تحميل الملف المرفق

‫موقف الشريعة اإلسالمية من ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار‬
‫إعداد‬
‫عبد هللا بن سليمان بن منيع‬
‫القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫الحمد هلل رب العالمين وصلى هللا وسلم على رسوله األمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه‬
‫أجمعين وبعد ‪:‬‬
‫فإن األزمات االقتصادية الناتجة عن المشاكل االجتماعية والمشاكل السياسية‪ ،‬وما صاحب ذلك من‬
‫انحسار في الموارد الطبيعية نتيجة الجفاف والقحط في بعض من أرض هللا هذه األزمات هزت‬
‫االقتصاد العالمي فتأثرت بذلك قيم األثمان الورقية بانخفاض أثر على أحجام الثروات تضرر منه‬
‫الكثير ممن لهم حقوق والتزامات على اآلخرين‪ ،‬فسارع أولئك إلى علماء االقتصاد والقانون‬
‫يستنجدونهم في تقرير حقوقهم ورأب ما انصدع من التزامات اآلخرين لهم‪ ،‬وذلك بالمطالبة بتعويضهم‬
‫من قبل الملتزمين لهم بما نقص من حقوقهم نتيجة انخفاض قيم األثمان الورقية في كثير من دول‬
‫العالم‪ ،‬فجاءت المطالبة بربط االلتزامات بمستوى األسعار‪ ،‬وعقدت الندوات والحلقات الدراسية‬
‫باالشتراك مع المعهد العالي لالقتصاد اإلسالمي في إسالم أباد ومع المعهد اإلسالمي للبحوث‬
‫والتدريب التابع للبنك اإلسالمي للتنمية وذلك في مدينة جدة لمدة ثالثة أيام من ‪ 27‬شعبان عام‬
‫‪1407‬هـ ‪ ،‬وقد دعي لالشتراك في هذه الندوة مجموعة مختارة من علماء الشريعة واالقتصاد وقد‬
‫تشرفت باالشتراك في أعمالها‪ .‬فقدم المنادون بربط االلتزامات بمستوى األسعار حججهم على األخذ‬
‫بذلك وتقرير مشروعية المطالبة به وكان ملخص هذه الحجج ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -1‬دين اإلسالم العادل يقيم بالعدل واإلنصاف‪ ،‬والتضخم ينتهك هذه القاعدة‪ ،‬حيث إنه يمكن للناس‬
‫أن يربحوا على حساب اآلخرين‪ ،‬ويمنح الدولة أن تتعدى على أموال الناس بدون إذنهم‪ .‬كما يمكن‬
‫هذا النظام األقوياء من استغالل الضعفاء‪ .‬وربط التغيرات بمستوى األسعار يخفض – على األقل‬
‫جزئيًّا – إثارة هذه الممارسات االستغاللية‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9868/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫‪ " -2‬ال ضرر وال ضرار " و " الضرر يزال " هاتان قاعدتان أساسيتان من القواعد العدلية اإلسالمية‬
‫ويسبب التضخم الضرر في القدر الحقيقي للمبالغ المستلمة‪ ،‬لذا يعد ربط التغيرات بمستوى األسعار‬
‫التعويض عن هذا الضرر‪ .‬ومن المعلوم‪ ،‬أن المدين أو الدائن ليسا مسئولين عن هذا الضرر في‬
‫القدر الحقيقي ألن األسباب التي تنجم عن التضخم هي وراء سلطاته‪.‬‬
‫وربط التغيرات بمستوى األسعار يصون كليهما من الضرر‪.‬‬
‫‪ -3‬وقال هللا تعالى في كتابه العزيز ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ان ِباْلِق ْس ِط } ‪)152 : 6( .‬‬
‫{ َوأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ‬
‫وقد كرر القرآن الكريم هذا األمر في اآليات العديدة وامتد إلى كل أنواع المعامالت المالية وليس‬
‫لوزن أو كيل فحسب‪ .‬والمعلوم أن المبالغ والقروض لن تتسلم قدرها الحقيقي‪ .‬وربط التغيرات بمستوى‬
‫األسعار يزال هذا الضرر وهذا وفقا للشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫‪ -4‬كما أمرنا القرآن الكريم أن نوفي بعقودنا ‪ ,‬قد قال هللا تعالى ‪:‬‬
‫{ يا أَي َّ ِ‬
‫ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ‬
‫ود } ‪)1 : 5( .‬‬
‫ُ‬
‫ُّها الذ َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫قدر‬
‫قدر حقيقيًّا وليس ًا‬
‫تعاقدا بين الدائن والمدين ‪ .‬والبد للمدين أن يدفع للدائن ًا‬
‫دفع القرض يعتبر ً‬
‫نقيصا‪ ،‬وربط التغيرات بمستوى األسعار يمكن له إنجاز هذا الواجب ‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -5‬وأجاز الفقهاء األحناف أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا يجعل من إمكانية ربط تغيرات‬
‫بمستوى األسعار أن يحدد هذا الفرق‪.‬‬
‫‪ -6‬ال نجد أي نص (من القرآن الكريم أو السنة النبوية ) يحرم أو على األقل يكره هذا النظام‪.‬‬
‫‪ -7‬ال يمنع الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه " مثل بمثل " من المساواة في القدر الحقيقي‬
‫لألشياء والنقود والقروض ‪ ،‬وربط التغيرات بمستوى األسعار يحقق هذا‪.‬‬
‫‪ -8‬يؤدي إلى إنكار هذا النظام منع القرض الحسن‪.‬‬
‫‪ -9‬يعاون هذا النظام على حصول القروض األجنبية للبلدان اإلسالمية المختلفة‪.‬‬
‫‪ -10‬ربط التغيرات بمستوى األسعار يشابه اإلضافة التي يحصل عليها البائع الذي يبيع بالدين‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9869/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫‪ -11‬يحافظ هذا النظام على قيمة المهر المؤجل‪.‬‬
‫‪ -12‬يسبب التضخم المشاكل المختلفة في معامالت القرض ‪ ،‬نفترض أن البنك اإلسالمي يساهم بـ‬
‫‪ 10‬ماليين دوالر لمساهمة في عقد القراض لمدة ‪ 10‬سنوات مع المضارب على أساس ‪50 : 50‬‬
‫إسهاما في الربح اآلن‪ ،‬خالل فترة التضخم‪ ،‬ينخفض قدر رأس المال بسرعة‪ ،‬إذ تبقى مدفوعات‬
‫ً‬
‫المضارب تقر ًيبا‪ ،‬كما كانت‪ .‬على سبيل المثال‪ ،‬إن كان معدل التضخم ‪ % 20‬وبعد ‪ 5‬سنوات‬
‫ينخفض القدر الحقيقي لرأس المال من ‪ 10‬ماليين إلى ‪ 5‬ماليين‪ ،‬حتى اآلن‪ ،‬يحصل المضارب‬
‫على ‪ % 50‬من الربح‪ .‬هذا ظلم على المضارب ألنه يحصل على السهم األقل من الربح على الرغم‬
‫من نشاطاته كما كانت‪ .‬يمكن حل هذه المشكلة في صورتين‪ ،‬الصورة األولى هي التعيين الجديد‬
‫ألسهم الربح ‪ ,‬الصورة الثانية هي إبقاء على رأس المال الحقيقي ‪ .‬وال شك أن الصورة األولى تسبب‬
