موقف الشريعة اإلسالمية من ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار
إعداد
عبد هللا بن سليمان بن منيع
القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة
بسم هللا الرحمن الرحيم
الحمد هلل رب العالمين وصلى هللا وسلم على رسوله األمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين وبعد :
فإن األزمات االقتصادية الناتجة عن المشاكل االجتماعية والمشاكل السياسية ،وما صاحب ذلك من
انحسار في الموارد الطبيعية نتيجة الجفاف والقحط في بعض من أرض هللا هذه األزمات هزت
االقتصاد العالمي فتأثرت بذلك قيم األثمان الورقية بانخفاض أثر على أحجام الثروات تضرر منه
الكثير ممن لهم حقوق والتزامات على اآلخرين ،فسارع أولئك إلى علماء االقتصاد والقانون
يستنجدونهم في تقرير حقوقهم ورأب ما انصدع من التزامات اآلخرين لهم ،وذلك بالمطالبة بتعويضهم
من قبل الملتزمين لهم بما نقص من حقوقهم نتيجة انخفاض قيم األثمان الورقية في كثير من دول
العالم ،فجاءت المطالبة بربط االلتزامات بمستوى األسعار ،وعقدت الندوات والحلقات الدراسية
باالشتراك مع المعهد العالي لالقتصاد اإلسالمي في إسالم أباد ومع المعهد اإلسالمي للبحوث
والتدريب التابع للبنك اإلسالمي للتنمية وذلك في مدينة جدة لمدة ثالثة أيام من 27شعبان عام
1407هـ ،وقد دعي لالشتراك في هذه الندوة مجموعة مختارة من علماء الشريعة واالقتصاد وقد
تشرفت باالشتراك في أعمالها .فقدم المنادون بربط االلتزامات بمستوى األسعار حججهم على األخذ
بذلك وتقرير مشروعية المطالبة به وكان ملخص هذه الحجج ما يلي :
-1دين اإلسالم العادل يقيم بالعدل واإلنصاف ،والتضخم ينتهك هذه القاعدة ،حيث إنه يمكن للناس
أن يربحوا على حساب اآلخرين ،ويمنح الدولة أن تتعدى على أموال الناس بدون إذنهم .كما يمكن
هذا النظام األقوياء من استغالل الضعفاء .وربط التغيرات بمستوى األسعار يخفض – على األقل
جزئيًّا – إثارة هذه الممارسات االستغاللية.
__________
()9868/2
------------- " -2ال ضرر وال ضرار " و " الضرر يزال " هاتان قاعدتان أساسيتان من القواعد العدلية اإلسالمية
ويسبب التضخم الضرر في القدر الحقيقي للمبالغ المستلمة ،لذا يعد ربط التغيرات بمستوى األسعار
التعويض عن هذا الضرر .ومن المعلوم ،أن المدين أو الدائن ليسا مسئولين عن هذا الضرر في
القدر الحقيقي ألن األسباب التي تنجم عن التضخم هي وراء سلطاته.
وربط التغيرات بمستوى األسعار يصون كليهما من الضرر.
-3وقال هللا تعالى في كتابه العزيز :
ِ
ان ِباْلِق ْس ِط } )152 : 6( .
{ َوأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ
وقد كرر القرآن الكريم هذا األمر في اآليات العديدة وامتد إلى كل أنواع المعامالت المالية وليس
لوزن أو كيل فحسب .والمعلوم أن المبالغ والقروض لن تتسلم قدرها الحقيقي .وربط التغيرات بمستوى
األسعار يزال هذا الضرر وهذا وفقا للشريعة اإلسالمية.
-4كما أمرنا القرآن الكريم أن نوفي بعقودنا ,قد قال هللا تعالى :
{ يا أَي َّ ِ
ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ
ود } )1 : 5( .
ُ
ُّها الذ َ َ ْ
َ َ
قدر
قدر حقيقيًّا وليس ًا
تعاقدا بين الدائن والمدين .والبد للمدين أن يدفع للدائن ًا
دفع القرض يعتبر ً
نقيصا ،وربط التغيرات بمستوى األسعار يمكن له إنجاز هذا الواجب .
ً
-5وأجاز الفقهاء األحناف أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا يجعل من إمكانية ربط تغيرات
بمستوى األسعار أن يحدد هذا الفرق.
-6ال نجد أي نص (من القرآن الكريم أو السنة النبوية ) يحرم أو على األقل يكره هذا النظام.
-7ال يمنع الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه " مثل بمثل " من المساواة في القدر الحقيقي
لألشياء والنقود والقروض ،وربط التغيرات بمستوى األسعار يحقق هذا.
-8يؤدي إلى إنكار هذا النظام منع القرض الحسن.
-9يعاون هذا النظام على حصول القروض األجنبية للبلدان اإلسالمية المختلفة.
-10ربط التغيرات بمستوى األسعار يشابه اإلضافة التي يحصل عليها البائع الذي يبيع بالدين.
__________
()9869/2
------------- -11يحافظ هذا النظام على قيمة المهر المؤجل.
-12يسبب التضخم المشاكل المختلفة في معامالت القرض ،نفترض أن البنك اإلسالمي يساهم بـ
10ماليين دوالر لمساهمة في عقد القراض لمدة 10سنوات مع المضارب على أساس 50 : 50
إسهاما في الربح اآلن ،خالل فترة التضخم ،ينخفض قدر رأس المال بسرعة ،إذ تبقى مدفوعات
ً
المضارب تقر ًيبا ،كما كانت .على سبيل المثال ،إن كان معدل التضخم % 20وبعد 5سنوات
ينخفض القدر الحقيقي لرأس المال من 10ماليين إلى 5ماليين ،حتى اآلن ،يحصل المضارب
على % 50من الربح .هذا ظلم على المضارب ألنه يحصل على السهم األقل من الربح على الرغم
من نشاطاته كما كانت .يمكن حل هذه المشكلة في صورتين ،الصورة األولى هي التعيين الجديد
ألسهم الربح ,الصورة الثانية هي إبقاء على رأس المال الحقيقي .وال شك أن الصورة األولى تسبب
الجدال في أوساط العمليات اإلنتاجية للمشروع وأما الصورة الثانية فيمكن حصولها بفضل ربط
التغيرات بمستوى األسعار.
-13يعتبر القرض الحسن في رأي الشريعة اإلسالمية صدقة ،لكن في أيام التضخم فإنه يصير
عبئا ثقيال على الشخص الكريم الذي يتقدم به ،ولو يربط القرض الحسن
صدقة مضاعفة وربما ً
التغيرات بمستوى األسعار فحسن.
-14ربط التغيرات بمستوى األسعار يعتبر أسهل الطرق لوجهة نظر اإلدارة التي اختيرت لمعاملة
قروض البنك تقدم حسب نظام الشركة في األرباح والخسائر .كما أن هذا أسهل المناهج إلدارة
البنوك بوجهة نظر إسالمية.
__________
()9870/2
------------- -15كما يمكن هذا النظام المعادلة بين أقدار النقود المختلفة ،وهكذا دواليك.
-16وفًقا لمؤيدي هذا النظام ،أنه يقوي سوق الرأسمالية ويشجع االدخار كما نرى في األمريكية
الالتينية .وزيادة المدخرات تعني زيادة في تراكم رأس المال الذي يسبب زيادة في النمو االقتصادي .
هاما لتسهيل التعامل بالعملة
أيضا بأن ربط التغيرات بمستوى األسعار يلعب ًا
-17هذا ونرى ً
دور ً
األجنبية في األسواق ،ألن أسس أسعار التبادل بين العمالت ال تتعين إال بطريق صالحيتها لشراء
دور عاما إذ تعادلها بالعمالت األخرى حيث
البضائع المختلفة التضخم ،وتلعب قوة الشراء لعملة ما ًا
إنها تقلل قوة الشراء للمستخدمين بها لوال تساوى هذا التحويالت في سعر التبادل بطريق مناسب فهي
سيئا وبمثل هذا الطريق تصبح
سيئا وبمثل هذا الطريق تصبح العملة ًا
تؤثر في تجارة العملة ًا
أثر ً
أثر ً
العملة هدف التخمين في رأي وكالء العمالت ويساعد ربط التغيرات بمستوى األسعار لتسوية قدر
العملة في إطار قوة شرائها ،وبهذا الطريق نحن نتمتع بثقة الذين يستثمرون (خاصة من الخارج).
-18ونضيف إلى هذا نحن نقدم الدليل بأن ربط التغيرات بمستوى األسعار المنتخب في خال فترة
التضخم تعطي الحكومة الجهاز القوي الذي يؤثر على تخصيص النقود في المناطق المختلفة حسب
ضرورات اقتصادية.
وخالل فترة أعمال هذه الندوة تتابعت البحوث وجرت المناقشات والمداوالت والتعليقات ثم انتهت
الندوة إلى إصدار التوصيات التالية :
اجتمع عدد من العلماء الشرعيين واالقتصاديين في حلقة علمية لدراسة موضوع ربط الحقوق
وااللتزامات بغير األسعار نظمها المعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب التابع للبنك اإلسالمي للتنمية
بالتعاون مع المعهد العالمي لالقتصاد اإلسالمي بإسالم أباد وذلك في الفترة من السبت 27شعبان
( 25نيسان) إلى الثالثاء غرة رمضان المبارك عام 1407هـ ( 28نيسان 1987م) في مبنى البنك
اإلسالمي للتنمية في جدة ،وذلك في جلسات صباحية ومسائية قدمت فيها أوراق بحث اقتصادية
وشرعية في موضوع الندوة ،ودارت حولها مناقشات مثمرة وتبودلت فيها اآلراء المفيدة وقد تمخض
عن ذلك ونتج عنه التوصيات التالية.
