ِه] ‪.‬‬
‫[تَ َ‬
‫‪ ‬هناك أمر آخر هو داللة اآلية واألحاديث ‪ ،‬على منطق هو أخذ الدين (القرض) بلين‬
‫ورفق وعفاف ‪ ،‬واالمتناع عن استخدام أسلوب الغلظة والجفاف في أخذ الحق ‪ ،‬وأن‬
‫الرحمة ستنزل على من يقتضي برحابة وسماحة ‪ ،‬وهذا ما بيهنه قول الرسول ‪ُ [ ‬خ ْذ َحهق َك‬
‫ِفي عَف ٍ‬
‫ضى] ‪.‬‬
‫اف] وأيضاً قوله ‪َ [ :‬رِح َم ه‬
‫َّللاُ َرُجالً َس ْم ًحاَ ِإ َذا ا ْقتَ َ‬
‫َ‬
‫)‪ (1‬الجامع في أصول الربا ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬ص‪.288،287‬‬
‫)‪ (2‬شرح النووي في صحيح مسلم ‪ ،‬ج‪.464/10‬‬
‫)‪ (3‬في ظالل القرآن ‪ ،‬سيد قطب ‪ ،‬ج‪.333/3‬‬
‫‪58‬‬
‫المقرضين )) حيث ُتقسم إلى ثالث أقسام ‪:‬‬
‫ثانياً ‪ (( :‬آداب التعامل مع ُ‬
‫‪ُ )1‬حسن القضاء‬
‫‪ )2‬عدم المماطلة‬
‫‪ )3‬االهتمام بوفاء القرض‬
‫‪ُ .1‬حسن القضاء ‪:‬‬
‫بحسن‬
‫وثناء الرسول ‪ ‬على صاحب القضاء الحسن ‪ ،‬وأنه من خير الناس ‪ ،‬وعبر عنها ُ‬
‫القضاء ‪ ،‬هذا كله حرصاً من النبي ‪ ‬على حث الناس على القيام بهذا الفعل ‪ ،‬واالنتباه له ‪،‬‬
‫كبير من األهمية ‪.‬‬
‫واعطائه جانباً اً‬
‫‪ ‬فقد ذكرنا فيما سبق حديثاً مروياً عن أبي رافع ‪ ،‬ووضعناه في مبحث مشروعية القرض ‪،‬‬
‫يحث فيه الرسول‬
‫وهو بنفس الوقت ُ‬
‫‪‬‬
‫على ُحسن القضاء ‪ ،‬فقد قال الرسول‬
‫‪‬‬
‫في آخر ما‬
‫روي عن أبي رافع ‪ِ[ :‬إ هن ِخ َي َار الهن ِ‬
‫اء](‪.)1‬‬
‫َح َسُن ُه ْم َق َ‬
‫اس أ ْ‬
‫ضً‬
‫‪ ‬وعن أبي هريرة‪ ‬؛ قال ‪َ :‬قال رسول هللا ‪ِ[: ‬إ هن خيرُكم أَو ِمن خي ِرُكم أ ِ‬
‫اء](‪،)2‬‬
‫َحاسُن ُك ْم َق َ‬
‫َ َْ ْ ْ ْ َ ْ ْ َ‬
‫َ‬
‫ضً‬
‫قال القزويني ‪((( :‬أ ِ‬
‫اء)) أي ‪ :‬الذين يؤدون الدين إلى أصحابه على أحسن‬
‫َحاسُن ُك ْم َق َ‬
‫َ‬
‫ضً‬
‫وجه )(‪.)3‬‬
‫ان لِي َعَلى الهنِب ِي‬
‫‪ ‬وعن محارب ‪‬بن دثار‪ ، ‬قال ‪ :‬سمعت جابر بن عبد هللا ‪ ،‬قال ‪َ (( :‬ك َ‬
‫ّ‬
‫ض ِاني َوَزَادِني))(‪.)4‬‬
‫‪َ ‬د ْي ٌن ‪َ ،‬فَق َ‬
‫)‪ (1‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب من استسلف شيئًا فقضى خي ًار منه ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )4084‬ج‪37/ 11‬‬
‫(‪ )2‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب حسن القضاء ‪ ،‬حديث رقم ( ‪ ، )2423‬ج‪.809/2‬‬
‫(‪ (3‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬ج‪/2‬ص‪.809‬‬
‫)‪ (4‬سنن أبي داؤد ‪ ،‬كتاب البيوع واالجارات ‪ ،‬باب في حسن القضاء ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)3347‬ج‪.642/3‬‬
‫‪59‬‬
‫ِ‬
‫‪ ‬عن عبد هللا بن ربيعة المخزومي ؛ أن النبي‪ ‬استَل ِ‬
‫ِ‬
‫ين أ َْو‬
‫ين َغ َاز ُح َن ْيًنا ‪ ،‬ثَالث َ‬
‫ف م ْنه ‪ ،‬ح َ‬
‫ْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض َ ِ‬
‫َهلِ َك َو َمالِ َك ‪.‬‬
‫ال َل ُه الهنِبي ‪َ [ : ‬ب َار َك ه‬
‫َّللاُ َل َك في أ ْ‬
‫ين أَْلًفا ‪َ .‬فَل هما َقد َم َق َ‬
‫أ َْرَبع َ‬
‫اها إيهاهُ ‪ .‬ثُ هم َق َ‬
‫ِإهنما ج َزاء ه ِ‬
‫اء َواْل َح ْمُد](‪.)1‬‬
‫السَلف اْل َوَف ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫ويجب توضيح أمر مهم هنا ‪ ،‬إن حسن القضاء يكون بشكل وفاء بزيادة ‪ ،‬لكن بنفس طيبة‬
‫‪ ،‬والزيادة هنا غير مشروطة ‪ ،‬وعلة األمر أن الزيادة المشروطة تؤدي إلى الربا المحرم شرعا ‪،‬‬
‫وفق القاعدة القائلة ‪ ( :‬كل قرض جر منفعة فهو رًبا)‬
‫(‪)2‬‬
‫‪ ،‬وقد تلقى كثير من العلماء هذه القاعدة‬
‫ضدها أدلة الكتاب والسنة واإلجماع والمعقول واآلثار عن الصحابة والتابعين الدالة‬
‫وع ُ‬
‫بالقبول ‪َ ،‬‬
‫على تحريم كل قرض جر منفعة‪.‬‬
‫ولهذا سنذكر بعض األقوال المشيرة إلى مضمون هذا الحديث وتوجيهه ‪ ،‬فقد قال الحافظ‬
‫ابن حجر الهيتمي من الكبائر ‪( :‬القرض الذي يجر نفعاً للمقرض ‪ ،‬وذكر هذه من الكبائر ظاهر ‪،‬‬
‫ألن ذلك في الحقيقة رًبا )(‪.)3‬‬
‫أما اإلمام مالك فقال ‪ ( :‬أنه بلغه أن عبد هللا بن مسعود كان يقول ‪ :‬من أسلف سلفاً ‪،‬‬
‫فال يشترط أفضل منه ‪ ،‬وان كان قبضة من علف فهو ربا) (‪ .)4‬ووضح اإلمام مالك هذه المسألة ‪،‬‬
‫حين قال ‪ (:‬ال بأس بأن ُيقبض من أسلف شيئاً من الذهب ‪ ،‬أو الورق ‪ ،‬أو الطعام ‪ ،‬أو الحيوان ‪،‬‬
‫ممن أسلفه ذلك ‪ ،‬أفضل مما أسلفه ‪ ،‬إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ‪ ،‬أو عادة ‪ ،‬فإن كان ذلك‬
‫على شرط ‪ ،‬أو وأ ِ‬
‫ْي ( أي مواعدة) ‪ ،‬أو عادة ‪ ،‬فذلك مكروه وال خير فيه) ‪ .‬وقال أيضاً ( فإن كان‬
‫)‪ )1‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب حسن القضاء ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)2424‬ج‪/2‬ص‪.809‬‬
‫)‪ )2‬هذه القاعدة صحيحة شرع ًا ؛ وان كان لم يثبت فيها حديث ‪ ،‬والحديث الذي جاء فيها روي مرفوع ًا بإسناد ضعيف عند البيهقي ‪ ،‬ولكن معناها صحيح إذا كان القرض مشروط ًا فيه نفع للمقرض فقط ‪ ،‬أو‬
‫ما كان في حكم المشروط ‪،‬‬
‫)‪ (3‬الزواجر عن اقتراف الكبائر ‪ ،‬الهيتمي ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ج‪ ، 1‬ص‪.247‬‬
‫(‪ (4‬موسوعة الفقه المالكي ‪ ،‬خالد عبد الرحمن العك ‪ ،‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪.413‬‬
‫‪60‬‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫شرط وال وأ ٍ‬
‫عادة ‪ ،‬كان ذلك‬
‫ْي ‪ ،‬وال‬
‫المستَ ْسلف ‪ ،‬ولم يكن َ‬
‫ذلك على ْ‬
‫ذلك على طيب نفس من ُ‬
‫حالالً ال بأْس به )(‪.)1‬‬
‫وقال السيد سابق ‪( :‬والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطاً أو متعارف عليه‬
‫فللمقترض أن يقضي خي اًر من القرض ‪ ،‬في الصفة أو‬
‫‪ ،‬فإن لم يكن مشروطاً وال متعارفاً عليه ‪ُ ،‬‬
‫يزيد عليه في المقدار ‪ ،‬أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه ‪ ،‬وللمقرض حق األخذ‬
‫دون كراهة)(‪.)2‬‬
‫وقال الكاساني ‪ ( :‬فأما إذا كانت الزيادة غير مشروط في القرض ‪ ،‬ولكن المستقرض‬
‫( ‪)3‬‬
‫أعطاه أجودهما فال بأس بذلك ‪ ،‬بل هذا من باب حسن القضاء ‪ ،‬وأنه أمر مندوب إليه )‬
‫‪،‬‬
‫ولذلك ( يجوز للمقترض أن يرد أفضل من المثل ‪ ،‬إذا لم يكن ذلك عن شرط سابق ‪ ،‬ويكون من‬
‫باب ُحسن القضاء)(‪.)4‬‬
‫وخالصة القول نجده لدى البهوتي في شرح زاد المستنقع ‪ ،‬حين قال ‪( :‬ويحرم اشتراط‬
‫كل شرط جر نفعاً ـ كأن يسكنه داره أو يقضيه خي اًر منه ـ ألنه عقد إرفاق وقربة ‪ ،‬فإذا شرط فيه‬
‫الزيادة أخرجه عن موضوعه ‪ ،‬وان بدأ به‪ ‬أي بما فيه نفع كسكنى داره ‪،‬بال شرط‪ ‬وال مواطأة‬
‫بعد الوفاء جاز ال قبله ‪ ،‬أو أعطاه أجود بال شرط جاز ‪ ،‬ألنه ‪ ‬استسلف بك اًر فرد خي اًر منه ‪ ،‬وقال‬
‫اء] متفق عليه ‪ ،‬أو أعطاه هدية بعد الوفاء جاز)‬
‫َحسُن ُك ْم َق َ‬
‫‪َ [ :‬خ ْي ُرُك ْم أ َ‬
‫ضً‬
‫( ‪)5‬‬
‫‪ ،‬ألنه لم يجعل تلك‬
‫الزيادة عوضاً في القرض ‪ ،‬وال وسيلة إليه ‪.‬‬
‫)‪ُ (1‬موطأ اإلمام مالك ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب ما يجوز من السلف ‪ ،‬ص‪.367‬‬
‫)‪ )2‬فقه السنة ‪ ،‬السيد سابق ‪،‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪ ، 148‬أنظر أساليب االستثمار االسالمي وأثرها على األسواق المالية ‪ ،‬قيصر عبد الكريم الهيتي ‪ ،‬دار رسالن ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ، 2006 ،1‬ص‪.183‬‬
‫(‪ (3‬بدائع الصنائع ‪ ،‬الكاساني ‪ ،‬ج‪.519/6‬‬
‫(‪ )4‬ما ال يسع التاجر جهله ‪ ،‬عبد هللا المصلح ‪ ،‬صالح الصاوي ‪ ،‬دار المسلم ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ناشرون ‪ ،‬دمشق ‪ ، 2006 ،‬ص‪.214‬‬
‫)‪)5‬الروض المربع شرح زاد المستنقع ‪ ،‬البهوتي ‪ ،‬باب القرض ‪ ،‬ص‪.315‬‬
‫‪61‬‬
‫وباإلضافة إلى حسن القضاء بالنسبة للمقترض ‪ ،‬يجب القول بإخالص النية معها وهو‬
‫مطالب بها ‪ ( ،‬ألن المقترض يؤمر كذلك ‪ ،‬بإخالص النية وحسن األداء ‪ ،‬فال يقترض إال من‬
‫حاجة ‪ ،‬ويعزم على حسن القضاء ويحفظ للمقرض معروفه واحسانه ‪ ،‬فإن استطاع أن يكافئه على‬
‫فلي ْدعُ له بظهر الغيب )(‪.)1‬‬
‫عمله فعل ‪ ،‬واال َ‬
‫ومن األقوال التي ذكرناها للفقهاء نرى أن هناك آراء متباينة وأقوال مختلفة نوضحها بشكل‬
‫تحليلي ‪ ،‬وعلى ذلك فقد الحظنا أن هناك نوعين للمنافع في القرض ‪ :‬األول "المنفعة المشروطة" ‪،‬‬
‫والثاني " المنفعة الغير مشروطة"‪.‬‬
‫النوع األول ‪ ( :‬المنفعة المشروطة ) وهي ‪:‬‬
‫الزيادة في بدل القرض ‪:‬‬
‫فالواجب في بدل القرض رد البدل المساوي في الصفة والقدر‪ .‬فقد اتفق العلماء على تحريم‬
‫اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض ‪ ،‬وأن هذه الزيادة ربا ‪ ،‬سواء كانت الزيادة في الصفة ـ كأن‬
‫يشترط على المقترض رد أجود مما أخذ ـ ؛ أم عيناً ـ كأن يقترض ماالً ويشترط عليه رده مع هدية‬
‫من مال آخرـ ؛ أم منفعة ـ كأن يقترض ماالً ويشترط عليه رده مع عمل المقترض عند المقرض ـ‬
‫وتسمى الزيادة المشروطة في القرض ‪ :‬ربا القرض ‪ ،‬وهي من ربا الجاهلية ‪.‬‬
‫ووجه االستدالل هنا ‪ ،‬هو أن صورة القرض في الحقيقة هي صورة ربا النسيئة ‪ ،‬لكن لما‬
‫كان مبنى القرض التبرع ومبنى البيع المعاوضة غاير الشارع بينهما في الحكم ‪ ،‬فإذا اشترطت‬
‫الزيادة في القرض خرج عن موضوعه وهو التبرع واإلرفاق إلى المعاوضة فجرى فيه ما يجري فيها‬
‫‪ ،‬فتتقيد بما يتقيد به البيع فيها ‪ ،‬وهذه القيود نجدها في حديث النبي ‪ ، ‬فقد قال الرسول ‪‬‬
‫(‪)1‬النية وأثرها في األحكام الشرعية ‪ ،‬صالح غانم السدالن ‪ ،‬مكتبة الخريجي ‪ ،‬الرياض ‪ ،‬ط‪ ،1984 ، 1‬ج‪ ، 2‬ص‪.604‬‬
‫‪62‬‬
‫ض ُة ِباْل ِف ه ِ‬
‫الذهب ِب ه‬
‫ه‬
‫الش ِعير ِب ه‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫الش ِع ِ‬
‫الذ َه ِب َواْل ِف ه‬
‫ير َوالته ْم ُر ِبالته ْم ِر َواْل ِمْل ُح ِباْل ِمْل ِح ِم ْث ًال‬
‫ضة َواْلُبر باْلُب ِّر َو ُ‬
‫‪ُ َ [:‬‬
‫ٍ‬
‫اخ َتَلَفت هِذ ِه األصناف َفِبيعوا َكي ِ‬
‫ٍ‬
‫ِِ ٍ‬
‫ان َيًدا ِب َيٍد](‪.)1‬‬
‫ف ش ْئتُ ْم ِإ َذا َك َ‬
‫َْ ُ ُ َْ‬
‫اء ِب َس َواء َيًدا ِب َيد َفِإ َذا ْ ْ َ‬
‫بم ْثل َس َو ً‬
‫النوع الثاني ‪(:‬المنفعة غير المشروطة في القرض) وهي قسمان ؛‬
‫القسم األول ‪ :‬المنافع المادية وبدورها تقسم إلى فرعين ‪:‬‬
‫أ‪ -‬المنافع المادية غير المشروطة عند الوفاء ‪:‬‬
‫اتفق العلماء على تحريم الزيادة ( في القدر والصفة ) المشروطة في بدل القرض للمقرض ‪،‬‬
‫واختلفوا في حكمها إذا لم تكون مشروطة على أقوال ‪ ،‬والراجح منها والذي بيناه خالل الكالم عن‬
‫حسن القضاء هو الجواز وهذا ما دل عليه قول الرسول ‪ِ[ : ‬إ هن ِخ َي َار الهن ِ‬
‫اء](‪.)2‬‬
‫َح َسُن ُه ْم َق َ‬
‫اس أ ْ‬
‫ضً‬
‫إذا كانت الزيادة على سبيل البر والمعروف ‪ ،‬بل يستحب للمقترض ذلك ‪ ،‬وهذا قول السنة‬
‫وجماهير أهل العلم ‪ ،‬سواء أعرف المقترض عند الناس بحسن القضاء أم ال ‪ ،‬وقد سقنا النصوص‬
‫النبوية الدالة على أن النبي ‪ ‬كان معروفاً بحسن القضاء ‪ ،‬ومع ذلك لم يكن إقراضه محرماً وال‬
‫مكروهاً ‪ ،‬وهذا هو من باب مشروعية الزيادة عن رضا وقبول ‪.‬‬
‫ب‪ -‬المنافع المادية غير المشروطة قبل الوفاء‬
‫إذا بذل المقترض للمقرض منفعة غير مشروطة أثناء مدة القرض (قبل الوفاء) مثل ‪ :‬الهدية‬
‫للمقرض ـوهي أكثر ما يمثل به الفقهاء ـ ومثل االستضافة أو ركوب الدابة ‪ ،‬والمساعدة على عمل‬
‫من األعمال ‪ ،‬ونحو ذلك من المنافع التي قد يبذلها المقترض قبل الوفاء فقد أختلف العلماء في‬
‫حكمها إذا كانت تلك المنافع من غير شرط ‪،‬‬
‫)‪ (1‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ‪ ،‬حديث رقم(‪،) 4039‬ج‪. 16/11‬‬
‫)‪ (2‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب من استسلف شيئاً فقضى خي اًر منه ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )4084‬ج‪37/ 11‬‬
‫‪63‬‬
‫والراجح لدى الفقهاء المنع إن كانت تلك المنافع من أجل القرض أو في مقابله ‪ ،‬أي من‬
‫أجل أن يؤخر المقرض استيفاء القرض ‪ ،‬وهذه الصورة هي قريبة من صورة ربا الجاهلية حيث كان‬
‫يقول المقرض للمقترض حين يحل أجل القرض إما تدفع أو تربي ‪‬منفعة مشروطة أياً كانت‪ . ‬فقد‬
‫تكون غير مشروطة من خالل هدية أو ركوب دابة قبل الوفاء ‪ ،‬وقياس هذه على تلك نرى أنهم‬
‫صورة واحدة للربا ‪ ،‬الن المنفعة الحاصلة قبل الوفاء كانت بسبب القرض حتى لو كانت بدون شرط‬
‫‪.‬‬
‫لكن هناك استثناء يبيح أخذ المنفعة إن كانت ليست من أجل القرض ‪ ،‬مثل إذا كانت قد‬
‫جرت العادة بينهما بذلك قبل القرض فإنه يجوز ‪ ،‬ويدل على هذا الكالم حديث أنس بن مالك ‪‬‬
‫قال ‪ :‬قال رسول هللا ‪ِ[‬إ َذا أَ ْقرض أَحدكم َقرضا َفأَهدى َله أَو حمَله عَلى الهداب ِ‬
‫هة َفال َي ْرَك ْب َها َوَال َيْقَبْل ُه‬
‫َ َ َُ ُ ْ ْ ً‬
‫َْ ُ ْ َ َ ُ َ‬
‫ه‬
‫َن َي ُكو َن َج َرى َب ْي َن ُه َوَب ْي َن ُه َق ْب َل َذلِ َك](‪.)1‬‬
‫ِإال أ ْ‬
‫القسم الثاني ‪ :‬المنافع المعنوية الغير مشروطة في القرض ‪:‬‬
‫أ ـ شكر المقترض للمقرض ودعاؤه له علناً أو س اًر‬
‫هذه المنفعة التي تحصل للمقرض جائزة ‪ ،‬بل يندب إليها في حق المقترض ؛ ألنه من باب‬
‫مقابلة المعروف بالمعروف ‪ ،‬ومن باب مقابلة اإلحسان باإلحسان ‪ ،‬فيشكره المقترض ويدعو له ‪،‬‬
‫وداللة ذلك القول هو ما يلي ‪–:‬‬
‫الِلِ‬
‫َّللاِ ‪[ : ‬من استَعا َذ ِب ه ِ ِ‬
‫َل ِب ه‬
‫ول ه‬
‫َْ ْ َ‬
‫الِل َفأَعي ُذوهُ َو َم ْن َسأ َ‬
‫ال َرُس ُ‬
‫‪ ‬عن عبد هللا بن ربيعة ‪ ‬قال ‪َ :‬ق َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون ُه‬
‫َع ُ‬
‫طوهُ َو َم ْن َد َع ُ‬
‫ص َن َع ِإَل ْي ُك ْم َم ْع ُروًفا َف َكافُئوهُ َفِإ ْن َل ْم تَ ِجُدوا َما تُ َكافُئ َ‬
‫َفأ ْ‬
‫اك ْم َفأَج ُيبوهُ َو َم ْن َ‬
‫َف ْاد ُعوا َل ُه َحتهى تَ َرْوا أَهن ُك ْم َق ْد َكاَفأْتُ ُموهُ](‪.)2‬‬
‫)‪ )1‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب القرض ‪،‬حديث رقم (‪ ، )2432‬ج‪.813/2‬‬
‫)‪(2‬سنن أبي داود ‪ ،‬كتاب الزكاة ‪ ،‬باب عطية من سأل باهلل ‪ ،‬حديث رقم (‪ )1672‬ج‪.310/2‬‬
‫‪64‬‬
‫‪ ‬ما رواه اإلمام النسائي عن عبد هللا بن ربيعة المخزومي ؛ أن النبي‪ ‬استَل ِ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫ف م ْنه ‪ ،‬ح َ‬
‫ْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض َ ِ‬
‫ال َل ُه النهِبي ‪َ [ : ‬ب َار َك ه‬
‫ين أَْلًفا ‪َ .‬فَل هما َقد َم َق َ‬
‫ين أ َْو أ َْرَبع َ‬
‫َغ َاز ُح َن ْيًنا ‪ ،‬ثَالث َ‬
‫َّللاُ‬
‫اها إيهاهُ ‪ .‬ثُ هم َق َ‬
‫َلك ِفي أَهلِك ومالِك ‪ِ .‬إهنما ج َزاء ه ِ‬
‫اء َواْل َح ْمُد] (‪.)1‬‬
‫ْ َ ََ َ‬
‫َ‬
‫السَلف اْل َوَف ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫ب ـ انتفاع المقرض بضمان ماله عند المقترض وحفظه حتى يسدده‬
‫هذه منفعة أصلية في القرض ال إضافية ‪ ،‬وهي من مقتضى عقد القرض وطبيعته ال تنفك‬
‫عنه ‪ ،‬فهي جائزة باتفاق العلماء ؛ ألنه ال يمكن القول بمنعها وجواز القرض ‪ ،‬والى هذا المعنى‬
‫أشار ابن حزم حين قال‪ ( :‬أنه ليس في العالم سلف إال وهو يجر منفعة وذلك انتفاع المسلف‬
‫بتضمين ماله ‪ ،‬فيكون مضمونا تلف أو لم يتلف ) (‪.)2‬‬
‫ج ـ انتفاع المقرض بشفاعة المقترض وجاهه‬
‫فإذا أقرض الشخص ال البتغاء األجر والثواب واإلرفاق بالمقترض ‪ ،‬وانما لتكون له يد عليه‬
‫بحيث ينتفع من جاهه ومنصبه ‪ ،‬أو من جاه ومنصب أقاربه ‪ ،‬بشفاعة أو تيسر أمر من حاجات‬
‫الدنيا ‪ ،‬فإن الحكم هنا رشوة ألن القرض كان بهذا القصد ‪ ،‬وليس ألجل الحصول على األجر‬
‫والثواب ‪ ،‬والرشوة محرمة في الشرع فعلى هذا فالقرض بصيغته هذه يكون حرام ‪.‬‬
‫وبالمقابل فإن هناك أمر آخر يجب أن نطرحه وهو أن يكون للمقرض حق ال يستطيع أخذه‬
‫إال بالقرض ‪ ،‬أو ظلم ال يمكن دفعه إال به جاز للمقرض وحرم على المقترض ؛ ألن دفع الظلم أو‬
‫إحقاق الحق يتم بأسلوب المعروف وباب فعل الخير ‪ ،‬أما إذا كان من خالل رشوة فهو محرم عليه‬
‫‪.‬‬
‫)‪ )1‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب حسن القضاء ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2424‬ج‪.809/2‬‬
‫)‪ (2‬المحلى ‪ ،‬بن حزم ‪ ،‬ج‪.87/8‬‬
‫‪65‬‬
‫‪ .2‬عدم المماطلة ‪:‬‬
‫عدم المماطلة في سداد القرض ‪ ،‬قد حرمها اإلسالم ‪ .‬وذلك بأن يؤخر المقترض أداء ما‬
‫وجب عليه أداؤه بغير عذر ‪ ،‬وهذا من الظلم الذي ال يرضى به الدين وال الشرع ‪ ،‬وهو من باب‬
‫التسويف على المقرض صاحب القرض ‪ ،‬الذي قد يكون بأمس الحاجة إلى إعادة قرضه إليه بمجرد‬
‫المقترض ‪.‬‬
‫إمكانية ذلك من ُ‬
‫ظلِ ُمو َن‬
‫وس أ َْم َوالِ ُك ْم الَ تَ ْ‬
‫في الكتاب ‪ :‬قال هللا جل وعز في محكم آياته ‪َ ﴿:‬واِن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُؤ ُ‬
‫أنتم(المقرضين) من قبلهم‬
‫ظَل ُمو َن﴾‬
‫ظَل ُمو َن﴾[اآلية ‪ . ]279 :‬قال الشوكاني في تفسيره ‪َ ﴿:‬والَتُ ْ‬
‫َوالَتُ ْ‬
‫ُ‬
‫( ‪)1‬‬
‫المطل من الظلم ‪ ،‬والذي يدعم هذا‬
‫(المقترضين) بالمطل ‪ .‬وهذا إن دل على شيء ‪ ،‬فهو أن ُ‬
‫ُ‬
‫الكالم هو ما ذكره اإلمام إلكيا الهراس ‪ ،‬حين قال في تفسيره ‪( :‬ويدل على أن الغريم متى أمتنع‬
‫ظَل ُمو َن﴾ يدل على أن من‬
‫ظلِ ُمو َن َوالَتُ ْ‬
‫من أداء الدين مع اإلمكان كان ظالماً ‪ ،‬وقوله تعالى﴿ الَ تَ ْ‬
‫عليه رأس المال ‪ ،‬بامتناعه من أداء رأس المال لصاحبه يكون ظالم ‪ ،‬كما أن طلب الزيادة منه‬
‫على رأس المال يكون ظلم)(‪. )2‬‬
‫في السنة ‪ :‬قد ورد عن الرسول ‪ ‬أكثر من حديث بهذا الخصوص ‪ ،‬حيث يحث فيه على‬
‫منع وعدم جواز المماطلة وأنها من الظلم الضار بصاحب القرض ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ظْلم وِا َذا أ ُْتِبع أَحد ُكم عَلى ملِ ٍ‬
‫يء‬
‫‪ ‬عن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول هللا‪ ‬قال ‪َ [ :‬م ْ‬
‫ط ُل اْل َغن ِّي ُ ٌ َ‬
‫َ َُ ْ َ َ‬
‫َفْل َي ْت َب ْع](‪ . )3‬قال السيوطي في شرح سنن النسائي ‪َ (( :‬م ْط ُل اْل َغِني) أراد بالغني القادر على‬
‫األداء ‪ ،‬ولو كان فقي اًر ‪ ،‬ومطله منعه أداء وتأخير القاضي ‪ ،‬منع قضاء ما استحق‬
‫)‪ (1‬فتح القدير‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬ج‪.297/1‬‬
‫)‪ (2‬أحكام القرآن ‪ ،‬إلكيا الهراس ‪ ،‬دار الكتب الحديثة ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬تحقيق ‪ :‬موسى محمد علي ‪ ،‬عزت علي عيد عطية ‪ ،‬ج‪ ، 1‬ص‪.363‬‬
‫(‪)3‬سنن النسائي ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب الحوالة ‪ ،‬حديث رقم (‪ ،)4691‬ج‪ ، 317/7‬صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،‬كتاب المساقاة ‪ ،‬باب تحريم مطل الغني ‪ ،‬ج‪ ، 472/10‬تحفة األحوذي بشرح سنن الترمذي ‪ ،‬كتاب‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم ‪ ،‬ج‪ ، 610/4‬انظر فقه السنة ‪ ،‬السيد سابق ‪ ،‬المجلد الثالث ‪ ،‬ص‪.151‬‬
‫‪66‬‬
‫(‪)1‬‬
‫ط ُل اْل َغِن ِي‬
‫أداؤه) ‪ .‬وقال الشيخ خطابي ‪( :‬قوله [ َم ْ‬
‫ّ‬
‫ظْل ٌم] ‪ ،‬داللته أنه إذا لم يكن غنياً يجد‬
‫ُ‬
‫ما يقضيه لم يكن ظالماً )(‪.)2‬‬
‫وأضاف القرطبي في تفسير مطل الغني قائالً ‪( :‬فالموسر المتمكن إذا طولب باألداء‬
‫ومطل ظلم‪ ،‬وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه‪ :‬فالن يمطل الناس ويحبس حقوقهم ‪ ،‬ويبيح لإلمام‬
‫تأديبه وتعزيره ‪ ،‬حتى يرتدع عن ذلك)(‪.)3‬‬
‫‪ ‬عن عمرو بن الشريد ‪ ،‬عن أبيه ؛ قال ‪ :‬قال رسول هللا‪َ[ : ‬لي اْلو ِ ِ ِ ِ‬
‫ض ُه‬
‫اجد ُيحل ع ْر َ‬
‫َ‬
‫وبتَ ُه](‪ .)4‬فسر الشوكاني ( اللي ‪ :‬المطل ‪ ،‬الواجد ‪ :‬الغني ‪ ،‬من الوجد (بالضم) بمعنى‬
‫َو ُعُق َ‬
‫القدرة )(‪ .)5‬وقال القزويني‪ :‬ومعنى(يحل عرضه) أي للدائن ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬ظلمني ومطلني‬
‫‪( ،‬عقوبته) بالحبس والتعزير(‪.)6‬‬
‫‪ .3‬االهتمام بوفاء القرض‪:‬‬
‫المقترض ‪ ،‬أن يتعجل في إيفاء قرضه الذي بذمته تجاه المقرض‬
‫إن الذي ُيطلب من المسلم ُ‬
‫‪ ،‬قبل أن يفاجئه الموت أو األجل ‪ ،‬وذلك لما ورد أن الميت مرهون َبد ْينه والدين يشمل كل مال‬
‫ومن ضمنه( القرض) ‪ ،‬إلى أن يوفى عنه ‪.‬‬
‫ِِ‬
‫ه‬
‫ضى َع ْن ُه](‪.)7‬‬
‫‪ ‬عن أبي هريرة ‪ ‬؛ قال ‪ :‬قال رسول هللا ‪َ [ ‬نْف ُس اْل ُم ْؤ ِم ِن ُم َعلَق ٌة ِب َد ْينه َحتهى ُيْق َ‬
‫(‪ )1‬سنن النسائي وعليه شرح السيوطي ‪ ،‬ج‪.316/7‬‬
‫(‪ )2‬سنن أبي داؤد وعليه شرح الخطابي ‪ ،‬ج‪.640/3‬‬
‫)‪ )3‬الجامع ألحكام القرآن ‪ ،‬القرطبي ‪ ،‬ج‪.2،3/6‬‬
‫(‪ )4‬سنن النسائي ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب مطل الغني ‪ ،‬حديث رقم (‪)4689‬ورقم (‪ ، )4690‬ج‪. 317،316/7‬‬
‫)‪ (5‬نيل األوطار ‪ ،‬الشوكاني ‪ ،‬كتاب التفليس ‪ ،‬باب مالزمة الملئ واطالق المعسر ‪ ،‬ج‪/5‬ص‪.361‬‬
‫)‪ (6‬سنن بن ماجة ‪ ،‬القزويني ‪ ،‬ج‪ ، .811/2‬وقال بذلك السيوطي في سنن النسائي ‪ ،‬ج‪.317/7‬‬
‫)‪ (7‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬كتاب الصدقات ‪ ،‬باب التشديد في الدين ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2413‬ج‪.806/2‬‬
‫‪67‬‬
‫وب ِعند ه ِ‬
‫َن‬
‫َع َ‬
‫َّللا ‪ ،‬أ ْ‬
‫ظ َم الذُن ِ ْ َ‬
‫‪ ‬عن أبي موسى األشعري ‪ ، ‬عن رسول هللا ‪ ‬أنه قال ‪ِ[ :‬إ هن أ ْ‬
‫وت َرُج ٌل َو َعَل ْي ِه َد ْي ٌن ال َي َدعُ َل ُه‬
‫َيْلَقاهُ ِب َها َع ْبٌد َب ْع َد اْل َك َب ِائ ِر هالِتي َن َهى ه‬
‫َن َي ُم َ‬
‫َّللاُ َع ْن َها ‪ ،‬أ ْ‬
‫اء](‪.)1‬‬
‫َق َ‬
‫ضً‬
‫َخ َذ أ َْمو َ ه ِ ِ‬
‫اء َها أَهدى‬
‫‪ ‬عن أبي هريرة رضي هللا عنه ‪ ،‬عن النبي‪ ‬قال ‪َ [ :‬م ْن أ َ َ‬
‫ال الناس ُير ُيد أ ََد َ‬
‫َّللاُ](‪ ،)2‬وفسر الصنعاني في سبل السالم الحديث‬
‫َخ َذ ُي ِر ُيد ِإ ْتالَف َها أ َْتَلَف ُه ه‬
‫ه‬
‫َّللاُ َع ْن ُه ‪َ ،‬و َم ْن أ َ‬
‫بقوله ‪ ( :‬التعبير بأخذ أموال الناس يشمل أخذها باالستدانة أو أخذها لحفظها ‪ ،‬والمراد‬
‫من إرادته في التأدية قضاؤها في الدنيا وتأدية هللا عنه تشمل تيسيره تعالى لقضائها في‬
‫الدنيا بأن يسوق إلى المستدين ما يقضي به دينه ‪ ،‬وأداؤها عنه في اآلخرة بارضائه غريمه‬
‫بما شاء هللا تعالى )(‪.)3‬‬
‫القرض أفضل أم الصدقة ؟‬
‫في هذا المقام وبعد ما كتب على القرض في هذا الفصل ‪ ،‬يجب أن نطرح تساؤالً مهماً‬
‫للتوضيح ‪ ،‬وهو أيهما أفضل القرض أم الصدقة ؟ فكل لها مكانته وأجره الكبير وكذلك أثره في‬
‫المجتمع وفائدته الجمة على التخفيف على كاهل الناس وكل له مقاييسه وأغراضه ‪ ،‬ولكل منهم‬
‫هدفه السامي والنبيل في توفير متطلبات العيش ‪ ،‬والصدقة عقد تبرع أما القرض فأوله عقد تبرع‬
‫وآخره معاوضة ‪ .‬ولتبيين تلك األفضلية وجب طرح ذلك السؤال واإلجابة عليه هي بمثابة مفتاح‬
‫للتفريق بينهم واعطاء األهمية النسبية لكليهما ‪.‬‬
‫وتحقيق القول في هذه المسألة أن أفضلهما ما يقع في يد محتاج(‪:)4‬‬
‫)‪ )1‬سنن أبي داؤد ‪ ،‬كتاب البيوع واالجارات ‪ ،‬باب في التشديد في الدين ‪ ،‬حديث رقم(‪ ، )3342‬ج‪.638،637/3‬‬
‫)‪ (2‬صحيح بخاري ‪ ،‬باب من أخذ أموال الناس يُريد أداءها أو إتالفها ‪ ،‬كتاب االستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2387‬ص‪.383‬‬
‫)‪ )3‬سبل السالم في شرح بلوغ المرام ‪ ،‬محمد بن إسماعيل الصنعاني ‪ ،‬دار الفرقان ‪ ،‬عمان ‪ ،‬ج‪ ، 3‬ص‪.65‬‬
‫)‪ (4‬ما ال يسع التاجر جهله ‪ ،‬عبد هللا المصلح ‪ ،‬صالح الصاوي ‪ ،‬ص‪.213‬‬
‫‪68‬‬
‫‪ o‬فالصدقة للمحتاج أفضل من القرض لغير المحتاج ‪ ،‬والقرض للمحتاج أفضل من‬
‫الصدقة لغير المحتاج ‪.‬‬
‫‪ o‬أما إذا تساويا بأن وقع كل منهما في يد محتاج ‪ ،‬أو في يد غير محتاج ‪،‬‬
‫فالصدقة أفضل ‪ ،‬ألن الصدقة ال بدل لها فقد خرج صاحبها عنها هلل تعالى ‪،‬‬
‫بخالف القرض الذي ينتظر صاحبه رده ‪.‬‬
‫وبهذا يتحقق الجمع بين األحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض ‪ ،‬وقد وردت تلك األحاديث في‬
‫مبحث سابق من الفصل وهو مبحث مشروعية القرض ‪.‬‬
‫وقد( ُسئل) العالمة ابن حجر الهيتمي ‪ ،‬هل األفضل القرض أم الصدقة ؟‬
‫فأجاب بقوله ‪(:‬القرض أفضل كما جزم به ابن الرفعة والنسائي وغيرهما ‪ ،‬لخبر درهم‬
‫الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر ‪ ،‬ووجهه أن طالب القرض إنما يطلبه عن حاجة غالباً ‪،‬‬
‫بخالف طالب الصدقة ‪ ،‬و ِ‬
‫اعترض بخبر من أقرض درهما مرتين فله مثل أجر صدقته مرة)(‪،)1‬‬
‫وترجيح الشيخ هنا القرض أفضل ‪ ،‬ألنه أعتبر القرض للمحتاج والصدقة لغير المحتاج‬
‫وخالصة الكالم سواء كان القرض أفضل أم ال فهو في نهاية المطاف أداة تفسح المجال‬
‫ألن يصل اإلنسان إلى حاجاته وأغراضه وتيسير أموره الدنيوية ‪ ،‬وهو في الوقت ذاته وسيلة فعالة‬
‫لتحريك نشاط السوق ‪ ،‬من خالل صناعة القوة الشرائية للمستفيدين منه ‪ .‬وهللا أعلم ‪.‬‬
‫)‪ (1‬الفتاوى الكبرى الفقهية وبهامشه فتاوى الرملي ‪ ،‬ابن حجر الهيتمي ‪ ،‬دار الباز ‪ ،‬مكة المكرمة ‪ ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.279‬‬
‫‪69‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫القرض الحسن وأثره في تنمية المجتمع‬
‫مقدمة ‪:‬‬
‫بعد الكالم عن القرض بشيء من التفصيل في الفصل األول من الناحية الفقهية ‪ ،‬أتى دور‬
‫الحديث عن أمكانية استغالل ذلك النوع من المعامالت ‪ ،‬في مجال التنمية عموماً واالقتصادية‬