‫الجدال في أوساط العمليات اإلنتاجية للمشروع وأما الصورة الثانية فيمكن حصولها بفضل ربط‬
‫التغيرات بمستوى األسعار‪.‬‬
‫‪ -13‬يعتبر القرض الحسن في رأي الشريعة اإلسالمية صدقة‪ ،‬لكن في أيام التضخم فإنه يصير‬
‫عبئا ثقيال على الشخص الكريم الذي يتقدم به‪ ،‬ولو يربط القرض الحسن‬
‫صدقة مضاعفة وربما ً‬
‫التغيرات بمستوى األسعار فحسن‪.‬‬
‫‪ -14‬ربط التغيرات بمستوى األسعار يعتبر أسهل الطرق لوجهة نظر اإلدارة التي اختيرت لمعاملة‬
‫قروض البنك تقدم حسب نظام الشركة في األرباح والخسائر‪ .‬كما أن هذا أسهل المناهج إلدارة‬
‫البنوك بوجهة نظر إسالمية‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9870/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫‪ -15‬كما يمكن هذا النظام المعادلة بين أقدار النقود المختلفة‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫‪ -16‬وفًقا لمؤيدي هذا النظام‪ ،‬أنه يقوي سوق الرأسمالية ويشجع االدخار كما نرى في األمريكية‬
‫الالتينية‪ .‬وزيادة المدخرات تعني زيادة في تراكم رأس المال الذي يسبب زيادة في النمو االقتصادي ‪.‬‬
‫هاما لتسهيل التعامل بالعملة‬
‫أيضا بأن ربط التغيرات بمستوى األسعار يلعب ًا‬
‫‪ -17‬هذا ونرى ً‬
‫دور ً‬
‫األجنبية في األسواق‪ ،‬ألن أسس أسعار التبادل بين العمالت ال تتعين إال بطريق صالحيتها لشراء‬
‫دور عاما إذ تعادلها بالعمالت األخرى حيث‬
‫البضائع المختلفة التضخم ‪ ،‬وتلعب قوة الشراء لعملة ما ًا‬
‫إنها تقلل قوة الشراء للمستخدمين بها لوال تساوى هذا التحويالت في سعر التبادل بطريق مناسب فهي‬
‫سيئا وبمثل هذا الطريق تصبح‬
‫سيئا وبمثل هذا الطريق تصبح العملة ًا‬
‫تؤثر في تجارة العملة ًا‬
‫أثر ً‬
‫أثر ً‬
‫العملة هدف التخمين في رأي وكالء العمالت ويساعد ربط التغيرات بمستوى األسعار لتسوية قدر‬
‫العملة في إطار قوة شرائها‪ ،‬وبهذا الطريق نحن نتمتع بثقة الذين يستثمرون (خاصة من الخارج)‪.‬‬
‫‪ -18‬ونضيف إلى هذا نحن نقدم الدليل بأن ربط التغيرات بمستوى األسعار المنتخب في خال فترة‬
‫التضخم تعطي الحكومة الجهاز القوي الذي يؤثر على تخصيص النقود في المناطق المختلفة حسب‬
‫ضرورات اقتصادية‪.‬‬
‫وخالل فترة أعمال هذه الندوة تتابعت البحوث وجرت المناقشات والمداوالت والتعليقات ثم انتهت‬
‫الندوة إلى إصدار التوصيات التالية ‪:‬‬
‫اجتمع عدد من العلماء الشرعيين واالقتصاديين في حلقة علمية لدراسة موضوع ربط الحقوق‬
‫وااللتزامات بغير األسعار نظمها المعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب التابع للبنك اإلسالمي للتنمية‬
‫بالتعاون مع المعهد العالمي لالقتصاد اإلسالمي بإسالم أباد وذلك في الفترة من السبت ‪ 27‬شعبان‬
‫(‪ 25‬نيسان) إلى الثالثاء غرة رمضان المبارك عام ‪ 1407‬هـ (‪ 28‬نيسان ‪ 1987‬م) في مبنى البنك‬
‫اإلسالمي للتنمية في جدة ‪ ،‬وذلك في جلسات صباحية ومسائية قدمت فيها أوراق بحث اقتصادية‬
‫وشرعية في موضوع الندوة‪ ،‬ودارت حولها مناقشات مثمرة وتبودلت فيها اآلراء المفيدة وقد تمخض‬
‫عن ذلك ونتج عنه التوصيات التالية‪.‬‬
‫واذ يصدر العلماء الحاضرون توصياتهم ليودون قبل كل شيء أن يعبروا عن خالص شكرهم‬
‫للمعهدين الداعيين إلى هذه الحلقة العلمية وتقديرهم للجهود المكثفة التي قام بها منظموها كما‬
‫يعبرون عن امتنانهم للحفاوة الكريمة التي تلقوها من البنك اإلسالمي للتنمية ورئيسه الدكتور أحمد‬
‫عظيما في إثراء البحث والنظر‬
‫إسهاما‬
‫محمد علي‪ ،‬ويؤكدون أن مثل هذه الحلقات والندوات تسهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫العلميين في جوانب االقتصاد اإلسالمي المتعددة وتكوين الفهم المشترك بين علماء الشريعة‬
‫واالقتصاد لكثير من القضايا المعاصرة مما يساعد في إيجاد التصور الشرعي المناسب لها‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9871/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫موقف الشريعة اإلسالمية من ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة‬
‫بمستوى األسعار‬
‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه‪ ،‬وبعد ‪:‬‬
‫ال شك أن االلتزام بالحق – سواء كان التزاما بدين نقدي أم بمال عيني كديون السلم أم بعمل كعقود‬
‫المقاوالت واإلجارات الخاصة أو المشتركة أم بتوثيق كعقود الكفاالت والضمانات – أن االلتزام بالحق‬
‫طبيعيا وال‬
‫شخصا‬
‫شخصا اعتباريًّا أو‬
‫يعني تعلق ذلك الحق بذمة من التزم به سواء كان ذلك الملتزم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫شك أن الحق الالزم في الذمة قد تحدد بعقد االلتزام به قدره ونوعه وصفته وأجل الوفاء به إن كان له‬
‫عقدا جرى التعهد بااللتزام به والوفاء بمقتضاه وبما نص عليه من‬
‫أجل وأن توثيق االلتزام به يعني ً‬
‫عقدا جرى تعيين االلتزام بما فيه بمقدار معين وصفة معينة‬
‫شروط وقيود وتعهدات‪ .‬وهذا يعني أن ً‬
‫فإن مقتضى العقد يوجب أن هذا الحق ال يجوز أن يتغير بزيادة وال نقصان إال باتفاق طرفيه طبًقا‬
‫حكما شرعيًّا استثنائيًّا يتفق مع العدل ودفع الظلم وآثاره‪.‬‬
‫للمقتضيات الشرعية إال ما اقتضى إعطاؤه ً‬
‫وهذا هو األصل في العقود طبًقا للنصوص الشرعية من كتاب هللا تعالى ومن سنة رسوله محمد‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ { :‬يا أَي َّ ِ‬
‫ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ‬
‫ود } ‪)1( .‬‬
‫ُ‬
‫ُّها الذ َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫اكتُُبوهُ‪َ ....‬وْليُ ْمِل ِل َّالِذي َعَل ْي ِه‬
‫َج ٍل ُم َس ًّمى َف ْ‬
‫أَ‬
‫َجِل ِه‪َ ....‬فِإ ْن‬
‫ير أ َْو َكِب ًا‬
‫ص ِغ ًا‬
‫أْ‬
‫ير ِإَلى أ َ‬
‫َن تَ ْكتُُبوهُ َ‬
‫وقال تعالى { ييا أَي َّ ِ‬
‫َم ُنوا ِإ َذا تََد َاي ْنتُ ْم ِب َد ْي ٍن ِإَلى‬