واذ يصدر العلماء الحاضرون توصياتهم ليودون قبل كل شيء أن يعبروا عن خالص شكرهم
للمعهدين الداعيين إلى هذه الحلقة العلمية وتقديرهم للجهود المكثفة التي قام بها منظموها كما
يعبرون عن امتنانهم للحفاوة الكريمة التي تلقوها من البنك اإلسالمي للتنمية ورئيسه الدكتور أحمد
عظيما في إثراء البحث والنظر
إسهاما
محمد علي ،ويؤكدون أن مثل هذه الحلقات والندوات تسهم
ً
ً
العلميين في جوانب االقتصاد اإلسالمي المتعددة وتكوين الفهم المشترك بين علماء الشريعة
واالقتصاد لكثير من القضايا المعاصرة مما يساعد في إيجاد التصور الشرعي المناسب لها.
__________
()9871/2
-------------موقف الشريعة اإلسالمية من ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة
بمستوى األسعار
الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ،وبعد :
ال شك أن االلتزام بالحق – سواء كان التزاما بدين نقدي أم بمال عيني كديون السلم أم بعمل كعقود
المقاوالت واإلجارات الخاصة أو المشتركة أم بتوثيق كعقود الكفاالت والضمانات – أن االلتزام بالحق
طبيعيا وال
شخصا
شخصا اعتباريًّا أو
يعني تعلق ذلك الحق بذمة من التزم به سواء كان ذلك الملتزم
ً
ً
ً
شك أن الحق الالزم في الذمة قد تحدد بعقد االلتزام به قدره ونوعه وصفته وأجل الوفاء به إن كان له
عقدا جرى التعهد بااللتزام به والوفاء بمقتضاه وبما نص عليه من
أجل وأن توثيق االلتزام به يعني ً
عقدا جرى تعيين االلتزام بما فيه بمقدار معين وصفة معينة
شروط وقيود وتعهدات .وهذا يعني أن ً
فإن مقتضى العقد يوجب أن هذا الحق ال يجوز أن يتغير بزيادة وال نقصان إال باتفاق طرفيه طبًقا
حكما شرعيًّا استثنائيًّا يتفق مع العدل ودفع الظلم وآثاره.
للمقتضيات الشرعية إال ما اقتضى إعطاؤه ً
وهذا هو األصل في العقود طبًقا للنصوص الشرعية من كتاب هللا تعالى ومن سنة رسوله محمد
صلى هللا عليه وسلم.
قال تعالى { :يا أَي َّ ِ
ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ
ود } )1( .
ُ
ُّها الذ َ َ ْ
َ َ
اكتُُبوهَُ ....وْليُ ْمِل ِل َّالِذي َعَل ْي ِه
َج ٍل ُم َس ًّمى َف ْ
أَ
َجِل ِهَ ....فِإ ْن
ير أ َْو َكِب ًا
ص ِغ ًا
أْ
ير ِإَلى أ َ
َن تَ ْكتُُبوهُ َ
وقال تعالى { ييا أَي َّ ِ
َم ُنوا ِإ َذا تََد َاي ْنتُ ْم ِب َد ْي ٍن ِإَلى
ُّها الذ َ
ين آ َ
َ َ
ِ
َموا
اْل َح ُّق َوْل َيتَّ ِق َّ
َّللاَ َرب ُ
َّه َوَال َي ْب َخ ْس م ْنهُ َش ْيًئاَ ...وَال تَ ْسأ ُ
ِ َّ ِ
ِ
ِ
َم َانتَ ُه } ()2
ض ُك ْم َب ْع ً
أَم َن َب ْع ُ
ضا َفْل ُي َؤد الذي ْاؤتُم َن أ َ
ِِ
َّ ِ
ِ ِ
اعو َن } ()3
وقال تعالى َ { :والذ َ
ين ُه ْم أل ََم َانات ِه ْم َو َع ْهده ْم َر ُ
َّللاِ أ َْوُفوا } ()4
وقال تعالى َ { :وِب َع ْهِد َّ
__________
( )1سورة المائدة :اآلية 1
( )2سورة البقرة :اآليتان .283 , 282
( )3سورة المؤمنون :اآلية .8وسورة المعارج :اآلية 32
( )4سورة األنعام :اآلية 152
()9872/2
-------------وفي المنتقى عن عمرو بن عوف أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال (( المسلمون على شروطهم إال
اما )) .قال الترمزي :هذا حديث صحيح .وفي كتاب عمر بن
شرطا حرم حالال أو أحل حر ً
طا
الخطاب رضي هللا عنه الذي كتبه إلى أبي موسى األشعري :المسلمون عن شروطهم إال شر ً
صلحا أحل حراما أو حرم حالال .
أحل حر أما أو حرم حالال ،والصلح جائز بين المسلمين إال
ً
وال شك أن عقود االلتزام عقود تراض مشتملة على شروط اتفقت إرادتا طرفي العقد على األخذ بها،
وبما اشتملت عليه ،من شروط وقيود وتعهدات فال يجوز تغييرها بزيادة أو نقص من إرادة منفردة إال
بما يضر الطرف اآلخر.
أمدا وأن محاولة التدخل في تغيير
نوعا ًا
وقدر وصفة و ً
بهذا يتضح أن االلتزام بالحق يعني ثباته ً
االلتزام بدون إرادة طرفيه يعني ترتيب مظالم على الذمم المختصة بهذا االلتزام .فالمنتفع بهذا التغيير
ظالم والمتضرر به مظلوم ومحتوى االلتزام متغير إلى ما يمكن أن يعتبر من ضروب الربا أو من
نفعا.
أكل المال بالباطل أو من القروض التي تجر ً
توضيح ذلك أن الحق موضوع االلتزام إذا ط أر عليه من التقلبات االقتصادية ما يعتبر جنسه مهيأ
للزيادة أو النقص في وقت سداده مما يوجب الضرر ألحد طرفيه بذلك فإن هذا الضرر قد يكون أحد
سببا في حصوله على الطرف اآلخر كمماطلته في الوفاء بهذا االلتزام حتى تغيرت
طرفي االلتزام ً
األسعار وترتب عليها الضرر ،وقد ال يكون ألحد طرفيه سبب في ذلك إال أن هناك جائحة قضائية
من هللا ،أو يكون االلتزام من طرف واحد آلخر كمن يغصب ًّ
حقا لشخص طبيعي أو اعتباري فيتغير
نقصا على المغصوب في وقت تسليم ذلك الحق المغتصب.
سعر مثل ذلك الحق بما يعتبر ً
__________
()9873/2
-------------هذه الحاالت الثالث للفقه اإلسالمي نظر في ربط تغير األسعار بااللتزام وسيأتي الحديث عن وجهة
النظر في ذلك الربط.
أما ما عدا الحاالت الثالث فمنذ زاول اإلنسان نشاطه االقتصادي فإنتاجه عرضة للزيادة والنقصان
تزيد قيم السلع باختالل ميزان العرض على الطلب بالنقص وتنقص قيمها بعكس ذلك ،ومن عوامل
هذه التغيرات االقتصادية تنشأ األرباح والخسائر ويتحقق ما وصفه صلى هللا عليه وسلم من أن
التجارة غارات المؤمنين.
وباالجتهاد في األخذ بأسباب األرباح وتجنب الخسائر تزداد الحركة االقتصادية وبالتالي تتوفر
وسائل أكثر لتحصيل العمل وتقليل البطالة وتوفير وسائل الحياة األفضل.
ولهذا نجد اإلسالم يضيق دائرة التعامل باألثمان على سبيل المصارفة المتمثلة في بيع وشراء لما في
سلعا
حركتها والتحرك بها من حبس األثمان التي هي وسيلة التقويم والتقدير عن وظيفتها وجعلها ً
تباع وتشترى فينتج من ذلك التقليل من الحركة االقتصادية المتمثلة في اإلنتاج والتسويق
واالستهالك.
كما أن اإلسالم يحرم المكاسب المضمونة والمبيعات غير المملوكة وتعين قدر معين من المضاربة
في التجارة أو المغارسة أو المخابرة كما أنه يحرم االحتكار وتلقي الركبان ويقف من قضايا الغش
والتدليس والغرر والجهالة والغبن مواقف حازمة كمواقفه الحكيمة في إنكار المكاسب عن طريق
الرهان والقمار والميسر ،ويدعو اإلسالم إلى السعي في األرض والضرب في األسواق.
قال تعالى { :هو َّالِذي جعل َل ُكم ْاألَرض َذلُوًال َفام ُشوا ِفي من ِ
اكِب َها َوُكلُوا ِم ْن ِرْزِق ِه } ()1
ََ
َََ ُ ْ َ
ْ
َُ
ِ
ض ِرُبو َن ِفي ْاأل َْر ِ
َّللاِ } ()2
ض ِل َّ
وقال تعالى َ { :وآ َ
ض َي ْبتَ ُغو َن م ْن َف ْ
َخ ُرو َن َي ْ
ِ
وقال تعالى َ { :فِإ َذا ُق ِ
الص َالةُ َف ْانتَ ِش ُروا ِفي ْاأل َْر ِ
َّللاِ } ()3
ض ِل َّ
ض َي ِت َّ
ض َو ْابتَ ُغوا م ْن َف ْ
__________
( )1سورة الملك :اآلية 15
( )2سورة المزمل :اآلية 20
( )3سورة الجمعة اآلية 10
()9874/2
-------------عنصر ذا أثر فعال في إنعاش الحركة االقتصادية لما تستلزمه
ًا
فاإلسالم يعتبر المخاطرة في التجارة
من المخاطرة من الحيطة والحذر والحرص والتدبر والمراقبة المستمرة للتقلبات االقتصادية وبالتالي
األخذ بنتائج ذلك من بيع وشراء وانتاج وتسويق ،فإذا قلنا بربط الحقوق المؤجلة بمستوى األسعار ولم
يكن لمن ترتبت عليه هذه االلتزامات سبب في تغير األسعار فإن هذا يعني معالجة الضرر بضرر
ودفع خسارة طرف من أطراف االلتزمات بظلم طرفه الملتزم فضال عما في ذلك من تشجيع
االستثمارات البنكية والتقليل من عنصر المخاطرة في التجارة ،وحينما يعلم طرفا االلتزام أن العبرة
بقيمة الحق موضوع االلتزام هو سعر يوم سداده ،وما يترتب على ذلك من الجهالة في مقدار الحق،
وبالرغم من تقديره وقت االلتزام بقدر معين ،فملتزم بمليون دوالر مثال لزيد من الناس بعد عام ،يحل
أجل السداد في وقت تكون القيمة الشرائية للدوالر قد انخفضت بمقدار % 40في المائة مثال ،فربط
الحق بسعر يوم سداده يعنى أم مليون الدوالر تتحول إلى مليون وأربعمائة ألف دوالر ،فالملتزم بالحق
يعرف أن التزامه بمليون دوالر ،ولكنه ال يعرف وقت سدادها ومقدار ما يسدده فقد يزيد مبلغ االلتزام
وقد ينقص وهكذا في أموال عقود السلم ومضاربات البورصات وأجور العمال وااللتزامات التوثيقية.