‫منها خصوصاً ‪ ،‬والتي هي أساس التوازن والرقي والتطور والتقدم في كل ميادين المجتمع ‪.‬‬
‫ومن ناحية ثانية فإن المصارف اإلسالمية التي تبتغي لعب دور أفضل في كل القطاعات‬
‫التي تخدم اقتصاد البلد والمجتمع في آن واحد ‪ ،‬ستقوم باستخدام أساليب التمويل التي تبتعد عن‬
‫كل ما هو حرام وعن كل ما هو غير شرعي ‪ ،‬وستلجأ بالتالي إلى ما وضعته الشريعة في متناول‬
‫أيدينا من معامالت مباحة في نظر القرآن والسنة الشريفة واإلجماع ‪ ،‬وهما المصادر األساسية التي‬
‫يستند عليها كل شيء إسالمي ‪.‬‬
‫ومن هذا المنطلق فإن القرض ‪ ،‬يعتبر من أحد األساليب الصحيحة والمشروعة التي‬
‫وضعت أمام المصارف اإلسالمية ‪ ،‬لالستفادة منها في أنشطتها االقتصادية واالجتماعية ‪ ،‬وكان‬
‫القرض الحسن فكرة بديلة لوضعه أمام تحديات المصارف ذات القرض الربوي ‪ ،‬والتي تعتمد بشكل‬
‫أساس على مبدأ الفائدة في تعامالتها المصرفية ‪ ،‬والتي يعتبرها جمع كبير من العلماء بأنها من‬
‫الربا الذي ورد تحريمه في القرآن والسنة واإلجماع ‪ .‬وفي هذا الباب يستوجب علينا إعطاء صورة‬
‫واضحة عن دور القرض الحسن في التنمية والمساهمة التي ُيعطيها ‪ ،‬وللحديث عن ذلك يجب‬
‫علينا أوالً بيان دور المصارف اإلسالمية في التنمية ‪ ،‬وهو ما سنتناوله في المبحث األول ‪.‬‬
‫المبحث األول‬
‫‪70‬‬
‫المصارف اإلسالمية ودورها في التنمية‬
‫اوالً ‪ :‬نشأة المصارف التجارية في العالم اإلسالمي ‪:‬‬
‫كانت المجتمعات اإلسالمية األولى في زمن الخالفة اإلسالمية تتسم باالنقياد تجاه أوامر‬
‫الدين الحنيف في كل شيء ‪ ،‬وتم وضع األسس الصحيحة لهذه اللبنة المتكاملة بشكل ال يدعو‬
‫للريبة ‪ ،‬وكانت المعامالت المالية واالقتصادية تعج بالنشاط على جميع أصعدتها ‪ .‬ولكن الذي‬
‫حصل هو بدء مرحلة جديدة في عهد التاريخ اإلسالمي ‪ ،‬ظهرت تلك المرحلة عقب انهيار الخالفة‬
‫العثمانية في أوائل القرن السابق ‪ ،‬ذلك االنهيار الذي حصل على أيدي المستعمر القادم من الغرب‬
‫في الحرب العالمية األولى ‪ ،‬حيث تقاسمت الدول المنتصرة في الحرب ‪ ،‬األمالك المالية للدولة‬
‫العثمانية وهي نفسها أمالك الخالفة اإلسالمية الممتدة على مدى مئات السنين(‪.)1‬‬
‫وفي هذا الوقت بدأت مرحلة ظهور االستعمار والذي كان فيما بعد أساس التخلف الذي حل‬
‫على األمة اإلسالمية ‪ ،‬وأدى ذلك نحو انحدارها إلى انحطاط بعد رقي والى جهالة بعد علم والى‬
‫ضعف بعد قوة والى تشتت بعد وحدة ‪ ،‬فقد جهز ذلك االستعمار كل قواه ألجل سلخ األمة‬
‫اإلسالمية من واقعها ‪ ،‬ومن بين األساليب التي انتهجها في عملية امتصاص ونهب الموارد المالية‬
‫لتلك البلدان ‪ ،‬هو نشر المصارف الربوية أو التجارية في العالم اإلسالمي ‪.‬‬
‫ولهذا يجب أن نلقي نظرة متكاملة وموجزة عن تاريخ ونشأة المصارف التجارية في العالم‬
‫الغربي ‪ ،‬فقد كان أول ظهور للمصارف التجارية في المدن اإليطالية الشمالية ‪ ،‬مدن ميالنو‬
‫والبندقية وجنوا وفلورنسا ‪ ،‬والتي كانت تتميز بازدهار ونمو أنشطتها التجارية في أوروبا خالل القرن‬
‫الثاني عشر الميالدي(‪.)2‬‬
‫)‪ )1‬تأريخ اإلمبراطورية العثمانية ‪ ،‬محمود علي عامر ‪ ،‬دار الصفدي ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ط‪ ، 2004 ،1‬ص‪.234‬‬
‫)‪ (2‬أساسيات العمل المصرفي االسالمي ‪ ،‬محمود حسن صوان ‪ ،‬دار وائل ‪ ،‬عمان ‪ ،‬ط‪ ، 2001 ،1‬ص‪.19‬‬
‫‪71‬‬
‫لقد كان " مصرف البندقية " ( ‪ (The Bank of Venice‬أول مصرف تجاري منظم ‪،‬‬
‫والذي تأسس عام ‪1157‬م إذ كان يقوم بعملية قبول الودائع من جميع شرائح المجتمع (األفراد‬
‫والهيئات ) ‪ ،‬وكذلك يقدم القروض للتجار والمستثمرين(‪ ،)1‬والفضل في ذلك يعود إلى الصاغة‬
‫(‪ )Goldsmiths‬والصيارفة (‪ )Money Changers‬في مدن إقليم لومبارديا في شمال إيطاليا ‪،‬‬
‫والذين اكتسبوا ثقة المتعاملين معهم حينما بدؤوا في قبول الودائع من األفراد والتجار بغية المحافظة‬
‫عليها من الضياع والسرقة ‪ .‬هذا الوضع الجديد لدى الصيارفة والصاغة المتمثل بقبولهم الودائع‬
‫أدى إلى ظهور وتنامي أفكار حديثة لديهم ‪ ،‬فنتج عن تلك األفكار خطة في تشغيل واستثمار ما‬
‫لديهم من ودائع من خالل نظام إقراض بعض التجار ‪ ،‬والحصول على فوائد مقابل تلك القروض ‪،‬‬
‫مع االحتفاظ باحتياطي لسد أي طلبات سحب طارئة من قبل أصحاب الودائع‪.‬‬
‫هكذا نشأت فكرة المصارف التجارية وتطورت األعمال المصرفية وتنوعت وأصبحت‬
‫ٍ‬
‫إنشاء أول مصرف‬
‫مؤسسات تمويلية هدفها األول هو الربح ‪ ،‬ثم تبعها بعد فترة طويلة من الزمن‬
‫ُ‬
‫حكومي بالمفهوم الحديث في مدينة البندقية عام ‪ ، 1587‬وفي عام ‪1609‬م تأسس " مصرف‬
‫أمستردام" (‪ (The Bank of Amsterdam‬بعد أن أصبحت هولندا مرك اًز مالياً ومصرفياً منافساً‬
‫للمصارف اإليطالية(‪.)2‬‬
‫وبدأ في وقت الحق ظهور المصارف المركزية(‪ ،)3‬ففي عام ‪ 1668‬تأسس "مصرف السويد‬
‫" (‪ )The Bank of Sweden‬كأقدم المصارف المركزية الرائدة في العالم ‪ ،‬ثم جاء تباعاً "‬
‫مصرف إنكلترا" (‪ (The Bank of England‬الذي أُن ِشئ في عام ‪ ، 1694‬وحظي ذلك‬
‫المصرف بشهرة كبيرة بين المصارف المركزية عندما منحته الحكومة حق االحتكار في إصدار‬
‫)‪ (1‬المصارف اإلسالمية والرقابة الشرعية ‪ ،‬شامل شاهين ‪ ،‬دار األنصاري ‪ ،‬حلب ‪ ،‬ط‪ ، 2008 ،1‬ص‪.39‬‬
‫)‪ (2‬أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي ‪ ،‬محمود صوان ‪ ،‬ص‪.20،19‬‬
‫)‪Money and Banking ,Steiner , w.h.and Shapiro, Eli , Henry Holt&co., (pp.245_248),New York, 1953. (3‬‬
‫‪72‬‬
‫النقد عام ‪ ، 1833‬وأصبح الحقاً يقوم بالوظائف الكاملة كمصرف مركزي بموجب التشريع الذي‬
‫صدر عام ‪ ، 1844‬وتميز بتلقي الودائع الحكومية وتقديم الخدمات المصرفية المتنوعة لتلبية‬
‫احتياجات الحكومة ‪ .‬ثم توالت وازدادت تلك المصارف في أوروبا بعد أن انتشرت الثورة الصناعية‬
‫مصارف كبيرة‬
‫فيها خالل القرن التاسع عشر ‪ ،‬وأخذت تُطور أعمالها المصرفية ‪ ،‬ونشأت عدةُ‬
‫َ‬
‫الحجم على شكل شركات مساهمة لتوفير االحتياجات المالية لقطاعي الصناعة والتجارة والقطاعات‬
‫األخرى ‪.‬‬
‫وامتد زحف تلك المصارف ليقتحم المؤسسات المالية اإلسالمية ‪ ،‬فكان أول ظهور لها في‬
‫البالد اإلسالمية عام ‪ ، 1898‬عندما أنشئ المصرف المصري في مصر برأس مال قدره‬
‫(‪ )500000‬خمسمائة ألف جنيه إسترليني ‪ ،‬وقد ترأس هذا المصرف (طلعت حرب) الذي قام‬
‫باالستثمار الصناعي في النسيج والقطن والحديد(‪ ،)1‬بعدها أخذت المصارف تنتشر كالنار في‬
‫الهشيم في البلدان العربية واإلسالمية ‪.‬‬
‫وبذلك فقد تحول االستعمار العسكري بعد رحيله إلى استعمار اقتصادي إلدارة جميع الموارد‬
‫الطبيعية والثروات ‪ ،‬وكان يشكل النظام المالي للمسلمين عبر مؤسساته المالية المصرفية التي‬
‫أصبحت تحتل الصدارة في توجيه دفة االقتصاد الداخلي واخضاعه لتبعيته والدوران في فلكه(‪.)2‬‬
‫وتمكنوا من خالل هذه المصارف أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير الدول اإلسالمية ‪ ،‬بأن هذه‬
‫المصارف تقوم على نظام طبيعي وعلى أساس صحيح ال تشوبه أي شائبة ‪ ،‬فأصبحت هذه العقلية‬
‫خاضعة لهذه المعتقدات ‪ ،‬وأغرقت تلك المصارف معها المجتمعات اإلسالمية في مستنقع‬
‫المحرمات الذي شددت الشريعة اإلسالمية على النهي عن التعامل به ‪ ،‬وبذلك أنجزت الدول‬
‫)‪ (1‬الشامل ‪ ،‬محمود عبد الكريم إرشيد ‪ ،‬دار النفائس ‪ ،‬األردن ‪ ،‬ط‪ ،2007 ، 2‬ص‪.11‬‬
‫(‪ )1‬التحديات والحلول أمام النظام المصرفي اإلسالمي ‪ ،‬محسن آل عصفور ‪http://www.al-asfoor.org/?id=494 ،‬‬
‫‪73‬‬
‫االستعمارية إحدى أهدافها األساسية بالسيطرة اقتصادياً على الدول اإلسالمية من خالل منظومة‬
‫كبيرة من المصارف والمؤسسات التمويلية ‪ ،‬فكانت المصارف التجارية في بلدان العالم االسالمي‬
‫مجرد فروع للمصارف التجارية في الغرب وتقليد لها(‪.)1‬أي أن المصارف الفرعية التي أنشأت في‬
‫المستعمرات أصبحت مرتبطة بالمصارف األصلية ‪‬األم‪ ‬الموجودة في دول االستعمار‪.‬‬
‫في الجانب اآلخر نجد أن البلدان اإلسالمية تقبلت هذا النظام الذي فرضه المستعمر‬
‫وتقبلت فكرة المصارف التجارية الربوية بمحض إرادتها أو مجبرة عليه كواقع فرضه المثلث الربوي‬
‫‪‬صندوق النقد الدولي ‪ ،‬والبنك الدولي لإلنشاء والتعمير ‪،‬واتفاقية الجات والتي خلفتها منظمة‬
‫التجارة العالمية‪ ،)2(‬ونجد أن هذه المنظمات الثالث ال يمكن التعامل معها إال من خالل االستسالم‬
‫لقوانينها المخالفة للشريعة اإلسالمية ومصلحة البلدان اإلسالمية والنامية على حد سواء ‪ ،‬وأن هذا‬
‫النظام شبيه بالنظام الذي كان ُيمارس في أيام الجاهلية قبل وصول اإلسالم ‪ ،‬ه‬
‫ولكن هذا النظام‬
‫الحالي امتاز عن النظام في الجاهلية بأطر وتقنيات الحداثة والتنظيم التي عرفها العالم الغربي ‪.‬‬
‫وهذا النظام المصرفي العالمي الغربي ‪ ،‬عرف كيف يتغلغل في داخل أقنية المجتمعات‬
‫اإلسالمية ‪ .‬واألهم من ذلك كله أنهم وجدوا من يروج من علماء األمة اإلسالمية لتلك األفكار‬
‫الخارجة عن إطار الشريعة اإلسالمية فهناك مجموعة من علماء المسلمين حللوا الفوائد الموجودة‬
‫في المصارف وقالوا إنها من الحالل الشرعي ‪.‬‬
‫فقد سمعنا من بعضهم تفريقهم بين الفائدة المركبة والفائدة البسيطة بتحريم األولى ‪ ،‬وتحليل‬
‫الثانية ‪ .‬وهذا ما وجدناه في كالم الدكتور عبد الرزاق السنهوري فقد جاء فيه قوله ‪( :‬إن هناك فرًقا‬
‫ما بين المقترض والمقرض في المعامالت المالية الخاصة في المصارف ‪ .‬ذلك أن المقترض في‬
‫)‪ )1‬المعامالت المالية المعاصرة في الفقه اإلسالمي ‪ ،‬محمد عثمان شبير ‪ ،‬دار النفائس ‪ ،‬عمان ‪، 1996 ،‬ص‪.212‬‬
‫)‪ (2‬ثر سياسات منظمة التجارة العالمية في صادرات مجموعة من البلدان النامية ‪ ،‬عمر هشام صباح الفخري ‪ ،‬رسالة ماجستير ‪ ،‬كلية اإلدارة واالقتصاد ‪ ،‬جامعة الموصل ‪ ، 2006 ، ،‬ص‪.1‬‬
‫‪74‬‬
‫المصارف هو الجانب القوي ‪ ،‬والمقرض هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية ‪ ،‬وما دام‬
‫رأس المال ليس ملك الدولة بل ه و ملك الفرد أو دخله بعمله وجهده ‪ ،‬فمن حقه أن ال يظلم فيه وال‬
‫يظلم ‪ ،‬ما دامت الحاجة قائمة إلى كل ذلك ‪ ،‬فإن فائدة رأس المال في الحدود المذكورة تكون جائزة‬
‫استثناء من أصل التحريم) (‪.)1‬‬
‫وفي مكان آخر كان هناك دفاع عن معامالت المصارف التجارية ‪ ،‬فقد أصدر مجمع‬
‫البحوث اإلسالمية في مصر عام ‪ 1989‬فتوى(‪)2‬عن مفتي األزهر بقوله ‪ :‬إن ما تقوم به المصارف‬
‫الربوية ( التي ال تصف نفسها باإلسالمية ) من معامالت تسميها ( إسالمية ) هي (من الحالل‬
‫المتفق عليه) ‪ .‬وكان رد الشيخ يوسف القرضاوي على تلك الفتوى حازماً بقوله‪( :‬هذا غير ُمسّلم ‪،‬‬
‫فإن من العلماء الكثيرين ال يزالون يشككون في شرعية هذه المعامالت ‪ ،‬التي يقوم بها بنك ال يلزمه‬
‫قانونه ونظامه باجتناب الربا ‪ ،‬وال يفرض عليه رقابة شرعية ‪ ،‬وال يتأكد عميله من وجود ذمة مالية‬
‫مستقلة للمال الحالل ‪ ،‬فكان األَولى أن يدرج ذلك في المختلف فيه ‪ ،‬ويرجح المفتي ما يراه تبعاً لما‬
‫تبين له من دالئل)(‪.)3‬‬
‫ومنذ دخول هذه المصارف بالد المسلمين ‪ ،‬تصدى لها جمع غفير من علماء األمة ‪،‬‬
‫وكانت لهم ردود فعل متباينة ‪ ،‬وأوضحوا للقاصي والداني أنهم على استعداد للوقوف بوجه‬
‫المعامالت الدخيلة المصرفية التي تعرض المجتمع لخطر داهم ‪ ،‬وكان من بينهم مشايخ اإلسالم‬
‫في الدولة العثمانية وعلماؤها ‪ ،‬وفي مصر كان هناك الشيخ محمد عبده ورشيد رضا وغيرهم كثير‪.‬‬
‫)‪ )1‬مصادر الحق في الفقه االسالمي ‪ ،‬عبد الرزاق السنهوري ‪ ،‬مكتبة الحلبي الحقوقية ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬الطبعة األولى ‪ ، 1998 ،‬ج‪ ، 2‬ص‪.133‬‬
‫)‪ ) 2‬مجمع البحوث اإلسالمية في مصر قام باستصدار قرار يعتبر ربا البنوك حالل ‪ ،‬و كانت جلسة المجمع التي أجازت فوائد البنوك الربوية قد ضمت عدد من علماء األزهر ‪ ،‬الرئيسين منهم ‪:‬‬
‫الدكتور محمد سيد طنطاوي ‪ ،‬الدكتور محمود حمدي زقزوق ‪ ،‬الدكتور عمر هاشم ‪ ،‬الدكتور أحمد الطيب ‪ ،‬والدكتور محمد الراوي ‪.‬‬
‫(‪ )3‬فوائد البنوك ‪ ،‬يوسف القرضاوي ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 2001 ، 2‬ص‪.69‬‬
‫‪75‬‬
‫وفي حقيقة نابعة عن رؤية اإلسالم الواقعية تجاه المصارف الربوية قال سيد قطب ‪ ( :‬أن اإلسالم‬
‫حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص ‪ ،‬لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي‬
‫إلى إلغاء المؤسسات واألجهزة الالزمة لنمو الحياة االقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم‪،‬‬
‫ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه ‪ ،‬ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة ‪ ،‬وفي أول هذه‬
‫المؤسسات واألجهزة ؛ المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات االقتصاد الحديث )(‪.)1‬‬
‫وفي باكستان قام فيها الشيخ العالهمة أبو األعلى المودودي بنشر عدة مقاالت في مجلة‬
‫خاصة اسمها ( ترجمان القرآن ) في سنة ‪ ، 1973‬وكان فيها التبيين واضحاً بخصوص حرمة‬
‫( ‪)2‬‬
‫المعامالت الصادرة عن المصارف التجارية ‪ ،‬الشتمالها على الربا‬
‫‪ ،‬وهناك كثير من الفتاوى‬
‫والدراسات والمقاالت العلمية التي أكدت على مبدأ تحريم المعامالت الربوية في المصارف التجارية‬
‫التي ترعرعت في البلدان اإلسالمية ‪.‬‬
‫وكان ظهور المصارف اإلسالمية ـ بكل ما تحمله من أفكار وصيغ وأساليب تمويل ـ رداً‬
‫قوياً على هذه المصارف التجارية ‪ ،‬ولكن بالرغم من مضي أكثر من نصف قرن على التوجه العام‬
‫ّ‬
‫إلنشاء المؤسسات والمصارف اإلسالمية كبديل إسالمي تجاه المد العاصف من المصارف الغربية‬
‫‪ ،‬إال أننا ال نجد من بين الدول اإلسالمية سوى محاوالت قليلة استجابت لهذا التوجه ‪ ،‬والعلة في‬
‫ذلك هي أن تلك المصارف التجارية التي أنشأها االستعمار وأرسى قواعدها عند دخوله العالم‬
‫اإلسالمي عرفت كيف تُحكم جذورها في المجتمعات والبلدان اإلسالمية ‪ ،‬حتى بعد زوال الوجود‬
‫العسكري وانزياح مؤثراته القابعة ‪.‬‬
‫)‪) 1‬في ظالل القرآن ‪ ،‬سيد قطب ‪ ،‬ج‪.322/3‬‬
‫(‪ ) 2‬أنظر المصارف االسالمية والرقابة الشرعية ‪ ،‬شامل شاهين ‪ ،‬ص‪.40‬‬
‫‪76‬‬
‫ومن أجل الوصول إلى الغاية المثلى بالتخلص من التبعية المصرفية تلك ‪ ،‬يستوجب‬
‫التحرر من هذه االستحكامات التي وضعها المستعمر كخيار وحيد إلنقاذ المجتمعات اإلسالمية من‬
‫ذلك المد ‪ ،‬ولكن ذلك الخيار يحتاج إلى أشواط كبيرة من النمو والرقي والحداثة والتحسين والتطور‬
‫واالستقالل بالق اررات االقتصادية ‪ ،‬لكي تتسنى في ذلك الحين القدرة على التحول إلى الحرية‬
‫الكاملة في الحصول على الفرصة الحقيقية للوصول إلى التنمية الشاملة في كل قطاعات المجتمع‬
‫‪ ،‬وبالتالي سيتكون نظام مصرفي عالمي حسب الرؤية والنظرة اإلسالمية للتنمية ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ :‬دور المصارف التجارية في التنمية‬
‫يمكن تصنيف البلدان اإلسالمية كافة ضمن خانة البلدان النامية مع األخذ باالعتبار تفاوت‬
‫هذه البلدان في مراحل نموها‪ .‬فمنذ قيام الثورة الصناعية في غرب أوربا بدأت الفجوة تتسع بين‬
‫الدول الصناعية والدول النامية وهذه األخيرة اشتركت في المصاعب ذاتها والتي وضعتها في هوة‬
‫بعيدة عن الدول المتقدمة وأصبحت كمظاهر تخلف تعيقها عن النمو والتقدم والتطور‪ ،‬ويمكن‬
‫إجمال تلك المظاهر أو الخصائص باآلتي ‪:‬‬
‫‪ .1‬تدني مستوى الدخل الحقيقي وضآلة حصة الفرد من رأس المال ‪ ،‬مما ينجم عنه من نقص‬
‫في االدخار وضيق السوق المحلية‪.‬‬
‫‪ .2‬استحواذ النشاط الزراعي على الفعاليات االقتصادية مع تخلف يسود أساليب اإلنتاج‬
‫الزراعي في ظل زيادة بنسبة السكان ‪ ،‬والتي تحتاج في الوقت ذاته إلى زيادة في كمية‬
‫السلع االستهالكية ‪ ،‬وكذلك شيوعُ العالقات الزراعية ونظم الملكية التي تضعف من‬
‫إمكانية استغالل األراضي الزراعية واصالحها ‪ ،‬مما يعود بالضرر على اإلنتاج الزراعي‬
‫الذي يغطي متطلبات السوق االستهالكية ‪.‬‬
‫‪77‬‬
‫‪ .3‬هيمنة سلعة واحدة على اإلنتاج المحلي وعلى الصادرات ‪ ،‬وغالبا ما تكون هذه السلعة من‬
‫الخامات أو المنتجات الزراعية ‪ ،‬مما يعرض موارد البلد المالية للتذبذب جراء التقلب في‬
‫أسعار هذه السلعة في السوق العالمية‪.‬‬
‫‪ .4‬ازدواجية االقتصاد إذ يتعايش قطاع متقدم في دائرة التكامل مع السوق العالمية ‪‬غالباً ما‬
‫يكون استخراجياً‪ ‬بينما نرى وضع القطاعات األخرى خامالً وتقليدياً‪.‬‬
‫‪ .5‬تَركز السلطة السياسية بيد فئة محددة وضيق قاعدة القرار مع غياب االستقرار السياسي ‪،‬‬
‫وفقدان الطاقات الغنية بتصدير األرباح إلى المستثمرين األجانب ‪.‬‬
‫‪ .6‬ضعف الهياكل والتنظيمات المؤسسية ونقص الخبرات والكوادر اإلدارية والفنية المؤهلة‬
‫لقيادة النشاط االقتصادي‪.‬‬
‫‪ .7‬ارتفاع معدالت الزيادة السكانية مع وجود ركود اقتصادي بنفس الوقت ‪ ،‬يقود إلى خلق فراغ‬
‫كبيرة بين التزايد السكاني السريع والنمو البطيء في الموارد المتاحة إلشباع رغبات‬
‫واحتياجات هؤالء السكان ‪ .‬وباإلضافة إلى تدني مستوى استغالل هذه الموارد الطبيعية‬
‫المتاحة وعدم كفاية رأس المال التقني لها ونقص القيمة المضافة بشكل عام‪.‬‬
‫‪ .8‬شيوع األنماط السلوكية القائمة على المحاكات واالستهالك المظهري مما يقضي على‬
‫الفوائض االحتمالية ويكرس فجوة الموارد ونقص االدخار ومن ثم نقص التجهيز‬
‫الرأسمالي‪.‬‬
‫‪ .9‬ارتفاع نسبة المديونية الخارجية بسبب االعتماد الكبير على رؤوس األموال األجنبية ‪،‬‬
‫وكذلك نقص الموارد الوطنية يخلق تفاقم العجز في موازين المدفوعات ‪.‬‬
‫‪78‬‬
‫‪ .10‬تماثل الهياكل اإلنتاجية في الدول النامية بشكل عام يؤدي إلى انعدام العالقات المتبادلة‬
‫بينها ‪ ،‬ويفقدها فرص التبادل التجاري مع بعضها ويضطرها للتكامل مع اقتصاديات الدول‬
‫المتقدمة صناعياً في ظل تدهور شروط التبادل التجاري ‪.‬‬
‫‪ . 11‬االعتماد على التكنولوجيا األجنبية كمصدر لتحسين النمو االقتصادي ‪ ،‬مع بقاء حالة‬
‫ركود القوى المنتجة الفاعلة ‪ ،‬مما ُيحدث فاصالً زمنياً بعيداً بين تطور وتقدم الدول الصناعية‬
‫وبين الدول النامية ‪.‬‬
‫‪ .12‬االختالل بين الصادرات والواردات بسبب تدني مستوى الناتج المحلي ‪ ،‬حتى إنه غير‬
‫قادر على إكمال العرض المحلي ‪ ،‬مما يدفع به إلى االستيراد بنحو متزايد‬
‫‪ .13‬كثرة التناحر الفئوي والعرقي والسياسي الذي يقود إلى حركات انفصال أو حروب أهلية‬
‫أو صدامات مسلحة دامية ‪ ،‬يتسبب في تفشي األمية وتدني مستوى التعليم وانتشار البطالة‬
‫ونقص في االستخدام األمثل للموارد وضعف مستمر في مردود العمل ‪ ،‬وارتفاع معدالت‬
‫الوفي ات وانخفاض العمر المتوقع عند الوالدة وانتشار الفقر والمرض ‪ ،‬وبالنتيجة عرقلة كل‬
‫الجهود التنموية‪.‬‬
‫‪ .14‬تبعية اقتصاديات الدول النامية القتصاديات الدول المتقدمة ‪ ،‬مما يؤدي إلى سيطرة‬
‫خارجية على مقدرات أمم وشعوب تلك الدول ‪.‬‬
‫وتم طرح رؤى تنموية للتخلص من التخلف الذي تمثله هذه السمات واختلفت هذه الرؤى‬
‫من عالم إلى آخر إال أن الدور الذي يلعبه القطاع المصرفي في عملية التنمية كان القاسم المشترك‬
‫بينهم ‪ ،‬إذ أكد ‪‬روزنشتاين _ رودان‪ ‬على الدفعة القوية لتجاوز عتبة االنطالق أي أن اقتصاد‬
‫‪79‬‬
‫الدول النامية يحتاج إلى الكثير من االستثمارات كي يصل إلى مرحلة النمو الذاتي وتوليد حركية‬
‫داخلية في ظل ظروف اقتصاد معولم تتنافس فيه القوى االقتصادية الكبرى‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫كما اهتم ‪‬نيركسه‪ ‬باستراتيجية النمو المتوازن للتخلص من حيث الحلقة المفرغة للفقر‪،‬‬
‫ووجوب توجه االستثمار إلى كافة القطاعات االقتصادية بشكل متزامن ومتوازي(‪.)2‬‬
‫ويتفق ‪‬البرت هيرشمان‪ ‬مع من سبقه حول أهمية الدفعة القوية ‪ ،‬حيث تنسب إستراتيجية‬
‫النمو الغير المتوازن له ‪ ،‬والتي انتقد فيها استراتيجية نيركسه للنمو المتوازن ‪ ،‬وأوضح أن االستقراء‬
‫التاريخي يبين أن النمو ابتدأ بصناعات قائدة طليعية ؛ لذلك فهو يوصي باختيار بعض الصناعات‬
‫األقدر من غيرها على حث االستثمار لتكون مجاالً لالستثمارات األولى(الدفعة القوية)(‪.)3‬‬
‫كما ونجد الدفعة االستثمارية القوية واضحة في ‪‬نظرية مراحل النمو لروستو‪ ، ‬فيشير‬
‫بشكل واضح إلى دور االستثمار في المرحلة الثانية ‪‬التهيؤ لالنطالق‪ ‬وما تحتاجه هذه المرحلة‬
‫من بنية مصرفية رصينة قادرة على تحقيق االنطالق في المرحلة الثالثة (‪.)4‬‬
‫كما ترتكز أهمية ‪‬نموذج هارود‪ -‬دومار للنمو‪ ‬من كونه يبرز أهمية رأس المال في كسر‬
‫الحلقة المفرغة ‪ ،‬إذ إن الجهاز اإلنتاجي في أي اقتصاد بحاجة إلى إدامة ‪ ،‬وما ينفق من رأس مال‬
‫إلدامة هذا الجهاز يسمى باالستثمار التعويضي ‪ ،‬كما أن هذا الجهاز بحاجة إلى توسيع وتطوير‬
‫وما ينفق من رأس مال لهذا الغرض يسمى باالستثمار الصافي ‪ ،‬وعليه يعول في زيادة إنتاجية‬
‫االقتصاد ‪ .‬واالستنتاج الرئيسي لنموذج هارود‪-‬دومار أن أي نمو اقتصادي يحتاج دائماً إلى مزيد‬
‫من االدخار الذي بالمحصلة يوجه إلى االستثمار(‪.)5‬‬
‫)‪ (1‬مطانيوس حبيب ‪ ،‬االقتصاد السوري ومتطلبات الشراكة السورية –األوروبية ‪ ،‬دراسة على شبكة االنترنت ‪. http://www.mafhoum.com/syr/articles/habib/habib.htm‬‬
‫)‪R. Nurkse, Problems of Capital Formation in Underdeveloped Countries University Press Oxford, London, 1953. )2‬‬
‫)‪ )3‬التنمية االقتصادية ‪ ،‬عبد الرحيم بوادقجي ‪ ،‬المطبعة الجديدة ‪ ،‬دمشق ‪ ،1977 ،‬ص‪.227–230‬‬
‫)‪W.W.ROSTOW, The Stage of Economic Growth: A non–Communist Manifesto, Cambridge: The University Press,1962. )4‬‬
‫)‪ )5‬التنمية االقتصادية ‪ ،‬تيسير الراوي ‪ ،‬مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية ‪ ،‬جامعة حلب ‪ ، 2003 ،‬ص‪. 232– 229‬‬
‫‪80‬‬
‫وهكذا يبدو واضحا وجلياً أهمية االدخار واالستثمار في عملية التنمية ‪ .‬ومن البديهي أنه‬
‫ال وجود الستثمار بدون مصارف توجه االدخار المحلي إلى االستثمار ‪ ،‬باإلضافة إلى ذلك‬
‫استقبال رؤوس األموال األجنبية وتوجيهها إلى القطاعات االقتصادية في البلدان النامية ‪ ،‬وال‬
‫يتصور حدوث عملية تنمية اقتصادية حقيقية في غياب دور فاعل لهذه المصارف ‪.‬‬
‫فالمصارف تلعب دور الوسيط المالي بين المستثمرين والمدخرين‪ ،‬كما تقوم بتقديم العديد من‬
‫الخدمات المالية والمصرفية األخرى التي تساعد على تسهيل العمليات التجارية في البالد وتسرع‬
‫وسائل الدفع والشراء ‪ ،‬وتسهل عملية تسوية االستيراد والتصدير‪ ،‬وبشكل عام تعمل على تسهيل‬
‫النشاط االقتصادي وزيادة كفاءته وتسريع نموه ‪.‬‬
‫ولعل أهم مدخل اقتصادي يقدمه القطاع المصرفي هو التمويل ‪ ،‬فالتمويل مدخل اقتصادي‬
‫يساهم في العملية اإلنتاجية لكافة القطاعات االقتصادية المختلفة ‪ ،‬وهو الذي يساعد على إنشاء‬
‫المشروعات الجديدة ‪ ،‬وتوسيع وتطوير المشروعات القائمة ‪ ،‬ما ينعكس إيجابياً على األوضاع‬
‫االقتصادية واالجتماعية للمواطنين ‪.‬‬
‫وهكذا نفهم من العرض السابق أنه ال مجال للشك في الدور الفاعل الذي تضطلع به‬
‫المصارف التجارية في عملية التنمية ‪ ،‬إال أن هذا الدور تمت بلورته وصياغته في قوالب جاهزة‬
‫من ِق َب ِل المفكرين الغربيين ‪ ،‬وقدموه إلى الدول النامية دون مراعاة لعاداتها وتقاليدها ومصالحها‬
‫االقتصادية ‪ ،‬وهذه الدول النامية استقبلته وطبقته على ِعالّته ‪ ،‬وكذلك كانت نظريات التنمية‬
‫مقتبس ًة من بنات الفكر الغربي التي لم تكن متجردة في أحيان كثيرة ‪.‬‬
‫وقبل االستطراد إلى بيان إمكانية المصارف اإلسالمية من حيث المساهمة في التنمية‬
‫االقتصادية ‪ ،‬يجب أن نسرد عدة نقاط في هذا المقام تبين مواقع الخلل الموجودة في المصارف‬
‫التقليدية التي تعمل على أساس الربا ‪:‬‬
‫‪81‬‬
‫‪ .1‬بالرغم من أن هذه المصارف تسهم في عمليات تمويل مشروعات إنتاجية داخل االقتصاد ‪،‬‬
‫فإنها ال تبالي إذا كانت تلك المشروعات تقوم بإنتاج بضائع أو سلع محرمة أو ال تجيزها‬
‫الشريعة ‪.‬‬
‫‪ .2‬إن المصارف التي تتعامل بالربا بطبيعتها كمؤسسات مالية وتمويلية تعمل على تعظيم‬
‫ربحها عن طريق االقتراض واإلقراض بالفائدة ‪ ،‬هذه المصارف تفتقر إلى أية معايير أو‬
‫آليات تمكنها من إعطاء ميزات تمويلية للمشروعات التي تسهم في التنمية بشكل أكبر من‬
‫غيرها ‪ ،‬وهي حتى بطبيعتها ال تمتلك من السياسات ما يجعلها تُقِدم على إعطاء ميزات‬
‫صباً في صالح رجال‬
‫تمويلية للفئة التي تتعامل بالقروض الصغيرة ‪ ،‬وانما تركيزها يكون ُم ْن ه‬
‫ص ٍب‬
‫غير ُم ْن ه‬
‫األعمال خاص ًة في الحصول على تلك الميزات ‪ ،‬والذين يكون البعض منهم ُ‬
‫اهتمامه على تحقيق المنفعة االقتصادية في الدرجة األساس ‪ ،‬واألولى في هذا المجال أن‬
‫يكون النشاط موزعاً بحسب تحقيق العدالة االقتصادية ومن ثم بالتالي تحقيق العدالة‬
‫التنموية ‪.‬‬
‫‪ .3‬إن المصارف التقليدية قد أسهمت ـ من حيث النظرة الواقعية لها ـ في عدة نشاطات تمويلية‬
‫وانمائية عن طريق تقديم التسهيالت االئتمانية ‪ ،‬وكانت تلك المشروعات ذات طابع‬
‫اجتماعي وذلك في قسم من البلدان النامية ‪ ،‬لكن تلك المشروعاتُ نفذت في ظروف معينة‬
‫وخاصة ‪ ،‬وبعد ممارسة ضغوط من قبل السلطات االقتصادية لتلك البلدان‪.‬‬
‫‪ .4‬المصارف التقليدية أو التجارية ‪ .‬وهي المصارف التي تتعامل بمبدأ الربا ‪ ،‬وحتى نكون‬