‫ُّها الذ َ‬
‫ين آ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫َموا‬
‫اْل َح ُّق َوْل َيتَّ ِق َّ‬
‫َّللاَ َرب ُ‬
‫َّه َوَال َي ْب َخ ْس م ْنهُ َش ْيًئا‪َ ...‬وَال تَ ْسأ ُ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َم َانتَ ُه } (‪)2‬‬
‫ض ُك ْم َب ْع ً‬
‫أَم َن َب ْع ُ‬
‫ضا َفْل ُي َؤد الذي ْاؤتُم َن أ َ‬
‫ِِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اعو َن } (‪)3‬‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬والذ َ‬
‫ين ُه ْم أل ََم َانات ِه ْم َو َع ْهده ْم َر ُ‬
‫َّللاِ أ َْوُفوا } (‪)4‬‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬وِب َع ْهِد َّ‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪1‬‬
‫(‪ )2‬سورة البقرة ‪ :‬اآليتان ‪.283 , 282‬‬
‫(‪ )3‬سورة المؤمنون ‪ :‬اآلية ‪ .8‬وسورة المعارج ‪ :‬اآلية ‪32‬‬
‫(‪ )4‬سورة األنعام ‪ :‬اآلية ‪152‬‬
‫(‪)9872/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وفي المنتقى عن عمرو بن عوف أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال (( المسلمون على شروطهم إال‬
‫اما )) ‪ .‬قال الترمزي ‪ :‬هذا حديث صحيح‪ .‬وفي كتاب عمر بن‬
‫شرطا حرم حالال أو أحل حر ً‬
‫طا‬
‫الخطاب رضي هللا عنه الذي كتبه إلى أبي موسى األشعري ‪ :‬المسلمون عن شروطهم إال شر ً‬
‫صلحا أحل حراما أو حرم حالال ‪.‬‬
‫أحل حر أما أو حرم حالال ‪ ،‬والصلح جائز بين المسلمين إال‬
‫ً‬
‫وال شك أن عقود االلتزام عقود تراض مشتملة على شروط اتفقت إرادتا طرفي العقد على األخذ بها‪،‬‬
‫وبما اشتملت عليه‪ ،‬من شروط وقيود وتعهدات فال يجوز تغييرها بزيادة أو نقص من إرادة منفردة إال‬
‫بما يضر الطرف اآلخر‪.‬‬
‫أمدا وأن محاولة التدخل في تغيير‬
‫نوعا ًا‬
‫وقدر وصفة و ً‬
‫بهذا يتضح أن االلتزام بالحق يعني ثباته ً‬
‫االلتزام بدون إرادة طرفيه يعني ترتيب مظالم على الذمم المختصة بهذا االلتزام‪ .‬فالمنتفع بهذا التغيير‬
‫ظالم والمتضرر به مظلوم ومحتوى االلتزام متغير إلى ما يمكن أن يعتبر من ضروب الربا أو من‬
‫نفعا‪.‬‬
‫أكل المال بالباطل أو من القروض التي تجر ً‬
‫توضيح ذلك أن الحق موضوع االلتزام إذا ط أر عليه من التقلبات االقتصادية ما يعتبر جنسه مهيأ‬
‫للزيادة أو النقص في وقت سداده مما يوجب الضرر ألحد طرفيه بذلك فإن هذا الضرر قد يكون أحد‬
‫سببا في حصوله على الطرف اآلخر كمماطلته في الوفاء بهذا االلتزام حتى تغيرت‬
‫طرفي االلتزام ً‬
‫األسعار وترتب عليها الضرر‪ ،‬وقد ال يكون ألحد طرفيه سبب في ذلك إال أن هناك جائحة قضائية‬
‫من هللا‪ ،‬أو يكون االلتزام من طرف واحد آلخر كمن يغصب ًّ‬
‫حقا لشخص طبيعي أو اعتباري فيتغير‬
‫نقصا على المغصوب في وقت تسليم ذلك الحق المغتصب‪.‬‬
‫سعر مثل ذلك الحق بما يعتبر ً‬
‫__________‬
‫(‪)9873/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هذه الحاالت الثالث للفقه اإلسالمي نظر في ربط تغير األسعار بااللتزام وسيأتي الحديث عن وجهة‬
‫النظر في ذلك الربط‪.‬‬
‫أما ما عدا الحاالت الثالث فمنذ زاول اإلنسان نشاطه االقتصادي فإنتاجه عرضة للزيادة والنقصان‬
‫تزيد قيم السلع باختالل ميزان العرض على الطلب بالنقص وتنقص قيمها بعكس ذلك‪ ،‬ومن عوامل‬
‫هذه التغيرات االقتصادية تنشأ األرباح والخسائر ويتحقق ما وصفه صلى هللا عليه وسلم من أن‬
‫التجارة غارات المؤمنين‪.‬‬
‫وباالجتهاد في األخذ بأسباب األرباح وتجنب الخسائر تزداد الحركة االقتصادية وبالتالي تتوفر‬
‫وسائل أكثر لتحصيل العمل وتقليل البطالة وتوفير وسائل الحياة األفضل‪.‬‬
‫ولهذا نجد اإلسالم يضيق دائرة التعامل باألثمان على سبيل المصارفة المتمثلة في بيع وشراء لما في‬
‫سلعا‬
‫حركتها والتحرك بها من حبس األثمان التي هي وسيلة التقويم والتقدير عن وظيفتها وجعلها ً‬
‫تباع وتشترى فينتج من ذلك التقليل من الحركة االقتصادية المتمثلة في اإلنتاج والتسويق‬
‫واالستهالك‪.‬‬
‫كما أن اإلسالم يحرم المكاسب المضمونة والمبيعات غير المملوكة وتعين قدر معين من المضاربة‬
‫في التجارة أو المغارسة أو المخابرة كما أنه يحرم االحتكار وتلقي الركبان ويقف من قضايا الغش‬
‫والتدليس والغرر والجهالة والغبن مواقف حازمة كمواقفه الحكيمة في إنكار المكاسب عن طريق‬
‫الرهان والقمار والميسر‪ ،‬ويدعو اإلسالم إلى السعي في األرض والضرب في األسواق‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ { :‬هو َّالِذي جعل َل ُكم ْاألَرض َذلُوًال َفام ُشوا ِفي من ِ‬
‫اكِب َها َوُكلُوا ِم ْن ِرْزِق ِه } (‪)1‬‬
‫ََ‬
‫َََ ُ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َُ‬
‫ِ‬
‫ض ِرُبو َن ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫َّللاِ } (‪)2‬‬
‫ض ِل َّ‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬وآ َ‬
‫ض َي ْبتَ ُغو َن م ْن َف ْ‬
‫َخ ُرو َن َي ْ‬
‫ِ‬
‫وقال تعالى ‪َ { :‬فِإ َذا ُق ِ‬
‫الص َالةُ َف ْانتَ ِش ُروا ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫َّللاِ } (‪)3‬‬
‫ض ِل َّ‬
‫ض َي ِت َّ‬
‫ض َو ْابتَ ُغوا م ْن َف ْ‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة الملك ‪ :‬اآلية ‪15‬‬
‫(‪ )2‬سورة المزمل ‪ :‬اآلية ‪20‬‬
‫(‪ )3‬سورة الجمعة اآلية ‪10‬‬
‫(‪)9874/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫عنصر ذا أثر فعال في إنعاش الحركة االقتصادية لما تستلزمه‬
‫ًا‬
‫فاإلسالم يعتبر المخاطرة في التجارة‬
‫من المخاطرة من الحيطة والحذر والحرص والتدبر والمراقبة المستمرة للتقلبات االقتصادية وبالتالي‬
‫األخذ بنتائج ذلك من بيع وشراء وانتاج وتسويق‪ ،‬فإذا قلنا بربط الحقوق المؤجلة بمستوى األسعار ولم‬