__________
()9875/2
-------------وبهذا يتضح لنا أن األخذ بمبدأ ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار مصادم
للمقتضيات الشرعية في الشريعة اإلسالمية وللتوجيهات اإلسالمية لالقتصاد اإلسالمي الحر
ونوعا وصف ًة وأجال ،فال يخشى
وللطمأنينة الموجبة للثقة في أن الحق الملتزم به هو الحق ًا
قدر ً
صاحب الحق نقص حقه وال يخشى الملتزم بعد تغيره عليه بزيادة .كما أن األخذ بذلك موجب لظلم
أحد طرفي العقد وأكل الظلم منهما ماال بدون حق فضال عما في ذلك من الجهالة وتشجيع البنوك
على مضاعفة نشاطاتها الربوية وتثبيط التجارة بما يسوق بضائعه عن ربحه أو خسارته بالرغم من
معرفته مقدار قيمة شراء بضاعته ومقدار قيمة بيعها ألنه ال يعرف الزيادة المحتملة على ما التزم به
طبًقا لربط هذا االلتزام بسعر يوم سداده فقد تأتي هذه الزيادة على ربح محسوس حققته صفقته
التجارية.
وقبل دخولي في نقاش القائلين بوجاهة ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار أرغب في
إبداء ما عندي في وجود حاالت استثنائية توجب ربط االلتزام بمستوى األسعار حتى تكتمل الصورة
ويتضح االتجاه ويتحرر موضوع النقاش.
مليئا غنيًّا إال أنه صار
أولى هذه الحاالت :ما إذا كان االلتزام بالحق حال األداء وكان الملتزم ً
يماطل صاحب الحق حتى تغيرت األسعار سواء انخفضت القيمة الشرائية للنقد موضوع االلتزام
انخفض سعر العين المالية موضوعة االلتزام كديون السلم فمماطلة من عليه الحق لمن له الحق ظلم
وعدوان موجبة لحل عرضه وعقوبته كما قال صلى هللا عليه وسلم (( :مطل الغني ظلم )) رواه
الشيخان في صحيحهما ،قال صلى هللا عليه وسلم (( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) .رواه أهل
السنن .ومن العقوبة أن يربط الحق بسعر يوم سداده إذا كان فيه نقص على صاحبه فالزيادة على
المماطل بأداء الحق عقوبة يستحقها بسبب ليه ومطله ،واعطاء صاحب الحق هذه الزيادة يعتبر من
العدل واإلنصاف ألن مماطلة خصمه أضرت به بمقدار هذه الزيادة.
__________
()9876/2
-------------ولقد اختلف الفقهاء رحمهم هللا في تقدير الحق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده ،قال
في منتهى اإلرادات :وال يضمن نقص سعر .ا هـ ( )1كما اختلفوا في تعيين العقوبة التي يستحقا
فذهب جمهورهم إلى عدم الزيادة على الحق بشيء مطلًقا كما مر النقل من المنتهى وأن العقوبة
المقصودة في الحديث (( :لي الواجد يحل عقوبته )) ...ما يوقعها ولي أو نائبه على المماطل بأداء
معا .وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف
الحق من عقوبة تعزيزية بحبس أو جلد أو بهما ً
المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه .قال شيخ اإلسالم .ابن
تيمية " :ومن مطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم
المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد ()2
وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى القول بضمان نقص السعر قال الشيخ عبد الرحمن بن
سعدي رحمه هللا :قال األصحاب :وما نقص بسعر لم يضمن أقول :وفي هذا نظر فإن الصحيح
ألفا وكان مالكه يستطيع بيعه باأللف ثم نقص
شيئا ويساوي ً
أنه يضمن نقص السعر وكيف يغصب ً
فاحشا فصار يساوي خمسمائة أنه ال يضمن النقص فيرده كما هو ؟ ا هـ (. )3
نقصا ً
السعر ً
وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر هللا به وهو في نفس األمر عقوبة للظالم أقرها صلى هللا
عليه وسلم بقوله (( :لي الواجد يحل عقوبته )) .وال شك أن المماطل في حكم الغاصب بمماطلته
أداء الحق الواجب عليه إال أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل ،فال يجوز دفع
ظلم بظلم وال ضرر بضرر ،فمثال زيد من الناس قد التزم لعمرو بمبلغ مائة ألف دوالر مثال يحل
أجلها في غرة شهر محرم عام 1407هـ وكان سعر الدوالر بالين الياباني وقت االلتزام مائتين
وأربعين ينًّا وفي أول يوم من شهر المحرم عام 1408هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ًّينا
فطلب صاحب الحق حقه من الملتزم زيد فماطله إلى وقت انخفض سعر الدوالر إلى مائة وخمسين
ًّينا فما بين سعر الدوالر وقت االلتزام بالحق وبين سعره وقت االستعداد بالسداد نقص تسعون ينًّا في
الدوالر الواحد فإذا قلنا بضمان النقص للماطلة فإن الفرق بين سعره وقت الحلول ثم المماطلة وبين
سعره وقت االستعداد بالوفاء هو سبعون ًّينا فالعدل أن يقتصر الضمان على هذا المقدار سبعين ًّينا
عن كل دوالر.
__________
( )1شرح منتهى اإلرادات 408/2 :
( )2انظر االختيارات :ص 136
( )3الفتاوى السعدية 429 :
()9877/2
-------------سببا في خسارة صاحب الحق بنقص حقه وانما يرجع ذلك
الحالة الثانية :أن ال يكون الملتزم بالحق ً
إلى أسباب قهرية ال دخل ألي من طرفي العقد بها ،فهذه الحال إن كانت الخسارة على أحد أطراف
العقد تزيد عن الثلث ،فقد تقاس على قاعدة وضع الحوائج ،وان كان القائلون بها يرون قصرها على
الثمار على أصولها ،مما تم بيعها ولم تقبض فأصابتها جائحة سماوية قضت عليها أو على
بعضها ،إال أن المسألة محل نظر في اجتماع القضيتين في حصول خسارة فاحشة ليس ألحد طرفي
العقد سبب في حصولها وتنفرد إحداهما عن األخرى بأن قضيتنا حق تم االلتزام به وجرى تعيين
موجبة في غالب ماله.
وعلى أي حال فهذه المسألة تحتاج إلى إفرادها ببحث تستقصى فيه مبررات الحكم فيها.
الحالة الثالثة :إذا كان االلتزام بدين نقدي من عملة ورقية معينة ثم انخفضت قيمة هذه العملة
فاحشا ولم يحل أجل سدادها وتمثل بالليرة اللبنانية ونضرب مثال لهذه الحال :خالد
الورقية
انخفاضا ً
ً
من الناس التزم لمحمد بمائة ألف ليرة قيمة بضاعة جرى قبضها في مجلس العقد وتم االتفاق على
تأجيل دفعها إلى عام ،وكانت قيمة الليرة وقت االلتزام تعادل رياال سعوديًّا وبعد حلول أجل الدفع
انخفضت قيمة الليرة حيث صارت قيمة مائة ليرة ثالثة رياالت سعودية ،فهل يسلم خالد لمحمد مائة
ليرة لبنانية بغض النظر عن انخفاض قيمتها وفي هذا خسارة بالغة على محمد أم يلزم خالد بقيمتها
وقت االلتزام ألن الليرة اآلن في حكم السكة المنقطعة ؟ يمكننا أن نرجع في حكم هذه المسألة إلى ما
ذكره الفقهاء رحمهم هللا.
__________
()9878/2
-------------فقد ذكر الشيخ عبد هللا أبا بطين رحمه هللا عن الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه هللا بعد أن ذكر أن
الدائن يرجع على مدينه بقيمة ما عليه من دين نقدي إذا أبطل السلطان التعامل به أما إذا زادت
قيمته أو نقصت فليس له إال ما في ذمة مدينه .وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية :قال األثرم ":سمعت
أبا عبد هللا يسأل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة فسقطت المكسرة أو الفلوس قال :يكون عليه
قيمتها من الذهب" .
وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا منع التعامل بها فالواجب القيمة فيخرج من سائر
المتلفات ،وكذلك في الغصب والقرض فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين فإنه ليس هو
المستحق ،وانما المراد عين النوع ،واألنواع ال يعقل عيبها إال بنقصان قيمتها فإذا أقرضته أو غصبته
ناقصا فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل
طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع فال يجبر على أخذه ً
ً
فإن المالين يتماثالن إذا تساوت قيمتهما ،وأما مع اختالف القيمة فال تماثل فعيب الدين إفالس
المدين وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص .ا هـ ()1
وقال ابن مفلح في الفروع " :وقيل إن رخصت فله القيمة كالمكان" (. )2
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا " :قوله وكذلك المغشوشة وعندهم أنها مثلية فيكفي ردها لكن
نقصا فإنه يلزمه المثل عندهم ،وعلى أصل الشيخ الظاهر أنه يلزمه القيمة ثم هذا في
فيما إذا وجد ً
القرض ،ونص عليه أحمد واختار الشيخ أن هذا يجري في سائر الديون – قال الشيخ – وهذا هو
الذي ينبغي لما على كل من النقص .ا هـ (.2 )3
__________
( )1الدرر السنية 111-110/5 :
( )2الفرع 203/4 :
( )3فتاوى ووسائل ،للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا .205/7 :
()9879/2
-------------وقال الرهوني :ظاهر كالم غير واحد من أهل المذهب وصريح كالم آخرين يفهم أن الخالف
السابق محل إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة .أما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فال .وممن صرح
بذلك أبو سعيد بن لب ،قلت :وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ًّ
جدا حتى يصير القابض لها
كالقابض لما ال كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف .ا هـ. )1( .