‫منصفين تجاهها فقد أسهمت تلك المصارف في عملية التنمية االقتصادية ‪ ،‬اعتمادا على‬
‫معاييرها الخاصة والمرتبطة بآليات السوق والمالءة المالية ‪ ،‬ولكن تلك التنمية التي تحققت‬
‫كان خط سيرها موجهاً نحو التوجه غير السليم للعمل االقتصادي من ناحية المنظور‬
‫‪82‬‬
‫اإلسالمي ‪ ،‬ألن تعامالتها كانت مبينة في األصل على مبدأ الربا المحرم شرعاً في القرآن‬
‫َّللاُ اْل َب ْي َع‬
‫َح هل ّ‬
‫والسنة ‪ ،‬والتحريم قطعي وواضح ؛ حيث قال هللا تعالى في كتابه العزيز﴿ َوأ َ‬
‫و َح هرم ِّ‬
‫الرَبا﴾[البقرة ‪ :‬اآلية ‪ ، ]275‬والربا هو محرم في األديان كلها وليس فقط في اإلسالم‬
‫َ َ‬
‫وحدهم في معاملة األجناس األخرى ُمضياً في أنانيتهم‬
‫‪ ،‬والذين استباحوه هم اليهود ُ‬
‫المفرطة ‪ ،‬وكانت الكنيسة في تاريخها القديم والوسيط ال تتعامل به ‪ ،‬ولكن الكنيسة لم تجد‬
‫ُبهداً من االنقياد وراء الحداثة وقبلت بالربا كفرض واقع ‪ ،‬ومن هنا استقرت المعامالت‬
‫الربوية ‪ ،‬ثم انساحت على العالم كله (‪.)1‬‬
‫‪ .5‬من ناحية أخرى ‪ ،‬قد يؤدي استخدام القروض التي يتم اقتراضها من المصارف التقليدية ‪،‬‬
‫إلى الدخول في مضاربات بحتة بقصد التربح السريع ‪ ،‬والتي تؤدي إلى إفساد حالة أسواق‬
‫األوراق المالية ‪ ،‬وبالنسبة للمصارف يهمها المكسب في الدرجة األولى قبل التفكير في‬
‫الناحية االقتصادية للمصلحة األساسية للمجتمع ككل ‪ ،‬وقد يحدث أن يقوم بعض رجال‬
‫األعمال من المتعاملين مع المصرف باخراج أموالهم وتهريبها لصالحهم ولكن األمر هنا‬
‫أيضاً ال يخص إدارة المصرف ‪ ،‬ما دام لم يأتها توجه أو تحذير مقيد من البنك المركزي‬
‫تجاه أولئك األشخاص سواء كانوا رجال أعمال مشهورين أم أثرياء ‪ .‬وبهذا الخصوص‬
‫ِ‬
‫زمنا الشريعة الغراء بتوخي كل الحذر واالهتمام بمصير أموال المسلمين والمحافظة عليها‬
‫تل ُ‬
‫بأكثر جهد ممكن ‪ ،‬ألن إحدى قواعد الشريعة في المعامالت بين الناس ـ والمستمدة من‬
‫تعاليم السنة النبوية الشريفةـ هي (ال ضرر وال ضرار)(‪ ،)2‬وبذلك تكون هنا الحالة موضوعة‬
‫تحت خط السفاهة التي تجلب كامل الضرر ‪.‬‬
‫)‪ (1‬فوائد البنوك ‪ ،‬القرضاوي ‪ ،‬ص‪.7‬‬
‫)‪ (2‬سنن ابن ماجة ‪ ،‬القزويني ‪ ،‬باب من بنى في حقه ما يضر ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2332‬ج‪.143/7‬‬
‫‪83‬‬
‫‪ .6‬إن المصارف التقليدية آثرت االهتمام بجانب أساسي هو تعظيم الربح على حساب األمور‬
‫األخرى أو الخدمات التي تهم المجتمع كأولوية في نظام الرفاه االجتماعي ‪ ،‬والجانب‬
‫االجتماعي يحقق الضمان في تطور االقتصاد ويحقق له المكاسب ‪ ،‬من حيث توفير‬
‫طاقات شبابية عالية قادرة على اإلنتاج واإلبداع في جميع المجاالت االقتصادية‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬المصارف اإلسالمية ( مفهومها ‪ ،‬نشأتها وتطورها ‪ ،‬خصائصها ) ‪:‬‬
‫نشأة المصارف اإلسالمية وتطورها‪:‬‬
‫جاءت المصارف اإلسالمية ‪ ،‬لتجمع بين األنشطة االجتماعية واالقتصادية والمالية‬
‫والمصرفية ‪ ،‬وبذلك يتحقق التوافق المنظور حسب النظرية التنموية ‪ ،‬وعلى هذا الفكر الناضج‬
‫نشأت المصارف اإلسالمية ‪ ،‬ودخلت على جميع المنافذ التي يرغبها اإلنسان ‪ ،‬لكي تكون قوة دفع‬
‫لصالح المستثمر والمودع بآن واحد ‪ ،‬وكان ظهورها واجباً إنسانياً واجتماعياً قبل أن يكون واجباً‬
‫اقتصادياً ‪ ،‬ألن الغاية األساسية التي وجدت من أجلها هي محو آفة خطيرة ظهرت وترعرعت لدى‬
‫المجتمعات اإلسالمية ‪ ،‬أال وهي آفة الربا التي تواجدت من خالل نظام الفوائد ‪ ،‬وكانت بذلك‬
‫الدافع األساسي للمصارف اإلسالمية للمساهمة في عملية النهوض بالمجتمع ‪.‬‬
‫دور مهماً في مجاالت‬
‫وعند ذلك أصبحت الحاجة ماس ًة لقيام مصارف إسالمية ‪ ،‬تلعب اً‬
‫الحياة وتغذي الطرف الناقص من العملية التمويلية ‪ ،‬وبنفس الوقت كانت حاجة ملحة لكي تقف‬
‫أمام موج المصارف التي تجذرت في تعامالت المسلمين ‪ ،‬وأتت لكي تكون البديل الناجح والمفيد‬
‫بعد دخول تلك المصارف التجارية إلى العالم اإلسالمي ‪ .‬ومن نعمة هللا عز وجل أن المسلمين‬
‫استعادوا ثقتهم بأنفسهم ووعيهم لهويتهم ‪ ،‬وبذلوا الجهود الكبيرة والمحاوالت الجادة النافعة إلظهار‬
‫‪84‬‬
‫التطبيق الشرعي المباح لتلك العمليات المصرفية ‪ ،‬واجهاض فكرة الغرب القائلة ‪ " :‬إن تطبيق‬
‫الشريعة في المجال االقتصادي مستحيل ‪ ،‬ألنه ال اقتصاد بغير بنوك ‪ ،‬وال بنوك بغير فوائد"(‪.)1‬‬
‫ومرت المصارف اإلسالمية بمراحل متعددة ومختلفة في أول أمرها ‪ ،‬فكانت تلك المراحل‬
‫على شكل محاوالت انطالق تجاه تكوين َل َبنات النظام المصرفي اإلسالمي الجديد ‪ ،‬فبدأت‬
‫المحاوالت(‪()2‬األولى في عام ‪ 1940‬عندما أَنشئت في ماليزيا صناديق لالدخار تعمل بدون فائدة ‪،‬‬
‫و الثانية في عام ‪ 1950‬بدأ التفكير المنهجي المنظم يظهر في الباكستان بوضع تقنيات تمويلية‬
‫تراعي التعاليم اإلسالمية) ‪ .‬وبدأ تدريس االقتصاد االسالمي كمادة في جامعة أم درمان عام ‪1963‬‬
‫‪ ،‬وخرج منها مشروع (( مشروع بال فائدة ))‪.‬‬
‫ثم جاءت أول تجربة فعلية للدكتور أحمد النجار في (ميت غمر ) بصعيد مصر عام‬
‫‪1963‬م في مصارف االدخار(‪ ،)3‬كما سماه صانعه "بنك االدخار المحلي" أو"بنك التنمية المحلية"‪،‬‬
‫وكان هذا المشروع يقصد منه التنمية المحلية ‪ ،‬وكان أول بنك ادخار محلي يعمل بأسس تتفق مع‬
‫أحكام الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬وهو تجسيد ألفكار كانت تطرح قبله بفترة وجرى الحديث عنها نظرياً ‪،‬‬
‫ولقد اطلع النجار وهو أحد المثقفين النادرين على مثل مطبق في ألمانيا لمصارف االدخار ‪،‬‬
‫فحاول تقليد الفكرة مع إجراء تعديل عليها كبديل إسالمي متميز ‪ ،‬ومع ذلك فقد أجهضت تلك الفكرة‬
‫عام ‪1967‬م ‪ ،‬بعد أن أظهرت نجاحاً دام قرابة أربع سنوات من العمل المضني ‪.‬‬
‫)‪ (1‬الرد على فتوى إباحة الفوائد البنكية ‪ ،‬الموقع االلكتروني للشيخ عجيل النشمي ‪http://www.dr-nashmi.com/index.jsp?inc=19&docid=3&type=4 ،‬‬
‫)‪ (2‬البنوك اإلسالمية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق ‪ ،‬عائشة الشرقاوي المالقي ‪ ،‬المركز الثقافي العربي ‪ ,‬الدار البيضاء ‪ ,‬الطبعة األولى ‪ , 2000‬ص‪.22‬‬
‫)‪ (3‬مصرف التنمية االسالمي ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪ ،‬ط‪ ،1987 ، 3‬ص‪.327-325‬‬
‫‪85‬‬
‫وفي عام ‪)1(1971‬صدر قانون بنك مصر االجتماعي رقم (‪ )66‬الذي ينص على تحريم‬
‫التعامل بالربا ‪ ،‬وأنشئ البنك في ذلك العام ليقوم بقبول الودائع واستثمارها على أساس أحكام‬
‫الشريعة اإلسالمية ‪.‬‬
‫أما في عام ‪ 1975‬فقد قام ألول مرة مصرفان إسالميان(‪:)2‬‬
‫األول ‪" :‬البنك اإلسالمي للتنمية" الذي تم تأسيسه في جدة بالمملكة العربية السعودية ‪ ،‬وهو‬
‫مؤسسة دولية للتمويل اإلنمائي واالستثمار االقتصادي ‪ ،‬والقيام باألبحاث الضرورية وتنمية التجارة‬
‫الداخلية والخارجية ‪ ،‬ودعم وسائل البحث والتدريب ‪ ،‬وتوفير األموال الالزمة ألنشطة اجتماعية‬
‫وخيرية كثيرة ‪ ،‬وتشارك فيه جميع الدول اإلسالمية ‪.‬‬
‫الثاني ‪" :‬بنك دبي اإلسالمي" الذي تأسس في عام ‪ 1975‬أيضاً مزامنة مع البنك اإلسالمي‬
‫ِ‬
‫ئ بمرسوم من قبل حكومة دبي في دولة اإلمارات العربية المتحدة‪.‬‬
‫للتنمية بجدة ‪ ،‬وقد أُنش َ‬
‫وفي عام ‪ 1977‬تأسس "بنك فيصل السوداني" ‪ ،‬و"بنك فيصل اإلسالمي المصري" ‪ ،‬وبيت‬
‫التمويل الكويتي في دولة الكويت(‪ ،)3‬ونشير هنا إلى أن األخير لم يستعمل كلمة (بنك) ألنها كلمة‬
‫أجنبية ‪ .‬وفي نفس العام أنشئ االتحاد الدولي للبنوك اإلسالمية ـومقره الرئيسي في مكة المكرمةـ‬
‫بهدف دعم الروابط بين المصارف اإلسالمية وتوثيق أواصر التعاون والتنسيق بينها ‪ ،‬وبنفس الوقت‬
‫هو طريق أولي للتوحد على المستوى الدولي في المصارف ‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1978‬تم إنشاء "البنك اإلسالمي األردني للتمويل واالستثمار"‪ ،‬كشركة مساهمة‬
‫عامة محدودة وكانت تجرب ًة رائدة في تأسيس" مصارف بال فوائد" ‪ ،‬وقد باشر البنك أعماله في يوم‬
‫‪ ، 1979/9/22‬واحتل المرتبة الثالثة في عام ‪ 1999‬بين المصارف العاملة في األردن ‪ ،‬من حيث‬
‫)‪ )1‬أنظر المصارف اإلسالمية ‪ ،‬محمد الزحيلي ‪ ،‬دار المكتبي ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ،1997، 1‬ص‪.13‬‬
‫)‪ )2‬العالقة بين البنوك المركزية والبنوك اإلسالمية ‪ ،‬عدنان الهندي ‪ ،‬اتحاد المصارف العربية ‪ ،‬بيروت ‪ ،1989 ،‬ص ‪. 27‬‬
‫)‪ )3‬تطوير األعمال المصرفية بما يتفق والشريعة اإلسالمية ‪ ،‬سامي حسن أحمد حمود ‪ ،‬مطبعة الشرق ومكتبتها‪ ،‬األردن ‪1982 ،‬م ‪ ،‬ص‪.2‬‬
‫‪86‬‬
‫حجم الموجودات التي بلغت قيمتها في ‪ 1999/6/30‬حوالي (‪ )732‬مليون دينار أردني ‪ ،‬والودائع‬
‫البالغة (‪ )540‬مليون دينار ‪ ،‬وأعمال التمويل واالستثمار التي بلغت (‪ )475‬مليون دينار‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫كما وفق هللا عز وجل بعض البالد اإلسالمية مثل باكستان في تحويل بنوكها الوطنية إلى‬
‫بنوك إسالمية ‪ ،‬بل ذهبت إلى أكثر من ذلك ‪ ،‬حين طلبت من المصارف األجنبية أن تغير نظامها‬
‫بما يتفق واتجاه الشريعة والدولة‬
‫( ‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫وباإلضافة إلى باكستان فقد حدث أيضاً في كل من إيران والسودان " أسلمة " النظام المصرفي‪.‬‬
‫ولقد عرف النشاط المصرفي الذي ال يأخذ بنظام الفائدة انتشا اًر كبي اًر في العديد من الدول اإلسالمية‬
‫األخرى وبعض الدول األوروبية وبدأت بعض البنوك التقليدية تنشئ فروعا لها للمعامالت‬
‫اإلسالمية(‪.)3‬‬
‫ويجدر بنا القول أن المصارف اإلسالمية أصبحت حقيقة فعلية في األسواق العالمية للمال‬
‫واألعمال ‪ ،‬لها فكرها ومنهجها ومؤسساتها ‪ ،‬وهكذا أخذت هذه المصارف تتوسع وتكثر فروعها في‬
‫البالد التي تعمل فيها ‪ ،‬وصار انتشارها في السنوات األخيرة في دول العالم المتقدمة طبعاً‬
‫باإلضافة إلى الدول النامية ‪ ،‬وهذا برهان كبير يدل على القبول الدولي والعالمي لفكرة العمل‬
‫المصرفي اإلسالمي وأساليب استثماره وبالتالي نجاح للتجربة اإلسالمية في المصارف ‪.‬‬
‫وقد تم إعداد جدول بموجب دراسة قام بها اإلتحاد الدولي للمصارف اإلسالمية بالتعاون مع‬
‫جامعة هارفارد األمريكية لجمع المعلومات عن التمويل فوق الشريعة االسالمية ‪:‬‬
‫مجموع‬
‫المنطقة‬
‫المدفوع‬
‫)‪ (1‬أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي ‪ ،‬محمود حسن صوان ‪ ،‬ص‪.84‬‬
‫)‪ (2‬المصارف اإلسالمية والرقابة الشرعية ‪ ،‬شامل شاهين ‪ ،‬ص‪.42‬‬
‫(‪)3‬البنوك اإلسالمية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق ‪ ،‬عائشة الشرقاوي المالقي ‪ ،‬ص‪. 24‬‬
‫‪87‬‬
‫رأس‬
‫المال مجموع‬
‫الموجودات‬
‫قيمة‬
‫( ألف دوالر )‬
‫( ألف دوالر )‬
‫‪ -1‬دول اتحاد التعاون الخليجي العربي‬
‫‪1,357,612‬‬
‫‪18,489,200‬‬
‫‪ -2‬دول الشرق األوسط‬
‫‪2,228,037‬‬
‫‪43,210,162‬‬
‫‪ -3‬الدول األوربية واألمريكية‬
‫‪226,123‬‬
‫‪386,471‬‬
‫‪ -4‬دول جنوب شرق آسيا‬
‫‪121,214‬‬
‫‪1,575488‬‬
‫‪ -5‬دول جنوب آسيا‬
‫‪894,163‬‬
‫‪42,597,712‬‬
‫‪ -6‬دول أفريقيا‬
‫‪126,858‬‬
‫‪3,866,840‬‬
‫‪4,954,007‬‬
‫‪101,125,873‬‬
‫المجموع الكلي‬
‫( ‪)1‬‬
‫وفي ضوء هذا الجدول‬
‫‪ ،‬نالحظ اشتماله على (‪ )133‬مؤسسة ومصرف إسالمي قائمة في‬
‫(‪ )25‬دولة في العالم ‪ .‬ولقد بلغ رأس مالها المدفوع حوالي (‪ )5‬بليون دوالر ‪ ،‬بينما فاق مجموع‬
‫قيمة موجوداتها مبلغ (‪ )101‬بليون دوالر ‪.‬‬
‫مفهوم المصارف اإلسالمية ‪:‬‬
‫يوجد تعريف شائع للمصرف اإلسالمي بأنه (مؤسسة مصرفية ال تتعامل بالفائدة أخذاً‬
‫وعطاء) ‪ ،‬وهذا التعريف قاصر إذ إنه غير جامع وال مانع ‪ ،‬فهو غير جامع ألن المصرف‬
‫ً‬
‫اإلسالمي ال يقتصر عمله على مجرد التعامل بدون فائدة ‪ ،‬بل له أهداف حقيقة أكبر وغايات‬
‫أخرى ونشاطات متنوعة تخدم القضايا الضرورية التي تهم المودع والمستثمر ( المقترض) ‪ ،‬واللذان‬
‫)‪ (1‬مجلة الدراسات المالية والمصرفية ‪ ،‬األكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية ‪ ،1998 ،‬عمان ‪ ،‬األردن ‪ ،‬المجلد السادس ‪ ،‬العدد الثاني ‪ ،‬ص‪. 58،57‬‬
‫‪88‬‬
‫يمثالن صفة اإلنسان وبالتالي هي خدمة لإلنسانية ‪ ،‬وكذلك غير مانع بسبب ظهور مصارف ال‬
‫تتعامل بالربا (الفائدة) في دول الغرب ‪ ،‬وال تسمى مصارف إسالمية ‪.‬‬
‫إذاً المصرف اإلسالمي ‪(:‬هو مؤسسة مالية مصرفية لتجميع األموال وتوظيفها في نطاق‬
‫الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬بما يخدم بناء مجتمع متكامل وتحقيق عدالة توزيع ووضع المال في المسار‬
‫( ‪)1‬‬
‫اإلسالمي)‬
‫‪.‬‬
‫أو (هو منظمة إسالمية تعمل في مجال األعمال بهدف بناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم ‪ ،‬واتاحة‬
‫الفرص المواتية للنهوض على أسس إسالمية تلتزم بقاعدة الحالل والحرام) (‪.)2‬‬
‫خصائص المصارف اإلسالمية ‪:‬‬
‫تقوم المصارف اإلسالمية بجميع وظائف المصرف التجاري من ادخار وجذب الودائع ‪،‬‬
‫وخدمات تمويلية و استثمارية ومصرفية ‪ ،‬وصرف عمالت وتحويالت مصرفية ‪ ،‬إال أنها تتميز‬
‫بسمات وخصائص معينة تمارس بها أعمالها المصرفية بأسلوب مختلف عن المصارف التجارية‬
‫التقليدية ‪.‬‬
‫وتلك الخصائص هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬تقوم المصارف اإلسالمية في معامالتها على أساس المشاركة في الربح والخسارة الذي‬
‫معتمدة في ذلك على النهج االقتصادي‬
‫أقرته الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬وتستبعد التعامل بالربا‬
‫ً‬
‫في اإلسالم الذي يتسم بموقف واضح ومحدد وحاسم ال َل ْب َس فيه وال غموض ‪ ،‬وهو ‪‬‬
‫إسقاط الفائدة الربوية‪ ،‬وتعد هذه الخاصية المعلم الرئيسي واألول للمصرف اإلسالمي‬
‫وبدونها ال تبقى حقيقته التي تأسس عليها ‪ ،‬وحاله فيها حال أي مصرف ربوي آخر ‪.‬‬
‫)‪ )1‬البنوك اإلسالمية ‪ ،‬ضياء مجيد ‪ ،‬مؤسسة شباب الجامعة ‪ ،‬اإلسكندرية ‪ ، 1997 ،‬ص‪.54‬‬
‫)‪(2‬الصيرفة اإلسالمية مفهومها وعملياتها ‪ ،‬سيف هشام صباح ‪ ،‬بحث بكاللوريس ‪ ،‬كلية اإلدارة واالقتصاد ‪ ،‬جامعة الموصل ‪ ، 2004،‬ص‪.8‬‬
‫‪89‬‬
‫‪ .2‬عدم السماح للمصارف اإلسالمية بمخالفة قواعد الشريعة ‪ ،‬وتوجيه استثمارها وتركيزه في‬
‫كل ما هو حالل ‪ ،‬أي بمعنى أوضح أن يقع إنتاج السلع والخدمات في دائرة الحالل ‪ ،‬وأن‬
‫تكون كل أسباب اإلنتاج كأجور ونظام عمل منسجم مع دائرة الحالل ‪ ،‬وتتجنب األنشطة‬
‫األخرى الواقعة في دائرة التحريم ‪ ،‬ويحتل االستثمار حي اًز كبي اًر في تعامالت المصارف‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬باختالف المصارف التجارية التي يكون الحيز الكبير لديها على اإلقراض‬
‫بفائدة ‪ ،‬بل وال تقوم باالستثمار إال في نطاق ضيق ‪.‬‬
‫‪ .3‬تخضع المصارف اإلسالمية للرقابة الشرعية باإلضافة إلى الرقابة المالية ‪ ،‬والتي تعمل‬
‫على متابعة وفحص وتحليل كافة األعمال والتصرفات والسلوكيات التي تقوم بها المصارف‬
‫الغراء ‪ ،‬كما تسعى إليجاد البدائل والصيغ‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬للتأكد أنها تتم وفق أحكام الشريعة ّ‬
‫المشروعة ألية أعمال تخالف تلك األحكام ‪ ،‬وهي تهدف أيضاً إلى حفظ وتقويم العمل‬
‫المصرفي الشامل ‪ ،‬أ هما المصارف التجارية فال تقع تحت أي رقابة ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫منقولة ‪ ،‬وهذا النوع من‬
‫ثابتة أو‬
‫أصول‬
‫‪ .4‬استثمارات المصارف اإلسالمية تتطلب تَ َملك‬
‫التعامل ممنوع في المصارف التجارية خوفاً من تجميد أموالها ‪.‬‬
‫‪ .5‬تستخدم المصارف اإلسالمية عدة صيغ استثمارية للتعامل مع العمالء (المقترضين ) ‪،‬‬
‫كصيغة المرابحة والمشاركة واالستصناع واإلجارة وكلها صيغ شرعية ‪ ،‬أما المصارف‬
‫التجارية فال تعتمد إال على أسلوب واحد هو القرض بفائدة ‪.‬‬
‫‪ .6‬القروض التي تمنحها المصارف اإلسالمية ال يوجد فيها ضمان عودة رأس المال والربح‬
‫بالغرم ) في تعامالتهم ‪ ،‬أما‬
‫الغنم ُ‬
‫بدون أي خسارة قد تحدث ‪ ،‬معتمدين على قاعدة ( ُ‬
‫المصارف التجارية فهي ال تمنح القروض إال بضمان عودة رأس المال مع الفائدة‬
‫الموضوعة عليه ‪.‬‬
‫‪90‬‬
‫‪ .7‬ربط التنمية االقتصادية بالتنمية االجتماعية ‪ ،‬ويأتي هذا من ناحية أن المصارف اإلسالمية‬
‫ـ بطبيعتها المستمدة من النظرة اإلسالمية لالقتصاد ـ تحقق تزاوج بين جانبي اإلنسان‬
‫المادي والروحي ‪ .‬وال تنفصل في المجتمع اإلسالمي الناحية االجتماعية عن الناحية‬
‫االقتصادية ‪ ،‬فاإلسالم وحدةٌ متكاملة ال تنفصل فيها جوانب الحياة المختلفة ‪ .‬وترى أن‬
‫التنمية االقتصادية ال تتحقق ثمارها ومكاسبها إال بمراعاة التنمية االجتماعية ‪ ،‬فتلتزم‬
‫المصارف اإلسالمية بتحقيق عناصر التكافل االجتماعي بين أفراد المجتمع من خالل‬
‫تقديم الخدمات االجتماعية الهادفة إلى إنشاء صور التعاضد والتكامل االجتماعي ‪ ،‬ومن‬
‫هذه الخدمات إحياء نظام الزكاة ‪ ،‬حيث تقوم هذه المصارف بجمع أموال الزكاة بصندوق‬
‫خاص هي تتولى إدارته ‪ ،‬وتوزيعها حسب األوامر الربانية بحسب مصارف الزكاة التي‬
‫حددها القرآن الكريم ‪ ،‬وتقوم أيضاً بالمساهمة في حل مشكالت المجتمع كمشكلة السكن ‪،‬‬
‫والشعور بمآسي المجتمع ‪ ،‬وتساهم في بعض الفعاليات االجتماعية ‪.‬‬
‫‪ .8‬القضاء على االحتكار الذي تفرضه بعض شركات االستثمار ‪ ،‬فانطالقاً من وظيفتها‬
‫األساسية في التقيد في معامالتها باألحكام الشرعية بالقضاء على االحتكار الذي تضعه‬
‫بعض الشركات المساهمة على أسهمها ‪ ،‬حيث إن هذه الشركات تلجأ إلى إصدار (أسهم)‬
‫تمكنها من الحصول على رأس مال جديد وابقاء أسهم الشركة محصورة في يد المساهمين‬
‫فقط ‪ .‬بل إنها ‪ ،‬وبهدف زيادة رأس المال والتوسع في أعمالها ‪ ،‬تفتح باب االكتتاب على‬
‫أسهمها أمام جميع الراغبين ‪ .‬وبالنسبة للسندات فإن المصارف اإلسالمية ال تقوم بإصدارها‬
‫ألن فقهاء الشريعة قالوا بحرمتها‪.‬‬
‫‪ .9‬تقوم المصارف اإلسالمية على مبدأ الفصل الحسابي بين الموارد العادية والموارد الخاصة‬
‫‪ ،‬من أجل التوصل إلى البيان الدقيق ألرباح وخسائر االستثمار العام والخاص‪.‬‬
‫‪91‬‬
‫‪ .10‬أنظمة المصارف اإلسالمية وأهدافها ونشاطاتها تتيح التكيف والتالؤم المستمر مع‬
‫المتغيرات الهيكلية لالقتصاد ‪ ،‬ومواجهة األزمات بصورة مشتركة ومرنة وبما يحقق حاجات‬
‫المواطنين‪.‬‬
‫أهداف المصارف اإلسالمية(‪:)1‬‬
‫لكل مصرف هناك هدف يعمل من أجل تحقيقه ‪ ،‬وبهذه األهداف تتحقق القدرة على‬
‫االستم اررية والتطور والحداثة ‪ ،‬ويكون‬
‫عمل المصرف ونجاحه مبنياً عليها وأهداف المصارف‬
‫ُ‬
‫اإلسالمية هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬تحقيق الربح ‪ :‬فهو أهم األهداف التي تسعى المصارف اإلسالمية دوماً لتحقيقها في المقام‬
‫األول ‪ ،‬وبدون تحقق هذا الهدف ال يمكن تحقيق األهداف األخرى ‪ ،‬والربح هنا ال يهم‬
‫المساهمين في رأس مال المصرف اإلسالمي فحسب ـ باعتبار أن الربح يعد حاف اًز أساسياً‬
‫لديهم لالحتفاظ بأسهمهم أو التخلص منها ـ بل يهم الربح المدخرين ‪‬المودعين‪ ‬ألنه في‬
‫النتيجة يحقق الضمان الكامل لودائعهم من الخسارة ويعمل على تنميتها ‪ ،‬وبذلك ستكون‬
‫للمجتمع أيضاً أهمية في الربح ‪ ،‬الن الربح ضمانة لوجود المصرف الذي يساعد في عجلة‬
‫النمو االقتصادي ‪ .‬ووجوده يعني استم اررية تدعيم المجتمع من خالل الخدمات التي يقدمها‬
‫‪.‬‬
‫‪ .2‬تحقيق األمان ‪ :‬تسعى المصارف اإلسالمية دائماً وفي المقام الثاني بعد هدف الربح إلى‬
‫توفير مناخ آمن ‪ ،‬والبعد عن أي شيء من المخاطر ويكون ذلك من خالل محاولة اتباع‬
‫سياسة التنويع في التوظيفات ‪ ،‬والتي يطلق عليها محفظة األمان ‪ ،‬فمهمة المصرف هي‬
‫عملية تحقيق التوازن المناسب بين الهدفين عن طريق ربط الربح بمستوى معين من‬
‫)‪ (1‬الودائع االستثمارية في البنوك اإلسالمية ‪ ،‬محمد جمال سليمان ‪ ،‬دراسات في اإلقتصاد اإلسالمي ‪ ،‬المعهد العالمي للفكر اإلسالمي ‪ ،‬ط‪ ،1995 ، 1‬ص‪.41،40‬‬
‫‪92‬‬
‫المخاطرة ‪ ،‬حيث تتناسب درجة الخطورة مع المشروع االستثماري المختار من قبل‬
‫المصرف ‪.‬‬
‫‪ .3‬تحقيق النمو ‪ :‬بعد تحقيق الربح واألمان ‪ ،‬سينتج عنهم تحقيق الهدف األسمى واألكبر وهو‬
‫النمو ‪ ،‬والذي يقصد به نمو الموارد الذاتية للمصرف والمتمثلة برأس ماله ‪ ،‬واألرباح‬
‫المحتجزة واالحتياطيات ‪ ،‬وكذلك نمو الموارد الخارجية المتمثلة في الودائع بجميع أنواعها ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬دور المصارف االسالمية في التنمية‬
‫كيف تحقق المصارف اإلسالمية التنمية ؟ ه‬
‫إن المتوقع من طبيعة العمل المصرفي‬
‫اإلسالمي أن يساهم مساهمة فعالة في مجال التنمية من خالل التأثيرات التالية‪:‬‬
‫‪ .1‬المصارف اإلسالمية أداة رئيسية لتوسيع قاعدة االدخار الوطني المعد لالستثمار‪ ،‬لألسباب‬
‫اآلتية‪:‬‬
‫إن معدالت الربحية في إطار آليات المشاركة تتغير بمرونة أكبر بكثير من أسعار الفائدة‬
‫في إطار آليات التمويل بالدين ‪ ،‬ومن ثم فإنها أكثر قدرة على جذب المدخرات ألغراض االستثمار‪.‬‬
‫فالمؤسسات المصرفية اإلسالمية ومن خالل آلية المشاركة التي تعمل بها تعني أنها ليست مؤسسة‬
‫وسيطة بين المدخرين كفريق مستقل ‪ ،‬والمستثمرين كفريق آخرـ كما هو الحال في المصارف‬
‫التجاريةـ بل هي قائمة على أساس مختلف تماماً ‪ .‬ذلك أن أرباب األموال (المودعين) هم الذين‬
‫يتحملون مباشرة مخاطر المستثمرين ‪ .‬وبذلك فإن عمل المصرف اإلسالمي ال يقوم على تحمل‬
‫المؤسسة المصرفية لمخاطر مستخدمي األموال ‪ ،‬بل هي وسيط يقوم أرباب األموال من خالله‬
‫بتحمل مخاطر االستثمار مباشرة(‪.)1‬‬
‫)‪ )1‬البنك اإلسالمي أتاجر هو أم وسيط مالي ‪ ،‬محمد علي القري ‪ ،‬مجلة اإلقتصاد اإلسالمي ‪ ،‬المجلد العاشر ‪ ،‬ص‪. http://www.kantakji.com/fiqh/Banks.htm ،1‬‬
‫‪93‬‬
‫بينما ينتظر المدخرون من المصارف التجارية فائدة على أموالهم فإن المدخرين المستثمرين‬
‫ينتظرون عائداً على أموالهم نتيجة استثمارها ‪ .‬والعائد على االستثمار ‪‬ربح‪ ‬يتحدد مقداره تبعا‬
‫لنجاح المشروع االستثماري ‪ ،‬ومن ثم فهو دخل يرتبط ارتباطاً مباش اًر بالنشاط اإلنتاجي‪ ،‬وهناك‬
‫بالطبع احتماالت تحيط بهذا العائد ؛ فقد يكون منخفضاً وقد يكون مرتفعاً‪.‬‬
‫ومن المنطقي أن أي شخص يريد استثمار مدخراته سوف يجد حاف اًز أكبر كلما توقع ربحاً‬
‫أكبر‪ ،‬وهذا أمر ال يتحقق في إطار نظام الفائدة حيث إن هناك قيودا عديدة على ارتفاع سعر‬
‫الفائدة في السوق المصرفية ‪ ،‬قيوداً يضعها البنك المركزي ألهداف اقتصادية كلية وقيوداً أخرى‬
‫تمارسها المصارف نفسها ألغراض السياسات االئتمانية والمقدرة )‪ . )Solvency‬وتجد هذه‬
‫الفرضية تأكيدا منطقيا على سالمتها في إطار النظرية الكالسيكية التي كانت تؤكد على أن‬
‫األرباح المحققة (أو معدالت الربح) هي التي تنمي االدخار ألجل االستثمار‪.‬‬
‫زمنا بسبب النظرية النيو‬
‫ونالحظ أن هذه النظرية الكالسيكية وقعت في طي اإلهمال ً‬
‫كالسيكية التي أدخلت اعتبارات سعر الفائدة في عملية االدخار ثم النظرية الكينزية التي اعتبرت‬
‫أن المدخرين يمثلون فريقاً مستقالً تماماً عن المستثمرين ‪ ،‬وأن سلوكهم االدخاري ال يتأثر بتغيرات‬
‫سعر الفائدة ‪ ،‬بينما يتأثر المستثمرون بهذه التغيرات ‪.‬‬
‫ولكن تجارب البلدان النامية ما تزال تؤيد وجود الشخصية المتكاملة ‪‬للمدخر‪/‬المستثمر‪،‬‬
‫كما أن آليات المشاركة ال بد أن تعمل على تأكيد وجود هذه الشخصية التي كلما استطعنا تنميتها‬
‫بطريق الممارسات الصحيحة ‪ ،‬أمكن لنا تنمية المدخرات ألغراض االستثمار على نحو أفضل‬
‫بكثير وأكثر فاعلية مما هو قائم في إطار نظام الفائدة ‪.‬‬
‫ِ‬
‫التجارب الحديثة المصرفية في العالم الغربي أن نظم التمويل التي تعتمد على‬
‫ولقد أثبتت‬
‫المال المخاطر أصبحت تلقى رواجاً أكثر من النظم المقيدة بسعر الفائدة ‪ ،‬كما أثبتت تجارب‬
‫‪94‬‬
‫األسواق المالية في بلدان العالم المختلفة أن الشركات المساهمة الناجحة بمؤشرات الربحية الموزعة‬
‫تتمكن عن طريق إصدار األسهم من جذب ما تريد من مدخرات األفراد لتغطية احتياطاتها ‪.‬‬
‫وفيما كتب عن المصارف اإلسالمية سنجد أن أحد وسائل جمع المدخرات ألجل االستثمار‬
‫يتمثل في إصدار شهادات إيداع يتم تداولها في أسواق األوراق المالية ‪ ،‬وتحصل في نهاية كل عام‬
‫على نصيب مما يتحقق من أرباح نتيجة استثمار أرصدتها في أنشطة إنتاجية حقيقية ؛ فهل تملك‬
‫المصارف التي تعمل بالفائدة هذه المقدرة ؟ وباإلضافة إلى ما سبق فقد أثبتت التجربة الفعلية‬
‫للمصارف اإلسالمية اهتمامها وقدرتها على تعبئة المدخرات الصغيرة جدا‪ ،‬بالمقارنة بالمصارف‬
‫التجارية‪.‬‬
‫وقد أظهرت الممارسات العملية للمصارف اإلسالمية كما تدل الدراسات واألبحاث التي‬
‫اهتمت بها ‪ ،‬سواء من المدافعين أو المعارضين لها أن هذه المصارف تمكنت من اختراق أسوار‬
‫النشاط المصرفي التقليدي ‪ ،‬واستطاعت بآلياتها وأدواتها المستحدثة أن تُْد ِخل في دائرة هذا النشاط‬
‫ٍ‬
‫فئات من المدخرين لم يكن لهم نصيب فيه قبل ذلك ‪ ،‬فالمودعون في المصارف يشكلون عنصر‬
‫قوة واستمرار ‪ ،‬ومن ثم يجب المحافظة عليهم وتوسيع دائرتهم ‪ ،‬وتشير الدراسات الميدانية إلى أن‬
‫هذه الفئات في المصارف اإلسالمية ينقسمون إلى أربعة أنواع(‪ ،)1‬وهي بمعيار الباعث الدافع إلى‬