‫يكن لمن ترتبت عليه هذه االلتزامات سبب في تغير األسعار فإن هذا يعني معالجة الضرر بضرر‬
‫ودفع خسارة طرف من أطراف االلتزمات بظلم طرفه الملتزم فضال عما في ذلك من تشجيع‬
‫االستثمارات البنكية والتقليل من عنصر المخاطرة في التجارة‪ ،‬وحينما يعلم طرفا االلتزام أن العبرة‬
‫بقيمة الحق موضوع االلتزام هو سعر يوم سداده‪ ،‬وما يترتب على ذلك من الجهالة في مقدار الحق‪،‬‬
‫وبالرغم من تقديره وقت االلتزام بقدر معين‪ ،‬فملتزم بمليون دوالر مثال لزيد من الناس بعد عام‪ ،‬يحل‬
‫أجل السداد في وقت تكون القيمة الشرائية للدوالر قد انخفضت بمقدار ‪ % 40‬في المائة مثال‪ ،‬فربط‬
‫الحق بسعر يوم سداده يعنى أم مليون الدوالر تتحول إلى مليون وأربعمائة ألف دوالر‪ ،‬فالملتزم بالحق‬
‫يعرف أن التزامه بمليون دوالر‪ ،‬ولكنه ال يعرف وقت سدادها ومقدار ما يسدده فقد يزيد مبلغ االلتزام‬
‫وقد ينقص وهكذا في أموال عقود السلم ومضاربات البورصات وأجور العمال وااللتزامات التوثيقية‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9875/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وبهذا يتضح لنا أن األخذ بمبدأ ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار مصادم‬
‫للمقتضيات الشرعية في الشريعة اإلسالمية وللتوجيهات اإلسالمية لالقتصاد اإلسالمي الحر‬
‫ونوعا وصف ًة وأجال‪ ،‬فال يخشى‬
‫وللطمأنينة الموجبة للثقة في أن الحق الملتزم به هو الحق ًا‬
‫قدر ً‬
‫صاحب الحق نقص حقه وال يخشى الملتزم بعد تغيره عليه بزيادة‪ .‬كما أن األخذ بذلك موجب لظلم‬
‫أحد طرفي العقد وأكل الظلم منهما ماال بدون حق فضال عما في ذلك من الجهالة وتشجيع البنوك‬
‫على مضاعفة نشاطاتها الربوية وتثبيط التجارة بما يسوق بضائعه عن ربحه أو خسارته بالرغم من‬
‫معرفته مقدار قيمة شراء بضاعته ومقدار قيمة بيعها ألنه ال يعرف الزيادة المحتملة على ما التزم به‬
‫طبًقا لربط هذا االلتزام بسعر يوم سداده فقد تأتي هذه الزيادة على ربح محسوس حققته صفقته‬
‫التجارية‪.‬‬
‫وقبل دخولي في نقاش القائلين بوجاهة ربط الحقوق وااللتزامات المؤجلة بمستوى األسعار أرغب في‬
‫إبداء ما عندي في وجود حاالت استثنائية توجب ربط االلتزام بمستوى األسعار حتى تكتمل الصورة‬
‫ويتضح االتجاه ويتحرر موضوع النقاش‪.‬‬
‫مليئا غنيًّا إال أنه صار‬
‫أولى هذه الحاالت ‪ :‬ما إذا كان االلتزام بالحق حال األداء وكان الملتزم ً‬
‫يماطل صاحب الحق حتى تغيرت األسعار سواء انخفضت القيمة الشرائية للنقد موضوع االلتزام‬
‫انخفض سعر العين المالية موضوعة االلتزام كديون السلم فمماطلة من عليه الحق لمن له الحق ظلم‬
‫وعدوان موجبة لحل عرضه وعقوبته كما قال صلى هللا عليه وسلم ‪ (( :‬مطل الغني ظلم )) رواه‬
‫الشيخان في صحيحهما‪ ،‬قال صلى هللا عليه وسلم (( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) ‪ .‬رواه أهل‬
‫السنن‪ .‬ومن العقوبة أن يربط الحق بسعر يوم سداده إذا كان فيه نقص على صاحبه فالزيادة على‬
‫المماطل بأداء الحق عقوبة يستحقها بسبب ليه ومطله‪ ،‬واعطاء صاحب الحق هذه الزيادة يعتبر من‬
‫العدل واإلنصاف ألن مماطلة خصمه أضرت به بمقدار هذه الزيادة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9876/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ولقد اختلف الفقهاء رحمهم هللا في تقدير الحق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده‪ ،‬قال‬
‫في منتهى اإلرادات ‪ :‬وال يضمن نقص سعر‪ .‬ا هـ (‪ )1‬كما اختلفوا في تعيين العقوبة التي يستحقا‬
‫فذهب جمهورهم إلى عدم الزيادة على الحق بشيء مطلًقا كما مر النقل من المنتهى وأن العقوبة‬
‫المقصودة في الحديث ‪ (( :‬لي الواجد يحل عقوبته‪ )) ...‬ما يوقعها ولي أو نائبه على المماطل بأداء‬
‫معا‪ .‬وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف‬
‫الحق من عقوبة تعزيزية بحبس أو جلد أو بهما ً‬
‫المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه‪ .‬قال شيخ اإلسالم‪ .‬ابن‬
‫تيمية ‪ " :‬ومن مطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم‬
‫المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد (‪)2‬‬
‫وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى القول بضمان نقص السعر قال الشيخ عبد الرحمن بن‬
‫سعدي رحمه هللا ‪ :‬قال األصحاب ‪ :‬وما نقص بسعر لم يضمن أقول ‪ :‬وفي هذا نظر فإن الصحيح‬
‫ألفا وكان مالكه يستطيع بيعه باأللف ثم نقص‬
‫شيئا ويساوي ً‬
‫أنه يضمن نقص السعر وكيف يغصب ً‬
‫فاحشا فصار يساوي خمسمائة أنه ال يضمن النقص فيرده كما هو ؟ ا هـ (‪. )3‬‬
‫نقصا ً‬
‫السعر ً‬
‫وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر هللا به وهو في نفس األمر عقوبة للظالم أقرها صلى هللا‬
‫عليه وسلم بقوله ‪ (( :‬لي الواجد يحل عقوبته )) ‪ .‬وال شك أن المماطل في حكم الغاصب بمماطلته‬
‫أداء الحق الواجب عليه إال أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل‪ ،‬فال يجوز دفع‬
‫ظلم بظلم وال ضرر بضرر‪ ،‬فمثال زيد من الناس قد التزم لعمرو بمبلغ مائة ألف دوالر مثال يحل‬
‫أجلها في غرة شهر محرم عام ‪ 1407‬هـ وكان سعر الدوالر بالين الياباني وقت االلتزام مائتين‬
‫وأربعين ينًّا وفي أول يوم من شهر المحرم عام ‪1408‬هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ًّينا‬
‫فطلب صاحب الحق حقه من الملتزم زيد فماطله إلى وقت انخفض سعر الدوالر إلى مائة وخمسين‬
‫ًّينا فما بين سعر الدوالر وقت االلتزام بالحق وبين سعره وقت االستعداد بالسداد نقص تسعون ينًّا في‬
‫الدوالر الواحد فإذا قلنا بضمان النقص للماطلة فإن الفرق بين سعره وقت الحلول ثم المماطلة وبين‬