وقال الشوكاني في كتابه نيل األوطار :
فائدة :قال في البحر :مسألة اإلمام يحيى لو باع بنقد ثم حرم السلطان التعامل به قبل قبضه
فوجهان يلزم ذلك النقد إذا عقد عليه .الثاني يلزم قيمته إذا صار لكساده كالعرض .انتهى .قال في
وكثير ما وقع هذا في زماننا إلفساد الضربة
ًا
المنار :وكذلك ولو صار كذلك يعني النقد لعارض آخر
إلهمال الوالة النظر في المصالح ،واألظهر أن الالزم القيمة لما ذكره المصنف .ا هـ ()2
قوله :وكذلك لو صار لعارض آخر يفهم منه أن النقص الفاحش أو الزيادة الفاحشة موجبة لألخذ
قياسا على منع السلطان التعامل بالسكة موضوعة االلتزام.
بالقيمة ً
__________
( )1حاشية الرهوني 121/5 :
( 2 )2نيل األوطار 236/5 :
()9880/2
-------------بقي علينا أن نعرف ما مقدار الفحش في الزيادة أو النقص.
يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية في تحديد ما يوجب اعتبار الجائحة ما نصه :
...فال فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين ...والثانية أن الجائحة الثالث فما زاد
كقول مالك ألنه ال بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما
قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك ألن النبي صلى هللا عليه وسلم قال (( الثلث
والثلث كثير )) .ا هـ (. )1
وخالصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى االلتزام بها
ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو
زيادتها وأن من التزم آلخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه ال يلزم غير مثله ،وأن بعضهم ذهب
إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها ،وبعضهم توسط
فاعتبر النقص الفاحش والزيادة الفاحشة موجبة ألخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة
والنقص فقال بعضهم إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال إن ذلك مقدار بالثلث فما فوقه.
__________
( )1مجموع الفتاوى الكبرى 279/30 :
()9881/2
--------------
وما جرى استعرضه في الحاالت الثالث وما في أحكامها من أقوال ألهل العلم تدور بين االعتبار
اضحا إلى أن القول بربط الحقوق وااللتزامات اآلجلة باألسعار موضع تحفظ
ًا
وعدمه يعطي
تصور و ً
بالغ في الشريعة اإلسالمية .فحتى إذا ظهرت المبررات لألخذ به فإن هناك من يرفضه أخ ًذا بمبدأ
االلتزام واالحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع االلتزام قيمة معتبرة وان نقصت عن قيمتها
الحقيقية وقت االلتزام.
وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق اآلجلة باألسعار فنقول وباهلل التوفيق
وعليه االعتماد :
* أولى هذه المبررات :القول بأن اإلسالم دين العدل واإلنصاف ،والتضخم االقتصادي يأتي على
هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي قلة من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة وهم
يعانون قلة ذات اليد ،وربط االلتزامات اآلجلة بمؤشرات األسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم.
واإلجابة على هذا هو التسليم بأن اإلسالم دين العدل واإلنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات
في أيدي قلة من الناس قال تعالى في تبرير اإلنفاق على المحتاجين دون األغنياء َ { :كي َال َي ُكو َن
ْ
َغِني ِ
اء ِم ْن ُك ْم } ()1
ُدوَل ًة َب ْي َن ْاأل ْ َ
وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات واعادة
توزيعها على أكبر عدد ممكن .فهو يحض على اإلنفاق في سبيل هللا ،وسبل هللا غير محصورة في
جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيال هلل .ويجب في األموال حقوًقا معينة كالزكوات
وحقوًقا غير معينة كالنفقات الواجبة ،وفي األثر عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن في المال
ًّ
حقا سوى الزكاة.
__________
( )1سورة الحشر :اآلية رقم 7
()9882/2
-------------واإلسالم حينما يحارب التضخم االقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعامالت التجارية كبيوع
الغرر والغبن والجهالة واالسترسال وبيع ما ال يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا
النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن االحتكار كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب
تضبطه عن الظلم و ينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى صلى
هللا عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إال من بأس ،ومما يعود على المجتمعات
والدول بالتضخم المتاجرة باألثمان – العمالت النقدية – اتجه كثير من علماء اإلسالم ومحققيهم إلى
التحذير من ذلك فقد قال اإلمام الغزالي في كتابه اإلحياء ما نصه :
من نعم هللا تعالى خلف الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران ال منفعة في أعيانهما – إلى
أن قال – فإذن خلقهما هللا تعالى لتتداولهما األيدي ويكون حاكمين بين األموال بالعدل ولحكمة
أيضا
أخرى ...هي التوسل بهما إلى سائر األشياء – إلى أن قال – فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما ً
حكم يطول ذكرها ،فكل من عمل فيهما عمال ال يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد
كفر بنعمة هللا تعالى فيهما فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم
المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد
كفر النعمة وظلم ألنهما خلقا لغيرهما ال ألنفسهما إذا ال غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد
مقصودا على خالف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم .ا هـ ()1
اتخذهما
ً
__________
( )1انظر الورق النقدي ،تأليف عبد هللا بن منيع :ص 107 – 105
()9883/2
-------------ويقول ابن القيم رحمه هللا في كتابه أعالم الموقعين ما نصه :
فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم األموال فيجب أن يكون
طا ال يرتفع وال ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن
محدودا مضبو ً
ً
سلعا
لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع – ثم ذكر أسباب فساد المعامالت ومنها اتخاذ األثمان ً
فقال " :كما رأيت من فساد معامالتهم والضرر الالحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم
الضرر وحصل الظلم – إلى أن قال – فاألثمان ال تقصد ألعيانها بل تقتصد للتوصل بها إلى السلع
سلعا تقصد ألعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود ال
فإذا صارت في أنفسها ً
يتعدى إلى سائر الموزونات .ا هـ ()1
وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل باألثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في
الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف.
وال يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال األعمال عن اإلسهام في
المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة
سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش اإلنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته
األساسية :تقويم السلع وواسطة التبادل.
__________
( )1الورق النقدي :ص 105 – 104
()9884/2
-------------وبهذا يتضح موقف اإلسالم من التضخم وأسباب التضخم ,وأنه يحارب التضخم بتشريعات في
األخذ بها حماية للمجتمع من التضخم وصيانة لألسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته
أثر
تغيير االلتزامات اآلجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات األسعار إذ ال شك أن في هذا ًا
عكسيًّا في اعتباره أحد عوامل الكساد االقتصادي فإن من يلتزم بحق ففي حال األخذ بربط االلتزام
بمؤشرات األسعار فإنه ال يدري عن ميزان التزامه وال عن مردود حركته االقتصادية فقد يخطط
لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إال أن األخذ بربط االلتزام
بحا محقًقا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن
باألسعار قد يأتي على ما يراه ر ً
القيام بذلك المشروع الذي يرى ربحه محقًقا فيه إال أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على
ذلك الربح.
وأما وجه اعتباره عامال من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي ال يتناسب حجمه
العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات ،وتغير االلتزامات اآلجلة وربطها بسعر أجل سدادها
وفي ظروف تقلبات اقتصادية ال تحكمها قواعد واضحة وال تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة
االلتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات
تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو
تستودع إياه للحفظ – أو االستثمار .وبهذا يتضح أن ربط االلتزامات اآلجلة بمؤشرات األسعار
يعتبر من عوامل التضخم المالي واالنكماش االقتصادي ال أنه عامل من عوامل محاربة التضخم.
__________
()9885/2
-------------* المبرر الثاني :ال ضرر وال ضرار ،الضرر يزال ،قاعدتان شرعيتان والتضخم يوجب الضرر
واإلضرار ،وليس للدائن أو المدين سبب في هذا الضرر إلى آخر التوجيه.
واإلجابة عن هذا أن الضرر ال يزال بالضرر وأن الظلم ال يزال بظلم ،فطالما أن المدين لم يكن له
سبب في انخفاض قيمة ما التزم به والمسعر هو هللا سبحانه وتعالى .وااللتزام بالحق طالما أن الحق
مثلي وفي الذمة وهو معلوم القدر والصفة وأجل الوفاء به ،فإن الزيادة في قدره وطبًقا لتغير األسعار
ظلم محقق في حق من التزم به ،وضرر بالغ عليه ،لم يكن السبب في حصول موجبة .وان كان
قدر وصفة
موجب تغير األسعار النقص فإن الدائن مظلوم ومتضرر من تخفيض حقه الملتزم له به ًا
أمدا .وال يخفى أن اآلثار الشرعية المعتبرة والمترتبة على تغير االلتزامات بزيادة أو نقص ال تتجاوز
و ً
أسبابها أطراف االلتزام فإن كانت األسباب خارجة عن مقدورهم فال اعتبار لها في زيادة االلتزام أو
نقصه إال بما ذكرناه من الحاالت االستثنائية.
والقول بأن ربط االلتزام بتغير األسعار يصون طرفي االلتزام من الضرر غير صحيح فالضرر على
أحدهما محقق والظلم من أحدهما على اآلخر واقع.
__________
()9886/2
-------------ِ
ان ِباْلِق ْس ِط } ( ، )1وان
* المبرر الثالث :االستدالل على ذلك بقوله تعالى َ { :وأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ
من إيفاء الكيل والوزن بالقسط ربط االلتزامات بمؤشرات األسعار.