‫التعامل ‪:‬‬
‫‪ .1‬الفئة الداعمة التي تحرص على التعامل الشرعي وهي الرصيد األساسي‬
‫للمصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫)‪ (1‬رؤية إستراتيجية لعمل البنوك اإلس ــالمية في ظل العولمة ‪ ،‬عبد الفتاح فرج ‪ ،‬مجلة اآلفاق االقتصادية ‪ ،‬غرفة التجارة والصناعة في دولة اإلمارات ‪ 2000 ،‬م ‪ ،‬المجلد ‪ ، 21‬العدد ‪ ، 83‬ص ‪.24‬‬
‫‪95‬‬
‫‪ .2‬الفئة المنحازة التي تفضل التعامل مع المصارف اإلسالمية إذا وجدت خدمات‬
‫ومنتجات إسالمية منافسة وهي فئة كبيرة ‪.‬‬
‫‪ .3‬الفئة النفعية التي تبحث عن المزايا فقط ‪.‬‬
‫‪ .4‬الفئة المناوئة التي ال ترغب في التعامل مع المصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫و قيام المصارف اإلسالمية قد شجع هذه الفئات التي لم تكن المصارف التقليدية تظن لها‬
‫أهمي ًة ولم تولها اهتماماً ‪ .‬وال يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقة أمام النمو المتزايد في الموارد‬
‫المالية التي تتلقاها المصارف اإلسالمية من هذه الفئات ‪.‬‬
‫فعالوة على كون نسبة كبيرة من المسلمين قدرهم الدكتور أحمد النجار‪ ،‬وهو أحد مؤسسي‬
‫المصارف اإلسالمية بنسبة ‪ %90‬من الشعوب اإلسالمية ال يتعامل أصالً مع المصارف ألسباب‬
‫مختلفة ‪ ،‬منها بال شك األمية ؛ مما يترك أرضية خصبة قابلة لالستغالل ‪ .‬نجد كذلك أن بعض‬
‫الناس يرفضون مبدئياً التعامل مع المصارف الربوية(‪.)1‬‬
‫‪ .2‬المصارف اإلسالمية أداة لتوسيع قاعدة االستثمار الوطني ‪ ،‬لألسباب اآلتية ‪:‬‬
‫أ‪ .‬دلت دراسة قام بها مكتب البحث (المجموعة الدولية للمال واألعمال ‪ (IBF‬في الغرب‬
‫حديثًا أن ‪ %6‬من أصحاب مؤسسات المقاوالت يرفضون القروض الربوية رغم حاجتهم لها ‪ ،‬وأنهم‬
‫مستعدون الستخدام التمويالت المبنية على المشاركة ‪ .‬وقد ساهمت أسلمة المصارف في بعض‬
‫الدول اإلسالمية في تحريك االدخار االستثماري ‪ .‬ففي السودان مثالً ‪ :‬تضاعفت الودائع‬
‫)‪ (1‬تطور دور المصارف اإلسالمية في التنمية االقتصادية واالجتماعية ‪ ،‬اعداد عمر راشد ‪. http://www.ukb.com.kw/masaref/ar/category_detail.php?issueID=49&catID=31 ،‬‬
‫‪96‬‬
‫االستثمارية ‪ 20‬مرة فيما بين غضون خمس سنوات من بدء تطبيق التجربة‪ ،‬في الوقت الذي‬
‫ارتفعت فيه الودائع تحت الطلب بشكل بطيء(‪.)1‬‬
‫ب‪ .‬من جهة أخرى أتاحت المصارف اإلسالمية تمويالً لم يكن متاحاً من َق ْب ُل ألصحاب‬
‫المشروعات الصغيرة والقزمية والذين كانوا دائما ‪‬وفي كل العالم‪ ، ‬يعتمدون على مدخراتهم‬
‫الخاصة والعائلية ‪ ،‬ومدخرات األقارب والجيران ‪ ،‬فإذا تعرضوا لمشكلة تمويلية اضطروا إلى سوق‬
‫االئتمان غير الرسمي أو سوق الربا الفاحش والذي تصفه الدراسات المتخصصة أنه مدار من قبل‬
‫حيتان القروض ؛ حيث ترتفع أسعار الفائدة فيه أحيانا إلى ‪ %1000‬في السنة أو أكثر في بعض‬
‫الحاالت ‪ ،‬وال يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقية وان ادعى بأن المصارف اإلسالمية ليست‬
‫ِ‬
‫التجارب في التمويل الصغير هي تجربة‬
‫بعد على المستوى والكفاءة المطلوبة ‪ ،‬ولعل أبرز وأنجح‬
‫ُ‬
‫"بنك فيصل فرع أم درمان" ‪ ،‬و "بنك جيرمين" برغم أن هناك تجارب عديدة ناجحة في إندونيسيا‬
‫وبنجالديش وماليزيا ومصر واألردن ‪.‬‬
‫‪ .3‬المصارف اإلسالمية تساهم مبدئيا في مقاومة التضخم ‪ ،‬وبالتالي في استقرار االقتصاد الذي‬
‫يعتبر أساس التنمية ‪:‬‬
‫ذلك أن نمو الكتلة النقدية في االقتصاد القومي الذي من المحتمل أن يتحول إلى تضخم‬
‫مرتبط بنظام التمويل بالمشاركة بنسبة األرباح من الودائع االستثمارية ‪ ،‬وليس مرتبطاً بنسبة الفوائد‬
‫)‪ )1‬تطور دور المصارف اإلسالمية ‪ ،‬اعداد عمر راشد ‪. http://www.ukb.com.kw/masaref/ar/category_detail.php?issueID=49&catID=31 ،‬‬
‫‪97‬‬
‫المترتبة على القروض ؛ أي أن االرتباط متعلق باإلنتاج الحقيقي وليس بإنتاج األموال عن طريق‬
‫الفوائد المصرفية ‪.‬‬
‫وهذا ما جعل الخبراء األجانب ـ ومنهم خبراء المصرف الدولي ـ يعترفون بوفورة االستقرار‬
‫لدى األنظمة المالية والمصرفية اإلسالمية ‪ .‬مضاف إلى ذلك أن الخسائر المحتملة المترتبة على‬
‫اإلنتاج في النظام الربوي تتحول إلى فوائد مصرفية ‪ ،‬وهي إضافة يتحملها المستهلك عن طريق‬
‫رفع األسعار ‪ ،‬بينما نرى توزع تلك الخسارة في النظام المصرفي اإلسالمي بين ثالث أطراف‬
‫مساهمة ‪ ،‬وهي‪ :‬المستثمر والمصرف والمودع ‪ .‬حيث أن التكلفة تخفف من خالل تحمل جميع‬
‫األطراف مغرم الخسارة ‪.‬‬
‫‪ .4‬دور المصارف اإلسالمية في التنمية يظهر كذلك من خالل إمكانيات التمويل التي تغطيها‬
‫عاد ًة المصارف التجارية ‪:‬‬
‫ذلك يحصل خاصة في المجاالت التي تحمل طابع المخاطرة مثل تمويل المشاريع الفالحية‬
‫‪ ،‬والمؤسسات المالية اإلسالمية في مصر تنشط كثي اًر في هذا المجال الحيوي ‪ ،‬ومجال الصناعة‬
‫التقليدية باإلضافة إلى المجاالت المختلفة األخرى ‪ ،‬ونجد مثالً مصرف فيصل اإلسالمي السوداني‬
‫قطاعي النقل والتجارة الخارجية ‪ .‬إضافة إلى تمويل قطاعات الصناعة والفالحة‬
‫يساهم في تمويل‬
‫َ‬
‫والصناعة التقليدية ‪.‬‬
‫كما نجد قابلية المصارف اإلسالمية لتمويل القروض الصغيرة التي اكتشف دورها في‬
‫مقاومة الفقر والبطالة ومقاومة الهجرة العشوائية إلى المدن الكبيرة والتي ال يتوفر ألصحابها‬
‫ضمانات كافية للحصول عليها من المصارف التجارية ‪ .‬وقد تكون البديل العملي للقروض الصغيرة‬
‫الربوية التي تقوم بها المؤسسات المالية الربوية المختصة ‪ ،‬خاصة المؤسسات الدولية ‪.‬‬
‫‪98‬‬
‫‪ .5‬إن المصارف اإلسالمية أكثر قدرة على توزيع المتاح من الموارد النقدية على أفضل‬
‫االستخدامات ألغراض التنمية االقتصادية ‪:‬‬
‫الشائع والمتوهم بين الناس أن نظام الفائدة يعمل كمصفاة تستبعد المشروعات األقل كفاءة‬
‫وتستبقي تلك المشروعات األعلى عائداً فقط ‪ ،‬وهي األكثر قدرة على دفع الفائدة المطلوبة منها ‪،‬‬
‫ومن ثم فإنها تحصل على النصيب األكبر من قروض البنوك‪ ،‬ويليها المشروعات ذات األقل عائداً‬
‫‪.‬‬
‫أما المشروعات ذات العائد المنخفض التي يقل مستوى العائد فيها عن سعر الفائدة ‪ ،‬فإنها‬
‫لن تحصل على شيء من البنوك ‪ ،‬والجزء األخير فقط من هذه المقولة هو الصحيح وفقاً لنظرية‬
‫الكفاءة الحدية لالستثمار ‪ ،‬فحينما ينخفض معدل العائد المتوقع على مدى عمر المشروع‬
‫االستثماري عن سعر الفائدة السائد يصبح االقتراض من المصرف أم ار غير مرغوب فيه على‬
‫اإلطالق أو مغامرة فاشلة من بدايتها ‪.‬‬
‫لكن هل صحيح أن المشروعات ‪‬األعلى عائدا‪ ‬تحصل على أكبر قدر من التمويل‬
‫المصرفي القائم على الفائدة ‪ ،‬وتليها المشروعات األقل عائدا ؟‬
‫من الجهة النظرية فإن وجود سعر فائدة سائد في السوق المصرفية يعني أن جميع‬
‫المشروعات التي تتوقع عائداً فوق هذا السعر ستكون راغبة في االقتراض ‪ ،‬وأن المشروعات التي‬
‫تتوقع عوائد مرتفعة نسبياً قد تكون فعالً أكثر رغبة في االقتراض ‪ ،‬وذلك ألن العائد الصافي المتوقع‬
‫لديها بعد دفع الفاتورة المستحقة للمصرف سيكون أعلى من غيرها ‪ ،‬ولكن األمر ليس بهذه البساطة‬
‫أبداً ‪ ،‬سواء من الناحية النظرية أو الواقعية؛ ذلك ألن الحصول على االئتمان المصرفي ال يتحدد‬
‫فقط برغبة "‪" willingness‬المشروعات‪ ،‬وانما أيضا بالقدرة "‪ "Ability‬على فعل ذلك ‪.‬‬
‫‪99‬‬
‫أما من جهة الرغبة فهناك عوامل تلعب دورها ‪ ،‬بغض النظر عن المقارنة بين الكفاءة‬
‫الحدية لالستثمار وسعر الفائدة ـ كما بينت الدراسات االقتصادية ـ من هذه العوامل ‪ :‬مدى رغبة‬
‫المشروع في التوسع من عدمه ‪ ،‬األمر الذي يتوقف على أهداف المشروع من جهة ‪ ،‬والمناخ‬
‫االقتصادي العام من جهة أخرى ‪ ،‬ومنها وجود مصادر تمويلية بديلة أقل تكلفة أو أقل مخاطرة من‬
‫االئتمان المصرفي ‪ ،‬مثل التمويل الذاتي من االحتياطيات أو التمويل بالمشاركة عن طريق سوق‬
‫األوراق المالية ‪.‬‬
‫لذلك ليس من الضروري أبدا أن تكون المشروعات األعلى عائداً أكثر رغبة في االقتراض‬
‫بالفائدة من المصارف ‪ .‬أما من جهة القدرة "‪" ABILITY‬على الحصول على االئتمان المصرفي‬
‫فإن المشروعات األعلى عائداً قد تكون أقل قدرة في الحصول على االئتمان المصرفي إذا كانت‬
‫ناشئة ولم تُكون لنفسها سمعة أو مرك اًز مالياً قوياً ‪ ،‬أو إذا كانت صغيرة والمصارف ال ترحب‬
‫بإقراضها ‪ ،‬أو إذا كان هامش المخاطرة مرتفعاً في أعمالها‪ ،‬والمصارف تبتعد بمواردها عن مثل هذه‬
‫األعمال قدر اإلمكان حتى إن كانت ذات أهمية خاصة لالقتصاد ‪.‬‬
‫والحقيقة أن المصارف التجارية في ظل نظام الفائدة تتخير عمالءها أوالً‪ ،‬وفقا لمعيار‬
‫المالءة المالية "‪ " CREDIT WORTHINESS‬ألنها تريد أن تضمن استرداد قروضها باإلضافة إلى‬
‫الفائدة ‪ ..‬هذا هو جوهر النظام الربوي منذ قديم الزمان ‪ .‬ومن ثم فالمصارف التي تعمل بالفائدة ال‬
‫تعبأ في المقام األول بمن يحقق العوائد األعلى أو العوائد األقل من استثماراته بين من يلجأ إلى‬
‫االقتراض منها ‪.‬‬
‫إن المصرف اإلسالمي من حيث المبدأ يستطيع أن يحقق ما لم يستطع المصرف الربوي‬
‫تحقيقه ؛ ألنه ببساطة لن يعتمد على قاعدة المالءة المالية في توزيع موارده النقدية على مشروعات‬
‫تريد قروضا لتردها باإلضافة إلى فائدتها ‪ .‬إن المصرف اإلسالمي يشارك فيما يتحقق من ربح ‪،‬‬
‫‪100‬‬
‫ومن ثم فإنه ألجل تعظيم أرباحه الحالل ال بد أن يعطي تفضيالً في عمليات التمويل للمشروعات‬
‫األعلى عائداً فالتي تليها ‪.‬‬
‫ومن ثم فإن آلية المشاركة من حيث المبدأ تختلف عن آلية سعر الفائدة الجاري في السوق‬
‫المصرفية في القدرة على توزيع الموارد النقدية تبعاً لمعدالت العوائد المتوقعة ‪ ،‬وتعتمد هذه النتيجة‬
‫على الممارسات الكفء لعمليات المشاركة ‪ ،‬فكلما ارتبطت هذه العمليات بالمعدالت المتوقعة‬
‫لألرباح ‪‬مقدرًة على أسس سليمة مع أخذ عنصر المخاطرة في الحسبان‪ ‬أصبحت أكثر كفاءة ‪،‬‬
‫واقترب استخدام الموارد النقدية المخصصة لالستثمار في المجتمع إلى وضع االستخدام األمثل لها‬
‫‪.‬إن المصرف اإلسالمي لن يمتنع عن تمويل مشروع ناشئ أو مشروع صغير إذا تبين من دراسته‬
‫له أحقيته في التمويل على أساس إنتاجيته وكفاءة القائمين عليه‪ ،‬وذلك على عكس البنك الربوي‬
‫‪.‬‬
‫وال شك أن المصرف اإلسالمي ـ وفقاً لتعريفه في وضعه األمثل ‪ ،‬وفي ظل ظروف اقتصاد‬
‫إسالمي ـ قد يوجه من قبل البنك المركزي لتمويل مشروعات ذات عوائد منخفضة نسبياً ألسباب‬
‫اجتماعية ‪ .‬وقد يقال‪ :‬إن في هذا انح ارًفا عن هدف أفضل توزيع ممكن للموارد التمويلية المتاحة‬
‫لدى جهاز مصرفي إسالمي ‪ ،‬ولكن هذا ليس صحيحا في إطار اعتبارات الربح االجتماعي‬
‫)‪(SOCIAL PROFIT‬التي يجب أن تؤخذ في الحسبان بدالً من الربح الخاص ‪(PRIVATE‬‬
‫)‪ PROFIT‬كلما كان ذلك ضرورياً وفقاً للمنهج اإلسالمي في أولويات االستثمار ‪.‬‬
‫الواقع أن النظام المصرفي باعتماده على آلية سعر الفائدة لم ولن ينجح في توجيه الموارد‬
‫إلى االستخدامات األكثر إنتاجية في البلدان النامية ‪ .‬وقد يعتقد البعض أن إدارة سعر الفائدة يمكن‬
‫أن تؤدي إلى نتائج أفضل بالنسبة لقدرة الجهاز المصرفي الربوي على توزيع االئتمان على أفضل‬
‫االستخدامات الممكنة ‪ .‬لكن الواقع على العكس ‪ ،‬لقد أدت السياسة االقتصادية الكلية ‪(MACRO‬‬
‫‪101‬‬
‫)‪ECONOMICS SCHOOL‬التي عمدت إلى إدارة سعر الفائدة إلى نتائج أسوأ‪ ،‬والسبب في ذلك‬
‫أن سعر الفائدة له دائما آثار متضاربة على االقتصاد القومي والنشاط المصرفي ‪ ،‬ومن ثم ال يمكن‬
‫تحريكه بمرونة ألعلى أو ألسفل ألغراض توزيع االئتمان المصرفي على نحو أفضل ‪.‬‬
‫فالبنك المركزي ـ كما هو معروف ـ مقيد في تحريكه لسعر الفائدة بأوضاع الدين العام‬
‫الداخلي وميزان المدفوعات ‪ ،‬وهو األمر الذي يضع قيداً على تغييرات سعر الفائدة ألغراض توزيع‬
‫االئتمان المصرفي ‪ ،‬وحتى بالنسبة لألغراض المصرفية نجد أن سعر الفائدة سالح ذو حدين‪ ،‬فإذا‬
‫تم رفعه ألجل تنمية الودائع أدى هذا من الجهة األخرى إلى آثار غير مالئمة لمن يقترضون‬
‫لالستثمار؛ فالمصارف ال بد أن تغطي بطريقة أو بأخرى فوائدها التي يستحقها المودعون بفوائدها‬
‫الدائنة التي تحصل عليها من المقترضين ‪.‬‬
‫وتشير الدراسات االقتصادية إلى أن سياسات سعر الفائدة خالل الستينيات والسبعينيات‬
‫والثمانينيات أدت إلى مزيد من التحيز في توزيع االئتمان المصرفي‪‬القروض الكبيرة‪ ‬لصالح كبار‬
‫العمالء على حساب صغارهم ‪ ،‬والى تفضيل شركات القطاع العام على شركات القطاع الخاص‪،‬‬
‫كذلك ذكر أحد تقارير البنك الدولي أن إدارة أسعار الفائدة مع السياسات االئتمانية االنتقائية قد‬
‫تخدم أغراضاً معينة ‪ ،‬ولكنها إجماالً كانت ذات تأثير سيئ ‪ ،‬سواء على المدخرين أو المستثمرين‬
‫(المقرضين والمقترضين) ‪.‬‬
‫لقد أدت هذه السياسات إلى خفض كفاءة االستثمار ‪ ،‬إلى خفض المدخرات إلى حد المنع‬
‫في البلدان ذات معدالت التضخم المرتفعة والى إساءة استخدام الموارد التمويلية ‪ .‬إن آليات‬
‫المشاركة ال تواجه كل هذه الصعوبات ‪ ،‬وال تؤدي إلى كل هذه المشكالت ‪ ،‬ولكنها تستلزم شرطاً‬
‫أساسياً وهو أن يعود الناس إلى الحق الذي بينهه اإلسالم ‪ ،‬وال يطالبوا بعوائد عن رؤوس أموالهم‬
‫بينما يرفضون تحمل مخاطرة استخدامها في النشاط اإلنتاجي ‪.‬‬
‫‪102‬‬
‫إن العمالء الذين يودعون أموالهم ألجل االستثمار بالمشاركة يستطيعون أن يحصلوا على‬
‫عائد أكبر باالتفاق مع من يقومون بتنفيذ المشروعات االستثمارية من خالل البنك اإلسالمي فليس‬
‫هناك تناقضات مشابهة لنظام الفائدة ‪ ،‬أما حينما تكون معدالت األرباح المتوقعة منخفضة من‬
‫بعض المشروعات ‪ ،‬فإن أصحاب الودائع االستثمارية يمكن أن يمتنعوا عن تمويل مثل هذه‬
‫المشروعات ‪ ،‬أو يقبلوا إن لم يكن لديهم بدائل أفضل من هذه المعدالت في أنشطة أخرى‪ .‬وهكذا‬
‫فإن هناك تلقائية ودرجة عالية من المرونة في توزيع الموارد التمويلية من خالل المصرفية‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬وذلك بسبب االعتماد على آليات المشاركة ‪.‬‬
‫إن واقع البلدان اإلسالمية كبلدان نامية يشير إلى أن اختالالت هيكلية شائعة في‬
‫اقتصادياتها ‪ ،‬فالموارد االقتصادية موزعة بين األنشطة االقتصادية على نحو بعيد عن الواقع األمثل‬
‫بسبب االختالالت الشائعة في آليات السوق واألسعار ‪ ،‬وبسبب حصول كبار رجال األعمال‬
‫واألثرياء على معظم الموارد التمويلية لدى البنوك‪ ،‬وبسبب أنماط االستهالك غير الرشيدة وال نتوقع‬
‫أبداً لهذه االختالالت أن تختفي من خالل أنظمة التمويل القائمة على نظام الفائدة ‪ .‬أما نظام‬
‫التمويل بالمشاركة فيمكن أن يؤدي دو اًر مهماً في هذا الصدد إذا أتيحت له الفرصة كاملة ‪.‬‬
‫‪ .6‬أن المصارف االسالمية تسهم بشكل مباشر في توزيع الدخل القومي على نحو عادل خالل‬
‫عملية التنمية ‪:‬‬
‫فإنه ال يخفى على أحد األهمية المتزايدة التي أصبح التمويل المصرفي يحتلها من بين‬
‫أنواع التمويل المختلفة‪ ،‬كما ال يخفى على أحد أن من يحصل على التمويل يحصل أيضا على‬
‫فرصة لزيادة دخله ‪ ،‬والعكس صحيح ‪.‬‬
‫من هنا نستطيع تقدير التأثير الهائل الذي يمكن أن يحدثه التوزيع غير العادل للتمويل‬
‫المصرفي على هيكل توزيع الدخل القومي في أي مجتمع‪ .‬ولقد تبين من تجارب التمويل المصرفي‬
‫‪103‬‬
‫أن كبار العمالء ـ سواء كانوا أثرياء أم شركات كبيرة ـ هم الذين يحصلون على النسبة العظمى من‬
‫التمويل المصرفي ‪ ،‬وهكذا تتاح لهم فرصة الحصول على الشريحة الكبرى من الدخل ‪ ،‬فيزدادون‬
‫ثراء وحجماً في المجتمع فتزداد قدراتهم على الحصول على التمويل والدخل ‪.‬‬
‫وهكذا لو قلنا ‪ :‬ه‬
‫إن كبار العمالء هم األكثر كفاءة دائما لما كان هناك ضرر من حصولهم‬
‫على النسبة األكبر من الموارد التمويلية والشريحة األكبر من الدخل ‪ ،‬ولكن هذا القول ال يؤيده واقع‬
‫وال منطق نظري‪ ،‬وقد أشرنا فيما سبق إلى أن المصارف التي تعتمد على نظام الفائدة ال تقرض‬
‫بالضرورة المشروعات األكثر كفاءة واألعلى عائداً ‪.‬‬
‫من الجهة األخرى فإن نظام التمويل بالمشاركة كما ينبغي أن يمارس من خالل نظام‬
‫مصرفي إسالمي ال يعتمد على المالءة المالية ألصحاب المشروعات االستثمارية ‪ ،‬وان جاز أخذ‬
‫هذه في االعتبار ‪ ،‬وانما يعتمد أساسا على جدوى المشروع االقتصادي والثقة في جدية صاحبه‬
‫وخبرته ‪ .‬من هنا فإن المصرفية اإلسالمية تفتح باباً جديداً للخروج من مأزق توزيع الموارد التمويلية‬
‫المتاحة على أصحاب المالءة المالية فقط ‪ ،‬ومن ثم فهي تفتح الطريق أمام توزيع أفضل للدخل‬
‫القومي ‪ ،‬وهذا أمر في غاية األهمية لعدالة التنمية االقتصادية ‪.‬‬
‫نعم إن التنمية االقتصادية قد تتحقق في بعض الحاالت حينما تقاس بمعدالت نمو الدخل‬
‫القومي أو بمتوسط الدخل للفرد‪ .‬لكن حينما نأتي إلى التوزيع الفعلي للدخل القومي نجد أن متوسط‬
‫الدخل الفردي لفئة كبيرة من السكان لم يرتفع‪ ،‬وربما قد انخفض وذلك بسبب سوء توزيع الدخل ‪.‬‬
‫‪ .7‬إن المصارف االسالمية تشجع السلوك اإليجابي الدافع لعملية التنمية‪.‬‬
‫فقد ثبت أن نظام الفائدة يلعب دو اًر سيئاً في تشجيع السلوك السلبي‪ ،‬ومن ثم في توزيع‬
‫الدخل على نحو غير عادل بين الكسالى أو النائمين أو السلبيين من جهة ‪ ،‬وأولئك الذين يعملون‬
‫ويواجهون مخاطر ومتاعب النشاط اإلنتاجي ‪ .‬لقد تسبب نظام الفائدة منذ إق ارره بصفة قانونية في‬
‫‪104‬‬
‫نهاية العصور الوسطى في أوربا في نمو أعداد تلك الفئة الخاملة من الناس التي تعيش على‬
‫اكتساب دخل من تأجير نقودها دون أن تتكلف مشقة القيام بأعمال منتجة ‪.‬‬
‫وهكذا يتم توزيع دخل األعمال اإلنتاجية بشكل بعيد عن العدالة والكفاءة بين من يملكون‬
‫فوائض نقدية ـ سواء من مدخرات أم من ثروات مورثة أو مكتسبة بطرق قانونية أو غير قانونيةـ‬
‫ومن يعملون وينتجون ويسهمون في زيادة الثروات الحقيقية للمجتمع ‪ .‬هذا ما يرفضه اإلسالم ‪،‬‬
‫َ‬
‫وهذا ما يرفضه النظام المصرفي اإلسالمي القائم على المشاركة ‪.‬‬
‫وقيام المصارف اإلسالمية‬
‫إن المصرف اإلسالمي ضرورة ماسة لتصحيح األوضاع ‪.‬‬
‫ُ‬
‫واعتمادها على المشاركة ال يعني فقط إسهاماً ايجابياً في تحقيق عدالة توزيع الدخل بين من يملكون‬
‫فوائض نقدية قابلة لالستثمار ومن يستثمرونها ‪ ،‬وانما أيضاً إسهاماً في تنمية السلوك اإليجابي‬
‫لألفراد الذي ُي ْع ِوُز حتماً للتنمية االقتصادية الصحيحة ؛ ذلك ألن المشاركة حينما تؤخذ بحقها تعني‬
‫أن اثنين يفكران معا في القرار ويتحمالن معا مسئوليته ‪ ،‬وليس واحداً فقط هو الذي يفكر ويتحمل‬
‫المسؤولية ‪.‬‬
‫أو بعبارة أخرى إن آليات المشاركة تدفع الجميع للمساهمة في النشاط االقتصادي ‪ ،‬وذلك‬
‫مقابل آليات النظام الربوي الذي يقبل الغياب الكامل أو النوم لنسبة من أبناء المجتمع ‪ ،‬ال لشيء‬
‫إال ألنهم ادخروا أمواال أو ورثوا ثروة من الغير أو ربما اكتسبوها بطرق غير شرعية ‪.‬‬
‫وفي أحد التقارير التي صدرت منذ أربعين عاماً عن لجنة ملكية في بريطانيا ذكر أن زيادة‬
‫نسبة عدد الشركاء النائمين )‪ (sleeping partners‬يمثل أحد العوامل الخطيرة في الحد من النمو‬
‫االقتصادي ‪.‬‬
‫‪ .8‬الدور التنموي للمصارف اإلسالمية يظهر كذلك من خالل الخدمات االجتماعية المتعددة التي‬
‫تقوم بها هذه المؤسسات ‪ ،‬والتي يمكن تصنيفها على النحو التالي ‪:‬‬
‫‪105‬‬
‫أ‪ .‬خدمات اجتماعية مجانية في شكل‪ :‬قروض حسنة‪ ،‬ومساعدات خيرية‪ ،‬ممولة من زكاة‬
‫المصارف نفسها ‪ ،‬أو من تخصيصها ألوقاف مالية في وجه من وجوه الخير ‪.‬‬
‫ب‪ .‬خدمات اجتماعية ذات طابع اقتصادي عندما يكون مصدرها صناديق مالية مهمة‬
‫تقتضي توظيف هذه األموال في مشاريع لها مردودية اقتصادية ‪ .‬وبذلك تساهم المصارف‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬وهي من المؤسسات المالية القالئل المؤهلة لذلك ‪ ،‬في جباية الزكاة وتوظيف أموالها‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫دور القرض الحسن في عملية التنمية‬
‫المقدمة ‪:‬‬
‫كلنا نعلم أن الفائدة هي جوهر النظام المصرفي الربوي إذ يلعب المصرف التجاري دور‬
‫الوساطة بين المقرضين والمقترضين لغرض الحصول على الفائدة ‪ .‬إال أن هذا النظام المصرفي‬
‫الربوي غير مباح في كافة الشرائع السماوية وعلى وجه الخصوص في الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬والتي‬
‫اعتبرته محرماً وظلماً يقع على المقترض من قبل المقرض ‪ ،‬وكذلك للدور السيئ الذي تلعبه الفائدة‬
‫في اقتصاد دول العالم بشكل عام والدول النامية بشكل خاص ‪.‬‬
‫وقد تمكنت المصارف اإلسالمية من إيجاد وسائل أخرى للتمويل واالعتماد عليها ‪،‬‬
‫وتستطيع من خالل هذه الوسائل أن تربط االدخار باالستثمار بشكل تجيزه الشريعة االسالمية مع‬
‫‪106‬‬
‫تحقيق الربح لها ولعمالئها ‪ ،‬واستخدام القرض الحسن كأداة للتمويل هو شيء أساسي لما له من‬
‫دور مميز في تحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية ‪ ،‬وهذا ما سوف نوضحه ونبينه من خالل‬
‫مبحثنا هذا ‪.‬‬
‫‪ .1‬الفائدة هي أساس عمل المصارف التجارية الربوية ‪:‬‬
‫تعتبر المصارف التجارية أو التقليدية ‪ ،‬هي أدوات النظام المصرفي الربوي ‪ ،‬وأساس‬
‫النظام االقتصادي المعاصر ‪ ،‬فهي التي تقوم بدور الوساطة بين المقرضين والمقترضين ‪ ،‬بغرض‬
‫الحصول على الفائدة ‪ ،‬عن طريق االتجار في الديون والقروض واالئتمان ‪ ،‬ولسنا نقول أنه ال‬
‫يمارس أعماال استثمارية أخرى ‪ ،‬ولكنها ال تشكل المهمة الرئيسة للمصرف ‪ ،‬فالغالب على أعمالة‬
‫هو االتجار في القروض والديون ‪ ،‬للحصول على الربح ‪ ،‬بدون مخاطرة أو خسارة محتملة ‪،‬‬
‫ووسيلته في ذلك أن يقترض بفائدة من المودعين ويقرض بفائدة للمحتاجين والمستثمرين والفرق بين‬
‫الفائدتين يكون محصلة الربح المتحقق للمصرف ‪.‬‬
‫وهذا التعامل بالفائدة من جانب المصارف التقليدية ‪ ،‬ليس خاصا بالقروض المصرفية فقط‬
‫‪ ،‬إنما يعم كل عمليات المصرف ‪ ،‬مبدأ وغاية ‪ ،‬وتعتبر الفائدة الثابتة على القروض المصرفية أو‬
‫السندات مسألة جوهرية ‪ ،‬ألجل سالمة النظام النقدي والمصرفي ‪ ،‬وضرورة ال غنى عنها ‪ ،‬لتجنيد‬
‫‪107‬‬
‫المدخرات المحلية وصحة االستثمار‪ .‬وسوف نوضح هنا بعض العمليات المصرفية التي تعتمد‬
‫الفائدة كأساس لها وبمسميات مختلفة‪.‬‬
‫أ‪ .‬خصم األوراق التجارية ‪:‬‬
‫تتلخص عملية خصم األوراق التجارية في تقديم العميل للمصرف أو الصيرفي ورقة تجارية‬
‫شيك ‪ ،‬أو كمبيالة أو سند أذني ‪ ،‬قبل حلول موعد استحقاقها من أجل الحصول على قيمة السند‬
‫المقدم حاالً ‪ ،‬بعد خصم الفوائد والعموالت التي يتقاضاها المصرف تغليبا ؛ ألن المصرف يقوم‬
‫بالخصم عادة ‪ ،‬ويكون هذا العمل عن طريق تظهير الورقة التجارية عادة بأقل من قيمتها المسجلة‬
‫بها‪ -‬القيمة االسمية‪ -‬مطروح منها ثالث عناصر‪:‬‬
‫‪ ‬الفائدة(عن المدة بين تاريخ الخصم وتاريخ االستحقاق)‬
‫‪ ‬األجرة أو العمولة (لتغطية النفقات العامة للمصرف)‬
‫‪‬‬
‫والمصاريف(مصاريف التحصيل)‪.‬‬
‫وفي العادة ‪ ،‬فإن عملية الخصم هذه تكون مسبوقة باتفاق يحدده شرط الخصم وسعر‬
‫الفائدة والعمولة وكذلك السقف‪ -‬الحد األقصى‪ -‬المخصص للعميل من ناحية مجموع ما يمكن أن‬
‫يخصمه ‪ ،‬فإذا تجاوز السقف توقفت عمليات الخصم لحين تسديد بعض الديون وهكذا‪.‬‬
‫ويعتبر خصم األوراق التجارية ذو أهمية للمصارف حيث يمثل حقالً هاماً من حقول‬
‫االستثمار قصير األجل والقابل للتصفية التلقائية ‪ .‬وأجل األوراق التجارية ال يزيد في الغالب عن‬
‫ستة أشهر على األكثر‪ .‬كما وأنها موزعة على مدينين مختلفين مما يسهل من أمر تحصيلها عند‬
‫االستحقاق ‪ ،‬وكذلك بمقدور المصرف أن يعيد خصمها إذا بقيت لديه ‪ ،‬ويتم الخصم لدى المصرف‬
‫المركزي ‪.‬‬
‫‪108‬‬
‫وال ُيفهم الخصم في الفقه إال كونه قرضا ربوياً تحسب فائدته عن المدة الواقعة بين تاريخ‬
‫الخصم وتاريخ االستحقاق ‪ .‬فالمصرف يقرض في الحال مبلغا من المال يساوي القيمة الحالية‬
‫للورقة التجارية على أن يسترد في األجل ‪ ،‬مبلغا أعلى منه ‪ ،‬يساوي القيمة االسمية للورقة ‪ ،‬وهذا‬
‫عين ربا النسيئة المحرم ‪.‬‬
‫واذا نظرنا للخصم على أنه حوالة حق ‪ ،‬حيث يحيل مظهر الورقة حقه فيها إلى المصرف‬
‫في مقابل ما أقرضه المصرف ‪ ،‬نجد أن هناك أيضا معارضة بين مبلغين من النقود أحدهما حال‬
‫بمبلغ معين‪ ،‬واآلخر مؤجل بمبلغ أعلى من األول ‪ ،‬وهذا ربا النسيئة أيضا ‪ .‬واذا نظرنا للخصم‬
‫على أنه بيع دين ‪ ،‬فإن الفقهاء يفرقون بين بيع الدين لمن هو عليه وبين بيع الدين لغير من هو‬
‫عليه ‪ ،‬وبالنظر إلى الخصم نجد انه بيع الدين لغير من هو عليه هذا الدين ‪ ،‬وهنا يظهر الفقهاء‬
‫( ‪)1‬‬
‫خالفاً في جوازه فنجد أن المالكية أجازوه بشروط‬
‫ونجد الحنفية والحنابلة والشافعية لم يجيزوا بيع‬
‫الدين لغير من هو عليه(‪ ،)2‬فقد احتجوا بان الدين المبيع غير مقدور التسليم ‪ ،‬فقد يجحده المدين أو‬
‫يتخلف عن دفعه ‪ ،‬فهو إذا من بيع الغرر‪.‬‬
‫ومعاملة الخصم هذه باطلة من وجهة النظر اإلسالمي ‪ ،‬فهي ال تصح أن تكون حوالة أي‬
‫من المظهر للمصرف الخاصم على المسحوب عليه ولو كان مديناً ‪ ،‬لفوات شريطة التساوي بين‬
‫الهدين المحال به والهدين المحال عليه ‪ ،‬وكذلك ال تصح أن تكون قرضاً من المصرف الخاصم ‪،‬‬
‫ألنه حين ذاك قرض جر نفعاً ‪ ،‬وأيضاً ال تصح على سبيل بيع الهدين لغير من هو عليه ‪ ،‬ألن‬
‫)‪ )1‬الخرشي على مختصر سيدي خليل ‪ ،‬ج‪ ،77/5‬البهجة في شرح التحفة ‪ ،‬التسولي ‪ ،‬ج‪. 47/2‬‬