‫سعره وقت االستعداد بالوفاء هو سبعون ًّينا فالعدل أن يقتصر الضمان على هذا المقدار سبعين ًّينا‬
‫عن كل دوالر‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬شرح منتهى اإلرادات ‪408/2 :‬‬
‫(‪ )2‬انظر االختيارات ‪ :‬ص ‪136‬‬
‫(‪ )3‬الفتاوى السعدية ‪429 :‬‬
‫(‪)9877/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫سببا في خسارة صاحب الحق بنقص حقه وانما يرجع ذلك‬
‫الحالة الثانية ‪ :‬أن ال يكون الملتزم بالحق ً‬
‫إلى أسباب قهرية ال دخل ألي من طرفي العقد بها‪ ،‬فهذه الحال إن كانت الخسارة على أحد أطراف‬
‫العقد تزيد عن الثلث‪ ،‬فقد تقاس على قاعدة وضع الحوائج‪ ،‬وان كان القائلون بها يرون قصرها على‬
‫الثمار على أصولها‪ ،‬مما تم بيعها ولم تقبض فأصابتها جائحة سماوية قضت عليها أو على‬
‫بعضها‪ ،‬إال أن المسألة محل نظر في اجتماع القضيتين في حصول خسارة فاحشة ليس ألحد طرفي‬
‫العقد سبب في حصولها وتنفرد إحداهما عن األخرى بأن قضيتنا حق تم االلتزام به وجرى تعيين‬
‫موجبة في غالب ماله‪.‬‬
‫وعلى أي حال فهذه المسألة تحتاج إلى إفرادها ببحث تستقصى فيه مبررات الحكم فيها‪.‬‬
‫الحالة الثالثة ‪ :‬إذا كان االلتزام بدين نقدي من عملة ورقية معينة ثم انخفضت قيمة هذه العملة‬
‫فاحشا ولم يحل أجل سدادها وتمثل بالليرة اللبنانية ونضرب مثال لهذه الحال ‪ :‬خالد‬
‫الورقية‬
‫انخفاضا ً‬
‫ً‬
‫من الناس التزم لمحمد بمائة ألف ليرة قيمة بضاعة جرى قبضها في مجلس العقد وتم االتفاق على‬
‫تأجيل دفعها إلى عام‪ ،‬وكانت قيمة الليرة وقت االلتزام تعادل رياال سعوديًّا وبعد حلول أجل الدفع‬
‫انخفضت قيمة الليرة حيث صارت قيمة مائة ليرة ثالثة رياالت سعودية‪ ،‬فهل يسلم خالد لمحمد مائة‬
‫ليرة لبنانية بغض النظر عن انخفاض قيمتها وفي هذا خسارة بالغة على محمد أم يلزم خالد بقيمتها‬
‫وقت االلتزام ألن الليرة اآلن في حكم السكة المنقطعة ؟ يمكننا أن نرجع في حكم هذه المسألة إلى ما‬
‫ذكره الفقهاء رحمهم هللا‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9878/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫فقد ذكر الشيخ عبد هللا أبا بطين رحمه هللا عن الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه هللا بعد أن ذكر أن‬
‫الدائن يرجع على مدينه بقيمة ما عليه من دين نقدي إذا أبطل السلطان التعامل به أما إذا زادت‬
‫قيمته أو نقصت فليس له إال ما في ذمة مدينه‪ .‬وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪ :‬قال األثرم ‪ ":‬سمعت‬
‫أبا عبد هللا يسأل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة فسقطت المكسرة أو الفلوس قال ‪ :‬يكون عليه‬
‫قيمتها من الذهب‪" .‬‬
‫وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا منع التعامل بها فالواجب القيمة فيخرج من سائر‬
‫المتلفات‪ ،‬وكذلك في الغصب والقرض فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين فإنه ليس هو‬
‫المستحق‪ ،‬وانما المراد عين النوع‪ ،‬واألنواع ال يعقل عيبها إال بنقصان قيمتها فإذا أقرضته أو غصبته‬
‫ناقصا فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل‬
‫طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع فال يجبر على أخذه ً‬
‫ً‬
‫فإن المالين يتماثالن إذا تساوت قيمتهما‪ ،‬وأما مع اختالف القيمة فال تماثل فعيب الدين إفالس‬
‫المدين وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص‪ .‬ا هـ (‪)1‬‬
‫وقال ابن مفلح في الفروع ‪ " :‬وقيل إن رخصت فله القيمة كالمكان" (‪. )2‬‬
‫وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا ‪ " :‬قوله وكذلك المغشوشة وعندهم أنها مثلية فيكفي ردها لكن‬
‫نقصا فإنه يلزمه المثل عندهم‪ ،‬وعلى أصل الشيخ الظاهر أنه يلزمه القيمة ثم هذا في‬
‫فيما إذا وجد ً‬
‫القرض‪ ،‬ونص عليه أحمد واختار الشيخ أن هذا يجري في سائر الديون – قال الشيخ – وهذا هو‬
‫الذي ينبغي لما على كل من النقص‪ .‬ا هـ (‪.2 )3‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬الدرر السنية ‪111-110/5 :‬‬
‫(‪ )2‬الفرع ‪203/4 :‬‬
‫(‪ )3‬فتاوى ووسائل‪ ،‬للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا ‪.205/7 :‬‬
‫(‪)9879/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وقال الرهوني ‪ :‬ظاهر كالم غير واحد من أهل المذهب وصريح كالم آخرين يفهم أن الخالف‬
‫السابق محل إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة‪ .‬أما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فال‪ .‬وممن صرح‬
‫بذلك أبو سعيد بن لب‪ ،‬قلت ‪ :‬وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ًّ‬
‫جدا حتى يصير القابض لها‬
‫كالقابض لما ال كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف‪ .‬ا هـ‪. )1( .‬‬
‫وقال الشوكاني في كتابه نيل األوطار ‪:‬‬
‫فائدة ‪ :‬قال في البحر ‪ :‬مسألة اإلمام يحيى لو باع بنقد ثم حرم السلطان التعامل به قبل قبضه‬
‫فوجهان يلزم ذلك النقد إذا عقد عليه‪ .‬الثاني يلزم قيمته إذا صار لكساده كالعرض‪ .‬انتهى ‪ .‬قال في‬
‫وكثير ما وقع هذا في زماننا إلفساد الضربة‬
‫ًا‬
‫المنار ‪ :‬وكذلك ولو صار كذلك يعني النقد لعارض آخر‬
‫إلهمال الوالة النظر في المصالح‪ ،‬واألظهر أن الالزم القيمة لما ذكره المصنف‪ .‬ا هـ (‪)2‬‬
‫قوله ‪ :‬وكذلك لو صار لعارض آخر يفهم منه أن النقص الفاحش أو الزيادة الفاحشة موجبة لألخذ‬
‫قياسا على منع السلطان التعامل بالسكة موضوعة االلتزام‪.‬‬
‫بالقيمة ً‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬حاشية الرهوني ‪121/5 :‬‬
‫(‪ 2 )2‬نيل األوطار ‪236/5 :‬‬
‫(‪)9880/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫بقي علينا أن نعرف ما مقدار الفحش في الزيادة أو النقص‪.‬‬