واإلجابة على هذا أن االستدالل بذلك ظاهر التعسف فيه ،فليس في اآلية دليل على ذلك ولو صح
االستدالل بها لكان االستدالل بها على رفض هذا المبدأ أولى وأوضح ألن الحق إذا تعين مقداره
ونوعا وصفة وأجال.
كان من القيام بالقسط الوفاء به ًا
قدر ً
ِِ
َّ ِ
ِ ِ
اعو َن } ()2
قال تعالى في معرض مدح المؤمنين َ { :والذ َ
ين ُه ْم أل ََم َانات ِه ْم َو َع ْهده ْم َر ُ
وليس من الوفاء بالعهد والميثاق القول بتغير االلتزام طبًقا لغير األسعار فإن األسعار بيد هللا وتغير
األسعار بالزيادة أو النقص من أسباب رزق هللا الناس بعضهم ببعض ،وفي األثر عن النبي صلى
هللا عليه وسلم (( دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض )) .
وليس من التقسيط وال من العدل أن يكون لي على إنسان مائة ألف ريال وعند حلول أجل سدادهما
أحدا من علماء
أطلب منه مائة وعشرين ً
ألفا لتغير القيمة الشرائية ،بل إن هذه الزيادة قد ال نجد ً
أحدا من علماء اإلسالم ال يعتبر هذه الزيادة من الربا الصريح
اإلسالم يعتبرها مشروعة وقد ال نجد ً
الجلي.
__________
( )1سورة األنعام :اآلية 152
( )2سورة المؤمنون :اآلية 8
()9887/2
--------------
ُّها
* المبرر الرابع :االستدالل على القول بمبدأ ربط االلتزام بتغير األسعار بقوله تعالى َ { :يا أَي َ
َّ ِ
ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ
ود } .
ُ
الذ َ َ ْ
وبعدا من االستدالل السابق على ذلك بقوله تعالى :
وهذا االستدالل أكثر تطرًفا ً
ِ
ان ِباْلِق ْس ِط } .
{ َوأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ
فعقد جرى بين زيد وعمرو استلزم ذلك العقد ًّ
حقا ألحدهما على اآلخر هل يكون من الوفاء بهذا العقد
أن يرتب على الملتزم بالحق للملتزم له به زيادة عليه أو العكس ؟ ال شك أن الوفاء بالعقد يعني
تأدية ما يقتضيه العقد دون زيادة أو نقص إال فيما تراضيا عليه مما ال محذور في اعتباره شرًعا.
* المبرر الخامس :إن الحنفية أجازوا أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا هو ربط تغيرات
األسعار بااللتزامات.
نصوصا عن الحنفية تؤيد قوله عنهم ،فإن المنقول
مؤكدا لقوله لو أورد
وكم يكون ناقل هذا القول ً
ً
ثمنا في الذمة ثم كسدت بانقطاع
عنهم يخالف ذلك فلقد وجد االختالف بينهم فيما إذا كانت الفلوس ً
التعامل بها.
قال الكاساني :
" لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة رحمه هللا وعلى المشتري
هالكا ،وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما هللا ال يبطل
قائما وقيمته أو مثله إن كان ً
رد المبيع إن كان ً
طا فانقطع
البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وان شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمن رب ً
ثمنا ألن ثمنيتها تثبت باصطالح
قبل القبض ،وألبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ً
عددا فقد زال عنها صفة الثمن وال بيع بال ثمن فينفسخ العقد
الناس فإذا ترك الناس التعامل بها ً
ضرورة " .ا هـ ()1
__________
( )1بدائع الصنائع ،242/5 :الطبعة الثانية ،دار الكتاب العربي ،بيروت 1394 ،هـ
()9888/2
-------------المبرر السادس :نفي وجود نص من الكتاب أو السنة يحرم هذا النظام ،ال شك أن الدائن حينما
ومعينا بقدر فإن الزيادة على هذا المقدار بعد أن تعين تعتبر زيادة على
يكون دينه مؤجال بزمن
ً
الملتزم به بمعنى أن ز ًيدا من الناس له عند بكر مائة ألف ريال مدة عام وفي نهاية العام تغيرت
ألفا وربط االلتزام باألسعار يعني أن على بكر تسليم مئة
القيمة الشرائية لمائة ألف إلى مائة وعشرين ً
ظِل ُمو َن َوَال
َم َو ِال ُك ْم َال تَ ْ
وعشرين ألف ريال وهللا سبحانه وتعالى يقول َ { :وِا ْن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُء ُ
وس أ ْ
ظَل ُمو َن } ()1
تُ ْ
ًّ
ظلما وعدو ًانا على المدين ،وال شك أن النصوص
ثم إن حقا مقداره في الذمة فإن الزيادة عليه تعتبر ً
من كتاب هللا تعالى وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم في تحريم الظلم أكثر من أن تحصر والمطالبة
بوجود نص من كتاب أو سنة على تحريم هذا النظام كالمطالبة بوجود نص على تحريم الظلم
والعدوان.
__________
( )1سورة البقرة :اآلية 279
()9889/2
-------------* المبرر السابع :القول بأن هذا النظام ال يتعارض مع قوله صلى هللا عليه وسلم (( :مثال بمثل
)) فإن القيمة الحقيقية لاللتزام وقت السداد هي القيمة الحقيقية وقت االلتزام.
والجواب على هذا أن العبرة بما تعين مقداره ال بما اختلفت قيمته فطالما أن ما تم االلتزام به موجود
مثله فال يجوز تغييره بنقص أو بزيادة إذا كان ماال ربويًّا وان لم يكن ماال ربويًّا فال يجوز إال بتوافق
الطرفين ورسول هللا صلى هللا عليه وسلم هو المبلغ عن رب العالمين شرعه لعباده وله صلى هللا
عليه وسلم من الفصاحة والقدرة على البيان ما ال يعجزه البيان لألمة فيما يرونه عدال وانصاًفا ومع
ذلك فقد قال صلى هللا عليه وسلم (( :الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثال بمثل ًيدا بيد سواء بسواء
)) فجملة مثال بمثل المؤكدة بكلمتي سواء بسواء تعني إرادة النص وارادة مدلوله ولو كان من العدل
نصا
واإلنصاف األخذ بطريقة االلتزام بقيمته وقت السداد لبينه صلى هللا عليه وسلم ولكن أعطى ً
ونصوصا أخرى في تحريم مال المسلم وتحريم
يحا عاما شامال في وجوب التماثل في الجنس
صر ً
ً
الظلم بين المسلمين.
فعن أبي سعيد الخدري رضي هللا عنه قال :قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم (( الذهب بالذهب
والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير واألمر بالتمر والملح بالملح مثال بمثل ًيدا بي فمن زاد
أو استزاد فقد أربى اآلخذ والمعطي فيه سواء )) .رواه أحمد والبخاري .ووجه االستدالل بهذا أن
كال من طرفي عقد االلتزام قد وقعا في الربا .وجه ذلك أن المستقر في الذمة مثال مائة ريال فإذا
دفع الطرف الملتزم للطرف الملتزم له مائة وعشرين رياال فقد خالف المماثلة والمساواة في المعين
وجنسا ،فالملتزم زاد الملتزم له استزاد وبالتالي وقعا في الربا كما قال صلى هللا عليه وسلم ((
قدر
ًا
ً
فمن زاد أو استزاد فقد أربى اآلخذ والمعطي فيه سواء )) .
__________
()9890/2
-------------* المبرر الثامن :إن إنكار هذا النظام منع للقرض الحسن.
فوعا إلى النبي صلى هللا
نفعا وفي األثر مر ً
واإلجابة على هذا :إن الزيادة على القرض ،قرض جر ً
عليه وسلم أنه نهى عن قرض جر منفعة .وروي موقوًفا على ابن مسعود وأبي بكر بن كعب وعبد
هللا بن سالم وابن عباس وفضالة بن عبيد رضي هللا عنهم .وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن
أبي موسى ،قال " قدمت المدينة فلقيت عبد هللا بن سالم فقال لي :إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا
كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قش فال تأخذه فإنه ربا .ومن
سدادا
هذا يتضح أن الذي يقرض ألف ريال مثال ثم يأخذ بطريق االلتزام ممن أقرض ً
ألفا ومائتين ً
قرضا حسنا
لأللف التي أقرضه إياها فهو أولى باإلنكار واعتبار الزيادة ربا .وان القول بأن المقرض ً
يتضرر من نقص القيمة الشرائية لما أقرضه عما كانت عليه وقت اإلقراض فاإلجابة عن هذا أن
الغرض من القروض الحسنة التقرب إلى هللا تعالى بتيسير أمور عباده وفي اإلقراض من األجر عند
هللا ما يهون هذا النقص .فعن ابن مسعود رضي هللا عنه قال :قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم
مسلما قرضا مرتين إال كان كصدقتهما مرة )) .رواه ابن ماجه .
(( ما من مسلم يقرض
ً
أما إذا قضى المقترض من أقرضه بما هو أكثر مما اقترضه من غير طلب من المقرض وال تشوف
فال بأس بذلك .ففي الصحيحين عن جابر بن عبد هللا رضي هللا عنه قال :أتيت النبي صلى هللا
عليه وسلم وكان عليه دين فقضاني وزادني .وفيهما عن أبي هريرة رضي هللا عنه قال (( :كان
لرجل على النبي صلى هللا عليه وسلم سن من اإلبل فقال (( :أعطوه )) )) فطلبوا سنه فلم يجدوا
سنا فوقه فقال أعطوه .فقال :أوفيتني أوفاك هللا ،فقال النبي صلى هللا عليه وسلم (( :إن خيركم
إال ً
أحسنكم قضاء . )) ...