‫)‪ )2‬تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ‪ ،‬الزيلعي ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬ط‪ ، 2‬بدون تاريخ ‪ ،‬ج‪ ، 4‬ص‪ ، 83‬المجموع ‪ ،‬النووي ‪ ،‬ج‪ ، 275/9‬المبدع في شرح المقنع ‪ ،‬ابن المفلح ‪ ،‬المكتب اإلسالمي ‪،‬‬
‫بيروت ‪ ،1980،‬ج‪ ، 4‬ص‪ ، 199‬المحرر في الفقه على مذهب اإلمام أحمد ‪ ،‬مجد الدين أبي البركات ‪ ،‬مطبعة السنة المحمدية ‪ ،‬القاهرة ‪ ،1950 ،‬ج‪،1‬ص‪.338‬‬
‫‪109‬‬
‫العوضين هنا هما من النقود ‪ ،‬وال يجوز بيع النقود بالتفاضل ‪ .‬فإذاً هذه العملية (الخصم) تضاف‬
‫إلى عمليات التسليف بالفائدة التي تقوم بها المصارف ‪ ،‬ويشملها كلها نظر شرعي واحد(‪.)1‬‬
‫ب‪ .‬القروض ‪:‬‬
‫اإلقراض من أهم الخدمات والنشاطات الرئيسية في المصرف التقليدي ؛ الن المصرف في‬
‫األصل تاجر ديون ‪ ،‬والفوائد التي يتقاضاها المصرف الربوي على القروض ربا محرم ‪ ،‬مهما‬
‫اختلفت مسمياتها المهم تكييفها الفقهي ‪ ،‬ولذلك فانه ال فرق بين قرض إنتاجي واستهالكي أو‬
‫استثماري ‪ ،‬وأن الربا المحرم قليله وكثيرة حرام‪.‬‬
‫ج ‪ .‬السحب على المكشوف ‪:‬‬
‫أن يسمح المصرف التجاري لبعض عمالئه بالحصول على قروض تتجاوز قيمة أرصدتهم‬
‫بحيث يصبح حسابهم الجاري مكشوفا أي مدين بعد أن كان دائن ‪ ،‬ويتم ذلك لمدة قصيرة مع تحديد‬
‫حد أقصى بقيمة المبالغ المسحوبة ‪ ،‬وال يتقاضى المصرف عن ذلك أية مصاريف أو فوائد وبعد‬
‫فترة سماح قصيرة يبدأ حساب الفوائد على الحساب المدين الذي قدم فيه المصرف ذاك القرض ‪،‬‬
‫وقد بدأت المصارف الربوية بحساب فوائد على السحب حتى في فترة السماح‪.‬‬
‫والسحب على المكشوف بهذه الصورة غير مشروع ‪ ،‬ويعتبر ربا محرما ‪ ،‬ويرى الدكتور‬
‫محمد بابلي أنه في حالة السحب على المكشوف دون احتساب فوائد فان األمر جائز وهو من‬
‫القرض الحسن التي تستحسنه الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫د‪ .‬االعتماد المستندي غير المغطى بالكامل ‪:‬‬
‫)‪ )1‬الموسوعة الفقهية الكويتية ‪ ،‬و ازرة األوقاف ‪ ،‬الكويت ‪ ،1987 ،‬ص‪. 243،242‬‬
‫‪110‬‬
‫وهو ما تقوم به المصارف التقليدية من تمويل جزئي أو كلي لالعتمادات المستندية لقاء‬
‫فائدة محتسبة على أساس فترة التمويل وهو تعامل ربوي محرم شرعا‪ .‬وهناك بدائل شرعية لهذه‬
‫المعاملة وتحويلها إلى عمل شرعي عن طريق عقد المضاربة أو المرابحة لآلمر بالشراء‪.‬‬
‫هـ‪ .‬الودائع بالفوائد ‪:‬‬
‫إن جميع الودائع التي تقبلها المصارف التقليدية مقابل فائدة متفق عليها ‪ ،‬تبعا لسعر‬
‫الفائدة الجاري ‪ ،‬هذه الودائع كلها محرمة شرعا ‪ ،‬فالودائع الجارية التي تعطي فائدة ‪ ،‬ودفاتر‬
‫التوفير بفائدة ‪ ،‬وودائع األجل ‪ ،‬والسندات بفائدة ثابتة أو عائمة أو قابلة للتحويل إلى أسهم ‪ ،‬وسواء‬
‫أكانت بعملة محددة أو بسلة من العمالت ‪ ،‬كحقوق الدفع الخاص أو وحدات النقد األجنبي‪ .‬فكل‬
‫ما سبق سواء بالتحريم ؛ ألنها ال تخرج في تكييفها عن قرض بفائدة ‪ ،‬وهو ما تحرمه الشريعة ‪.‬‬
‫وهكذا نرى بوضوح مدى تغلغل الفائدة في عمل البنوك التجارية والتي تأخذ أشكال‬
‫ومسميات مختلفة ‪ ،‬فالفائدة جزء ال يتج أز من عملية اإلقراض ‪ ،‬سواء كان القرض من الفرد‬
‫للمصرف أو من المصرف للفرد أو لهيئة أخرى ‪ ،‬أو عند االكتتاب في السندات التي تطرحها‬
‫الشركات للجمهور لالكتتاب العام فيها‪.‬‬
‫وبهذا نجد أن التمويل في ظل النظام الرأس مالي ‪ ،‬وفي ظل المؤسسات المالية وعلى‬
‫األخص المصارف التي نشأت لخدمته ‪ ،‬تعتمد على الفائدة ويتلخص تبرير سعر الفائدة في النظام‬
‫المصرفي إلى أنها إما ثمن لالنتظار ‪ ،‬واما كما قال كين‪ -‬ثمن التضحية بالسيولة النقدية ‪ ،‬ال ثمن‬
‫االنتظار‪.‬‬
‫‪ .2‬الفائدة المصرفية من الربا المحرم شرعاً‬
‫‪111‬‬
‫( ‪)1‬‬
‫ض‬
‫الربا في اللغة‪ :‬هو الفضل والزيادة والنماء والعلو ‪ ،‬ومنها قوله تعالى ‪َ ﴿ :‬وتَ َرى األَْر َ‬
‫هِ‬
‫يج﴾[الحج‪:‬اآلية‪ ]5‬فاألرض هامدة‬
‫َنبتَ ْت ِمن ُك ِّل َزْو ٍج َب ِه ٍ‬
‫ام َد ًة َفِإ َذا أ َ ْ‬
‫َنزل َنا َعَل ْي َها ال َماء ْ‬
‫َ‬
‫اهتَهز ْت َوَرَب ْت َوأ َ‬
‫جامدة فإذا جاءها الغيث انتشت فيها البذور ‪ ،‬فتحركت وارتفعت وزادت عما كانت عليه قبل نزول‬
‫الماء من السماء ‪ .‬وقوله تعالى ‪﴿ :‬أَن تَ ُكو َن أُ هم ٌة ِهي أ َْرَبى ِم ْن أُ هم ٍة﴾[النحل ‪ :‬اآلية‪ ]92‬أي أكثر‬
‫َ‬
‫عدداً وقوة ‪.‬‬
‫وفي الشريعة يطلق الربا على الزيادة وفق معيار قانوني للكيل أو الوزن في صنفين‬
‫متجانسين متقابلين في عقد تبادل إذ تفرض هذه الزيادة كشرط ضروري على احد المتعاقدين بدون‬
‫( ‪)2‬‬
‫عوض‬
‫للمقرض مقابل األجل في‬
‫‪ ،‬وكذلك يعرف الربا بأنه الزيادة في القدر أو النفع المشروطة ُ‬
‫القرض(‪.)3‬‬
‫فالتعريف األول ينطبق على ربا البيوع أما التعريف الثاني فينطبق على ربا القروض أو‬
‫كما يعرف في المصارف التجارية بالفائدة ‪ ،‬فال يوجد فرق بين مصطلح ربا القروض ومصطلح‬
‫الفائدة من حيث الشكل والمضمون فكالهما زيادة مشروطة مقابل األجل ‪.‬‬
‫والربا في الغرب كان محرم في أول أمره ‪ ،‬فقد كانت الكنيسة ال تتعامل به في تاريخها‬
‫القديم والوسيط ‪ ،‬فلما جاء عصر اإلحياء شرعت أوروبا في إقامة نهضة بشرية مجردة لنفسها ‪،‬‬
‫مما عجل في التخلص من جميع القيود الدينية التي كانت تفرض من قبل الكنيسة ‪ ،‬فلم تجد‬
‫الكنيسة بداً من االنجرار نحو أساليب الحياة الجديدة ‪ ،‬وبذلك استقر مفهوم المعامالت الربوية ‪،‬‬
‫فاستبيحت الفائدة في الفكر الغربي ‪.‬‬
‫)‪ )1‬معجم مقاييس اللغة ‪ ،‬ابن فارس ‪ ،‬دار إحياء الكتب العربية ‪ ،‬مصر ‪1368 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.483‬‬
‫)‪ (2‬الربا ‪ ،‬أبو األعلى المودودي ‪ ،‬مؤسسة الرسالة ‪1979 ،‬م ‪،‬ص‪. 80،79‬‬
‫(‪ )3‬تحفة المحتاج على المنهاج ‪ ،‬ابن حجر الهيتمي ‪ ،‬ج‪ ،272/4‬أسنى المطالب ‪ ،‬زكريا األنصاري ‪ ،‬ج‪ ،21/2‬مغني المحتاج ‪،‬الخطيب الشربيني ‪ ،‬ج‪ ، 21/2‬نهاية المحتاج ‪ ،‬الرملي ‪ ،‬ج‪/3‬ص‪.424‬‬
‫‪112‬‬
‫ولكن الفائدة الربوية لم تكن مباحة بكل األشكال ‪ ،‬فقد جرت بعض المحاوالت التي تفرق‬
‫بين الربا الفاحش والبسيط ‪ ،‬وكانت الدولة تارة تتدخل في تحديدها ‪ ،‬أو تحديد سقوفها ‪ ،‬كما كان‬
‫يحدث في أيام اليونان ‪ ،‬وتارة أخرى ال تتدخل ‪ ،‬كما كان يحدث في أيام الرومان(‪.)1‬واعتبرت الفائدة‬
‫مباحة إن كانت ضمن الحد المعقول ‪ ،‬أما إذا تضاعفت لحد كبير وأصابت بالضرر الجسيم‬
‫فتكون بتلك الحالة ربا غير مباح ‪.‬‬
‫واستمرت محاوالت الغربيين بوضع حجج علمية وعملية لمنع تدخل الدولة في تحديد أي‬
‫سقف للفائدة وفي نهاية المطاف انتصرت هذه المحاوالت وجمعت مفهوم الربا في قالب متكامل من‬
‫دون أي فصل ‪ ،‬حيث صدر في بريطانيا قانون سمح للمقرض بأن يفرض لنفسه المعدل الذي‬
‫يريده ‪ ،‬ومنذ صدور قانون االئتمان االستهالكي ‪1974‬م ‪ ،‬تم رفع القيود وتحرير معدالت (أسعار)‬
‫الفائدة ‪ ،‬وصار على المقترضين الضعفاء إثبات استغاللهم أمام المحاكم ‪ ،‬كل حسب ظروفه(‪.)2‬‬
‫وفي أمريكا ‪ ،‬تم التخلي أيضاً عن قانون الربا ‪ ، Usury Law‬منذ ثمانينات القرن‬
‫العشرين ‪ ،‬وسار عدد آخر من البلدان في الطريق نفسه(‪ .)3‬وبهذا يثبت أن التمييز بين الربا والفائدة‬
‫لم يكن تميي از صحيحا ‪ ،‬بل ربما كان مرحلة في الطريق إلى إباحة الربا أو الفائدة ‪.‬‬
‫وبالتأكيد أن للشريعة موقفا واضحا من الربا المقترن بعقد القرض ‪ ،‬وهذا الموقف منشأه‬
‫النصوص القرآنية واألحاديث النبوية ‪ ،‬وما ذهب إليه الفقهاء أن الزيادة على القرض من قبيل الربا‬
‫المحرم ‪ ،‬وقد أكدت النصوص القرآنية ذلك ‪:‬‬
‫هِ‬
‫الربا الَ يُق ن ِ ه‬
‫ط ُه ه‬
‫ان‬
‫الش ْي َ‬
‫وم هالِذي َيتَ َخهب ُ‬
‫ين َيأ ُ‬
‫طُ‬
‫‪ ‬ففي قوله تعالى‪﴿:‬الذ َ‬
‫ْكُلو َن ِّ َ‬
‫َ ُ‬
‫ومو َ إال َك َما َيُق ُ‬
‫ِم َن اْلم ِّ‬
‫َّللاُ اْل َب ْي َع و َح هرم ِّ‬
‫س َذلِ َك ِبأَهنهم َقاُلوْا ِإهنما اْل َب ْي ُع ِم ْث ُل ِّ‬
‫َح هل ّ‬
‫الرَبا َوأ َ‬
‫الرَبا َف َمن َجاءهُ‬
‫ُْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫)‪ (1‬فقه المعامالت المالية ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬دمشق ‪ ، 2005 ،‬ص‪.114‬‬
‫)‪ (2‬فقه المعامالت المالية ‪ ،‬رفيق المصري ‪ ،‬ص‪.144‬‬
‫)‪Islamic Finance, Mills and Presley, London, Macmilan,1999, p.105. (3‬‬
‫‪113‬‬
‫ظ ٌة ِمن هربِ ِه َفانتهى َفَله ما سَلف وأَمره ِإَلى ِ‬
‫ِ‬
‫اب الهن ِار ُه ْم‬
‫ّ‬
‫َم ْو ِع َ ّ ّ‬
‫َص َح ُ‬
‫َ َ َ ُ َ َ َ َ ْ ُُ‬
‫َّللا َو َم ْن َع َاد َفأ ُْوَلـئ َك أ ْ‬
‫ِ‬
‫يها َخالُِدو َن﴾[البقرة‪:‬اآلية‪. ]275‬‬
‫فَ‬
‫ه ِ‬
‫َّللاُ الَ ُي ِحب ُك هل َكهف ٍار‬
‫َّللاُ اْل ِّرَبا َوُي ْربِي‬
‫الص َدَقات َو ّ‬
‫‪ ‬وقوله تعالى‪َ ﴿:‬ي ْم َح ُق ّ‬
‫أَِثي ٍم﴾[البقرة‪:‬اآلية‪. ]276‬‬
‫‪‬‬
‫هِ‬
‫ه‬
‫َّللاَ وَذ ُروْا ما َب ِقي ِم َن ِّ‬
‫الرَبا ِإن ُكنتُم‬
‫وقال تعالى‪َ ﴿:‬يا أَي َها الذ َ‬
‫آمُنوْا اتُقوْا ّ َ‬
‫َ‬
‫ين َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ين﴾[البقرة‪ :‬اآلية‪ ]278‬وهذه اآليات جميعها اشتملت على الترهيب من رجس الربا‬
‫م ْؤ ِمن َ‬
‫‪ ،‬وكذلك وعد إلهي بمحق الربا ‪.‬‬
‫وفي السنة وردت أحاديث كثيرة في تحريم الربا ‪ ،‬سواء بشكل عام كانت أو خاصة بصنف‬
‫منه ‪:‬‬
‫الذهب ِب ه‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫الذ َه ِب ِإالّ‬
‫يعوا َ َ‬
‫‪ ‬فقد روي عن أبي سعيد الخدري‪ ‬أن رسول هللا‪ ‬قال ‪[ :‬ال تَب ُ‬
‫ِ‬
‫ِق ِباْلور ِ‬
‫ِ ِِ ٍ‬
‫ِ‬
‫ضها َعَلى َب ْع ٍ‬
‫ِق ِإاله ِم ْثالً ِب ِم ْث ٍل ‪،‬‬
‫ض ‪َ ،‬والّ تَب ُ‬
‫يعوا اْل َور َ َ‬
‫م ْثالً بم ْثل ‪َ ،‬والّ تُشفوا َب ْع َ َ‬
‫ِ‬
‫ض ‪ ،‬والّ تَِبيعوا ِم ْنها َغ ِائبا ِب َن ِ‬
‫ضها َعَلى َب ْع ٍ‬
‫اج ٍز]‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َوالَ تُشفوا َب ْع َ َ‬
‫(‪)1‬‬
‫فالحديث صريح في‬
‫منع الزيادة في تبادل النقود ‪.‬‬
‫‪ ‬ومنها ما ورد عن الحارث‬
‫َوَك ِات َب ُه‬
‫‪‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّللاِ ‪ِ ‬‬
‫آك َل ِّ‬
‫ول ه‬
‫الرَبا َو ُموكَل ُه َو َشاه َدهُ‬
‫أنه قال ‪َ [:‬ل َع َن َرُس ُ‬
‫ٍ‬
‫ِه ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ‪َ :‬ن َع ْم ‪َ ،‬واْل َحال َواْل ُم َحهل ُل َل ُه َو َم ِان ُع‬
‫ال ‪ :‬إال م ْن َداء ‪َ ،‬فَق َ‬
‫َواْل َواش َم َة َواْل ُموتَش َم َة َق َ‬
‫ان َي ْن َهى َع ْن الهن ْو ِح َوَل ْم َيُق ْل َل َع َن](‪.)2‬‬
‫ه‬
‫الص َدَقة ‪ِ .‬وَك َ‬
‫)‪ )1‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب بيع الفضة بالفضة ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )2177‬ص‪.348‬‬
‫)‪ (2‬سنن النسائي ‪ ،‬النسائي ‪ ،‬كتاب الزينة‪،‬باب الموتشمات ‪ ،‬رقم الحديث (‪. )5104‬‬
‫‪114‬‬
‫الذهب ِب ه‬
‫ه‬
‫الذ َه ِب َواْل ِف ه‬
‫ض ُة‬
‫‪ ‬وأيضاً عن أبي سعيد الخدري‪ ‬قال ‪ :‬قال رسول هللا‪ُ َ [ : ‬‬
‫ِباْل ِف ه ِ‬
‫الش ِعير ِب ه‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫الش ِع ِ‬
‫ير َوالته ْم ُر ِبالته ْم ِر َواْل ِمْل ُح ِباْل ِمْل ِح ِم ْثالً ِب ِم ْث ٍل َيًدا ِب َيٍد‬
‫ضة َواْلُبر باْلُب ِّر َو ُ‬
‫ِ ِِ‬
‫ِ‬
‫اء](‪.)1‬‬
‫َف َم ْن َزَاد أ َْو ْ‬
‫استَ َزَاد َفَق ْد أ َْرَبى اآلخ ُذ َواْل ُم ْعطي فيه َس َو ٌ‬
‫ومن خالل تدبر النصوص القرآنية واألحاديث النبوية قسم الفقهاء الربا إلى قسمين ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬ربا الديون ويندرج تحته صنفان من الربا هما ‪:‬‬
‫أ‪ .‬ربا الجاهلية ‪ :‬وهو ربا األضعاف المضاعفة ‪ ،‬أو الربا المركب أو بالتعبير القانوني‬
‫تقاضي الفائدة على متجمد الفائدة ‪ ،‬وهذا الربا ثابت بالقرآن ‪ ،‬وحرمته اشد أنواع الحرمة‪.‬‬
‫ب‪ .‬ربا النسيئة ‪ :‬هو ربا بسيط ليس مركبا أو مضاعفاً وجب لمجرد التأخر بالمدة عن الوفاء‬
‫وهو الربا الثابت بالسنة ‪ .‬ويبدو أن درجة الحرمة فيه أقل منها في سابقه ‪ ،‬وذلك للتفرقة بالدليل‬
‫المثبت كونه توجيه القرآن في األول وفي الثاني قول السنة ‪ ،‬حيث تتكامل العلة في الربا المركب ‪،‬‬
‫فيعتبر تحريم مقاصد ‪ ،‬بينما يعتبر تحريم الربا للتأخير في موعد السداد ‪ ،‬تحريم وسائل(‪.)2‬‬
‫ثانيا‪ :‬ربا البيوع ‪:‬‬
‫قال ابن القيم ‪ :‬هو الربا الخفي(‪ .)3‬ويكون في بيع األموال الربوية ‪.‬‬
‫وهذا النوع من الربا نادر الوقوع في هذه األيام ‪ ،‬وال يكون إال عند مقايضة أنواع معينة‬
‫ببعضها ‪ ،‬ولم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية ‪ ،‬ولم يأت تحريمه في اإلسالم حتى كان يوم‬
‫خيبر في السنة السابعة من الهجرة(‪.)4‬‬
‫ويندرج تحته صنفان هما ‪:‬‬
‫(‪ )1‬صحيح مسلم ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ‪ ،‬حديث رقم (‪ ، )1584‬ج‪16/11‬‬
‫)‪ (2‬الكثير من الفقهاء ال يميلون إلى التفريق بين ربا الجاهلية وربا النسيئة ويعتبرون كليهما زيادة مشروطة على رأس المال في القرض‬
‫)‪ (3‬تفسير القرآن الكريم ‪ ،‬محمود شلتوت ‪ ،‬دار الشروق ‪ ،‬بيروت ‪1399 ،‬هـ ‪ ،‬ص‪.151،150‬‬
‫)‪ )4‬في فقه المعامالت المالية والمصرفية المعاصرة ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬دمشق ‪2007 ،‬م ‪ ،‬ص‪.25،24‬‬
‫‪115‬‬
‫أ‪ .‬ربا الفضل ‪:‬‬
‫وهو ما ينشأ عن مبادلة متجانسة مبادلة فورية مع الزيادة في احد البدلين عن اآلخر‪.‬‬
‫فالزيادة في ربا الفضل تكون مشروطة مقدما ألحد العاقدين في عقد المعاوضة بدون مقابل ؛ كأن‬
‫يبادل مزارع آخر طن قمح جيد بطن ومائة كيلو رديء من اجل البذر ويتسلمان البدلين في‬
‫المجلس(‪.)1‬فربا الفضل ال يكون إال في البيوع ‪ ،‬وبهذا فإن ربا الفضل(هو الزيادة الكمية في احد‬
‫البدلين عند مبايعة المال المثلي بمثله ولو تفاوتا في الجودة والنقاء)(‪.)2‬‬
‫ب‪ .‬ربا النساء ‪:‬‬
‫ينشأ من مبادلة متجانسين (ذهب بذهب) أم متقابلين (ذهب بفضة) مع النساء في أحد‬
‫البدلين ‪ ،‬ويجتمع النساء والفضل في معاملة واحدة إن كانا من جنس واحد حيث يكون التساوي‬
‫والتقابض مطلوبي التحقق ‪ ،‬وفي حالة اختالف الجنسين وعدم تتحقق التقابض في نفس المجلس‬
‫يحصل ربا النساء ‪.‬‬
‫ويشبه ربا النساء في عصرنا الحالي شهادات االستثمار ذات العائد الشهري (فئة ب) ‪،‬‬
‫ألن صاحب المال يدفع ماله لمؤسسة االستثمار– وهي في الواقع تضع األموال بفوائد عند البنوك‬
‫– وينتظر ربحاً معيناً ‪ ،‬ورأس المال ٍ‬
‫باق بحاله(‪. )3‬‬
‫)‪ )1‬المصارف اإلسالمية ‪ ،‬جمال الدين عطية ‪ ،‬كتاب األمة ‪ ،‬مطابع الدوحة ‪،1986 ،‬ص‪ ، 131‬االقتصاد االسالمي والقضايا الفقهية المعاصرة ‪ ،‬علي أحمد السالوس ‪ ،‬ج‪/1‬ص‪.266‬‬
‫)‪ (2‬تطوير األعمال المصرفية بما يتفق مع الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬سامي حسن حمود ‪ ،‬دار اإلتحاد العربي ‪،1976 ،‬ص‪.206‬‬
‫)‪ )3‬الزواجر عن اقتراف الكبائر ‪ ،‬ابن حجر الهيتمي ‪ ،‬ج‪.180/ 2‬‬
‫‪116‬‬
‫والذي يهمنا هنا هو ربا الجاهلية والنسيئة ‪ ،‬فقد شنت عليهما النصوص وانعقد اإلجماع على‬
‫تحريمهما ‪ ،‬الرتباطهما الوثيق بعمل المصارف التجارية ومقابلتهما للفائدة ‪ ،‬وهو يمثل صورة الواقع‬
‫المصرفي المعاصر ‪ ،‬كما نوهنا لهذا سابقا ‪.‬‬
‫ويعتبر الفقه ‪ ،‬أن تقدير الزمن بالمال في عقد القرض ‪ ،‬أو في عالقة المديونية غير جائز‬
‫ألن الزمن ال يلد المال ‪ ،‬وعدم الجواز هنا ليس مرجعه فقط جانب الزيادة في الدين أو القرض من‬
‫جانب المقترض ‪ ،‬وانما أيضا في جانب النقص في الدين ‪ ،‬من المقرض لصالح المقترض ويكون‬
‫بشكل‪‬ضع وتعجل‪ ، ‬فالتحريم مطلق في تقويم الزمن بالمال ‪.‬‬
‫لكن الوضع من الدين المؤجل مقابل تعجيله هو موضع جدل بين أهل العلم ‪ ،‬ففقهاء‬
‫الحنابلة والحنفية أجاوزوها إن كانت بين طرفين واعتبروها من باب اإلرفاق ‪ ،‬حيث يتم فيها براءة‬
‫ذمة الغريم ( المقترض) من الدين وانتفاع المقرض من التعجيل ‪ ،‬وهذا هو عكس الربا حيث‬
‫تتضمن الربا زيادة في األجل والدين وذلك يسبب إضرار بالطرفين ‪.‬‬
‫وشرعية هذا الكالم نجدها في السنة الشريفة ‪(،‬فقد روى الحاكم عن ابن عباس رضي هللا‬
‫عنهما أن النبي‪ ‬لما أمر بإخراج بني النضير‪ ،‬جاءه ناس منهم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يا نبي هللا إنك أمرت‬
‫بإخراجنا ‪ ،‬ولنا على الناس ديون لم تحل‪ .‬فقال رسول هللا ‪] :‬ضعوا وتعجلوا[)(‪.)1‬‬
‫والوضيعة في اللغة ‪ :‬الحطيطة أو النقصان ويقال ‪ُ :‬وضع في تجارته وضيعة ؛ أي خسر ولم‬
‫( ‪)2‬‬
‫يربح‬
‫وتأتي بمعنى الحسم ( الخصم ) ‪.‬‬
‫والوضيعة للتعجيل هي من باب خصم تعجيل الدفع ‪ ،‬فهي عالقة ثنائية بين طرفين ‪ ،‬فإذا‬
‫دخل بينهما طرف ثالث (مصرف مثال) لم تجز ‪ ،‬ألنها عندئذ تصير من باب خصم األوراق‬
‫)‪ )1‬المستدرك للحاكم وصححه ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬دار الفكر ‪،1978 ،‬ج‪ ،2‬ص‪.52‬‬
‫)‪ )2‬معجم المصطلحات االقتصادية ‪ ،‬نزيه حماد ‪ ،‬ص‪.351‬‬
‫‪117‬‬
‫التجارية ‪ ،‬أو الخصم المصرفي ‪ .‬وهذا ما أخذ به مجمع الفقه اإلسالمي المنبثق عن منظمة‬
‫المؤتمر اإلسالمي فقد نص على ما يلي ‪:‬‬
‫((‬
‫الحطيطة من الدين المؤجل ألجل تعجيله ‪ ،‬سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين(ضع‬
‫بناء على اتفاق مسبق ‪ ،‬ومادامت‬
‫وتعجل) جائزة شرعاً ‪ ،‬ال تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن ً‬
‫العالقة بين الدائن والمدين ثنائية ‪ ،‬فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز ‪ ،‬ألنها حينئذ تأخ ُذ حكم‬
‫حسم األوراق التجارية‬
‫))‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫للمقرض‬
‫فإذاً دخول المصرف كطرف ثالث سيحيل األمر إلى مسألة منح المصرف مبلغ ُ‬
‫(المتعجل) أقل من مبلغ القرض الحقيقي ‪ ،‬ومن ثم يسترد المبلغ كامالً من الذي عليه الدين ‪ ،‬وهنا‬
‫أصبحت حطيطة التعجيل في مقابل الزمن من باب ربا النسيئة المحرم ‪.‬‬
‫والربا محرم قليله وكثيره لخطورته حتى لو كان قليل ‪ ،‬فعند افتراض االستقرار وعدم‬
‫التضخم ‪ ،‬فإن ثروة المرابي ستتراكم حتى تصل إلى أحجام مخيفة ‪ ،‬وال سيما إذا كان الربا مركبا ‪،‬‬
‫أي بحيث يستثمر األصل والعائد معاً في كل دورة زمنية ‪ ،‬فالربا المركب يعمل وفق قوانين المتوالية‬
‫الهندسية التي يصعب على العقل المجرد اإلحاطة بالنماء القائم على أساسها ‪.‬‬
‫فالنظام الربوي نظام معيب من الوجهة االقتصادية البحتة ‪ ،‬وقد بلغ سوئه الحد الذي دعا‬
‫بعض أساتذة االقتصاد الغربيين إلى التنبه إلى عيوبه ‪ ،‬وهم أنفسهم قد نشأوا في ظله ‪ ،‬وأشربت‬
‫عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي بثتها عصابات المال في جميع فروع الثقافة والتصور واألخالق ‪.‬‬
‫)‪ )1‬قرار مجلس مجمع الفقه اإلسالمي بخصوص بيع التقسيط ‪ ،‬الدورة السابعة ‪ ،‬جدة ‪. 1992 ،‬‬
‫‪118‬‬
‫وقد كان في مقدمة هؤالء األساتذة الدكتور األلماني (شاخت) مدير بنك الرايخ سابقاً ‪ ،‬وقد‬
‫كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام ‪( : 1953‬أنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن‬
‫جميع المال في األرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين)(‪.)1‬‬
‫هِ‬
‫ْكُلوْا ِّ‬
‫َض َعاًفا‬
‫آمُنوْا الَ تَأ ُ‬
‫الرَبا أ ْ‬
‫ويكفينا حجة على مأساة الربا قوله تعالى ‪َ ﴿:‬يا أَي َها الذ َ‬
‫ين َ‬
‫َّللاَ َل َعهل ُك ْم تُْفلِ ُحو َن﴾ [آل عمران ‪ :‬اآلية‪ ، ]130‬فقد كان خطاب للمؤمنين بأن ال‬
‫مَ‬
‫اعَف ًة َواتهُقوْا ّ‬
‫ض َ‬
‫يأكلوا الربا ‪ ،‬ألنه أياً ما كان معد له البد أن يصير أضعافا مضاعفة ‪ ،‬وسيسهم في زيادة الفوارق‬
‫الطبقية ويضع المال في أيدي شبكة صغيرة من الجشعين ‪ ،‬فيحدث الخلل في دورة المال ونمو‬
‫االقتصاد وتسحق األغلبية الكبيرة من الناس ‪ ،‬وترجع الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية لتلك الزمرة‬
‫من المرابين ‪.‬‬
‫والخالصة ‪ :‬إن الفائدة غير شرعية ‪ ،‬وأن معاملة المصارف مع العمالء بالفائدة هي ليست‬
‫من قبيل المضاربة وال من قبيل المرابحة وال من قبيل الوديعة ‪ ،‬وال من قبيل أي طريق أو عقد‬
‫حالل ‪ ،‬وانما هي عالقة قرض بفائدة ‪ ،‬والفائدة في الحكم اإلسالمي لها حكم الربا ‪.‬‬
‫والربا ثبت تحريمه في الكتب السماوية كافة ‪ ،‬وعلى الخصوص في النصوص القرآنية‬
‫واألحاديث النبوية الشريفة وبإجماع المسلمين ‪ ،‬وثبتت تأثيراته الضارة على واقع الحياة االقتصادية‬
‫واالجتماعية ‪ ،‬من خالل ما خلفته من مآسي كبيرة لدى قطاعات واسعة من المجتمعات ‪.‬‬
‫وفي محاولة لاللتفاف على الربا لجأ المرابون إلى استخدام حيل ربوية لتظليل المجتمع‬
‫وتحليل ما حرمه هللا ‪ ،‬وسنذكر هنا أشهر هذه الحيل والتي تعتبر ضربا من ضروب الخداع‬
‫والتحايل على الشريعة وتلك الحيل هي ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬بيع العينة ‪:‬‬
‫(‪ )1‬في ظالل القرآن ‪ ،‬سيد قطب ‪ ،‬ج‪(3‬تفسير آيات الربا ) ‪ ،‬ص‪.321‬‬
‫‪119‬‬
‫وهو أن يشتري شخص سلعة من شخص آخر بـ(‪ )100‬إلى أجل ‪ ،‬ثم يبيعها لنفس الذي‬
‫اشتراها منه بـ(‪ )80‬نقداً ‪ ،‬أي بثمن أقل دون قبض المبيع فعالً ‪ ،‬وهذه الصورة هي عبارة عن‬
‫وسيلة تتضمن الربا المحرم ولكن بحيلة تأخذ صورة البيع حيث يعود حاصل البيعتين إلى أن يبدل‬
‫نقوده بنقود أكثر وهذا ما موجود في الربا ‪ .‬وسميت عينة لحصول النقد (العين ) لطالب العينة ‪ ،‬أو‬
‫ألنه يعود إلى البائع عين ماله ‪ ،‬أي السلعة التي باعها ‪ .‬وال يعني هذا إن البيع بثمن مؤجل أعلى‬
‫من المعجل ال يجوز ‪ ،‬إنما يعني عدم جواز اتخاذ البيع المؤجل حيلة للوصول إلى القرض الربوي‬
‫‪ ،‬أي عدم جواز االعتماد على ما هو حالل للوصول إلى ما هو حرام ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ :‬بيع التورق ‪:‬‬
‫وهو أن يشتري شخص السلعة إلى أجل ‪ ،‬ليبيعها ويأخذ ثمنها لينتفع به ويتوسع فيه ‪،‬‬
‫كأن يحتاج إلى نقود فيذهب إلى التاجر ويشتري منه ما يساوي (‪ )100‬بـ(‪ )150‬إلى أجل ‪ ،‬ليسد‬
‫به حاجته وهو يختلف عن بيع العينة ‪ ،‬ألن البائع الذي كان مشترياً باع السلعة إلى شخص آخر‬
‫غير البائع األول ‪.‬‬
‫وفي التورق خالف بين الفقهاء ‪ ،‬فقد أجاز جمهور الفقهاء التورق ‪ ،‬وقولهم فيه هو صيغة‬
‫بيع وشراء طبيعية وليس فيه حالة تواطؤ ‪ ،‬وخالف في ذلك ابن تيمية ‪ ،‬وذهب إلى كراهة‬
‫التورق(‪ ،)1‬وحكي انه اختار حرمته(‪ .)2‬وهي رواية عن أحمد أيضاً ‪.‬‬
‫وقد ارتضى ابن القيم مذهب شيخه ( ابن تيمية ) حظر التورق ‪ ،‬ونبه إلى أنه مع ذلك‬
‫أخف من العينة ‪ ،‬فقال ‪ (( :‬وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها ‪ ،‬فهي العينة ‪ ،‬وان باعها‬
‫محلل الربا ‪ ،‬واألقسام الثالثة يعتمدها‬
‫لغيره فهي التورق ‪ ،‬وان رجعت إلى ثالث يدخل بينهما ‪ ،‬فهو‬
‫ُ‬
‫)‪ )1‬مجموع فتاوي ابن تيمية ‪ ،‬ج‪. 446 ، 442، 302/29‬‬
‫)‪ )2‬اإلنصاف ‪ ،‬المرداوي ‪ ،‬ج‪ ، 195/11‬المبدع على المقنع ‪ ،‬برهان الدين ابن مفلح ‪ ،‬مطبعة المكتب اإلسالمي ‪ ،‬دمشق ‪1400 ،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 4‬ص‪. 49‬‬
‫‪120‬‬
‫المرابون وأخفها التورق ‪ .‬وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال ‪ :‬هو أُخيةُ الربا ‪ .‬وكان شيخنا يمنع‬
‫حاضر ‪ ،‬فلم ُي َرخص فيها ))(‪.)1‬‬
‫من مسألة التورق ‪ ،‬وروجع فيها م ار اًر وأنا‬
‫ٌ‬
‫والعلة في المنع والتحريم لديهم هو أنه يتحول إلى عملية بيع بصورة ربا من خالل حصول‬
‫تواطؤ بين أطراف عملية البيع ‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬بيع وسلف ‪:‬‬
‫يلجأ المسلف أحياناً إلى اشتراط البيع بسعر معين مع إقراضه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬المسلف‬
‫(المقرض) أسلفك هذا المبلغ على أن تبيعني بسعر كذا في حالة إن كان المقترض هو البائع له ‪،‬‬
‫أما إذا كان هو البائع فيشترط زيادة ربحه من خالل بيعه سلعة بسعر أعلى مقابل إقراضه مبلغ‬
‫( ‪)2‬‬
‫للمقترض ‪ ،‬وهو من البيوع الفاسدة فقد نهى رسول هللا ‪‬عن بيع وسلف‬
‫‪ ،‬أي قرض وبيع ‪،‬‬
‫والنهي عنه كالنهي عن بيع العينة ‪ ،‬إنما هو لسد الذريعة ألنه يقرضه على أن يحابيه في الثمن ‪،‬‬
‫فيكون المراد به التوصل إلى الربا ‪.‬‬
‫بيع الوفاء ‪:‬‬
‫هو البيع بشرط التراد ‪ ،‬أي متى رد البائع الثمن رد إليه المشتري سلعته ‪ ،‬وسمي بيع الوفاء‬
‫ألن فيه تعهداً من المشتري بالوفاء بالشرط وهو وهو رد البيع عند رد الثمن ‪ ،‬ويسمى أيضاً بيع‬
‫األمانة ‪ ،‬ألن السلعة فيه تصبح كاألمانة عند المشتري يردها للبائع متى رد عليه ماله‪.‬‬
‫واختلف أهل العلم في حكم هذا البيع ‪ ،‬قسم منهم اعتبره رهناً صحيحاً تجري عليه أحكامه ‪،‬‬
‫وقسم ثاني اعتبره بيعاً فاسداً وذلك لشرط التراد ‪ ،‬والقسم اآلخر اعتبره مزيج بين البيع الصحيح‬
‫والبيع الفاسد والرهن ‪ ،‬وأنه بيع مشروع للحاجة إليه ‪.‬‬
‫(‪ )1‬إعالم الموقعين عن رب العالمين ‪ ،‬ابن القيم الجوزية ‪ ،‬مطبعة السنة المحمدية ‪ ،‬مصر ‪1358،‬هـ ‪ ،‬ج‪ ، 3‬ص‪. 212 ، 182‬‬
‫(‪ )2‬سنن أبي داؤد ‪ ،‬ج‪ ، 283/3‬سنن النسائي ‪ ،‬ج‪/7‬ص‪295‬‬
‫‪121‬‬
‫والصحيح هنا عدم جوازه ألن المقصود الحقيقي من وراء ذلك هو الربا ‪ ،‬وصورته هو أن‬