‫يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية في تحديد ما يوجب اعتبار الجائحة ما نصه ‪:‬‬
‫‪ ...‬فال فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين‪ ...‬والثانية أن الجائحة الثالث فما زاد‬
‫كقول مالك ألنه ال بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما‬
‫قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك ألن النبي صلى هللا عليه وسلم قال (( الثلث‬
‫والثلث كثير )) ‪ .‬ا هـ (‪. )1‬‬
‫وخالصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى االلتزام بها‬
‫ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو‬
‫زيادتها وأن من التزم آلخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه ال يلزم غير مثله‪ ،‬وأن بعضهم ذهب‬
‫إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها‪ ،‬وبعضهم توسط‬
‫فاعتبر النقص الفاحش والزيادة الفاحشة موجبة ألخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة‬
‫والنقص فقال بعضهم إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال إن ذلك مقدار بالثلث فما فوقه‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬مجموع الفتاوى الكبرى ‪279/30 :‬‬
‫(‪)9881/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫وما جرى استعرضه في الحاالت الثالث وما في أحكامها من أقوال ألهل العلم تدور بين االعتبار‬
‫اضحا إلى أن القول بربط الحقوق وااللتزامات اآلجلة باألسعار موضع تحفظ‬
‫ًا‬
‫وعدمه يعطي‬
‫تصور و ً‬
‫بالغ في الشريعة اإلسالمية‪ .‬فحتى إذا ظهرت المبررات لألخذ به فإن هناك من يرفضه أخ ًذا بمبدأ‬
‫االلتزام واالحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع االلتزام قيمة معتبرة وان نقصت عن قيمتها‬
‫الحقيقية وقت االلتزام‪.‬‬
‫وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق اآلجلة باألسعار فنقول وباهلل التوفيق‬
‫وعليه االعتماد ‪:‬‬
‫* أولى هذه المبررات ‪ :‬القول بأن اإلسالم دين العدل واإلنصاف‪ ،‬والتضخم االقتصادي يأتي على‬
‫هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي قلة من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة وهم‬
‫يعانون قلة ذات اليد‪ ،‬وربط االلتزامات اآلجلة بمؤشرات األسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم‪.‬‬
‫واإلجابة على هذا هو التسليم بأن اإلسالم دين العدل واإلنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات‬
‫في أيدي قلة من الناس قال تعالى في تبرير اإلنفاق على المحتاجين دون األغنياء ‪َ { :‬كي َال َي ُكو َن‬
‫ْ‬
‫َغِني ِ‬
‫اء ِم ْن ُك ْم } (‪)1‬‬
‫ُدوَل ًة َب ْي َن ْاأل ْ َ‬
‫وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات واعادة‬
‫توزيعها على أكبر عدد ممكن‪ .‬فهو يحض على اإلنفاق في سبيل هللا‪ ،‬وسبل هللا غير محصورة في‬
‫جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيال هلل‪ .‬ويجب في األموال حقوًقا معينة كالزكوات‬
‫وحقوًقا غير معينة كالنفقات الواجبة‪ ،‬وفي األثر عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن في المال‬
‫ًّ‬
‫حقا سوى الزكاة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة الحشر ‪ :‬اآلية رقم ‪7‬‬
‫(‪)9882/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫واإلسالم حينما يحارب التضخم االقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعامالت التجارية كبيوع‬
‫الغرر والغبن والجهالة واالسترسال وبيع ما ال يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا‬
‫النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن االحتكار كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب‬
‫تضبطه عن الظلم و ينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى صلى‬
‫هللا عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إال من بأس‪ ،‬ومما يعود على المجتمعات‬
‫والدول بالتضخم المتاجرة باألثمان – العمالت النقدية – اتجه كثير من علماء اإلسالم ومحققيهم إلى‬
‫التحذير من ذلك فقد قال اإلمام الغزالي في كتابه اإلحياء ما نصه ‪:‬‬
‫من نعم هللا تعالى خلف الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران ال منفعة في أعيانهما – إلى‬
‫أن قال – فإذن خلقهما هللا تعالى لتتداولهما األيدي ويكون حاكمين بين األموال بالعدل ولحكمة‬
‫أيضا‬
‫أخرى‪ ...‬هي التوسل بهما إلى سائر األشياء – إلى أن قال – فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما ً‬
‫حكم يطول ذكرها‪ ،‬فكل من عمل فيهما عمال ال يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد‬
‫كفر بنعمة هللا تعالى فيهما فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم‬
‫المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد‬
‫كفر النعمة وظلم ألنهما خلقا لغيرهما ال ألنفسهما إذا ال غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد‬
‫مقصودا على خالف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم‪ .‬ا هـ (‪)1‬‬
‫اتخذهما‬
‫ً‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬انظر الورق النقدي‪ ،‬تأليف عبد هللا بن منيع ‪ :‬ص ‪107 – 105‬‬
‫(‪)9883/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ويقول ابن القيم رحمه هللا في كتابه أعالم الموقعين ما نصه ‪:‬‬
‫فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم األموال فيجب أن يكون‬
‫طا ال يرتفع وال ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن‬
‫محدودا مضبو ً‬
‫ً‬
‫سلعا‬
‫لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع – ثم ذكر أسباب فساد المعامالت ومنها اتخاذ األثمان ً‬