قرضا أو غيره من الربا ،وأن االنتفاع من
وبهذا يتضح أن إلزام الملتزم بزيادة على التزامه سواء كان ً
المقترض قبل سداد القرض من ذلك ،وأن الوفاء بالقرض زيادة عنه من غير طلب من المقرض أو
تلميح بذلك ال بأس به وأن القرض عمل إرفاقي تدعوا إليه مكارم األخالق واحتساب ما عند هللا
وبهذا يندفع القول بأن منع هذا النظام منع للقرض الحسن.
__________
()9891/2
-------------* المبرر التاسع :إن هذا النظام يساعد على حصول القروض األجنبية للبلدان اإلسالمية المختلفة.
واإلجابة عن هذا أن روح هذا النظام هو المحافظة على القيمة الشرائية بحق الملتزم به وقت سداده،
بمعنى أن صاحب الحق ال يستفيد إال ضمان حقه عن النقص عند سداده فكيف يكون في هذا
النظام إغراء للمؤسسات المالية األجنبية بإقراض الدول اإلسالمية المتخلفة ؟ بل إننا نستطيع القول
بأن األخذ بهذا النظام سيضاعف االلتزام على هذه الدول المقترضة من المؤسسات المالية األجنبية
بفوائد حينما تراعى القيمة الشرائية وقت السداد فيكون على الملتزم للبنوك األجنبية الفوائد الربوية
وفرق القيمة عند ربط االلتزام بمؤشرات األسعار .وبهذا يتضح أن هذا التبرير غير ظاهر وأن التبرير
به لرد هذا النظام متجه.
* المبرر العاشر :ربط تغيرات األسعار يشبه اإلضافة التي يضيفها البائع على ما يبيعه بالدين.
واإلجابة عن هذا تتضح بمزيد من التأمل ،فإن الفرق بين الصورتين واضح فالزيادة التي يحصل
عليها من يبيع بالدين يحصل عليها قبل االلتزام ،فإذا تم االلتزام بمائة ألف ريال مثال فإن الدائن ال
يستطيع الحصول على هللة واحدة زيادة عن حجم االلتزام الذي التزم به وما حصل عليه من زيادة
هي في الواقع مع رأس ماله فيما باعه قيمة ما جرى عليه االتفاق بين طرفي االلتزام قيمة للبضاعة،
أما الزيادة في االلتزام بعد تمامه واستق ارره في الذمة فإنها أبشع من الزيادة الربوية (أتقضي أم تربي)
يوضح ذلك أن المعاملة الربوية (أتقضي أم تربي) تكمن الزيادة فيها في حال االتفاق على تأجيل
الدفع بعد حلوله وأما في صورة ربط االلتزام بتغير األسعار فإن الزيادة على الملتزم حتمية في حال
االستعداد لسداد مقدار االلتزام ،وبهذا يتضح أن الصورتين مختلفتان وأن الجمع بينهما جمع بين
متباينين.
__________
()9892/2
-------------وبقية المبررات تكاد تكون مكررة للمبررات التي جرى التعليق عليها.
واذا كان لنا عمل في معالجة التضخم االقتصادي ولنا قدرة في اإلسهام في ذلك فينبغي تشخيص
أسباب التضخم والتعرف على تلك األسباب بما في ذلك زيادة الطلب على العرض والتساهل في
التقيد بمؤشرات االعتدال في إصدار النقود واحجام رءوس األموال عن الدخول في مشروعات تنموية
سلعا تباع وتشترى وانكماش اإلنفاق الحكومي على المرافق الحيوية
وتقويم العمالت النقدية وجعلها ً
في البالد ،ولو قلنا بربط االلتزامات اآلجلة بمستوى األسعار لكان األخذ بذلك أحد أسباب التضخم
في البالد وقد مر فيما سبق ذكر توجهه.
سببا في تضرر الملتزم له بالحق عند تغير أسعار األثمان
وحيث إنه يمكن أن يكون الملتزم بالحق ً
بالنقص وذلك بمطله وليه صاحب الحق وهو قادر على أداء الحق فإن هذه المسألة محل نظر
واجتهاد وقد كتب فيها بحثًا هذا نصه :
الحمد هلل وحده وصلى هللا وسلم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ،وبعد :ال شك أن
ثمنا من أي جنس من أجناس
مماطلة المدين دائنه في تسليمه ما وجب عليه أداؤه سواء كان ذلك ً
مستطيعا
عينا من أي جنس من األعيان أو السلع فإن ذلك ظلم وعدوان إن كان
األثمان أو كان ً
ً
ان ُذو
نفسا إال وسعها ،قال تعالى َ { :وِا ْن َك َ
السبيل في األداء ،أما إن كان ذو عسرة فال يكلف هللا ً
ُع ْس َرٍة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َرٍة } (سورة البقرة :اآلية .)280
يدل على ذلك قوله صلى هللا عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه (( :أال واني حرمت الظلم
ير
ظِل ْم ِم ْن ُك ْم ُنِذ ْق ُه َع َذ ًابا َكِب ًا
وجعلته بينكم
محرما أال فال تظالموا )) .ومن ذلك قوله تعالى َ { :و َم ْن َي ْ
ً
} (سورة الفرقان :اآلية )19
__________
()9893/2
-------------وبغيا محرم وأن انتهاك المحرم موجب للعقوبة الزاجرة والرادعة.
وال شك أن الظلم باعتباره عدو ًانا ً
كما ال شك أن المسلم حرام ماله ودمه وعرضه إال بحقه ومطل المدين القادر دائنه عن أداء حقه
نوع من االستيالء على ماله بدون حق أشبه الغصب إن لم يكن من صوره .ويبنى على ذلك في
الغالب بأن تعطيل الدائن من ماله مستلزم فوات منافع لهذا المال في حال تقليبه وادارته وحيث إن
هذا التعطيل مستلزم ذلك الفوات في الغالب فإن القول بضمانه وتغريمه المدين قول يتفق مع
األصول العامة والقواعد الشرعية في الحفاظ على حقوق المسلم وطغيان ما ينقصه بسبب الظلم
والعدوان .ولهذا جاء النص الكريم من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في عقوبة المماطل إذا كان
غنيًّا.
ففي الصحيحين عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال (( مطل الغني ظلم )) وفي السنن عن
رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال (( :لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) .
فمن حل عرضه التشهير به في المجامع التجارية وغيرها بسوء معاملته والتحذير من الدخول معه
سببا في إلحاق الضرر
في تعامل أو تداول لتحذير الناس ظلمه وعدوانه وليكون نفور الناس عنه ً
بتجارته فيكون ذلك عقوبة له الستحالله مال أخيه بدون حق على سبيل الظلم والعدوان.
ومن حل عقوبته التقدم لوالة األمر بشكايته على مسلكه الذميم في اللي والمماطلة إللزامه بدفع الحق
الذي عليه وتقرير ما يستحقه من عقوبة رادعة وزاجرة بالحبس والجلد والغرامة المالية أو بواحدة منها
على ما يقتضيه النظر المصلحي.
ومن عقوبته التقدم للقضاء بطلب التعويض عن النقص الذي سببته المماطلة في أدائه الحق
وضمان منفعة يغلب على الظن حصولها للدائن في حال استالمه حقه في وقته.
__________
()9894/2
-------------وقد بحث العلماء رحمهم هللا حكم التعويض عن المنافع الفائتة وعن المنافع المتوقع فواتها فقالوا
بضمان كل منفعة محقق ضياعها كمنافع األعضاء في حال الجناية عليها كما قالوا بضمان ما
غرمه محق يطالب بحقه الثابت ممن كان منه المماطلة في أدائه حتى أحرجه إلى الشكاية
والتقاضي .قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في االختيارات :ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه
إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد .ا هـ،
وقال في كتاب اإلنصاف للمرداوي في باب الحجر " ولو مطل غريمه حتى أحوجه إلى الشكاية فما
غرمه بسبب ذلك يلزم المماطل وقال شيخ اإلسالم بن تيمية لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي
األمر رجع به على الكاذب .ا هـ.
وفي هذا فتوى لسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا هذا نصها :
موضوع الفتوى :هل نفقات المنتدبين للنظر في القضية على المفلوج مطلًقا ؟
من محمد إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء حفظه هللا.
فعطفا على المخابرة الجارية حول نفقات المنتدبين للنظر في
السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته وبعد،
ً
قضية من القضايا هل تكون على المحكوم عليه تبذلها الجهة التي منها االنتداب وتكون سلفة حتى
تقتص من المحكوم عليه ؟ ولقد ذكرنا في كتاب سابق منا لسموكم أن في المسألة بحثًا من حيث
الوجهة الشرعية ،وذلك أن العلماء رحمهم هللا نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان
شخص آخر ،أن ذلك الشخص هو الذي يحمل تلك الغرامة.
__________
()9895/2
-------------قال شيخ اإلسالم في كتاب " االختيارات " :ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية
فما َغ ِرَمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد .وقال في
اإلنصاف في باب الحجر قوله :الثانية :لو مطل غريمه حتى أحوجه للشكاية فما َغ ِرَمه بسبب ذلك
يلزم المماطل .وقال شيخ اإلسالم :لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي األمر رجع به على الكاذب.
" وحيث كان األمر ما ذكر فإن نفقات المنتدبين على من تبين أنه الظالم وهو العالم أن الحق في
طمعا في حقه .وحينئذ يتضح أن
جانب خصمه ولكنه أقام الخصومة عليه مضارة ألخيه المسلم أو ً
المفلوج في المخاصمة ال يلزم بذلك مطلًقا بل له حالتان ،إحداهما :أن يتحقق علمه بظلمه وعدوانه
فليزم بذلك المخاصمة مع علمه بأنه مبطل ،الثانية :أال يتضح علمه بظلمه في مخاصمته بل إنما
ظانا أن الحق معه أو أنه يحتمل أن يكون ًّ
خاصم ًّ
محقا ويحتمل خالفه فهذه االوجه شرًعا إللزامه
بتلك النفقات وبهذا يرتدع المخاصمون بالباطل عن خصوماتهم ويأمن أرباب الحقوق على حقوقهم
غالبا ويستريح القضاء من كثير من الخصومات .ا هـ .الجزء الثالث عشر ،ص .55
ً
ومن كان له حق على آخر مستحق األداء ،فماطل المدين وهو قادر على الوفاء حتى تغير السعر
بأن انخفض سعر الثمن أو العين موضوع الحق الواجب األداء ،فمن منطلق العدل وقاعدة ضمان
النقص أو المنفعة أو العين على من تسبب في فواتها ،القول بتضمين المماطل ما نقص على
صاحب الحق من نقص سعر أو فوات منفعة.