‫يقول البائع للمشتري ‪ :‬بعتك هذا العقار بـ(‪ )1000‬على أنه متى رددت إليك الثمن أو أرجعت لك‬
‫الدين ‪ ،‬أعدت إلي المبيع ‪ ،‬وتكون هنا منفعة العقار أو نحوه هي الفائدة التي ينتفع بها المقرض‬
‫والذي هو بصفة مشتري في عملية البيع هذه ‪ ،‬وهو بذلك أصبح قرض ربوي موثق بشرط التراد أو‬
‫الرهن ‪ ،‬وعبرة العقود تكون بالحقائق والمعاني وليس باألسماء والمباني ‪.‬‬
‫‪ .3‬أثر الفائدة السلبي على التنمية ‪:‬‬
‫تأسيس النظام المصرفي على الفائدة ‪ ،‬واعتبارها المحور األساسي الذي ترتكز عليه‬
‫العمليات المصرفية في أشكالها وجوانبها المتعددة ‪ ،‬يجعل منها نقيض للفلسفة الحقيقية من مسألة‬
‫التمويل بالقروض ‪ ،‬وكذلك لفلسفة التنمية التي يهدف إليها النظام المالي واالقتصادي في المجتمع‬
‫‪ ،‬وهذا األمر واضح من خالل تتبع األغراض التي ألجلها يقدم القرض ‪ ،‬فهو عادة يقدم إلى شكلين‬
‫من المطالب ‪:‬‬
‫‪ ‬األغراض االستهالكية ‪.‬‬
‫‪ ‬األغراض اإلنتاجية ‪.‬‬
‫ومن ثم فإن تحريم الفائدة في الشكل االستهالكي ‪ ،‬هو باب من أبواب المعاملة اإلنسانية ‪،‬‬
‫وفكرة التحريم فيه مرجعها إلى مبدأ العدالة بين اإلنسان وأخيه اإلنسان ‪ ،‬وتلك النظرة تعتبر حجر‬
‫الزاوية في الفلسفة اإلسالمية ورؤيتها للحياة االجتماعية واالقتصادية ‪ ،‬وهذا ما يجب أن يتوفر في‬
‫كل نظام اقتصادي يسعى إلى التنمية التي توفر النفع للفرد والمصلحة للمجتمع ‪ ،‬وال تضحى‬
‫لتحقيق غاية طرف على حساب الطرف اآلخر ‪.‬‬
‫إن ما يتجاهله نظام الفائدة هو عدم االكتراث لتحقيق المصلحة الثنائية والكلية ‪ ،‬واالعتماد‬
‫على افتراض معيار ثابت أال وهو معيار الفائدة ‪ ،‬وعدم األخذ بنظر االعتبار جانب الخسارة الذي‬
‫‪122‬‬
‫يتحقق أثناء تمويل أي مشروع من قبل القروض التي تتحصل على الفائدة كنتيجة حتمية لإلقراض‬
‫‪ .‬وبالتالي يعود بالضرر الكبير على الجانبين االقتصادي واالجتماعي ‪ ،‬فأي مشروع ال يمكن‬
‫التنبؤ بنتائج تشغيله ‪ ،‬كما أنه ال يمكن تحديد الربح أو الخسارة وحجم أي منهما(‪.)1‬‬
‫واذا كان هناك مستفيد من نظام الفائدة ‪ ،‬فهو ليس إال المقرض فرداً كان أو مؤسسة أو‬
‫مصرف ‪ ،‬وهو طرف ال نقول بتجاهل حقه في الربح ‪ ،‬لكن بشرط أن ال يكون ذلك الربح على‬
‫حساب تجاهل حقوق المقترضين ‪ ،‬الذين لهم حق مماثل ‪ ،‬ألن اإلخالل بحق الطرف األخير الذي‬
‫يمثل الكثرة العددية والقوة الضاربة التي تبني بجهودها عمليات التنمية االجتماعية واالقتصادية ‪،‬‬
‫سيؤدي إلى إخالل أكبر بحق المجتمع والجماعة ‪ ،‬والتي هي في مسيس الحاجة إلى التقدم والتطور‬
‫والتنمية الفاعلة ‪.‬‬
‫و في الحاصل ‪ ،‬فإن قيام نظام اقتصادي على أساس الفائدة الربوية يجعل العالقة بين‬
‫أصحاب األموال وبين العاملين في ميدان التجارة والصناعة عالقة مقامرة ومشاكسة مستمرة ‪ ،‬ألن‬
‫المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة ‪ .‬ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة‬
‫والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ‪ ،‬ويستمر برفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة‬
‫أنه ال فائدة لهم من استخدام هذا المال ‪ ،‬ألنه ال يدر عليهم ربحا يوفون به الفائدة ويبقى لهم منه‬
‫شيء ‪.‬‬
‫عندئذ ينكمش حجم المال المستعمل في هذه المجاالت االقتصادية والتي يشتغل فيها‬
‫ماليين البشر ‪ ،‬وتُضيق المصانع دائرة إنتاجها ‪ ،‬و يتعطل العمال فتقل القدرة على الشراء وتزيد‬
‫البطالة ‪ .‬وتضعف البنية التحتية في القطاعات األساسية للمجتمع ‪ ،‬ويزيد من كثرة تجمع المال‬
‫)‪ )1‬إلغاء الفائدة من االقتصاد ‪ ،‬تقرير م جلس الفكر اإلسالمي في باكستان ‪ ،‬المركز العالمي ألبحاث االقتصاد اإلسالمية ‪ ،‬جامعة الملك عبد العزيز ‪ ،‬جدة ‪ ، 1984 ،‬ط‪ ، 2‬ص‪. 23‬‬
‫‪123‬‬
‫لدى طبقة قليلة بسبب زيادة الفائدة إلى حالة ضارة ‪ ،‬وهكذا تفشل العملية التنموية وتقع األزمات‬
‫االقتصادية الدورية العالمية ‪.‬‬
‫وال ننسى هنا أن كل زيادة ( فائدة) تفرض من خالل عملية اإلقراض ‪ ،‬ستدفع بأصحاب‬
‫المصانع والمتاجر إلى رفع أثمان السلع االستهالكية ‪ ،‬فيقع عبئها الجم وتأثيرها السلبي على‬
‫المستهلكين ‪ ،‬لينقص بذلك من قدرة هذه الفئة على االدخار ‪ ،‬ومن دعمها لمسيرة العملية التنموية‬
‫‪.‬‬
‫ومن المفيد في هذا المقام هو استعراض سلبيات نظام الفائدة من وجهات نظر اقتصادية‬
‫غربية ‪ ،‬حتى ال يبقى أي شك تجاه من يروجون لتلك السلعة الفاسدة من أبناء جلدتنا وغيرهم ‪ ،‬ألن‬
‫تلك األصوات االقتصادية خرجت من البلدان التي نبعت منها فكرة الفائدة ‪ ،‬فكانت تلك اآلراء هي‬
‫الحجة األقوى والبرهان األعمق على األثر السيئ للفائدة ‪.‬‬
‫وبنفس الوقت الدليل االقتصادي العملي الغير متحمل على نظام الفائدة كالفكر االقتصادي‬
‫االسالمي على حد تعبيرهم ‪ ،‬وسنذكر بعض تلك اآلراء التي تطرق لها كبار االقتصاديين الغربيين‬
‫وهي ‪–:‬‬
‫‪ .1‬إن الفائدة هي أحد أسباب التضخم ‪ ،‬فقد أكد ذلك (‪ )SIMONS‬حيث قال ‪( :‬أن السبب‬
‫األساسي للكساد العالمي في الثالثينيات هو تغيرات الثقة التجارية الناشئة عن نظام‬
‫ائتماني غير مستقر)(‪.)1‬‬
‫‪ .2‬في دراسات ميدانية قام بها (‪ )ENZLER&CONRAD&JOHNSO‬توصلوا فيها إلى أن‬
‫رأس المال في االقتصاديات المعاصرة قد أسيء تخصيصه إلى حد خطير بين قطاعات‬
‫)‪"Economic Policy for a free Sociey ", Simon ,H., University of Chicago, 1948, p.320 )1‬‬
‫‪124‬‬
‫االقتصاد وأنواع االستثمارات بسبب سعر الفائدة(‪ ،)1‬والمقصود هنا أن الفائدة أداة رديئة‬
‫ومضللة في تخصيص الموارد ‪ ،‬وال تعير الناحية االجتماعية أية أهمية ‪ ،‬فتحرم المجتمع‬
‫من مشروعات ضرورية وتعيق حركة التنمية فيها ‪ ،‬فالمشروعات الكبيرة تحصل على‬
‫قروض أكثر وبسعر فائدة أقل ‪ ،‬بينما يحدث العكس بالنسبة للمشروعات المتوسطة‬
‫والصغيرة التي قد تكون ذات فائدة أكبر وانتاجية أكثر ‪.‬‬
‫‪ .3‬تشير الدالئل اإلحصائية إلى عدم وجود ترابط ايجابي كبير بين الفائدة واالدخار ‪ ،‬وهذا ما‬
‫أكده (‪ )SAMELSON‬عند قوله ‪ ( (:‬إن بعض الناس يقل ادخارهم بدل أن يزيد حينما تزيد‬
‫أسعار الفائدة ‪ ،‬وان كثي اًر من الناس يدخرون المبلغ نفسه تقريباً بغض النظر عن مستوى‬
‫سعر الفائدة ‪ ،‬وان بعض الناس يميلون إلى خفض استهالكهم إذا وعدوا بأسعار أعلى ) ‪،‬‬
‫ثم يتابع قائالً ‪ ( :‬كل الدالئل توحي بأن مستوى الفائدة يميل في قراري االستهالك واالدخار‬
‫إلى إبطال تأثير كل منهما على اآلخر ))‬
‫(‪)2‬‬
‫‪.‬‬
‫‪ .4‬في دراسة أجراها (‪ )LEIBLING‬للتجربة األمريكية (‪ )1978–1970‬وجد أن الفوائد قد‬
‫بلغت ثلث العائد اإلجمالي على رأس المال ‪ ،‬مما أدى إلى تآكل أرباح الشركات وانخفاض‬
‫إنتاج االقتصاد األمريكي ‪ ،‬وبالتالي أدى إلى انخفاض التكوين الرأسمالي(‪ .)3‬ولذا فإن‬
‫الفائدة تؤدي إلى زيادة التكاليف وانخفاض مشاريع التنمية ‪ ،‬وكلما ارتفع سعر الفائدة‬
‫أصبح عائق االستثمار أكبر ‪.‬‬
‫)‪"Public Policy and Capial Formation", Enzler&Conrad&Johnso, Federal Reserve Bullein(Oc.,1981), P.759 )1‬‬
‫)‪"Economics", Samuelson, P.A, 7hed,. McGraw Hill, New York, 1967, p.574 )2‬‬
‫)‪"Corpora Profitability and Capial Formation: Are Raise of Return Sufficient?", Leibling , H., U., S., Pergamon Po licy Studies, NY 1980, p. 70–8 )3‬‬
‫‪125‬‬
‫‪ .5‬في بداية الثمانينات وضع ( ‪)FRIEDMAN‬‬
‫(‪)1‬‬
‫تساءل عن أسباب السلوك الطائش الذي لم‬
‫يسبق له مثيل لالقتصاد األمريكي ‪ ،‬وقد توصل إلى أن هذا السلوك الطائش بسبب أسعار‬
‫الفائدة مما يصعب اتخاذ الق اررات االستثمارية الطويلة األجل أو التخطيط الجيد لألعمال ‪.‬‬
‫‪ .6‬قال(‪( : )URVEY‬أن السعر النقدي للفائدة ليس هو المتحكم في االقتصاد ‪ ،‬وأن سعر‬
‫الفائدة ال يصلح لذلك ‪ ،‬وهو غير مناسب لق اررات االستثمار ‪ ،‬وبناء على هذا يجب أن‬
‫يحل محله سعر األصول الحقيقية الموجودة أو المستوى العام ألسعار األسهم)(‪ .)2‬وهذا‬
‫الكالم يؤكد على ضرورة فك ارتباط االقتصاد عن سعر الفائدة ‪ ،‬مما يجعل حرية أكبر في‬
‫اتخاذ الق اررات االستثمارية وتوجيهها بالشكل المطلوب وبما يخدم عملية التنمية ‪.‬‬
‫‪ .7‬وبخصوص درجة ضرر الفائدة المركبة على االقتصاد وما تسببه على المجتمع من آثار‬
‫سيئة كاالستغالل والظلم والحيف ‪ ،‬قال(‪( : )j. H. HOSTON‬الفائدة المركبة إثم مركب ‪،‬‬
‫أسي يسبب ظلماً كبي اًر ‪ ،‬ويجعل الديون‬
‫يطلق الحرية في عالم اقتصادي محدود ‪ ،‬لنمو ّ‬
‫غير قابلة للسداد ‪ ،‬وهذا ليس مجرد ديانة مجردة ‪ ،‬بل هو حصيلة آالف السنين من‬
‫التجربة الكئيبة لتركز الثروة في القليل من األيدي ‪ ،‬ومن استرقاق الدين ‪ ،‬مما تحدثت عنه‬
‫جميع كتب الحكمة القديمة ‪ :‬الكتاب المقدس ‪ ،‬والقرآن ‪ ،‬وفالسفة اليونان ‪ .‬وفي عالم ال‬
‫ينمو فيه الناتج الفردي ‪ ،‬وال الناتج الحقيقي الكلي ‪ ،‬والنقود فيه ال يمكن أن تنمو باستمرار‬
‫‪ ،‬فإن فرض أي معدل فائدة موجب سرعان ما يؤدي إلى اإلفراط في تركيز الثروة في أيدي‬
‫قلة من المرابين ‪ ،‬كما يؤدي إلى االنهيار االقتصادي)(‪.)3‬‬
‫)‪" he yo-yo U.S. Economy", Friedman, M., Newsweek, 15Feb, 1982, p.4. )1‬‬
‫)‪"Does he Rate of Interest Rule he Rooms?", Urvey , R., Hahn, G., eds., pp.,172&329. )2‬‬
‫)‪Islamic Finance, Mills and Presley, p.117. )3‬‬
‫‪126‬‬
‫وبناء على ما تقدم ‪ ،‬فإن االعتماد الكلي على الفائدة في عملية اإلنتاج والتنمية واهمال‬
‫األخذ بالربح والذي يمثل محرك النمو الحقيقي لالقتصاد ‪ ،‬سيؤدي إلى حرمان فئات كثيرة من‬
‫العمل في تأدية دورها االيجابي تجاه اإلنتاج القومي ودعمه بقدراتها المتنوعة ‪ ،‬وبالتالي سيتولد‬
‫خلل كبير في عملية التوازن بين طبقات المجتمع ‪ ،‬وتنشأ فجوة واسعة من السلبية االقتصادية‬
‫واالجتماعية التي بدورها ستكون معوق رئيسي أمام مسيرة التنمية ‪.‬‬
‫‪ .4‬المصارف اإلسالمية وأساليب التمويل المعوضة لإلقراض بالفائدة ‪:‬‬
‫تقوم المصارف اإلسالمية بعمليات تمويل مختلفة تهدف جميعها إلى تدعيم التنمية في‬
‫المجتمع ‪ ،‬ويكون إقراض عمليات المستثمرين ليس بأسلوب الفائدة ‪ ،‬وانما يكون بأساليب متنوعة‬
‫تعوض عن التعامل بالفائدة ‪ ،‬فاالستثمار اإلسالمي يمتلك طرقا وأساليب متميزة وعديدة تهدف كلها‬
‫إلى تحقيق الربح الحالل ومن أبرز هذه األساليب واألشكال ‪.‬‬
‫أوال ‪ :‬المضاربة‬
‫تعتبر المضاربة هي الوسيلة التي تجمع بين المال والعمل بقصد استثمار األموال التي ال‬
‫يستطيع أصحابها استثمارها ‪ .‬كما أنها الوسيلة التي تقوم على االستفادة من خبرات الذين ال‬
‫يملكون المال ‪.‬‬
‫والمضاربة ‪ :‬هي عقد بين طرفين أو أكثر يقدم أحدهما المال واألخر يشارك بجهده على‬
‫أن يتم االتفاق على نصيب كل طرف من األطراف بالربح بنسبة معلومة من اإليراد(‪.)1‬‬
‫وهناك عدة أشكال أو صور للمضاربة نذكر منها(‪:)2‬‬
‫‪ .1‬المضاربة الخاصة ‪ :‬بمعنى أن المال والعمل مقدمان من شخص واحد‪.‬‬
‫)‪ )1‬أساسيات العمل المصرفي اإلسالمي (الواقع واآلفاق) ‪ ،‬عبد الحميد محمود البعلي ‪ ، 1990،‬القاهرة ‪ ،‬ص‪.68‬‬
‫)‪ )2‬إدارة البنوك مدخل استراتيجي معاصر ‪ ،‬فالح حسن الحسيني ‪ ،‬مؤيد عبد الرحمن الدوري ‪ ، 2000 ،‬دار وائل للنشر ‪ ،‬عمان ‪ ،‬ص‪.201‬‬
‫‪127‬‬
‫‪ .2‬المضاربة المشتركة‪ :‬يتعدد فيها أصحاب األموال وأصحاب العمل‪.‬‬
‫‪ .3‬المضاربة المطلقة ‪ :‬وهي التي ال يقيد فيها صاحب المال المضارب بنوع محدد من‬
‫االستثمار أو التجارة وانما يكون له مطلق الحرية في اختيار النشاط الذي يراه مناسبا‪.‬‬
‫‪ .4‬المضاربة المقيدة‪ :‬وهي المضاربة التي يلزم فيها صاحب رأس المال المضارب باستخدام‬
‫األموال في نشاط أو تجارة معينة من قبله‪.‬‬
‫شروط المضاربة(‪:)1‬‬
‫‪ .1‬يجب أن يكون رأس المال المضارب به نقدا ومعلوماً ‪.‬‬
‫‪ .2‬إن المضارب ال يضمن رأس المال المضارب به في حالة الخسارة إال إذا أثبت صاحب‬
‫المال أن تقصير المضارب هو السبب وراء هذه الخسارة ‪.‬‬
‫‪ .3‬يمكن للمصرف أن يطالب بضمان يقدمه المضارب يحفظ فيه حقه في حالة تقصيره عن‬
‫تنفيذ الشروط التي تم االتفاق عليها ‪.‬‬
‫‪ .4‬يجب أن يتم تحديد نصيب كل طرف من األرباح كنسبة من األرباح وال يجوز أن يكون‬
‫الربح مقدا ار محددا ألنه قد تكون األرباح المتحققة أقل من ذلك ‪.‬‬
‫‪ .5‬يجوز االتفاق على وقت المضاربة ومكانها ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ :‬المشاركات‬
‫المشاركة ‪ :‬هي صورة قريبة من المضاربة والفرق األساسي بينهما أنه في حالة المضاربة‬
‫يتم تقديم رأس مال من قبل صاحب المال وحده ‪ .‬أما في حالة المشاركة فإن رأس المال يقدم بين‬
‫الطرفين ويحدد عقد المشاركة الشروط الخاصة بين األطراف المختلفة‬
‫)‪ )1‬إدارة البنوك ‪ ،‬فالح حسن الحسيني ‪ ،‬مؤيد عبد الرحمن الدوري ‪ ،‬ص‪.202‬‬
‫‪128‬‬
‫( ‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫معنى المشاركة ‪:‬‬
‫هي عقد بين طرفين يقدم كل منهما مقدا ار معلوما من رأس المال ويكون فيه الحق‬
‫بالتصرف في المال تصرفا كامال باعتباره شريكا ومالكا له ويتم توزيع الربح حسب ما يتم االتفاق‬
‫عليه ببن الطرفين ‪ .‬أما الخسارة فتوزع حسب نسبة المشاركة برأس المال(‪.) 2‬‬
‫ويمكن أن تقسم المشاركة إلى نوعين رئيسيين ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬المشاركة المتناقصة ‪:‬‬
‫هي أن تقوم المشاركة بين طرفين أحدهما المصرف وأي طرف أخر سواء كان فردا أم‬
‫شركة يكون فيها الحق للشريك أن يحل محل المصرف في ملكية المشروع المشترك بينهما وذلك‬
‫أما دفعة واحدة أو على دفعات ‪ .‬على أن ال يتم دفع نصيب الفرد أو الشركة من األرباح المتحققة‬
‫كجزء من استرداد قيمة حصة المصرف أي أن الشريك في النهاية سيتمكن من تملك المشروع بعد‬
‫أن تمكن من رد التمويل إلى المصرف(‪.) 3‬‬
‫ثانياً ‪ :‬المشاركة الثابتة ‪:‬‬
‫قد يأخذ المشروع المعول شكال قانونيا ثابتا مثل شركة مساهمة أو التوصية البسيطة أو‬
‫توصية بأسهم أو تضامن حسب صيغة المشروع وحجمه ‪ ،‬وهنا يقوم المصرف اإلسالمي بتمويل‬
‫جزء من رأس مال مشروع معين يجعله شريكاً في إدارته واإلشراف عليه ‪ ،‬وشريكا في الربح الذي‬
‫يكون حسب النسبة المتفق عليها ‪ ،‬وتبقى حصة كل شريك من الشركاء ثابتة لحين االنتهاء من مدة‬
‫المشروع أو الشركة التي حددت في االتفاق(‪.)4‬‬
‫أنواع الشركات في الفقه اإلسالمي ‪:‬‬
‫)‪ (1‬إدارة البنوك ‪ ،‬فالح حسن الحسيني ‪ ،‬مؤيد عبد الرحمن الدوري‪ ،‬ص‪.202‬‬
‫)‪ (2‬المؤسسات المالية البورصة والبنوك التجارية ‪ ،‬محمد صالح الحناوي ‪ ،‬عبد السالم سعيد فتاح ‪ ،‬الطبعة األولى ‪ ، 2000 ،‬الدار الجامعة ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬ص‪.406‬‬
‫)‪ )3‬إدارة البنوك ‪ ،‬فالح حسن الحسيني‪ ،‬مؤيد عبد الرحمن الدوري ‪ ،‬ص‪.202‬‬
‫)‪ (4‬نحو نظام نقدي عادل ‪ ،‬محمد عمر شبرا‪ ،‬وآخرون‪ ، 1990 ،‬الطبعة الثانية ‪ ،‬دار البشير للنشر والتوزيع ‪ ،‬عمان ‪ ، ،‬ص‪.44‬‬
‫‪129‬‬
‫‪ .1‬شركات األمالك ‪ :‬هي اشتراك شخصين أو أكثر في ملك عين معينة ذات قيمة مالية‪.‬‬
‫‪ .2‬شركات العقود ‪ :‬هي عقد بين طرفين أو أكثر على االشتراك في رأس المال واألرباح‬
‫الناتجة عن استثماره وتقسم شركات العقود إلى‪:‬‬
‫آ) شركات العنان ‪ :‬وهي أحد أنواع شركات العقود التي تم االتفاق فيها بين األطراف‬
‫المتشاركة على عدم تصرف أي شريك إال بإذن صاحبه ‪.‬‬
‫ب) شركة المفاوضة ‪ :‬وهي الشركة التي يتساوى فيها الشركاء في كل شيء ‪.‬‬
‫وتعتبر شركة العنان من أنسب الصيغ االستثمارية في المصارف اإلسالمية مثل المشاركة‬
‫الدائمة والمشاركة المنتهية بالتمليك(‪.)1‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬المرابحة‬
‫المرابحة ‪ :‬هي البيع بالثمن الذي اشتريت به السلعة مع ربح معلوم واتفق الفقهاء في‬
‫المذاهب المختلفة على أمرين بالنسبة للمرابحة( ‪.)2‬‬
‫األول ‪ :‬بيان الثمن وما يدخل فيه ويلحق فيه ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬زيادة ربح معلوم على الثمن ‪.‬‬
‫شروط المرابحة ‪:‬‬
‫‪ .1‬أن يكون ثمن السلعة معلوما‪.‬‬
‫‪ .2‬أن يكون الربح معلوما للبائع والمشتري ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن يكون المبيع عرضا فال يصح بيع النقود مرابحة‪.‬‬
‫)‪ (1‬العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة)‪ ،‬حسين محمد سمحان ‪ ،‬مطابع شمس ‪ ،‬عمان ‪ ،‬بدون تاريخ ‪ ،‬ص‪.44‬‬
‫(‪)2‬المؤسسات المالية البورصة والبنوك التجارية ‪ ،‬محمد صالح الحناوي ‪ ، ،‬ص‪.407‬‬
‫‪130‬‬
‫‪ .4‬أن يكون العقد األول صحيحا ‪ .‬فلو كان فاسدا لم تجر المرابحة ألنها بيع بالثمن‬
‫األول مع زيادة الربح‪.‬‬
‫أنواع البيوع‬
‫تصنف البيوع إلى أنواع متعددة هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬بيع المقايضة ‪ :‬وهو مبادلة عين بعين بدون نقد وقد كان هذا البيع شائعا قبل استخدام‬
‫النقود‪.‬‬
‫‪ .2‬بيع الصرف‪ :‬وهو بيع الثمن بالثمن سواء كان الثمن عاجال أو أجال ويشمل ‪:‬‬
‫‪ ‬بيع السلم ‪ :‬ويتم بدفع الثمن مال مع تأجيل تسليم المبيع‪.‬‬
‫‪ ‬بيع األجل ‪ :‬ويتم بتسليم المبيع ماال مع تأجيل دفع الثمن ‪.‬‬
‫‪ ‬بيع المساومة ‪ :‬ويتم دون معرفة المشتري لتكلفة السلعة على البائع فال يعرف‬
‫المشتري مقدار ربح البائع أو خسارته ويجوز هذا البيع إذا لم يكن من البيوع غير‬
‫المشروعة كبيع المسترسل‪.‬‬
‫‪ ‬بيوع األمانة ‪ :‬ويتم فيها البيع بمعرفة المشتري كلفة السلعة على البائع ويتم تحديد‬
‫الثمن بينهما بناء على ذلك‬
‫(‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫رابعاً ‪ :‬السلم‬
‫وهو بيع شيء يقبض ثمنه حاال وتأجيل تسليمه إلى فترة قادمة ‪ ،‬وقد يسمى بيع السلف‬
‫فصاحب رأس المال يحتاج أن يشتري السلعة وصاحب السلعة يحتاج إلى ثمنها مقدما لينفقه على‬
‫السلعة التي وصفها المشتري ‪ .‬وبهذا نجد أن المصرف أو أي تاجر يمكن له أن يقرض المال‬
‫)‪ (1‬العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ‪ ،‬حسين محمد سمحان‪ ،‬ص‪.72‬‬
‫‪131‬‬
‫للمنتجين ويسدد القرض ال بالمال النقدي ألنه سيكون (قرض بالفائدة) ‪ ،‬ولكن بمنتجات معينة‬
‫وموصوفة في الذمة ‪.‬‬
‫مما يجعلنا أمام بيع سلم يسمح للمصرف أو للتاجر بربح مشروع ويقوم المصرف بتصريف‬
‫المنتجات والبضائع التي يحصل عليها وهو بهذا ال يكون تاجر نقد وائتمان بل تاجر حقيقي يعترف‬
‫اإلسالم بمشروعيته وتجارته ‪ .‬وبالتالي يصبح المصرف اإلسالمي ليس مجرد مشروع يتسلم األموال‬
‫بفائدة لكي يوزعها بفائدة أعلى ولكن يكون له طابع الخاص حيث يحصل على األموال ليتاجر‬
‫ويضارب ويساهم بها ‪.‬‬
‫وهكذا يمكن أن يكون عقد السلم طريقا للتمويل يغني عن القرض بالفائدة ‪ .‬فأصحاب‬
‫السلع والبضائع يمكنهم أن يحصلوا من المصرف على ثمن بضائعهم مقدما على أن تسلم‬
‫للمصرف مستقبال ليتاجر بها كما يمكن للمصرف أن يستخدم بيع السلم في بيع تجارته(‪.)1‬‬
‫مشروعية السلم ‪:‬‬
‫( ‪)2‬‬
‫السلم على غير القياس فقد وضع العلماء شروط وقيود تحفظ للسلم إباحته منها‬
‫‪ .1‬بيان الجنس والنوع والصفة في الثمن تجنبا للنزاع ‪.‬‬
‫‪ .2‬بيان جنس ونوع وصفة المسلم فيه (السلعة) ‪.‬‬
‫‪ .3‬أن يكون المسلم فيه مؤجال إلى أجل معلوم ‪.‬‬
‫‪ .4‬أن يكون المسلم موجودا عند حلول اآلجل ‪.‬‬
‫)‪ )1‬المؤسسات مالية البورصة والبنوك التجارية ‪ ،‬محمد صالح الحناوي ‪ ،‬ص‪.411‬‬
‫(‪ )2‬العمليات الم صرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة)‪ ،‬حسين محمد سمحان ‪ ،‬ص‪.71‬‬
‫‪132‬‬
‫‪:‬‬
‫‪ .5‬يشترط في المسلم فيه أن ال يكون من جنس الثمن وأن ال يكون متفقاً معه في علة‬
‫ربوية ‪.‬‬
‫‪ .6‬البعض اشترط بأن ال يقل األجل عن شهر واحد ذلك ألن الشهر أقل مدة يمكن أن‬
‫تتحقق فيها الفائدة من بيع السلم‪.‬‬
‫‪ .7‬يجب أن يكون الثمن معجالً ‪.‬‬
‫خامساً ‪ :‬االستصناع‬
‫االستصناع ‪ :‬هو طلب الصنعة كأن يطلب من شخص أن يصنع لك حذاء أو حقيبة أو‬
‫غير ذلك فإن هذا األمر هو ما يعرف باالستصناع ‪ .‬وبعض الفقهاء قالوا أنه يجب أن يوضع‬
‫االستصناع من حيث محل العقد وصفته ووزنه‪ ......‬الخ ‪ .‬ويذكر أن الناس تعاملوا بهذا العقد منذ‬
‫زمن رسولنا محمد صلى هللا عليه وسلم الذي استصنع خاتما وقيل أنه استصنع منب ار ‪ .‬ومن فوائد‬
‫االستصناع أنه يشجع اإلنتاج والعمل وتشغيل األيدي العاملة ويزيد النشاط االقتصادي ويؤمن‬
‫عملية التسويق‪.‬‬
‫هذا ويمكن للمصارف اإلسالمية اآلن الدخول في عمليات االستصناع‪ ،‬كمثال يمكن لها‬
‫أن تجعل عقود استصناع عن طريق امتالكها المصانع والقيام بالتصنيع أو أن تكون صانعا‬
‫ومستصنعا في نفس الوقت وهو يعرف ب (االستصناع الموازي) وهذا النوع هو األكثر مالئمة‬
‫( ‪)1‬‬
‫لعمل المصارف اإلسالمية‬
‫‪.‬‬
‫شروط االستصناع (‪:)2‬‬
‫)‪ )1‬العمليات المصرفية اإلسالمية (مفهوم ومحاسبة) ‪ ،‬حسين محمد سمحان ‪ ،‬ص‪.75‬‬
‫)‪ )2‬العمليات المصرفية اإلسالمية ‪ ،‬حسين محمد سمحان ‪ ،‬ص‪.75‬‬
‫‪133‬‬
‫‪ .1‬أن يكون محل العقد معلوم الجنس والنوع والصفة والقدرة وهذا التحديد الدقيق يجعل‬
‫الوقوع في النزاع والخالفات بين الصانع والمستصنع في أضيق الحدود‪.‬‬
‫‪ .2‬أن يكون محل العقد مما يجعل فيه التعامل بين الناس استصناعاً مثل األحذية‬
‫والمالبس واألثاث‪.‬‬
‫‪ .3‬أن يقدم الصانع مستلزمات الصناعة ‪.‬‬
‫‪ .5‬القرض الحسن كأداة للتمويل وأثره في عملية التنمية‪.‬‬
‫يعزو العديد من من خبراء التنمية ظاهرة التخلف في البلدان النامية إلى كونها نتاج التقدم‬
‫والهيمنة والتبعية التي مارستها الدول المتقدمة على الدول المتخلفة‪ ،‬وكان هذا التقدم الزم لعملية‬
‫التراكم الرأسمالي في بعض الدول ‪ ،‬ومن طرف ثاني لتكريس التخلف في دول أخرى من أجل زيادة‬
‫التقدم ‪ ،‬فقد قامت عدة دراسات حول السبب الكامن وراء التراكم الرأسمالي للعالم الذي اقلع باتجاه‬
‫التقدم ‪.‬‬
‫فوصلت هذه الدراسات إلى القول أن السبب هو الهيمنة والتبعية التي فرضت على الدول‬
‫المتخلفة باعتبارها مصد ار للمواد األولية وسوقا رائجة لبضائع الدول المتقدمة ‪ ،‬ومكاناً الستثمار‬
‫( ‪)1‬‬
‫رؤوس أموالها‬
‫‪ ،‬وأن هذه التبعية والهيمنة الوافدة وتدخل الشركات المتعددة الجنسيات ‪ ،‬وارتباط‬
‫اقتصاديات الدول المتخلفة بالمركز الرأسمالي ووجود رأس المال األجنبي والقنوات التجارية ‪ ،‬أدت‬
‫إلى انقسام االقتصاد العالمي نحو قسمين ‪:‬‬
‫‪ o‬اقتصاد م ِ‬
‫ستغل ‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪o‬‬
‫ستغل ‪.‬‬
‫واقتصاد ُم َ‬
‫)‪ )1‬محمد سعيد طالب ‪ ، 2005،‬الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة (التخلف العربي ثقافي أم تكنولوجي)‪ ،‬منشورات اتحاد الكتاب العرب ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬ص‪http:/ /www.awu-dam.org ، 93-92‬‬
‫‪134‬‬
‫واذا نظرنا على صعيد بناء االقتصاديات المتخلفة ‪ ،‬فقد أدت األسباب السابقة إلى تشوه‬
‫هذه االقتصاديات ‪ ،‬والى تعدد األنماط فيها ‪ ،‬والى تفكك قطاعاتها االقتصادية وانتشار االزدواجية‬
‫( ‪)1‬‬
‫فيها ‪ ،‬وتظهر هذه االزدواجية في كل جانب من جوانب االقتصاد الوطني ‪ ،‬فنجد قطاعاً زراعياً‬
‫وقطاعاً صناعياً ال عالقة بينهما ‪ ،‬ونجد سوقاً مالية محدودة وأخرى أجنبية ال يوجد أي رابط بينهما‬
‫‪ ،‬ونجد قطاعات اقتصادية عديدة لكن مبعثرة ومرتبطة بالمركز إلى جانب قطاعات اقتصادية‬
‫متخلفة‪.‬‬
‫إن التفكك في القطاعات االقتصادية وعدم وجود ترابط وتواثق بينها ال يمكن تفسيره إال‬
‫ِ‬
‫ستغل ‪.‬‬
‫الم َ‬
‫المستغل واالقتصاد الوطني ُ‬
‫بسبب التبعية االقتصادية ‪ ،‬ووجود االقتصاد األجنبي ُ‬
‫وبالتالي نرى وجود اقتصاد متقدم يملك صناعة متطورة وامكانية على استيعاب التكنولوجية الحديثة‬
‫‪ ،‬مع اقتصاد متخلف مرتبط بالزراعة التقليدية غير قادر على امتصاص التقدم التقني واستيعابه ‪،‬‬
‫واقتصاد يتقيد باإلنتاجية المحدودة وباالقتصاد المعيشي‪.‬‬
‫وهذه التبعية والتفكك واالزدواجية التي تعاني منها اقتصاديات المجتمع المتخلف ‪ ،‬ترجمت‬
‫على شكل عدم قدرة هذه االقتصاديات على تغطية حاجات اإلنسان األساسية ‪ ،‬وليس فقط‬
‫انخفاض مستوى معيشة اإلنسان ‪ ،‬فقد أصبح اإلنسان في الدول المتخلفة يعاني من مأساة تمس‬
‫( ‪)2‬‬
‫وجوده الفيزيولوجي واإلنساني ممثل في‬
‫‪:‬‬
‫‪ .1‬عدم تغطية حاجته من الغذاء الالزم للحياة ‪.‬‬
‫‪ .2‬المرض وتدهور الصحة وانخفاض معدل المعيشة ‪.‬‬
‫‪ .3‬األمية وعدم تلبية حاجات اإلنسان الثقافية واإلنسانية ‪.‬‬
‫(‪ )1‬ويقصد باالزدواجية انقسام القطاعات االقتصادية إلى قطاع متخلف مرتبط في العمق المتخلف (ريف متخلف‪ ،‬تقنية بسيطة) وقطاع متقدم يعتمد تكنولوجية مستوردة متجهه نحو الخارج وفي خدمة المركز ‪.‬‬
‫)‪ )2‬التنمية االقتصادية ‪ ،‬عبد الرحيم بوادقجي ‪ ،‬المطبعة الجديدة ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬طبعة‪ ، 1977‬ص‪.27،26‬‬
‫‪135‬‬
‫ومن خالل فهمنا ألسباب ونتائج التخلف نستطيع أن نجد الطرق الناجعة التي تمكننا من‬
‫كسر هذا التخلف وماهية العملية التنموية المطلوبة ‪ ،‬فنجد أن التنمية هي (عملية شمولية ومتكاملة‬
‫‪ ،‬أي ال تقتصر على الجانب االقتصادي وانما تشمل الجوانب االجتماعية والفكرية والسياسية وال‬
‫يكفي كي نحقق التنمية تحقيق زيادة في الناتج القومي وال حتى تحقيق زيادة في اإلنتاج أو تبديل‬