‫فقال ‪ " :‬كما رأيت من فساد معامالتهم والضرر الالحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم‬
‫الضرر وحصل الظلم – إلى أن قال – فاألثمان ال تقصد ألعيانها بل تقتصد للتوصل بها إلى السلع‬
‫سلعا تقصد ألعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود ال‬
‫فإذا صارت في أنفسها ً‬
‫يتعدى إلى سائر الموزونات‪ .‬ا هـ (‪)1‬‬
‫وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل باألثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في‬
‫الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف‪.‬‬
‫وال يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال األعمال عن اإلسهام في‬
‫المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة‬
‫سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش اإلنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته‬
‫األساسية ‪ :‬تقويم السلع وواسطة التبادل‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬الورق النقدي ‪ :‬ص ‪105 – 104‬‬
‫(‪)9884/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وبهذا يتضح موقف اإلسالم من التضخم وأسباب التضخم ‪ ,‬وأنه يحارب التضخم بتشريعات في‬
‫األخذ بها حماية للمجتمع من التضخم وصيانة لألسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته‬
‫أثر‬
‫تغيير االلتزامات اآلجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات األسعار إذ ال شك أن في هذا ًا‬
‫عكسيًّا في اعتباره أحد عوامل الكساد االقتصادي فإن من يلتزم بحق ففي حال األخذ بربط االلتزام‬
‫بمؤشرات األسعار فإنه ال يدري عن ميزان التزامه وال عن مردود حركته االقتصادية فقد يخطط‬
‫لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إال أن األخذ بربط االلتزام‬
‫بحا محقًقا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن‬
‫باألسعار قد يأتي على ما يراه ر ً‬
‫القيام بذلك المشروع الذي يرى ربحه محقًقا فيه إال أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على‬
‫ذلك الربح‪.‬‬
‫وأما وجه اعتباره عامال من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي ال يتناسب حجمه‬
‫العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات‪ ،‬وتغير االلتزامات اآلجلة وربطها بسعر أجل سدادها‬
‫وفي ظروف تقلبات اقتصادية ال تحكمها قواعد واضحة وال تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة‬
‫االلتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات‬
‫تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو‬
‫تستودع إياه للحفظ – أو االستثمار ‪ .‬وبهذا يتضح أن ربط االلتزامات اآلجلة بمؤشرات األسعار‬
‫يعتبر من عوامل التضخم المالي واالنكماش االقتصادي ال أنه عامل من عوامل محاربة التضخم‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9885/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* المبرر الثاني ‪ :‬ال ضرر وال ضرار‪ ،‬الضرر يزال‪ ،‬قاعدتان شرعيتان والتضخم يوجب الضرر‬
‫واإلضرار‪ ،‬وليس للدائن أو المدين سبب في هذا الضرر إلى آخر التوجيه‪.‬‬
‫واإلجابة عن هذا أن الضرر ال يزال بالضرر وأن الظلم ال يزال بظلم‪ ،‬فطالما أن المدين لم يكن له‬
‫سبب في انخفاض قيمة ما التزم به والمسعر هو هللا سبحانه وتعالى‪ .‬وااللتزام بالحق طالما أن الحق‬
‫مثلي وفي الذمة وهو معلوم القدر والصفة وأجل الوفاء به‪ ،‬فإن الزيادة في قدره وطبًقا لتغير األسعار‬
‫ظلم محقق في حق من التزم به‪ ،‬وضرر بالغ عليه‪ ،‬لم يكن السبب في حصول موجبة‪ .‬وان كان‬
‫قدر وصفة‬
‫موجب تغير األسعار النقص فإن الدائن مظلوم ومتضرر من تخفيض حقه الملتزم له به ًا‬
‫أمدا‪ .‬وال يخفى أن اآلثار الشرعية المعتبرة والمترتبة على تغير االلتزامات بزيادة أو نقص ال تتجاوز‬
‫و ً‬
‫أسبابها أطراف االلتزام فإن كانت األسباب خارجة عن مقدورهم فال اعتبار لها في زيادة االلتزام أو‬
‫نقصه إال بما ذكرناه من الحاالت االستثنائية‪.‬‬
‫والقول بأن ربط االلتزام بتغير األسعار يصون طرفي االلتزام من الضرر غير صحيح فالضرر على‬
‫أحدهما محقق والظلم من أحدهما على اآلخر واقع‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9886/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ِ‬
‫ان ِباْلِق ْس ِط } (‪ ، )1‬وان‬
‫* المبرر الثالث ‪ :‬االستدالل على ذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬وأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ‬
‫من إيفاء الكيل والوزن بالقسط ربط االلتزامات بمؤشرات األسعار‪.‬‬
‫واإلجابة على هذا أن االستدالل بذلك ظاهر التعسف فيه‪ ،‬فليس في اآلية دليل على ذلك ولو صح‬
‫االستدالل بها لكان االستدالل بها على رفض هذا المبدأ أولى وأوضح ألن الحق إذا تعين مقداره‬
‫ونوعا وصفة وأجال‪.‬‬
‫كان من القيام بالقسط الوفاء به ًا‬
‫قدر ً‬
‫ِِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اعو َن } (‪)2‬‬
‫قال تعالى في معرض مدح المؤمنين ‪َ { :‬والذ َ‬
‫ين ُه ْم أل ََم َانات ِه ْم َو َع ْهده ْم َر ُ‬
‫وليس من الوفاء بالعهد والميثاق القول بتغير االلتزام طبًقا لغير األسعار فإن األسعار بيد هللا وتغير‬
‫األسعار بالزيادة أو النقص من أسباب رزق هللا الناس بعضهم ببعض‪ ،‬وفي األثر عن النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم (( دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض )) ‪.‬‬
‫وليس من التقسيط وال من العدل أن يكون لي على إنسان مائة ألف ريال وعند حلول أجل سدادهما‬
‫أحدا من علماء‬
‫أطلب منه مائة وعشرين ً‬