وعليه فمن عقوبة المماطل ربط الحق بسعر يوم سداده ،إذا كان فيه نقص على صاحب الحق فإذا
مطل المدين دائنه بعد استحقاق الوفاء وترتب على هذا المطل نقص فإنه مضمون لصاحب الحق
على مدينه المماطل وهذا مقتضى العدل واإلنصاف فالمدين يضمن هذا النقص بسبب ليه ومطله
وصاحب الحق يستحق الزيادة على حقه ألن مدينه المماطل أضر به بمقدار هذه الزيادة وهي في
الحقيقة ليست زيادة وانما هي ضمان نقص سببه المماطلة .لقد اختلف العلماء رحمهم هللا في تقدير
حق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده قال في منتهى إرادات :
وال يضمن نقص سعر .ا هـ كما اختلفوا في العقوبة التي يستحقها المماطل فذهب جمهورهم إلى عدم
الزيادة على الحق مطلًقا كما مر النقل من شرح المنتهى وان العقوبة المقصودة في الحديث (( :لي
الواجد يحل عقوبته )) ما يوقعها ولي األمر أو نائبه على المماطل من عقوبة تعزيزية بحبس وجلد ـ
أو بواحدة منهما.
وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل
المماطلة بتحصيل حقه .ومن هؤالء شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا ،وقد سبق ذكر النص عنه.
__________
()9896/2
-------------وذهب بعض المحققين إلى القول بضمان نقص السعر ،قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه هللا
" قال األصحاب وما نقص بسعر لم يضمن .أقول :وفي هذا نظر فإن الصحيح أن يضمن نقص
نقصا
شيئا يساوي ً
السعر ،وكيف يغصب ً
ألفا وكان مالكه يستطيع بيعه باأللف ثم نقص السعر ً
فاحشا فصار يساوي خمسمائة ،إنه ال يضمن النقص فيرده كما هو ؟ ا هـ.
ً
وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر هللا به ،وهو في نفس األمر عقوبة للظالم أقرها صلى هللا
عليه وسلم بقوله (( :لي الواجد يحل عقوبته وعرضه )) ،وال شك أن المماطل في حكم الغاصب
بمماطلته أداء الحق الواجب عليه إال أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل فال
مثال يتضح فيه طريق التقدير :
يجوز دفع ظلم بظلم وال ضرر بضرر أفحش منه – ولنضرب ً
زيد من الناس قد التزم لعمرو بمائة ألف دوالر أمريكي مثال يحل أجلها في غرة محرم عام 1407هـ
وكان سعر الدوالر بالين الياباني وقت االلتزام مائتين وخمسين ًينا وفي أول يوم من شهر محرم عام
1407هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ًينا فطلب صاحب الحق حقه من مدينه زيد فماطله إلى
وقت انخفض سعر الدوالر إلى مائة وخمسين ًينا فما بين سعر الدوالر وقت االلتزام بالحق وبين
سعره وقت حلول السداد ونقص مقداره ثالثون ًينا في الدوالر هذا النقص ال يجوز أحتسابه على
سببا فيه على الدائن وانما النقص الذي يجب أن يضمنه المدين للدائن هو الفرق
المدين ألنه لم يكن ً
بين سعره وقت حلول السداد وبين سعره بعد المماطلة وهو سبعون ًينا لكل دوالر وبهذا المثال يتضح
وجه التقدير المبني على العدل وعدم مجاوزة الحد في العقوبة والضمان.
ومما يؤكد كما ذكرنا من أن المنفعة مضمونة على من تسبب في ضياعها مسألة العربون ومسألة
الشرط الجزائي.
وكال المسألتين ضمان لمنفعة مظنونة الوجود غير محققة ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة
المظنونة.
واكتماال للبحث أذكر أن الشرط الجظائي قد صار باعتباره قرار هيئة كبار العلماء بعدد 35وتاريخ
1394/8/21هـ أذكر نصه فيما يلي :
__________
()9897/2
-------------(قرار رقم 35وتاريخ 1394/8/21هـ)
الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين 10/28و 11/14
93/هـ من الرغبة في دراسة موضوع الشرط الجزائي ،فقد جرى إدراجه في جدول أعمال الهيئة في
دورتها الخامسة المنعقدة فيما بين 5و 1394/8/22هـ في مدينة الطائف .
ثم جرى دراسة الموضوع في هذه الدورة بعد االطالع على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية واإلفتاء .وبعد مداولة الرأي والمناقشة ،واستعراض المسائل واإليراد عليه،
وتأمل قوله تعالى { :يا أَي َّ ِ
ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ
ود } ،وما روي عنه صلى هللا عليه وسلم من
ُ
ُّها الذ َ َ ْ
َ َ
طا أحل حر أما أو حرم حالال )) ولقول عمر رضي هللا عنه
قوله (( المسلمون على شروطهم إال شر ً
" :مقاطع الحقوق عند الشروط " ،واالعتماد على القول الصحيح من أن األصل في الشروط
وقياسا ،واستعرض
نصا
الصحة ،وأنه ال يحرم منها ويبطل إال ما دل الشرع على تحريمه وابطاله ًّ
ً
ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة ،وتقسيم الصحيحة إلى ثالثة
أنواع :
__________
()9898/2
-------------أحدهما :شرط يقتضيه العقد كاشتراط التقابض وحلول الثمن.
الثاني :شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به أو صفة
بكرا.
في الثمن ككون األمة ً
منافيا لمقتضاه
الثالث :شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد وال من مصلحته وال ً
شهرا.
كاشتراط البائع سكنى الدار ً
وتقسيم الفاسدة إلى ثالثة أنواع :
عقدا آخر كبيع أو إجارة أو نحو ذلك.
أحدهما :اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني ً
الثاني :اشتراط ما ينافي مقتضى العقد كأن يشترط في البيع أال خسارة عليه أو أال يبيع أو يهب وال
يعتق.
الثالث :الشرط الذي يتعلق به العقد كقوله :بعتك إن جاء فالن،
وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد إذ هو حافز
إلكمال العقد في وقته المحدد له واالستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين :
رجال قال لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح
أن ً
جال باع طعامه
طائعا غير مكره فهو عليه ،وقال أيوب عن ابن سيرين :أن ر ً
:من شرط على نفسه ً
وقال :إن لم آتك األربعاء فليس بيني وبينك بيعة .فلم يجئ فقال شريح للمشتري :أنت أخلفت
فقضى عليه .وفضال عن ذلك فهو في مقابلة اإلخالل بااللتزام حيث إن اإلخالل به مظنة الضرر
وتفويت المنافع ،وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد ألبواب الفوضى والتالعب بحقوق عباد هللا
وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيًقا لقوله تعالى { يا أَي َّ ِ
َم ُنوا أ َْوُفوا
ُّها الذ َ
ين آ َ
َ َ
ِباْلعُق ِ
ود } (سورة المائدة :اآلية )1
ُ
لذلك كله فإن المجلس يقرر باإلجماع أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط
صحيح معتبر يجب األخذ به ما لم يكن هناك عذر في اإلخالل بااللتزام الموجب له يعتبر شرًعا
طا لوجوبه حتى يزول.
فيكون العذر مسق ً
بعيدا عن مقتضى القواعد الشرعية
واذا كان الشرط الجزائي ًا
كثير عرًفا يراد به التهديد المالي ويكون ً
فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل واإلنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر
عمال بقوله
ويرجع تقدير ذلك عند االختالف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر ً
تعالى { :وِا َذا َح َك ْمتُم َب ْي َن النَّ ِ
َن تَ ْح ُك ُموا ِباْل َع ْد ِل } (سورة النساء :اآلية .)58
اس أ ْ
َ
ْ
ِ
ِ
ِ
َّ
اعدلُوا ُه َو أَ ْق َر ُب للتَّْق َوى } (سورة المائدة :
َن َق ْو ٍم َعَلى أَال تَ ْعدلُوا ْ
وقوله سبحانه َ { :وَال َي ْج ِرَمنَّ ُك ْم َش َنآ ُ
اآلية )8
وبقوله صلى هللا عليه وسلم (( ال ضرر وال ضرار )) .وباهلل التوفيق وصلى هللا على محمد وعلى
آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
التوقيع
__________
()9899/2
-------------نظر إلى المخالفة المترتبة على
وبتأمله يتضح أنه في مقابلة فوات منفعة غير محقق وقوعها ،لكن ًا
تفويت فرصة اكتساب المنفعة صارت أهم عائق لتفويتها اتجه القول بضمان هذه المنفعة.
مقدما عند تمام عقد الشراء على أن
ومثل ذلك مسألة العربون فإن المشتري يبذل ً
مبلغا من المال ً
يكون له الخيار مدة معلومة فإن قرر الشراء صار العربون جزًءا من الثمن وان قرر عدم الشراء
صار العربون مستحًقا للبائع في مقابل عدم تكمنه من عرض بضاعته بعد ارتباطه مع المشتري
بعقد البيع المعلق ،ووجه استحقاق البائع للعربون في حال عدول المشتري عن الشراء أنه في مقابلة
بيعا معلًقا يحتمل العدول عنه
تفويت فرص بيع هذه السلعة بثمن أكبر من ثمن بيعها على المشتري ً
,وفيما يلي نص عن ابن قدامة من كتابه المغني فيما يتعلق بمسألة العربون واختالف العلماء فيها
.وانفرد اإلمام أحمد رحمه هللا بالقول بصحة العربون واستحقاق البائع إياه في حال العدول عن
الشراء.