‫البنى االقتصادية ‪ ،‬وانما يجب رفع المستوى االجتماعي والفكري والثقافي وكذلك مستوى الوعي‬
‫والممارسة السياسية) ‪.‬‬
‫إن التنمية يجب تركيزها على اإلنسان ‪ ،‬ألنه أداتها ‪ ،‬وألنه المستفيد منها ‪ ،‬وحتى تصبح‬
‫التنمية بهذا الشكل فهي ليست مجرد تنمية لألشياء ‪ ،‬ولكنها تنمية لإلنسان أوالً وقبل كل شيء ‪.‬‬
‫ويثير هذا المفهوم عدة اعتبارات منها أن اإلنسان يجب أن يتحول من كونه عبارة عن كيان‬
‫بايولجي يحتا ج فقط إلى إشباع لحاجاته األساسية ‪ ،‬إلى إنسان يوجد ضمن مجموعة من األفراد‬
‫األحرار المشكلين للمجتمع ‪ ،‬ويتحمل عبء المشاركة في تحديد أهداف التنمية وتنفيذها ‪.‬‬
‫إن التنمية عملية ذاتية وداخلية أي عملية تعتمد على النفس عصامية وال تعتمد على العالم‬
‫الخارجي في تمويل عملياتها كما يرى تيار من المفكرين الذين يعتقدون أن التنمية ال تأتي إال من‬
‫الخارج المتقدم على الداخل ‪ ،‬وهذا ال يعني عدم العمل على االستفادة من العالم الخارجي أو التقدم‬
‫الذي حدث في باقي أنحاء العالم ‪ ،‬لكن شريطة أن ال تتحول هذه االستفادة إلى تبعية للعالم‬
‫الخارجي ‪ ،‬فمصادر التنمية موجودة داخل أي بلد متخلف أو نامي ممثلة في الطاقة البشرية الهائلة‬
‫‪ ،‬وفي المواد األولية والمتاحة‪.‬‬
‫ونفهم من العرض السابق ألسباب التخلف ونتائجه ‪ ،‬أن التنمية الكفيلة بكسر هذا التخلف‬
‫يجب أن تكون ذات وجهين وجه اجتمعي ووجه اقتصادي ال يمكن فصل احد الوجهين عن اآلخر‬
‫فهما متكامالن ومتزامنان ويعتبر التمويل هاجسهم األهم ‪.‬‬
‫‪136‬‬
‫وقد حددت الشريعة االسالمية وبشكل واضح اطر التنمية بمنظور إسالمي وبينت طرق‬
‫التمويل المشروعة والقادرة على كسر التخلف والتبعية ‪ .‬وقد وضحنا في المبحث األول من هذا‬
‫الفصل الدور الذي تضطلع به المصارف االسالمية في تمويلها لعملية التنمية‪ ،‬والقرض الحسن هو‬
‫احد أوجه التمويل ‪ ،‬وللقرض الحسن وجهان الوجه األول استهالكي والوجه الثاني استثماري ‪،‬‬
‫فالقروض االستهالكية هي القروض الممنوحة لألفراد ‪ ،‬من أجل سد حاجتهم الشخصية والعائلية‬
‫الجارية ‪ ،‬في الغذاء والكساء والدواء والسكن ومستلزماته ‪ ،‬والمتعة ( اللهو ‪ ،‬النزهة ‪ ،‬والسفر‪..‬الخ)‬
‫‪.‬‬
‫ونجد أن القرض الحسن االستهالكي موجه للتنمية االجتماعية ‪ ،‬ويعالج نتائج التخلف وهو‬
‫تمويل داخلي ال يرهق المقترض ‪ .‬أما القرض الحسن اإلنتاجي فهو القرض الممنوح للتجار والزراع‬
‫والصناعيين والحرفيين وأصحاب المهن ‪ ،‬من أجل سد حاجتهم اإلنتاجية والمهنية ‪ ،‬ـ كشراء أثاث‬
‫أو أآلت أو سيارات لالستعمال اإلنتاجي ‪ ،‬أو كشراء مواد أولية ‪ ،‬أو دفع أجور عمال ـ وهؤالء‬
‫المنتجون قد يكونون من كبار المنتجين أو متوسطهم أو صغارهم ‪.‬‬
‫لقد وضع الفكر االقتصادي الرأسمالي لكل عنصر من عناصر اإلنتاج عائدا يقابله‪،‬‬
‫فاألجر يقابل العمل ‪ ،‬واإليجار يقابل األرض ‪ ،‬والفائدة الربوية تقابل رأس المال ‪ ،‬والربح يقابل‬
‫التنظيم أو اإلدارة ‪ ،‬وفي الفكر االقتصادي الشيوعي كان العمل وعائده األجر هو الممثل لعناصر‬
‫اإلنتاج حيث اعتبروا عمل اإلدارة عمل ورأس المال قيمة مضافة أصلها عمل واألرض ال يصلحها‬
‫إال العمل‪.‬‬
‫أما الفكر االقتصادي االسالمي فقد اعتبر عناصر اإلنتاج هما العمل ورأس المال ‪ ،‬فالمال‬
‫يشمل جميع أشكاله حسبما عرفة الغزالي بقوله ‪ ":‬عبارة عن أعيان األرض وما عليها مما ينتفع به‬
‫‪ ،‬وأعالها األغذية ثم األمكنة التي يأوي اإلنسان إليها وهي الدور ‪ ،‬ثم األمكنة التي يسعى فيها‬
‫‪137‬‬
‫للتعيش كالحيوانات واألسواق والمزارع ثم الكسوة ثم أثاث البيت وآالته ثم آالت اآلالت وقد يكون في‬
‫اآلالت ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب ‪.‬‬
‫أو كما نعبر عنها بطرف األصول في الميزانية حيث يتمثل رأس المال بعناصر األصول‬
‫من أرض وعقار وآالت وبضاعة وأوراق مالية ونقدية وغيرها ‪ ،‬أما العمل فال فرق بين العمل الناجم‬
‫عن عمل العمال أو العمل الناجم عن تنظيم اإلدارة فكالهما عمل ‪ ،‬وعوائدهما الربح واألجر وهذا‬
‫ما قامت علية شركة المضاربة أصال ‪ .‬لذلك يقبل االسالم بالربح كعائد للملكية فقط (رأس المال‬
‫وما يمثله) ‪ ،‬وال يقبل بالفائدة الربوية بأي شكل من األشكال للقاعدة الفقهية (الغنم بالغرم)‬
‫الشتراكهما بالمخاطر ‪.‬‬
‫أما القرض الحسن فتكون عناصر اإلنتاج هي نفسها في الفكر االسالمي العمل ورأس‬
‫المال إال أن األرباح أو الخسائر ستعود على المقترض صاحب رأس المال المقترض من المقرض‬
‫‪.‬‬
‫وبذلك نجد أن المقرض يتنازل عن حقه في العائد من االستثمار إلى المقترض مبتغيا من‬
‫ذلك مثوبة من هللا في آخرته ومقدماً فرصة استثمارية ألخيه المسلم الذي يملك القدرة أو الخبرة‬
‫اإلدارية على االستثمار وال يملك القدرة المالية التي تسمح له تحقيق استثماره‪.‬‬
‫وقد يسال سائل ‪ ،‬ما الداعي للقرض وهناك مبدأ المشاركة الذي يضمن لالثنين أرباحهما؟‬
‫ويمكن اإلجابة على هذا التساؤل بالقول ‪ :‬أن بعض المشاريع ال تغطي أرباحها عملية المشاركة ‪،‬‬
‫وباللغة ا القتصادية الدارجة أن الكثير من االستثمارات ال تتم بسبب أن عوائد هذا االستثمارات ال‬
‫تغطي مبلغ الفائدة ‪ ،‬فقد يكون المشروع يغطي عوائد المنظم والعمل واألرض وال يستطيع أن يغطي‬
‫أرباح رأس المال ‪ ،‬وخصوصا في المشاريع الصغيرة ففي هذه الحالة ال يجد المستثمر من طريق‬
‫‪138‬‬
‫سوى القرض الحسن كما وان بعض المشاريع تبغي خفض تكاليفها بغية خفض أسعارها ومن ثم‬
‫زيادة مقدرتها على المنافسة في األسواق خصوصا الخارجية‪.‬‬
‫إن القرض الحسن يحقق دوره في عملية التنمية من خالل قدرته على توفير التمويل إلى‬
‫المستثمر الذي ال يتكلف عناء الفائدة التي تفرضها علية البنوك الربوية محوال هذه الفائدة إلى أرباح‬
‫إضافية تمكن المستثمر من زيادة ادخاره ومن ثم زيادة استثماره وهذه اآللية هي جوهر عملية‬
‫التنمية‪.‬‬
‫ومن جانب آخر‪ ،‬يتمكن المستثمر بالقرض الحسن وكما اشرنا سابقا من خفض تكاليف‬
‫إنتاجه ومن ثم تخفيض سعر إنتاجه والذي يستطيع بدوره من المنافسة في األسواق الداخلية‬
‫والخارجية ومن ثم زيادة الطلب على سلعه المنخفضة السعر وزيادة الطلب تؤدي إلى إحالل سلعته‬
‫بدل السلع المماثلة المستوردة وزيادة صادراته(‪ ،)1‬وفي كال الحالتين نوفر عملة أجنبية إضافية تُعتبر‬
‫العملية التنموية في أمس الحاجة لها ‪.‬‬
‫وهكذا يتم االستعانة بالشريعة االسالمية لتحفيز المسلمين الذين يكتنزون األموال دون‬
‫استثمار ‪ ،‬على ضخ هذه األموال بشكل مباشر وشخصي من قبلهم أو بشكل غير مباشر عن‬
‫طريق مصارفهم التي يثقون بها كونها تطبق تعاليم الشرع وتتقي هللا في تعامالتها ‪ ،‬ويمارس‬
‫المقرضون المسلمون الجانب االقتصادي من عقيدتهم الذي يوفر راحة الضمير وهدوء البال في‬
‫عالقاتهم مع نفسهم وعالقاتهم مع اآلخرين ‪ ،‬والقضاء على االزدواجية في الشخصية المسلمة بين‬
‫القول والعمل وغرس وتعميق المعايير الروحية لدى الفرد وتحقيق التوافق الداخلي للفرد وتحقيق‬
‫ا لتوافق بينه وبين المجتمع ‪ ،‬األمر الذي يعني أن يسير المجتمع إلى الصورة التي يقل فيها الصراع‬
‫إلى اقل حد ممكن ‪.‬‬
‫)‪ ) 1‬التحليل االقتصادي والجزئي (نظريته وتطبيقاته) ‪ ،‬اعداد وترجمة علي مصطفى ‪ ،‬دار الرضا ‪ ،‬دمشق ‪ ،‬الطبعة األولى ‪،2003،‬ص‪.50‬‬
‫‪139‬‬
‫وهنا يجب أن نوضح ‪ ،‬أن القرض عمل حسن ال يبتغى منه أي منفعة سوى أرضاء هللا‬
‫وكل‬
‫والتقرب منه ‪ ،‬كما سبق أن أوضحنا ‪ ،‬وأن المقرض حينما يتوسع في قرضه يكون ثوابه أكبر ٌ‬
‫على قدره ‪.‬‬
‫( ‪)1‬‬
‫فمثالً ما نجده في تجربة البروفيسور محمد يونس‬
‫الحائز على جائزة نوبل للسالم ‪ ،‬كانت‬
‫تجربة كبيرة صبت في خدمة تنمية بلد كامل مثل بنغالديش ‪ ،‬إذ رأى هذا البروفيسور أن النظام‬
‫المصرفي الربوي القائم في بنغالديش ال يتيح للفقراء توفير قرش واحد ‪ ،‬وال يستطيعون تحسين‬
‫أحوالهم مهما بلغ جدهم واجتهادهم في العمل ‪ ،‬واكتشف إنهم ال يحتاجون سوى رأس مال يتيح لهم‬
‫االستفادة من عوائد أموالهم ‪ ،‬ومن ثم اقرض ‪ 42‬امرأة من الفقراء مبلغا بسيطا من ماله الخاص‬
‫بدون فائدة ‪ ،‬ودن تحديد لموعد الرد ‪ ،‬إال أنه لم يستطع في وقتها إقناع المصارف الربوية بان‬
‫تقرض الفقراء والمحتاجين قروض حسنة بدون فائدة ‪ ،‬واخذ الموضوع على عاتقة إذ بدء بإقراض‬
‫الفقراء قروضا صغيرة بدون ضمانات وبدون فائدة ‪،‬‬
‫وقد نجح مشروعه نجاحاً باه اًر وغير حياة ‪ 500‬أسره من الفقراء ‪ ،‬وفي عام ‪ 1979‬اقتنع‬
‫البنك المركزي البنغالديشي بنجاح الفكرة وتبنى مشروع (جرامين) أي مشروع القرية ‪ ،‬وفي عام‬
‫‪ 1981‬زاد من حجم المشروع ليشمل ‪ 5‬مقاطعات ‪ ،‬وقد تبين فاعلية نظام القروض المتناهية‬
‫الصغر والتي ال تتطلب ضمانات ‪ ،‬ووصل عمالء بنك جرامين عام ‪ 1983‬إلى ‪ 59‬ألف عميل‬
‫يخدمها ‪ 86‬فرعاً ‪.‬‬
‫إن بنك جرامين هو مصرف ربوي وغير إسالمي إذ اقتصرت فكرة القرض الحسن على‬
‫الفقراء المعدومين في حين كانت القروض الربوية معمول بها مع عمالء البنك اآلخرين ‪ ،‬إال أن‬
‫الفائدة المفروضة على القروض كانت األدنى على مستوى البلد ‪ ،‬ويمكن أن ُيستفاد من هذه‬
‫)‪ )1‬تجربة بنك الفقراء ‪ ،‬مجدي علي سعيد ‪ ،‬الدار العربية للعلوم_ ناشرون ‪ ،‬بيروت ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ ، 2007 ،‬ص‪. 15–10‬‬
‫‪140‬‬
‫التجربة في عمل المصارف االسالمية ‪ ،‬وتعتبر تجربة بنك جرامين خطوة مهمة في مجال القرض‬
‫الحسن لما حققته هذه التجربة من نجاح باهر في خدمت التنمية في بنغالديش‪.‬‬
‫وكما أن للقروض االستثمارية الصغيرة أهمية فان للقروض االستثمارية الكبيرة أهمية بالغة‬
‫أيضاً ‪ ،‬فينبغي أن ال نحصر القرض في منطقة ضيقة ‪ ،‬فاألمة االسالمية تمتلك قدرة روحية هائلة‬
‫من الممكن أن تحقق التنمية التي عجزة عن تحقيقها النظريات الغربية ‪ ،‬فنحن نعلم أهمية المشاريع‬
‫الكبيرة في عملية التنمية التي تحقيق وفورات الحجم وزيادة األرباح والقضاء على البطالة من خالل‬
‫توفر آالف فرص العمل التي تعتبر البلدان النامية في أمس الحاجة لها ‪.‬‬
‫وما ينطبق على الجزء ينطبق على الكل ‪ ،‬فالدول أيضا عانت ما عانته من القروض‬
‫الربوية ‪ ،‬وهي في أمس الحاجة إلى قروض حسنة استهالكية وانتاجية تمكنها من كسر الحلقة‬
‫المفرغة للفقر ‪ ،‬وهذا ما يتطلبه استحداث نظام اقتصادي إسالمي عالمي يجنبها الهيمنة التي‬
‫تفرضها المؤسسات النقدية العالمية المتشكلة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإلنشاء‬
‫والتعمير التي سحقت اقتصاديات الدول النامية بفوائد القروض الربوية وما أدت إليه من تبعية‬
‫طوال هذا القرن ‪.‬‬
‫‪ .6‬الصعوبات التي تواجه التمويل بالقرض الحسن ‪:‬‬
‫إن استخدام القرض الحسن كوسيلة للتمويل في التنمية االقتصادية واالجتماعية أمر تنفرد‬
‫به الشريعة االسالمية ‪ ،‬وأسلوب تتبعه المؤسسات المصرفية االسالمية طبقاً لما تراه متناسق مع‬
‫الدستور المنظم لعملياتها أال وهو الشريعة االسالمية ‪ ،‬وتلك الوسيلة حسب هذا الدستور تكون‬
‫متناغمة مع ما يتطلبه النظام االقتصادي ‪ ،‬من خالل إسهام ذوي القدرة األغنياء والميسورين في‬
‫دعم كفة الفقراء والمحتاجين عن طريق توفير السيولة الالزمة للمشروعات اإلنتاجية الصغيرة‬
‫‪141‬‬
‫والمتوسطة ‪ ،‬مثال ذلك تمويل اإلسكان الشعبي ‪ ،‬صناعات التي تتعلق بذوي الحرف والمهن‬
‫البسيطة كالنجار والحداد ‪.‬‬
‫والغاية هنا تتشكل من قيمة العمل المكتسب الجاد الذي يثمر عن توليد اكتفاء ذاتي‬
‫للمقترضين ‪ ،‬باإلضافة إلى العدالة التي ستنشأ نتيجة التوزيع الحقيقي للموارد ‪ ،‬وتقليص نسبة‬
‫الفوارق الطبقية بسبب مزج التعامل بين المقرضين والمقترضين ‪ ،‬وكنتيجة حتمية هو تكوين مجتمع‬
‫إسالمي متكامل ومتكافل ‪.‬‬
‫وبالرغم من كل تلك المنافع التي ستتحقق من خالل التمويل بطريقة القرض الحسن ‪ ،‬إال‬
‫أنه يصطدم بعدة عقبات منها ‪:‬‬
‫‪ .1‬إن فلسفة النظام المصرفي تقوم على توظيف واستثمار األموال وتحقيق تنمية المجتمع ‪،‬‬
‫ويعني ذلك أن المصارف ليست مؤسسات خيرية ‪ ،‬أو بيوت أنشئت للتبرع واإلحسان ‪.‬‬
‫‪ .2‬انعدام الحافز المادي الذي يتأمله المقرض في العادة ‪ ،‬ويسعى من أجل تحقيقه وخاصة‬
‫في ظل العصر الذي أصبح فيه الوازع الديني ضعيف أو خافت ‪ ،‬حيث أضحى الربح‬
‫المقرض والحافز الذي ينشده من خالل تقديمه‬
‫واالنتفاع هو الجانب األهم من خيارات ُ‬
‫القرض ‪ ،‬وهو أمر واقع في زماننا هذا ‪ ،‬وال مجال إلنكاره أو التغافل عنه ‪ ،‬ويجب‬
‫التعامل معه من منطلق عملي واقعي ‪.‬‬
‫‪ .3‬عدم توافر القناعة لدى المسلم بقدرة القرض الحسن في تمويل المشروعات اإلنتاجية‬
‫وتحقيق أهداف التكافل االجتماعي والعدالة االجتماعية ‪ ،‬وغياب الثقة تجاه فاعلية القرض‬
‫الحسن كأداة للتمويل في ميدان القطاعات اإلنتاجية ‪.‬‬
‫‪ .4‬القرض الحسن يتنافى مع نظام الفائدة الراسخ رسوخاً عميقاً في الحياة االقتصادية الحالية ‪،‬‬
‫فإذا تم انتهاج أسلوب التمويل بالقرض الحسن كبديل للقرض بفائدة ‪ ،‬فال بد فإنه سيثير‬
‫‪142‬‬
‫مشكالت في غاية التعقيد ‪ ،‬ألن الفائدة تعتبر األساس الذي قامت عليه المصارف‬
‫التجارية التي كونت النظام المالي الحالي ‪ ،‬وال ننسى أن جميع اقتصاديات الدول‬
‫اإلسالمية تعمل في ظل هذا النظام ‪ ،‬وهي تابعة فكريا في مجال عالم المال والمصارف‬
‫للفكر الغربي الناشئ على أساس الفائدة ‪.‬‬
‫‪ .5‬التقلبات في القدرة الشرائية للنقود ‪ ،‬نتيجة التغير في قيمة سعر النقد سواء باالنخفاض أو‬
‫االرتفاع ‪ ،‬وبالتالي ستكون ذات آثار ضارة على الفرد والمجتمع وتغير دخول األفراد أيضاً‬
‫‪ ،‬فعند انخفاض قيمة النقود سيعود الضرر على المقرض وتختلف لديه القوة الشرائية عما‬
‫كانت عليه عند اإلقراض ‪ ،‬وعند ارتفاع قيمة النقد فإن ذلك سيكون في غير مصلحة‬
‫المقترض وسيؤدي إلى أثر مادي سيء عليه ‪ ،‬ويصبح العبء أكثر من خالل تكلفه دفع‬
‫قيمة أكبر من قيمة القرض عند القبض ‪ ،‬وبالتالي فإن نتيجة تقلب المقدرة الشرائية ستكون‬
‫عائق كبير تجاه عملية اإلقراض أو التمويل ‪.‬‬
‫‪ .6‬تأخر المقترض عن الوفاء بالقرض وخاصة في القروض المصرفية ‪ ،‬وما ينتج عنه من‬
‫بالمقرض فرداً كان أم مؤسسة ‪،‬وهذا يتطلب أخذ ضمانات كافية على‬
‫ضرر يلحق ُ‬
‫المقترض ألجل تمكين المقرض من استرجاع حقوقه كاملة ‪ ،‬وهذا يعتبر حل مناسب‬
‫المقرضين يقبلون على عملية التمويل بالقرض الحسن ‪ ،‬ولكن هي بنفس الوقت‬
‫لجعل ُ‬
‫المقترض الذي سيرى في تلك الضمانات تقييد عملية اإلقبال على‬
‫ستشكل عقبة تجاه ُ‬
‫طلب القرض الحسن ‪ ،‬ألن كثير من األشخاص الذين يحتاجون إلى القرض الحسن هم‬
‫من طبقة الفقراء ‪ ،‬فلو كان لديهم تلك الضمانات لما لجأوا إلى المصرف لتوفير حاجاتهم‬
‫‪ ،‬وتشكل هذه النقطة مشكلة معقدة تقف حائل أمام تقديم القروض الحسنة بسهولة ويسر ‪.‬‬
‫‪143‬‬
‫‪ .7‬قلة التجارب في استخدام القرض الحسن في عملية التمويل ‪ ،‬وعلة هذا األمر هي‬
‫محدودية نطاق تعامل المصارف اإلسالمية بهذه األداة في عملية االستثمار واإلنتاج ‪،‬‬
‫مما أدى إلى جعلها بال تأثير يذكر في صياغة نظام مالي خال من الفائدة ‪.‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫تحليل البيانات ومناقشة النتائج‬
‫يتناول هذا المبحث عرضاً وتحليالً للبيانات والنتائج التي تم الحصول عليها من اإلجابات‬
‫على األسئلة التي تضمنتها االستبانة ‪ ،‬والتي وجهت إلى شرائح مختلفة ومتنوعة من المجتمع ‪.‬‬
‫(االستبانة مرفقة مع هذه الدراسة ) ‪.‬‬
‫القسم األول ‪ :‬ما يخص اإلقراض ‪:‬‬
‫م‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫الع النسبة الع النسبة‬
‫‪%‬‬
‫دد ‪ %‬دد‬
‫هل تحب وضع حسابك فـي مصـرف إسـالمي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫ال يقرض قرضاً حسناً ؟‬
‫‪%7‬‬
‫‪25‬‬
‫‪%93‬‬
‫ه ـ ــل ت ـ ــرى أن الق ـ ــرض الحس ـ ــن ب ـ ــديل ن ـ ــاجح‬
‫‪2‬‬
‫‪22‬‬
‫للقرض الربوي؟‬
‫‪144‬‬
‫‪%81‬‬
‫‪5‬‬
‫‪%19‬‬
‫م‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫الع النسبة الع النسبة‬
‫‪%‬‬
‫دد ‪ %‬دد‬
‫هــل تمييــز القــرض الحســن عــن الربــوي بكلمــة‬
‫‪3‬‬
‫‪18‬‬
‫(الحسن) رأي صائب ؟‬
‫‪%67‬‬
‫‪9‬‬
‫‪%33‬‬
‫هــل القــرض الحســن هــو أداة تمويــل فعالــة فــي‬
‫‪4‬‬
‫المصارف االسالمية أكثر من القـرض الربـوي ‪17‬‬
‫‪%63‬‬
‫‪10‬‬
‫‪%37‬‬
‫في المصارف التجارية؟‬
‫هل القرض الحسـن دوره اكبـر فـي التنميـة مـن‬
‫‪5‬‬
‫‪20‬‬
‫القرض الربوي ؟‬
‫‪%74‬‬
‫‪7‬‬
‫‪%26‬‬
‫هــل القــرض الحســن فــي المصــارف االسـالمية‬
‫‪6‬‬
‫‪5‬‬
‫يمثل الجانب االجتماعي فقط؟‬
‫‪%19‬‬
‫‪22‬‬
‫‪%81‬‬
‫هـ ـ ـ ــل تح ـ ـ ـ ــب أن تق ـ ـ ـ ــوم المص ـ ـ ـ ــارف بتموي ـ ـ ـ ــل‬
‫‪7‬‬
‫‪25‬‬
‫األشخاص بالقرض الحسن؟‬
‫‪%93‬‬
‫‪2‬‬
‫‪%7‬‬
‫هل لمست بنفسك التعامل بالقرض الحسن‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫كخدمة مصرفية في المصارف اإلسالمية؟‬
‫‪5‬‬
‫‪%19‬‬
‫‪22‬‬
‫‪%81‬‬
‫هل تتعامل المصارف االسالمية بالقرض‬
‫الحسن من باب توفير سيولة عند الحاجة ؟‬
‫‪145‬‬
‫‪12‬‬
‫‪%44‬‬
‫‪15‬‬
‫‪%56‬‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫م‬
‫م‬
‫االجابــــــه‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫الع النسبة الع النسبة‬
‫‪%‬‬
‫دد ‪ %‬دد‬
‫ه ـ ــل ت ـ ــرى أن الق ـ ــرض الحس ـ ــن ح ـ ــل مناس ـ ــب‬
‫‪ 10‬وفعل ـ ـ ـ ــي للمش ـ ـ ـ ــكالت االجتماعي ـ ـ ـ ــة ك ـ ـ ـ ــالزواج ‪22‬‬
‫‪%81‬‬
‫‪5‬‬
‫‪%19‬‬
‫والعالج من األمراض؟‬
‫هـ ـ ــل تـ ـ ــرى أن القـ ـ ــرض الحسـ ـ ــن يحقـ ـ ــق نم ـ ـ ـواً‬
‫‪11‬‬
‫‪22‬‬
‫اقتصادياً واجتماعياً؟‬
‫‪%81‬‬
‫‪5‬‬
‫‪%19‬‬
‫ه ـ ــل يلع ـ ــب الق ـ ــرض الحس ـ ــن ف ـ ــي المص ـ ــارف‬
‫اإلسالمية بدور فاعل في تحقيق التكافل؟‬
‫‪146‬‬
‫‪16‬‬
‫‪%59‬‬
‫‪11‬‬
‫‪%41‬‬
‫نعـــم‬
‫عدد نسبة عدد‬
‫هل يدفع القرض الحسـن إلـى تـرك التعامـل‬
‫‪13‬‬
‫‪20‬‬
‫بالقرض الربوي؟‬
‫هــل أعطــي القــرض الحســن دوره المطلــوب‬
‫‪14‬‬
‫‪5‬‬
‫في المصارف اإلسالمية؟‬
‫هــل كــل فئــات المجتمــع تســتطيع االســتفادة‬
‫‪15‬‬
‫‪12‬‬
‫من خدمة القرض الحسن؟‬
‫هــل شــعرت بمنفعــة القــرض الحســن المقــدم‬
‫‪16‬‬
‫هـ ــل تعتبـ ــر القـ ــرض الحسـ ــن وسـ ــيلة ذكيـ ــة‬
‫‪17‬‬
‫هـ ــل تحبـ ــذ اسـ ــتخدام القـ ــرض الحسـ ــن فـ ــي‬
‫‪18‬‬
‫هـ ــل هنـ ــاك آليـ ــة بسـ ــيطة للحصـ ــول علـ ــى‬
‫‪19‬‬
‫م‬
‫‪44‬‬
‫‪%‬‬
‫‪15‬‬
‫‪26‬‬
‫‪%‬‬
‫‪7‬‬
‫القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟‬
‫‪22‬‬
‫‪88‬‬
‫‪%‬‬
‫‪24‬‬
‫تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟‬
‫‪19‬‬
‫‪%‬‬
‫‪85‬‬
‫‪%‬‬
‫‪23‬‬
‫لجذب األموال إلى المصارف اإلسالمية؟‬
‫‪7‬‬
‫‪19‬‬
‫‪%‬‬
‫‪5‬‬
‫من المصارف اإلسالمية؟‬
‫‪74‬‬
‫‪%‬‬
‫‪22‬‬
‫‪4‬‬
‫‪3‬‬
‫‪20‬‬
‫ال‬
‫نسبة‬
‫‪%26‬‬
‫‪%81‬‬
‫‪%56‬‬
‫‪%81‬‬
‫‪%15‬‬
‫‪%12‬‬
‫‪%74‬‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫النسبة‬
‫النسبة‬
‫العدد‬
‫العدد‬
‫‪%‬‬
‫‪%‬‬
‫‪ 20‬هل ترى أن هناك عقبات موضوعة فـي‬
‫‪147‬‬
‫‪23‬‬
‫‪%85‬‬
‫‪4‬‬
‫‪%15‬‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫م‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫النسبة‬
‫النسبة‬
‫العدد‬
‫العدد‬
‫‪%‬‬
‫‪%‬‬
‫وج ـ ــه اس ـ ــتخدام الق ـ ــرض الحس ـ ــن ك ـ ــأداة‬
‫لتمويل المشروعات االستثمارية؟‬
‫هــل تهــتم بالجانــب المــادي قبــل التنمــوي‬
‫‪21‬‬
‫‪19‬‬
‫في تعاملك مع القرض الحسن؟‬
‫‪%70‬‬
‫‪8‬‬
‫‪%30‬‬
‫ه ـ ـ ـ ـ ــل تح ـ ـ ـ ـ ــب أن تض ـ ـ ـ ـ ــع المص ـ ـ ـ ـ ــارف‬
‫‪22‬‬
‫اإلسالمية لوائح توعية للقرض الحسن ؟‬
‫‪26‬‬
‫‪%96‬‬
‫‪%4‬‬
‫‪1‬‬
‫هل لديك ثقافة كاملة ورؤية معينـة تجـاه‬
‫‪ 23‬القـ ـ ـ ـ ـ ــرض الحسـ ـ ـ ـ ـ ــن فـ ـ ـ ـ ـ ــي المصـ ـ ـ ـ ـ ــارف‬
‫‪6‬‬
‫‪%22‬‬
‫‪21‬‬
‫‪%78‬‬
‫اإلسالمية؟‬
‫هل تـرى أن القـرض الحسـن يحتـاج إلـى‬
‫‪ 24‬تخط ـ ــيط منهج ـ ــي قب ـ ــل اس ـ ــتخدامه ف ـ ــي‬
‫التمويل؟‬
‫‪27‬‬
‫‪100‬‬
‫‪%‬‬
‫‪-‬‬
‫‪-‬‬
‫القسم الثاني ‪ :‬ما يخص إيفاء القرض ‪:‬‬
‫م‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫االجابــــــه‬
‫نعـــم‬
‫‪148‬‬
‫ال‬
‫عدد نسبة عدد‬
‫نسبة‬
‫ه ـ ــل ت ـ ــرى أن وض ـ ــع أج ـ ــل للق ـ ــرض ش ـ ــيء‬
‫‪1‬‬
‫‪23‬‬
‫ايجابي ؟‬
‫‪%85‬‬
‫‪4‬‬
‫‪%15‬‬
‫هل ترى من حق المصارف اإلسـالمية أخـذ‬
‫‪2‬‬
‫ضمانات كافية تجاه القرض الحسن ؟‬
‫‪20‬‬
‫‪%74‬‬
‫‪7‬‬
‫‪%26‬‬
‫هل إنظار المعسر عنـد حلـول أجـل القـرض‬
‫‪3‬‬
‫الحسن هو واجب مطلوب على المصارف‬
‫‪24‬‬
‫‪%88‬‬
‫‪3‬‬
‫‪%12‬‬
‫اإلسالمية؟‬
‫هل يجوز المماطلة في إرجاع مبلغ القرض‬
‫‪4‬‬
‫الحسن إلى المصارف اإلسـالمية عنـد تـوفر‬
‫‪3‬‬
‫‪%12‬‬
‫‪24‬‬
‫‪%88‬‬
‫السيولة الكافية؟‬
‫هـ ــل تـ ــرى مـ ــن المناسـ ــب وضـ ــع جـ ــزء م ـ ـن‬
‫‪5‬‬
‫القرض الحسن عند عدم القدرة على تسديده ‪23‬‬
‫‪%85‬‬
‫‪4‬‬
‫‪%15‬‬
‫كامال ؟‬
‫هــل يجــوز انتفــاع المصــارف اإلســالمية مــن‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫القرض الحسن من باب ُحسن القضاء؟‬
‫‪20‬‬
‫‪%74‬‬
‫‪7‬‬
‫‪%26‬‬
‫هـ ــل تـ ــرى وضـ ــع األجـ ــل يمنـ ــع المصـ ــارف‬
‫اإلسالمية من استيفاء قرضها قبل حلوله؟‬
‫‪149‬‬
‫‪21‬‬
‫‪%78‬‬
‫‪6‬‬
‫‪%22‬‬
‫االجابــــــه‬
‫الســـــــــــــــــؤال‬
‫م‬
‫ال‬
‫نعـــم‬
‫عدد نسبة عدد‬
‫نسبة‬
‫هــل تؤيــد وفــاء القــرض الحسـن علــى أقســاط‬
‫‪8‬‬
‫‪26‬‬
‫بالرغم من أنه خدمة بدون مقابل ؟‬
‫‪%96‬‬
‫‪1‬‬
‫هــل مــن حــق المســتفيد مــن القــرض الحســن‬
‫‪9‬‬
‫عدم االهتمام بوفاء القرض الحسن ؟‬
‫_‬
‫_‬
‫‪27‬‬
‫‪%4‬‬
‫‪100‬‬
‫‪%‬‬
‫هــل تحــب أن يقــدم القــرض الحســن بشــروط‬
‫‪10‬‬
‫‪18‬‬
‫ال تزيد عن قيمة القرض ؟‬
‫‪%67‬‬
‫‪9‬‬
‫‪%33‬‬
‫هــل تحــب أن يكــون القــرض الحســن ب ــدون‬
‫‪11‬‬
‫‪7‬‬
‫ضمانات ؟‬
‫‪%26‬‬
‫‪20‬‬
‫‪%74‬‬
‫هــل تحبــذ فك ـرة تخصــيص صــندوق للقــرض‬
‫‪12‬‬
‫‪26‬‬
‫الحسن في المصارف اإلسالمية ؟‬
‫‪%96‬‬
‫‪1‬‬
‫‪%4‬‬
‫هــل تعتبــر القــرض الحســن واجهــة أخالقيــة‬
‫‪ 13‬داعم ـ ــة لتقب ـ ــل فكـ ـ ـرة المص ـ ــارف اإلس ـ ــالمية ‪26‬‬
‫والترويج لها؟‬
‫المصدر ‪ :‬االستبانة‬
‫‪150‬‬
‫‪%96‬‬
‫‪1‬‬
‫‪%4‬‬
‫مناقشة النتائج ‪:‬‬
‫(مناقشة القسم األول)‬
‫‪ .1‬نسبة ‪ %93‬من الشريحة المستهدفة أبدت إيجابية نحو تعزيز دور القرض الحسن في‬
‫المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وكانت آرائهم تعبر في هذا االتجاه حيث فضلوا وضع حساباتهم في‬
‫مصارف إسالمية تستخدم أسلوب القرض الحسن في اإلقراض ‪.‬‬
‫‪ .2‬نسبة ‪ %81‬رأت أن القرض الحسن سيكون بديل ناجح للقرض الربوي ‪ ،‬وسيحصل ذلك‬
‫من خالل تفعيل ذلك الدور ورفع نشاطه في تمويل المشروعات ‪ ،‬وزيادة إسهامه في عملية‬
‫التنمية ‪.‬‬
‫‪ .3‬تمييز القرض الحسن بكلمة الحسن كانت لها ردود فعل إيجابية لدى ‪ %67‬من الشرائح‬
‫المستهدفة حيث رأت في ذلك مصلحة لتحديد هدف ونشاط القرض من حيث فعل الخير‬
‫والبر واإلحسان ‪ ،‬ونسبة ‪ %33‬قالت أنه ليس بالرأي الصائب مقارنة القرض الحسن‬
‫بالقرض الربوي ‪ ،‬ألن األول هو أساس الشريعة اإلسالمية أما الثاني فهو عنوان دخيل أتى‬
‫من الغرب على مجتمعاتنا اإلسالمية ‪ ،‬وليس له أي عالقة بمفهوم القرض في اإلسالم ‪.‬‬
‫‪ .4‬أعتبر ‪ %63‬أن القرض الحسن هو أداة تمويل فعالة عند المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وقد أبدى‬
‫‪ %37‬من المستهدفين مشورة حول ضرورة زيادة اهتمام المصارف اإلسالمية بهذه األداة‬
‫واعطائها جزئية كبيرة من العمل المصرفي اإلسالمي ‪ ،‬حيث نرى أن القرض الربوي هو‬
‫أساس عمل المصارف التجارية ‪ ،‬وقد أستحوذ على الجزء األكبر من نشاطاتها ‪.‬‬
‫‪151‬‬
‫‪ .5‬إن دور القرض الحسن في عملية التنمية ال يأتي إال من خالل تسليط الضوء على أهمية‬
‫القرض الحسن ‪ ،‬وأن يكون جزء مهم من العمل المصرفي اإلسالمي وعدم إهمال ذلك‬
‫الجانب من التمويل ‪ ،‬فقد أعطى ‪ %74‬من الشرائح التي أجابت على االستبانة أثر إيجابي‬
‫للقرض الحسن في دوره الذي يحدثه بالتنمية ‪ ،‬ورأى ‪ %26‬أن القرض الربوي هو‬
‫المعروف لدى المجتمع وهو المتعامل به ‪ ،‬فأعطوه الدور األكبر في التنمية ‪.‬‬
‫‪ .6‬إن النسبة الكبيرة من شرائح االستبانة ‪ ،‬أعطت دافع كبير لكي يكون القرض الحسن في‬
‫الجانب االقتصادي وأن ال يمثل الجانب االجتماعي وحده ‪ ،‬حيث قال ‪ %81‬أن القرض‬
‫الحسن ال يجب أن يمثل الجانب االجتماعي فقط ‪ ،‬بينما رأى ‪ %19‬القرض الحسن‬
‫كأسلوب خاص بالجانب االجتماعي ال أكثر ‪.‬‬
‫‪ .7‬الغالبية العظمى من شرائح االستبانة دعمت فكرة تمويل األشخاص وأفراد المجتمع بالقرض‬
‫الحسن من خالل المصارف اإلسالمية ‪ ،‬حيث قال ‪ %93‬أن ذلك من باب التخلص من‬
‫فائدة قروض المصارف التجارية التي تشكل عبئ كبير عليهم ‪ ،‬وهذا ما دفعهم لإلقبال‬
‫على فكرة تمويل األشخاص بالقرض الحسن الذي يرفع عن كاهلهم أثر الفائدة السيئ ‪.‬‬
‫ويدل هذا على الرغبة الكبيرة الموجودة في أفراد المجتمع تجاه القرض ‪ ،‬وتوفير تلك الرغبة‬
‫سيولد عالقة متينة بين المجتمع والمصارف اإلسالمية وبالتالي تحقيق مكسب تنموي كبير‬
‫للمصارف اإلسالمية والمجتمع‪.‬‬
‫‪ .8‬من خالل ما ورد في إجابات االستبانة ‪ ،‬تبين أن هناك ‪ %81‬لم تكن لهم تجربة سابقة مع‬
‫خدمة القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وذلك يعطي نظرة واقعية عن ضعف‬
‫تمثيل تلك الخدمة في عمل المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وحتى ال‪ %19‬الذين لمسوا هذا‬
‫‪152‬‬
‫التعامل فلم يجربوه بشكل مباشر ‪ ،‬بل من خالل تقارير اقتصادية أو نشرات دورية قاموا‬
‫بقراءتها أو من خالل مشاهدتهم لذلك في القنوات الفضائية أو أثناء تصفحهم لبعض مواقع‬
‫المصارف اإلسالمية في شبكة االنترنت ‪.‬‬
‫‪ .9‬إن توفير سيولة عند الحاجة هو ليس السبب الوحيد الذي وضع من أجله القرض الحسن‬
‫في المصارف اإلسالمية فقد كان هذا رأي ‪ %56‬ممن شملهم االستبيان ‪ ،‬بينما رأى ‪%44‬‬
‫أن الغرض األساسي من التمويل هو لسد االحتياجات الضرورية الهامة ‪.‬‬
‫‪ .10‬حبذت نسبة كبيرة من المستطلعة آرائهم أن يكون القرض الحسن هو الحل المرئي المناسب‬
‫للمشاكل االجتماعية ذات األولوية في المجتمع ‪ ،‬وهذا ما قله ‪ %81‬منهم ‪ ،‬بينما فضل‬
‫اآلخرون وهم ال‪ %19‬النسبة األقل ‪ ،‬أن دعم الحكومات والجمعيات الخيرية والتعاونية‬
‫لمشاكل الزواج والعالج سيكون حل أنسب فيما لو اعتمد القرض الحسن فقط لهذه المسألة‬
‫‪.‬‬
‫‪ .11‬مما يدعم هذه الدراسة الخاصة بالقرض الحسن ويقوي حجتها ‪ ،‬هو وجود فئة كبيرة تنظر‬
‫للقرض الحسن بنظرة تفاؤلية كبيرة حيث ترى أنه سيكون له تأثير تنموي كبير في الجانب‬
‫االقتصادي واالجتماعي ‪ ،‬وسيضع مشاكل البطالة والفقر وقلة اإلنتاج وعدم استثمار‬
‫الكفاءات الحرفية في خانة الزوال ‪ ،‬فقد أكد ‪ %81‬هذه النظرية ما عدا ‪ %19‬فإنهم أروا‬
‫غير ذلك ‪.‬‬
‫‪ .12‬حتى نؤسس مجتمع تكافلي متين ‪ ،‬نحتاج إلى تدعيم مسألة القرض الحسن في المصارف‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬وتلك المصارف ال تعطي مجال كافي للقرض الحسن ليقوم بدوره في خلق‬
‫أجواء من الود والترابط والتعاضد بين المؤسسات المالية اإلسالمية والمستثمرين والمودعين‬
‫‪153‬‬
‫‪ ،‬فقد أيد ‪ %59‬تأثير القرض الحسن في قضية التكافل ‪ ،‬بينما رأى ‪ %44‬أن القرض‬
‫الحسن ال يلعب ذلك الدور الفعال ‪.‬‬
‫‪ .13‬إن نسبة ‪ %74‬كانت إجابتها واضحة بخصوص ترك التعامل بالقرض الربوي عند وجود‬
‫القرض الحسن ‪ ،‬بينما ارتأت نسبة ‪ %26‬غير ذلك بسبب عدم وجود قدرة لدى القرض‬
‫الحسن لفعل هذا ‪.‬‬
‫‪ .14‬لقد ذهبت أكثر آراء المستطلعين أي بنسبة ‪ ، %81‬إلى القول بأن المصارف اإلسالمية لم‬
‫تضع خطوات جادة ومثمرة وفعلية في سبيل تفعيل مادة القرض الحسن كأداة رئيسية‬
‫للتمويل حالها حال بقية األدوات واألساليب كالمرابحة والمشاركة والمضاربة واالستصناع ‪،‬‬
‫وهذا يدعونا القول إلى ضرورة إعادة النظر في عمل المصارف اإلسالمية تجاه أسلوب‬
‫القرض الحسن ‪ ،‬وعلى الرغم من قول ‪ %19‬بهذا الدور إال أن هذا ال يشكل نسبة كافية‬
‫في المجتمع ‪.‬‬
‫‪ .15‬يجب وضع خطوات دقيقة لشمل كل فئات المجتمع في عملية توزيع القرض الحسن من‬
‫خالل منظومة المصارف اإلسالمية ‪ ،‬ألن ‪ %56‬وجدوا أن هناك خلل في طريقة شمل كل‬
‫الفئات لهذا القرض الحسن ‪ ،‬وقد وجد ‪ %44‬أن القرض الحسن بصيغته الشرعية يشمل‬
‫كل الفئات ‪.‬‬
‫‪ .16‬حتى نصل إلى الحالة المثلى في مسألة القرض الحسن المقدم من المصارف اإلسالمية ‪،‬‬
‫يجب علينا إشعار أفراد المجتمع وهيئاته بمنافع ذلك القرض ‪ ،‬سواء كانت تلك المنافع‬
‫مادية ظاهرة للعيان من خالل تحسن في الحالة المعيشية أو معنوية من خالل إجراء‬
‫‪154‬‬
‫دورات تدريبية بإشراف المصارف اإلسالمية على أثر القرض الحسن في حياة الفرد‬
‫والمجتمع ‪.‬‬
‫‪ .17‬لقد حددت االستبانة طريقة ذكية للمصارف اإلسالمية في جذب األموال والودائع إليها ‪،‬‬
‫حيث أعتبر األكثرية وهم ‪ %85‬أن أسلوب القرض الحسن في االستثمار واإلنتاج سيكون‬
‫وسيلة ناجحة في توجيه إنظار الناس نحو المصارف اإلسالمية ‪ ،‬بينما رأى ‪ %15‬عكس‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫‪ .18‬إن ما يعكر صفو أذهان الطبقة الكادحة ( الفقيرة والمتوسطة) من الناس تجاه المصارف‬
‫الربوية ‪ ،‬هو عدم اكتراثها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ‪ ،‬فقد رأينا العدد األكبر من‬
‫الشرائح المستهدفة بنسبة ‪ %88‬تحبذ استخدام المصارف اإلسالمية للقرض الحسن في هذا‬
‫االتجاه لتطابق ذلك مع أهدافه ‪ ،‬وأما ال‪ %12‬قالوا ال نحبذ ذلك منطلقين من مبدأ‬
‫محدودية توجيهه في جانب المشاكل الكثيرة التي تعم المجتمع ‪.‬‬
‫‪ .19‬يشتكي ‪ %74‬من المأخوذة وجهات نظرهم في االستبانة إلى عدم وجود ضوابط أو آليات‬
‫واضحة وسهلة بخصوص الحصول على القرض الحسن ‪ ،‬حيث يتكلون عن وجود تعقيد‬
‫وصعوبة بالغين في طلب القرض الحسن من المصارف اإلسالمية ‪ ،‬بينما أخذ ‪ %26‬رأي‬
‫مغاير لذلك ‪.‬‬
‫‪ .20‬القرض الحسن في المصارف اإلسالمية ال يجد السهولة المناسبة في المساهمة في عملية‬
‫التمويل والتنمية ‪ ،‬فقد رأى ‪ %85‬من المشمولين باالستبيان أن هناك عقبات موضوعة في‬
‫وجه استخدام القرض الحسن في دعم المشروعات االستثمارية وتمويلها ‪ ،‬والعقبات تلك‬
‫موضوعة من قبل النظام المصرفي العالمي الذي فرض واقع الفائدة الربوية في القروض‬
‫‪155‬‬
‫على اقتصاديات الدول االسالمية والنامية ‪ ،‬وليس من الهين تغيير تلك القناعات ألنها‬
‫مخيبة لطموحاتهم التوسعية وتوفر استقاللية عن أنظمتهم المالية ‪ ،‬ومن أختلف على هذا‬
‫الكالم جزء بسيط من فئات الشرائح وكانت نسبتهم ‪. %15‬‬
‫‪ .21‬وضع االستبيان نتيجة ‪ %70‬ممن يحبذون الجانب المادي قبل التنموي وتمثل النسبة‬
‫األكبر وتأتي تلك النتيجة انطالقاً من رؤيتهم لمصالحهم الشخصية قبل تفكيرهم بالتنمية‬
‫وقد جبل اإلنسان بطبعه على ذلك ‪ ،‬حيث قال هللا تعالى في حقه﴿ َواِهن ُه لِ ُح ِّب اْل َخ ْي ِر‬
‫َل َشِد ٌيد﴾[ العاديات ‪ :‬اآلية ‪ ]8‬والخير هو المال ‪ ،‬أما البقية وهم ال‪ %30‬النسبة األقل‬
‫انطلقوا من منطلق المصلحة الجماعية حيث تتحقق بالتنمية ‪.‬‬
‫‪ .22‬بحكم الوعي القليل تجاه أداة القرض الحسن ‪ ،‬ونقص التثقيف الكامل تجاه ذلك األسلوب‬
‫من التمويل ‪ ،‬فقد رأت الغالبية العظمى من شرائح اإلستبيان وبنسبة ‪ %96‬ضرورة وضع‬
‫لوائح تزيد من المعرفة والعلم تجاه مفهوم القرض الحسن ‪ .‬والدليل على ذلك أن ‪ %78‬من‬
‫األشخاص الذين قاموا باإلجابة على االستبيان ‪ ،‬ال يمتلكون أي ثقافة ورؤية حول القرض‬
‫الحسن في المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وأن القلة أي ‪ %22‬لديها نوع من التبصر بخصوص‬
‫القرض الحسن ‪ ،‬وهذا يدعو بنا إلى التركيز على تثقيف منتسبي المصارف اإلسالمية أوالً‬
‫‪ ،‬ومن ثم توجيه تلك الخبرات المصرفية المكتسبة عن القرض الحسن نحو المجتمع ‪.‬‬
‫‪ .23‬لقد كانت اإلجابة باإلجماع أي بنسبة ‪ %100‬على أن القرض الحسن يحتاج إلى عملية‬
‫تخطيط ممنهج ودراسة مستفيضة ‪ ،‬قبل عرضه على الجمهور كأحد استخدامات المصارف‬
‫اإلسالمية ‪.‬‬
‫(مناقشة القسم الثاني)‬
‫‪156‬‬
‫‪ .1‬إن وضع أجل للقرض الحسن عند تقديمه من قبل المصارف اإلسالمية يعتبر أمر إيجابي‬
‫من جانب المتعاملين ‪ ،‬حيث رأت األغلبية ذلك وبنسبة ‪ ، %85‬ولكن هناك قول آخر‬
‫وبنسبة ‪ %15‬يرى عدم وضع أجل للقرض الحسن لما فيه من تأثيرات سلبية على‬
‫المصرف اإلسالمي ‪ ،‬أما عند اشتراط األجل فهو من جانب المصارف اإلسالمية يعتبر‬
‫عقبة تجاهها في استيفاء قرضها قبل حلول أجله مما يسبب في مخاطر سيولة لدى‬
‫المصارف اإلسالمية حيث كانت نسبة المؤيدين لعدم اشتراط األجل هي ‪ %78‬وهي‬
‫األغلبية ‪ ،‬أما النسبة المعارضة فكانت ‪ %22‬ورأت أن اشتراط األجل ال يمنع من استيفاء‬
‫القرض قبل حلوله ‪.‬‬
‫‪ .2‬لقد أقرت نسبة كبيرة من الشرائح المستهدفة ضمانات كافية تجاه من يقترض من عندها ‪،‬‬
‫حيث قال ‪ %74‬بذلك ألن فيه حفظ لحقوق المصرف اإلسالمي من الضياع والهدر ‪ ،‬أما‬
‫ال‪ %26‬التي أخذت رأي معاكس وهم القلة استندت على أن الغاية من اإلقراض هي‬
‫توفير مساعدة لذوي الدخول المحدودة الذين ال يمتلكون أي شيء للضمان به ‪ ،‬ومن هذا‬
‫المبدأ فهم ال يحتاجون للقرض الحسن إذا كانت لديهم أمالك للضمان ‪ .‬ورأي األكثرية هو‬
‫األصح من ناحية المنطق والعقل ‪.‬‬
‫ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى‬
‫‪ .3‬إنظار المعسر واجب ديني أمرنا به القرآن بقوله تعالى﴿ َواِن َك َ‬
‫َم ْي َس َرٍة ﴾[ البقرة ‪ :‬اآلية ‪ ]280‬وحثت عليه كذلك السنة ‪ ،‬وقد جاءت نتيجة االستبيان بذلك‬
‫حيث كان جواب ‪ %88‬من أشخاص االستبيان في اتجاه إنظار المعسر واعتبروه واجب‬
‫مطلوب في حالة عدم قدرة المقترض على السداد عند حلول األجل ‪ ،‬واآلراء المخالفة‬
‫لذلك كانت بنسبة ‪. %12‬‬
‫‪157‬‬
‫‪ .4‬المماطلة في إعادة القرض الحسن إلى المصارف اإلسالمية عند وجود السيولة لم تجزها‬
‫أكثرية شرائح المجتمع المستهدفة حيث كانت النتيجة ضد المماطلة بنسبة ‪ ، %88‬وذلك‬
‫الن مطل الغني ظلم كما حدثنا رسول هللا ‪ ، ‬أما نسبة ال‪ %12‬فكانت موافقتها‬
‫للمماطلة مبينة على فهم خاطئ لها ‪.‬‬
‫‪ .5‬إن وضع جزء من القرض الحسن يأتي من باب التخفيف على المقترض عند عدم إمكانيته‬
‫تسديد المبلغ كامالً ‪ ،‬فكانت نسبة االستبيان المؤيدة للوضع من القرض الحسن ‪، %85‬‬
‫وقد حثنا القرآن على التصدق بالدين أو القرض أي بالوضع منه بقوله تعالى ‪َ ﴿:‬وأَن‬
‫صهدُقوْا َخ ْيٌر هل ُك ْم ِإن ُكنتُ ْم تَ ْعَل ُمو َن﴾[ البقرة ‪ :‬اآلية ‪ ، ]280‬والنسبة الباقية هي تشكل‬
‫تَ َ‬
‫الجانب الضعيف من المعادلة فقد كانت ‪. %15‬‬
‫‪ .6‬إن االنتفاع المشروط من القرض الحسن هو أمر غير وارد ألنه يعتبر من الربا المحرم ‪،‬‬
‫ولكن االنتفاع الغير مشروط هو من باب حسن القضاء الذي حثنا عليه رسول هللا ‪، ‬‬
‫فكانت النتيجة بنسبة ‪ %74‬في حق المصرف اإلسالمي من االنتفاع الغير المشروط من‬
‫القرض الحسن باعتباره من باب حسن القضاء على فعل الخير ‪ ،‬والنسبة التي كانت‬
‫معاكسة هي ‪ %26‬وهي األقل ‪.‬‬
‫‪ .7‬وافقت الشرائح المتمثلة باالستبيان وباألغلبية الساحقة بنسبة‪ %96‬على فكرة إيفاء القرض‬
‫الحسن باألقساط ‪ ،‬حيث يكون بمقدور المقترض تجميع تلك األقساط بسهولة أكثر من‬
‫إعادة المبلغ كدفعة واحدة ‪.‬‬
‫‪ .8‬اتفق جميع الذين شملهم االستبيان أي بنسبة ‪ %100‬على رفض أي أحقية للمستفيد من‬
‫القرض الحسن في عدم االهتمام بالوفاء ‪ ،‬ألن ذلك يظهر ضرر واضح وجلي تجاه عمل‬
‫‪158‬‬
‫المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وبالتالي ضرب المصالح التنموية للمجتمعات من خالل عرقلة‬
‫مسيرة المصارف اإلسالمية التي تمثل همزة الوصل لمقومات التنمية ‪.‬‬
‫‪ .9‬إن تقديم ضمانات للمصرف اإلسالمي هو من حق المصرف كما أظهرت ذلك أحدى‬
‫نتائج االستبيان السابقة ‪ ،‬ووضع هذه الضمانات بشكل ال يزيد عن قيمة القرض الحسن‬
‫القى قبول من لدن شرائح المجتمع التي جرى عليها االستبيان حيث وافق هذا المقترح‬
‫‪ %67‬منهم ‪ ،‬و‪ %33‬أروا في عدم تحبيذهم هو الرأي األفضل حيث يرون من األفضل‬
‫إلغاء تلك الضمانات‬
‫‪ .10‬إن فكرة تخصيص صندوق للقرض الحسن في المصارف اإلسالمية القت تأييد كبير من‬
‫الفئات المستهدفة باالستبيان ‪ ،‬حيث قالت شريحة واسعة منهم بذلك ألن تخصيص‬
‫صندوق هو من الغايات التي يتأملها كل مسلم ‪ ،‬وقد بلغت النسبة ‪ %96‬أي من خالف‬
‫الرأي يشكل نتيجة ضئيلة جدا للغاية بحيث ال تذكر ‪.‬‬
‫‪ .11‬القرض الحسن مما يمتلكه من معاني سامية خالقة ‪ ،‬تجعل منه واجهة أخالقية داعمة‬
‫لفكرة المصارف اإلسالمية ومروج لها في الوقت ذاته ‪ ،‬هذا ما قاله جميع الذين أُجريت‬
‫عليهم االستبانة باستثناء رأي واحد مخالف ‪ ،‬وهذا الرأي ال يغير من طبيعة الحقيقة‬
‫الغالبة ‪ ،‬الن نسبة ال‪ %4‬ال تشكل شيء أمام نسبة ال‪. %96‬‬
‫‪159‬‬
‫الملحق‬
‫أجريت استبانة من خالل العمل على تحليل البيانات وعرض النتائج بنسب مئوية وبأسلوب‬
‫تطبيقــي يــدعم الجانــب النظــري لهــذه الرســالة ‪ ،‬وكــذلك الوقــوف علــى أهــم المقترحــات التــي مــن شــأنها‬
‫العمل على زيادة فاعليته‬
‫لذا أمل منكم دعم هذه الد ارسـة مـن خـالل تعـاونكم المشـكور فـي اإلجابـة عـن جميـع فقـرات‬
‫االســتبانة بطريقــة تعبــر عــن رأيكــم الشخصــي بكــل صــدق وموضــوعية ‪ ،‬وأدرك تمام ـاً بــأن تعــاونكم‬
‫سيكون له أكبـر األثـر بـإذن هللا تعـالى فـي إثـراء هـذه الد ارسـة ‪ ،‬والوصـول إلـى نتـائج علميـة صـادقة؛‬
‫لــذا آمــل مــن ســعادتكم التكــرم بقـراءة كــل عبــارة بدقــة وعنايــة ومــن ثــم وضــع عالمــة (√) أمــام العبــارة‬
‫التــي تعب ــر ع ــن وجهــة نظ ــركم ‪ ،‬م ــع وض ــع وجهــة نظ ــركم الشخص ــية ورأيكــم الخ ــاص سـ ـواء كان ــت‬
‫اإلجابة على نعم أو ال ‪.‬‬
‫كمــا يأمــل الباحــث مــنكم عــدم تــرك أي عبــارة دون اإلجابــة عنهــا ؛ علمـاً بــأن مــا ســتدلون بــه‬
‫من معلومات ستكون بسرية تامة ‪ ،‬ولن تستخدم إال فيما يحقق أهداف الدراسة فهي ألغراض البحث‬
‫العلمي فقط ‪ .‬ومن هللا التوفيق‬
‫‪160‬‬
‫بنود االستبيان وفقراته ‪:‬‬
‫القسم األول ‪ :‬ما يتعلق باإلقراض‬
‫السؤال‬
‫م‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫اإلجابة‬
‫نعم‬
‫هـ ــل تحـ ــب وضـ ــع حسـ ــابك فـ ــي مصـ ــرف‬
‫إسالمي ال يقرض قرضاً حسناً ؟‬
‫هــل تــرى أن الق ــرض الحســن بــديل ن ــاجح‬
‫للقرض الربوي؟‬
‫هـ ــل تمييـ ــز القـ ــرض الحسـ ــن عـ ــن الربـ ــوي‬
‫بكلمة (الحسن) رأي صائب ؟‬
‫هــل القــرض الحســن هــو أداة تمويــل فعالــة‬
‫‪4‬‬
‫في المصارف االسالمية أكثر من القرض‬
‫الربوي في المصارف التجارية؟‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫هـل القــرض الحســن دوره اكبـر فــي التنميــة‬
‫من القرض الربوي ؟‬
‫ه ـ ـ ــل القـ ـ ـ ــرض الحس ـ ـ ــن فــ ـ ــي المصـ ـ ـ ــارف‬
‫االسالمية يمثل الجانب االجتماعي فقط؟‬
‫ه ـ ــل تح ـ ــب أن تق ـ ــوم المص ـ ــارف بتموي ـ ــل‬
‫األشخاص بالقرض الحسن؟‬
‫هـ ـ ــل لمس ـ ـ ــت بنفسـ ـ ــك التعام ـ ـ ــل ب ـ ـ ــالقرض‬
‫‪8‬‬
‫الحس ــن كخدم ــة مصـ ـرفية ف ــي المص ــارف‬
‫اإلسالمية ؟‬
‫ه ـ ــل تتعام ـ ــل المص ـ ــارف االس ـ ــالمية م ـ ــع‬
‫‪9‬‬
‫القرض الحسن من باب توفير سـيولة عنـد‬
‫الحاجة ؟‬
‫‪161‬‬
‫ال‬
‫سبب اختيارك نعم أو ال‬
‫إن وجد‬
‫هــل تــرى أن القــرض الحســن حــل مناســب‬
‫‪ 10‬وفعل ـ ــي للمش ـ ــكالت االجتماعي ـ ــة ك ـ ــالزواج‬
‫والعالج من األمراض؟‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫ه ــل ت ــرى أن الق ــرض الحس ــن يحق ــق نمـ ـوا‬
‫اقتصادياً واجتماعياً؟‬
‫هــل يلعــب القــرض الحســن فــي المصــارف‬
‫اإلسالمية بدور فاعل في تحقيق التكافل؟‬
‫‪13‬‬
‫هل يدفع القرض الحسن إلى ترك التعامـل‬
‫‪14‬‬
‫هــل أعطــي القــرض الحســن دوره المطلــوب‬
‫‪15‬‬
‫‪16‬‬
‫‪17‬‬
‫‪18‬‬
‫‪19‬‬
‫بالقرض الربوي ؟‬
‫في المصارف اإلسالمية؟‬
‫هـل كـل فئــات المجتمـع تسـتطيع االســتفادة‬
‫من خدمة القرض الحسن؟‬
‫هـل شــعرت بمنفعــة القــرض الحســن المقــدم‬
‫من المصارف االسالمية ؟‬
‫ه ــل تعتب ــر الق ــرض الحس ــن وس ــيلة ذكي ــة‬
‫لجذب األموال إلى المصارف اإلسالمية؟‬
‫هـ ــل تحبـ ــذ اســـتخدام القـ ــرض الحســـن فـ ــي‬
‫تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟‬
‫هـ ــل هنـ ــاك آليـ ــة بسـ ــيطة للحصـ ــول علـ ــى‬
‫القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟‬
‫هــل تــرى أن هنــاك عقبــات موضــوعة فــي‬
‫‪ 20‬وجه استخدام القرض الحسن كأداة لتمويـل‬
‫المشروعات االستثمارية؟‬
‫‪162‬‬
‫‪21‬‬
‫‪22‬‬
‫‪23‬‬
‫هل تهتم بالجانب المادي قبل التنموي فـي‬
‫تعاملك مع القرض الحسن؟‬
‫هــل تحــب أن تضــع المصــارف اإلســالمية‬
‫لوائح توعية للقرض الحسن ؟‬
‫هــل لــديك ثقافــة كاملــة ورؤيــة معينــة تجــاه‬
‫القرض الحسن في المصارف اإلسالمية؟‬
‫ه ــل ت ــرى أن الق ــرض الحس ــن يحت ــاج إل ــى‬
‫‪ 24‬تخط ـ ـ ــيط منهج ـ ـ ــي قب ـ ـ ــل اس ـ ـ ــتخدامه ف ـ ـ ــي‬
‫التمويل؟‬
‫القسم الثاني ‪ :‬ما يتعلق بإيفاء القرض‬
‫‪1‬‬
‫هـ ـ ــل تـ ـ ــرى أن وضـ ـ ــع أجـ ـ ــل للقـ ـ ــرض شـ ـ ــيء‬
‫ايجابي ؟‬
‫‪163‬‬
‫‪2‬‬
‫هــل تــرى مــن حــق المصــارف اإلســالمية أخــذ‬
‫ضمانات كافية تجاه القرض الحسن ؟‬
‫هــل إنظــار المعســر عنــد حلــول أجــل القــرض‬
‫‪3‬‬
‫الحســن هــو واجــب مطلــوب علــى المصــارف‬
‫اإلسالمية؟‬
‫‪4‬‬
‫هـل يجـوز المماطلـة فـي إرجـاع مبلـغ القـرض‬
‫الحســن إلــى المصــارف اإلســالمية عنــد تــوفر‬
‫السيولة الكافية؟‬
‫ه ـ ــل ت ـ ــرى م ـ ــن المناس ـ ــب وض ـ ــع ج ـ ــزء م ـ ــن‬
‫‪5‬‬
‫القرض الحسـن عنـد عـدم القـدرة علـى تسـديده‬
‫كامال ؟‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫هــل يجــوز انتفــاع المصــارف اإلســالمية مــن‬
‫القرض الحسن من باب ُحسن القضاء؟‬
‫ه ـ ــل ت ـ ــرى وض ـ ــع األج ـ ــل يمن ـ ــع المص ـ ــارف‬
‫اإلسالمية من استيفاء قرضها قبل حلوله ؟‬
‫هــل تؤيــد وفــاء القــرض الحســن علــى أقســاط‬
‫بالرغم من أنه خدمة بدون مقابل ؟‬
‫ه ــل م ــن ح ــق المس ــتفيد م ــن الق ــرض الحس ــن‬
‫عدم االهتمام بوفاء القرض الحسن ؟‬
‫هل تحب أن يقدم القـرض الحسـن بشـروط ال‬
‫تزيد عن قيمة القرض ؟‬
‫ه ــل تح ــب أن يك ــون الق ــرض الحس ــن بـ ــدون‬
‫ضمانات ؟‬
‫ه ــل تحب ــذ فكـ ـرة تخص ــيص ص ــندوق للق ــرض‬
‫الحسن في المصارف اإلسالمية ؟‬
‫‪164‬‬
‫‪-‬‬
‫ه ــل تعتب ــر الق ــرض الحس ــن واجه ــة أخالقي ــة‬
‫‪ 13‬داعمـ ـ ــة لتقبـ ـ ــل فك ـ ـ ـرة المصـ ـ ــارف اإلسـ ـ ــالمية‬
‫والترويج لها؟‬
‫‪165‬‬
‫االستنتاجات والتوصيات‬
‫االستنتاجات ‪:‬‬
‫‪ .1‬تبين لدي من خالل البحث الذي قمت به أن القرض الحسن له أثر إيجابي في تنمية‬
‫مجتمعات الدول اإلسالمية ‪ ،‬وهذا ما يتطابق مع فرضية البحث ‪.‬‬
‫‪ .2‬تطابقت نتائج البحث مع الفرضية ‪ ،‬من جهة عدم إعارة أي اهتمام من قبل المصارف‬
‫اإلسالمية ألداة القرض الحسن إال بحاالت خاصة معينة ال تشكل سوى جزءا يسي اًر من‬
‫عملها ‪.‬‬
‫‪ .3‬إن القرض عبارة عن تمليك الشيء على أن يرد بدله ‪ .‬وسمي بذلك ألن المقرض يقطع‬
‫للمقترض قطعة من ماله ‪ ،‬وهو نوع من المعامالت على غير قياسها لمصلحة الحظها‬
‫الشارع ‪ ،‬رفقا بالمحاويج ‪.‬‬
‫‪ .4‬القرض الحسن عمل مشروع في الشريعة ‪ ،‬باالستناد على دالالت النصوص في القرآن‬
‫الكريم والسنة النبوية الشريفة وعلى قول علماء األمة باإلجماع ‪.‬‬
‫‪ .5‬القرض عقد تبرع غير ملزم ‪ ،‬أوله تبرع وآخره معاوضة ‪ ،‬وهو من باب الرفق واإلحسان ‪،‬‬
‫فثاب من يقوم بتقديمه أحسن الثواب وال يؤثم من تركه ‪.‬‬
‫‪ .6‬ال بد لصحة عقد القرض من توافر أركانه وال يتم إال بها ‪ ،‬وهي ثالثة أركان الصيغة والتي‬
‫المقرض‬
‫المقرض والمقترض ‪ ،‬والمحل أي المال ُ‬
‫تتمثل باإليجاب والقبول ‪ ،‬والعاقدان وهما ُ‬
‫‪.‬‬
‫‪ .7‬القرض هو عبارة عن فعل خير محض متبادل بين طرفين ‪ ،‬ولهذا فهو يتمثل بجملة من‬
‫المقرض والمقترض ‪ ،‬وتكون الحجر الصلب‬
‫اآلداب والسلوكيات واألخالقيات تنشأ بين ُ‬
‫لتيسير عملية اإلقراض ‪.‬‬
‫‪166‬‬
‫‪ .8‬القرض هو معاملة مالية يتم فيها إعطاء شيء من المال بدون مقابل ‪ ،‬وحتى يضمن‬
‫صاحب المال حقوقه ‪ ،‬شرع له اإلسالم توثيق ذلك الحق من خالل عدة وسائل يضمن فيه‬
‫ماله من الضياع أو التلف أو الجحود ‪.‬‬
‫‪ .9‬إن القرض المذكور في الشريعة هو القرض الحسن الخالي من الفائدة والذي تطور تطو ًار‬
‫مهماً بدخوله ساحة العمل المصرفي اإلسالمي ‪ ،‬وصارت له تطبيقات واستخدامات معينة‬
‫خدمت قضايا المجتمع ‪.‬‬
‫‪ .10‬المصارف اإلسالمية عبارة عن مؤسسات مالية ومصرفية لتجميع األموال وتوظيفها وفق‬
‫نظام الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬لبناء المجتمع التكافلي الرصين ‪ ،‬وتوفير عدالة توزيع الموارد‬
‫وضع المال في المسار اإلسالمي ‪ ،‬وبالتالي صنع تنمية حقيقية ‪.‬‬
‫‪ .11‬تحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية بشكلها السليم المبني على فكر اإلسالم المستقيم ‪،‬‬
‫ال يتم إال من خالل تربع المصارف اإلسالمية وحلولها في الصدارة كبديل مناسب‬
‫للمصارف التجارية التي تعتمد على مبدأ محرم كأساس في تعامالتها ‪.‬‬
‫‪ .12‬إن التمويل بالقرض الحسن من خالل المصارف اإلسالمية ‪ ،‬سيساهم في توفير جزء من‬
‫متطلبات االستثمار واإلنتاج في مجاالت المجتمع كافة ‪ ،‬وبالتالي دعم العملية التنموية‬
‫لشعوب العالم اإلسالمي ‪.‬‬
‫‪ .13‬إن القرض الحسن أداة فاعلة للتنمية من خالل تقديم عالج مناسب للقضاء على آفة الفائدة‬
‫في القرض والذي تتعامل به المصارف التجارية ‪ ،‬فقد ثبتت تأثيرات الفائدة السلبية ‪،‬‬
‫فاقتصادياً تزداد أسعار السلع التي تفرض على المستهلك ويقل االدخار ويضعف االستثمار‬
‫‪ ،‬واجتماعياً يتزايد مبدأ الظلم واالستغالل والنيل من أصحاب الحاجات الضرورية عند‬
‫‪167‬‬
‫لجوئهم إلى االقتراض بفائدة وباإلضافة إلى ذلك نشوء حالة فراغ طبقية بين أفراد المجتمع‬
‫‪.‬‬
‫‪ .14‬إن التمويل بالقرض على المستوى المصرفي ‪ ،‬يقتصر على تمويل المشروعات الصغيرة‬
‫والمتوسطة على األغلب وساهمت بعض المصارف اإلسالمية في تمويل المشاريع الكبيرة‬
‫أيضاً ‪ ،‬وكذلك المشاركة في النشاطات االجتماعية المختلفة من خالل توفير السيولة‬
‫الالزمة للحاجات االجتماعية الملحة ‪.‬‬
‫‪ .15‬يهد ف القرض الحسن إلى تحقيق التكافل والتعاضد بين أفراد المجتمع من ناحية ‪ ،‬ومن‬
‫ناحية أخرى يخلق أواصر التعاون اإليجابي بين األفراد والمصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫‪ .16‬إن القرض الحسن يقلل من تكاليف اإلنتاج ‪ ،‬الذي يؤدي دوره إلى تخفيض األسعار‬
‫وزيادة قدرة المشاريع االستثمارية على المنافسة في األسواق الداخلية والخارجية وزيادة‬
‫أرباحها وصادراتها ‪ ،‬ومن ثم زيادة االدخار واالستثمار وتحقيق عملية التنمية‬
‫‪ .17‬هناك الكثير من العقبات والمشاكل التي تقف حائالً أمام التمويل بالقرض الحسن في‬
‫المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وهذه العقبات منعت من تفعيل أداة القرض في العمل المصرفي‬
‫اإلسالمي ‪ ،‬وأدت بالنتيجة إلى تقليص االهتمام بالقرض والتفكير به كحالة جدية في‬
‫المشاركة في النشاطات التي تدعم عملية التنمية‬
‫التوصيات ‪:‬‬
‫‪ .1‬إجراء المزيد من البحوث والدوريات والمقاالت والدراسات عن القرض في الشريعة‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬ونشرها في المجالت العلمية واالقتصادية ‪ ،‬وفي الجامعات والمعاهد لكي‬
‫يتكون من خاللها صورة واضحة متكاملة عن القرض ومفهومه وشرعيته وأحكامه وشروطه‬
‫وأخالقياته وآدابه ‪.‬‬
‫‪168‬‬
‫‪ .2‬تفعيل اإلجراءات القانونية الصارمة تجاه المقترضين الذين يحاولون التفريط بحقوق‬
‫المقرض سواء كان فرد أو مؤسسة ( مصرف) ‪ ،‬والغاية هي ضمان استرداد أموالهم وعدم‬
‫ُ‬
‫ضياعها ‪ ،‬وكذلك الحفاظ على ديمومة اإلقراض بهذه اإلجراءات ‪.‬‬
‫‪ .3‬إنشاء صناديق للقروض الحسنة في المصارف اإلسالمية ‪ ،‬وتكون مصادر أموال هذه‬
‫الصناديق من الجمعيات الخيرية ومن تبرعات أثرياء المسلمين الذين يسعون لتقديم العون‬
‫واإلحسان ‪ ،‬وكذلك من أرباح المساهمين في المصارف اإلسالمية حيث يكون دعمهم‬
‫ألجل تحقيق تنمية خاصة بالمصرف والمساهمة في دعم التنمية الشاملة للمجتمع ‪.‬‬
‫‪ .4‬زيادة الوعي لدى إدارات المصارف ورواده وعمالئه وزواره بفكرة القرض الحسن ‪ ،‬من‬
‫خالل توضيح فوائد ومنافع القرض الحسن ‪ ،‬وما ستجنيه كل األطراف من تفعيل ودعم‬
‫ذلك األسلوب الذي سيجلب آثار إيجابية عليهم ‪.‬‬
‫‪ .5‬العمل على تنسيق الجهود بين الدول اإلسالمية من خالل عقد المؤتمرات اإلقليمية والدولية‬
‫بينها ‪ ،‬والخروج بق اررات عملية واقعية تضع األساس لبناء نظام مصرفي إسالمي عالمي‬
‫يهدف إلى توفير السيولة الكافية للتمويل بالقروض الحسنة لمساعدة الدول اإلسالمية الفقيرة‬
‫والتي هي بأمس الحاجة إلى هذه األموال ‪ ،‬واغالق الفرصة أمام المؤسسات العالمية‬
‫الربوية التي تنهش بدماء تلك الشعوب ‪ ،‬ويمتلك العالم اإلسالمي اإلمكانية لتحقيق ذلك ‪،‬‬
‫ألن فيه دول غنية بالنفط ودول تتميز باقتصاديات متطورة ‪.‬‬
‫‪ .6‬التوسع في مجال القرض الحسن اإلنتاجي ‪ ،‬وخاصة أنه أثبت جدواه في تحقيق ميزة‬
‫اقتصادية أكثر من القرض االستهالكي وفي عدة جوانب ‪ ،‬فالقرض اإلنتاجي من جانب‬
‫للمقترض ‪ ،‬ومن‬
‫يحقق غاية اقتصادية تنموية ويوفر فرص عمل تعطي دخل مستمر ُ‬
‫‪169‬‬
‫جانب آخر يعطي نسبة ضمان كبيرة السترداد القرض وارجاعه بأسرع وقت ممكن‬
‫المقرض ‪.‬‬
‫للمصرف ُ‬
‫‪ .7‬وضع خطة من قبل المصارف اإلسالمية ‪ ،‬لتحديد األثر الفعلي للمشاريع المقدمة لديها من‬
‫المستثمرين وهل تصلح أن تمول بصيغة القرض الحسن ‪.‬‬
‫للمقترضين في عملية دراسة الجدوى االقتصادية ‪،‬‬
‫‪ .8‬تقديم المصارف اإلسالمية مساعدة ُ‬
‫لتحديد المشاريع االقتصادية التي تحقق التنمية ودعمها من خالل القروض الحسنة ‪،‬‬
‫وتفضيلها على المشروعات التي تحقق جدوى اقتصادية أكبر لكنها ال تساهم في عملية‬
‫التنمية ‪.‬‬
‫‪170‬‬