قال رحمه هللا ما نصه :
هما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة
" والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع در ً
احتسب به من الثمن وان لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان ،قال أحمد ال
بأس به وفعله عمر رضي هللا عنه".
__________
()9900/2
-------------وعن ابن عمر رضي هللا عنهما أنه أجازه ،وقال ابن سيرين ال بأس به ،وقال سعيد بن المسيب وابن
شيئا وقال أحمد :هذا في معناه واختار ابن
سيرين :ال بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها ً
الخطاب أنه ال يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي .ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن
شيئا
(( أن النبي صلى هللا عليه وسلم نهى عن بيع العربون )) .رواه ابن ماجه وألنه شرط للبائع ً
بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه ألجنبي وألنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه اشترط أن له رد
هما وهذا
المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار متى شئت رددت السلعة معها در ً
هو القياس وانما صار أحمد فيه إلى ما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من
صفوان بن أمية فإن رضي عمر واال فله كذا وكذا ،قال األثرم قلت ألحمد تذهب إليه قال أي شيء
أقول هذا عمر رضي هللا عنه وضعف الحديث المروي ،روى هذه القصة األثرم بإسناده.
وقد لخص الدكتور عبد الرزاق السنهوري رحمه هللا في كتابه مصادر الحق أدلة القولين ورد أدلة
القائلين ببطالن بيع العربون ،فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة رحمه هللا ما نصه :ويمكن أن
نستخلص من النص المتقدم ما يأتي:
أوال :إن الذين يقولون ببطالن بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي صلى هللا عليه وسلم
الذي نهى عن بيع العربون ،وألن العربون اشترط للبائع بغير عوض ،وهذا شرط فاسد ،وألنه بمنزلة
الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول ولي الخيار:
متى شئت رددت السلعة ومعها درهم.
ثانيا :إن أحمد يجيز بيع العربون ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر وضعف الحديث
ً
المروي في النهي عن بيع العربون والى القياس على صورة متفق على صحتها هي أنه ال بأس إذا
شيئا قال أحمد هذا في معناه.
كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها ً
ثالثًا :ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطالن بيع العربون ،فالعربون لم يشترط
للبائع بغير عوض إذ العوض هو االنتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت
فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول ،إذ المشتري
إنما يشترط خيار الرجوع في البيع بذكر مدة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار).اهـ.
ومما تقدم يظهر لنا جواز الحكم على المماطل وهو قادر على الوفاء بضمان ما ينقص على الدائن
طا جزائيًّا لقاء المماطلة واللي بقدر فوات
بسبب مماطلته وليه وان ضمن عقد االلتزام بالحق شر ً
المنفعة ،فهو شرط محترم واجب الوفاء لقوله تعالى { :يا أَي َّ ِ
ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ
ود } ولقوله
ُ
ُّها الذ َ َ ْ
َ َ
اما )) ولما ورد
صلى هللا عليه وسلم (( :المسلمون على شروطهم إال شرطا حرم حالال أو أحل حر ً
في صحيح البخاري في باب (ما يجوز من االشتراط والثنيا في اإلقرار والشروط التي يتعارفها الناس
بينهم) .وقال ابن عون ،عن ابن سيرين :قال رجل لكريه :أدخل ركابك ،فإن لم أرحل معك يوم كذا
طائعا غير مكره فهو عليه .وقال
وكذا فلك مائة درهم ،فلم يخرج ،فقال شريح :من شرط على نفسه ً
طعاما وقال :إن لم آتك األربعاء فليس بيني وبينك بيع ،فلم
ال باع
أيوب ،عن ابن سيرين (( :أن رج ً
ً
يجئ ،فقال شريح للمشتري :أنت أخلفت ،فقضى عليه )) اهـ .وفي الجزء الرابع من بدائع الفوائد البن
القيم رحمه هللا قوله :وقال في رواية الميمونى :وال بأس بالعربون ،وفي رواية األثرم :وقد قيل له:
نهى النبي صلى هللا عليه وسلم عن العربان ،فقال :ليس بشيء ،واحتج بما روى نافع عن عبد
دار بشجر ،فإن رضي عمر واال له كذا وكذا ،قال األثرم :فقلت ألحمد :فقد
الحارث أنه اشترى لعمر ًا
يقال هذا ،قال :أي شيء أقول هذا عمر رضي هللا عنه.اهـ.
وال يقال بأن هذه الزيادة المترتبة على الدائن المماطل بدون حق سواء كانت عقوبة دل عليها حديث
(( :لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) أو كانت مقتضى شرط جزائي اشتمله عقد االلتزام ال يقال
بأن هذه هي الزيادة الربوية الجاهلية – أتربي أم تقضي .فهي تختلف اختالًفا ببعدها عنها وأهم وجوه
االختالف ما يلي :
__________
()9901/2
-------------أوًال :أن الزيادة الربوية زيادة في غير مقابلة وهي اتفاق بين الدائن والمدين على تأجيل سداد الدين
إلى أجل معين في مقابلة زيادة معينة لقاء االتفاق على التأجيل .بينما الزيادة على الحق المستحق
لقاء المماطلة بدون حق هي في مقابل تفويت منفعة على الدائن على سبيل الغصب والتعدي ،وهي
في نفس األمر عقوبة مالية سببها الظلم والعدوان.
ثانيا :أن الزيادة الربوية اتفاق بين الدائن والمدين لقاء تأجيل السداد فهي زيادة في مقابلة االنتظار
ً
ظالما
مماطال وال
لزمن مستقبل وعلى سبيل التراضي فالمدين ال يسمى في هذه الحال
ً
ً
معتديا وال ً
بسبب تأخيره سداد حق دائنه بينما الزيادة عل حق الدائن في مقابلة اللي والمطل بغير حق وضمان
لمنفعة فائتة بسبب المماطلة.
ومعتديا ومفوتًا منفعة دائنة باحتباس حقه عنده بدون حق فهي زيادة لم تكن
ظالما
ً
ويعتبر المماطل ً
موضوع اتفاق على اعتبار التأخير في مقابلتها وانما هي في مقابلة تفويت منفعة على سبيل الظلم
والعدوان بالمماطلة وهي كذلك عقوبة اقتضاها اللي والمماطلة.
ومما تقدم يتضح أن مسائل ضمان قيمة المنفعة على من تسبب في فواتها لها أحوال ،منها :
الحالة األولى :من تسبب بجنايته على عضو إنسان ففاتت منفعة ذلك العضو فال نعلم خالًفا بين
أهل العلم في حال تعذر القصاص في ضمان دية هذه المنفعة.
عينا فحبسها عن صاحبها حتى تغير سعرها بنقص فالذي عليه
الحالة الثانية :من غصب ً
المحققون من أخل العلم ضمان هذا النقص على من تسبب في حصوله .وقد تقدم النص من
بعضهم على هذه المسألة وهو الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه هللا.
الحالة الثالثة :من كان له حق على أخر فمطله أداء حقه بغير حق حتى أحوجه إلى شكايته وغرم
غرما على وجه معتاد فالذي عليه المحققون من أهل العلم إلزام المماطل بضمان ما
بسبب ذلك ً
غرمه خصمه في سبيل المطالبة بحقه وقد نص على هذه المسألة أكثر من واحد من أهل العلم
ومحققيهم منهم شيخ اإلسالم ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهما.
الحالة الرابعة :ضمان المنفعة الفائتة بسبب اإلخالل بما جرى عليه التعاقد إذا كان في العقد نص
على ذلك وهذه مسألة الشرط الجوائي وقد صدر باعتبار الشرط الجزائي قرار من مجلس هيئة كبار
العلماء جرى ذكر نصه في هذا البحث.
الحالة الخامسة :ضمان قيمة منفعة مظنونة الوقوع للتسبب في ضياع فرصة االنتفاع وهذه مسألة
يما وحديثًا.
العربون وال يخفى أنها من مفردات اإلمام أحمد وقد أخذ بها مجموعة من أهل التحقيق قد ً
الحالة السادسة :تضمين المماطل ما يترتب على الدائن من نقص في مقدار دينه بسبب تغير
السعر أو بسبب الحرمان من إدارة هذا الدين وتقليبه في األسواق التجارية وذلك بالحكم له بذلك
النقص على مماطلة عقوبة له على ظلمه وعدوانه ومماطلته والحجة في ذلك قوله صلى هللا عليه
وسلم (( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) وقوله صلى هللا عليه وسلم (( مطل الغني ظلم )) .
__________
()9902/2
--------------
وقد يكون من عموم االستدالل ما في تغريم السارق غرم ما سرقه مرتين للمسروق له مما ال تتوفر
فيه شروط القطع وذلك على سبيل العقوبة بالمال .قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في الجزء الثامن
والعشرين من مجموع الفتاوى ( :روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي صلى هللا عليه وسلم
(( فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أو يؤويه إلى الجرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين ,
وفيمن سرق من الماشية قبل أن يؤدي إلى السراج أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين )) .وكذلك
قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أن يضعف غرمها وبذلك كله قال طائفة من العلماء
مثل أحمد وغيره .وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع .فأضعف الغرم
عمدا أنه يضعف
على سيدهم ود أر عنهم القطع ،وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي ً
عليه الدية ألن دية الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك أحمد بن حنبل ) ا هـ.
وبهذا يتضح أن العقوبة بالمال أمر مشروع وأن تمليك المعتدى عليه بالسرقة ما زاد عن حقه
المسروق معتبر وال تعتبر هذه الزيادة من قبيل الربا وانما هي عقوبة للجاني وتعويض عن منفعة
تفوت بحرمان المجني عليه من االنتفاع بماله مدة بقائه في يد الجاني ،وهكذا األمر بالنسبة لمطل
الغني ولي الواجد ،وهللا أعلم وصلى هللا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد هللا بن سليمان بن منيع
© Copyright 2026 Paperzz