‫ألفا لتغير القيمة الشرائية‪ ،‬بل إن هذه الزيادة قد ال نجد ً‬
‫أحدا من علماء اإلسالم ال يعتبر هذه الزيادة من الربا الصريح‬
‫اإلسالم يعتبرها مشروعة وقد ال نجد ً‬
‫الجلي‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة األنعام ‪ :‬اآلية ‪152‬‬
‫(‪ )2‬سورة المؤمنون ‪ :‬اآلية ‪8‬‬
‫(‪)9887/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫ُّها‬
‫* المبرر الرابع ‪ :‬االستدالل على القول بمبدأ ربط االلتزام بتغير األسعار بقوله تعالى ‪َ { :‬يا أَي َ‬
‫َّ ِ‬
‫ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ‬
‫ود } ‪.‬‬
‫ُ‬
‫الذ َ َ ْ‬
‫وبعدا من االستدالل السابق على ذلك بقوله تعالى ‪:‬‬
‫وهذا االستدالل أكثر تطرًفا ً‬
‫ِ‬
‫ان ِباْلِق ْس ِط } ‪.‬‬
‫{ َوأ َْوُفوا اْل َك ْي َل َواْلم َيز َ‬
‫فعقد جرى بين زيد وعمرو استلزم ذلك العقد ًّ‬
‫حقا ألحدهما على اآلخر هل يكون من الوفاء بهذا العقد‬
‫أن يرتب على الملتزم بالحق للملتزم له به زيادة عليه أو العكس ؟ ال شك أن الوفاء بالعقد يعني‬
‫تأدية ما يقتضيه العقد دون زيادة أو نقص إال فيما تراضيا عليه مما ال محذور في اعتباره شرًعا‪.‬‬
‫* المبرر الخامس ‪ :‬إن الحنفية أجازوا أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا هو ربط تغيرات‬
‫األسعار بااللتزامات‪.‬‬
‫نصوصا عن الحنفية تؤيد قوله عنهم‪ ،‬فإن المنقول‬
‫مؤكدا لقوله لو أورد‬
‫وكم يكون ناقل هذا القول ً‬
‫ً‬
‫ثمنا في الذمة ثم كسدت بانقطاع‬
‫عنهم يخالف ذلك فلقد وجد االختالف بينهم فيما إذا كانت الفلوس ً‬
‫التعامل بها‪.‬‬
‫قال الكاساني ‪:‬‬
‫" لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة رحمه هللا وعلى المشتري‬
‫هالكا‪ ،‬وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما هللا ال يبطل‬
‫قائما وقيمته أو مثله إن كان ً‬
‫رد المبيع إن كان ً‬
‫طا فانقطع‬
‫البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وان شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمن رب ً‬
‫ثمنا ألن ثمنيتها تثبت باصطالح‬
‫قبل القبض‪ ،‬وألبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ً‬
‫عددا فقد زال عنها صفة الثمن وال بيع بال ثمن فينفسخ العقد‬
‫الناس فإذا ترك الناس التعامل بها ً‬
‫ضرورة‪ " .‬ا هـ (‪)1‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬بدائع الصنائع ‪ ،242/5 :‬الطبعة الثانية‪ ،‬دار الكتاب العربي‪ ،‬بيروت‪ 1394 ،‬هـ‬
‫(‪)9888/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫المبرر السادس ‪ :‬نفي وجود نص من الكتاب أو السنة يحرم هذا النظام ‪ ،‬ال شك أن الدائن حينما‬
‫ومعينا بقدر فإن الزيادة على هذا المقدار بعد أن تعين تعتبر زيادة على‬
‫يكون دينه مؤجال بزمن‬
‫ً‬
‫الملتزم به بمعنى أن ز ًيدا من الناس له عند بكر مائة ألف ريال مدة عام وفي نهاية العام تغيرت‬
‫ألفا وربط االلتزام باألسعار يعني أن على بكر تسليم مئة‬
‫القيمة الشرائية لمائة ألف إلى مائة وعشرين ً‬
‫ظِل ُمو َن َوَال‬
‫َم َو ِال ُك ْم َال تَ ْ‬
‫وعشرين ألف ريال وهللا سبحانه وتعالى يقول ‪َ { :‬وِا ْن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُء ُ‬
‫وس أ ْ‬
‫ظَل ُمو َن } (‪)1‬‬
‫تُ ْ‬
‫ًّ‬
‫ظلما وعدو ًانا على المدين ‪ ،‬وال شك أن النصوص‬
‫ثم إن حقا مقداره في الذمة فإن الزيادة عليه تعتبر ً‬
‫من كتاب هللا تعالى وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم في تحريم الظلم أكثر من أن تحصر والمطالبة‬
‫بوجود نص من كتاب أو سنة على تحريم هذا النظام كالمطالبة بوجود نص على تحريم الظلم‬
‫والعدوان‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪279‬‬
‫(‪)9889/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* المبرر السابع ‪ :‬القول بأن هذا النظام ال يتعارض مع قوله صلى هللا عليه وسلم ‪ (( :‬مثال بمثل‬
‫)) فإن القيمة الحقيقية لاللتزام وقت السداد هي القيمة الحقيقية وقت االلتزام‪.‬‬
‫والجواب على هذا أن العبرة بما تعين مقداره ال بما اختلفت قيمته فطالما أن ما تم االلتزام به موجود‬
‫مثله فال يجوز تغييره بنقص أو بزيادة إذا كان ماال ربويًّا وان لم يكن ماال ربويًّا فال يجوز إال بتوافق‬
‫الطرفين ورسول هللا صلى هللا عليه وسلم هو المبلغ عن رب العالمين شرعه لعباده وله صلى هللا‬
‫عليه وسلم من الفصاحة والقدرة على البيان ما ال يعجزه البيان لألمة فيما يرونه عدال وانصاًفا ومع‬
‫ذلك فقد قال صلى هللا عليه وسلم ‪ (( :‬الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثال بمثل ًيدا بيد سواء بسواء‬
‫)) فجملة مثال بمثل المؤكدة بكلمتي سواء بسواء تعني إرادة النص وارادة مدلوله ولو كان من العدل‬
‫نصا‬
‫واإلنصاف األخذ بطريقة االلتزام بقيمته وقت السداد لبينه صلى هللا عليه وسلم ولكن أعطى ً‬
‫ونصوصا أخرى في تحريم مال المسلم وتحريم‬
‫يحا عاما شامال في وجوب التماثل في الجنس‬
‫صر ً‬
‫ً‬
‫الظلم بين المسلمين‪.‬‬
‫فعن أبي سعيد الخدري رضي هللا عنه قال ‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم (( الذهب بالذهب‬
‫والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير واألمر بالتمر والملح بالملح مثال بمثل ًيدا بي فمن زاد‬
‫أو استزاد فقد أربى اآلخذ والمعطي فيه سواء )) ‪ .‬رواه أحمد والبخاري ‪ .‬ووجه االستدالل بهذا أن‬
‫كال من طرفي عقد االلتزام قد وقعا في الربا ‪ .‬وجه ذلك أن المستقر في الذمة مثال مائة ريال فإذا‬
‫دفع الطرف الملتزم للطرف الملتزم له مائة وعشرين رياال فقد خالف المماثلة والمساواة في المعين‬
‫وجنسا‪ ،‬فالملتزم زاد الملتزم له استزاد وبالتالي وقعا في الربا كما قال صلى هللا عليه وسلم ((‬
‫قدر‬
‫ًا‬
‫ً‬
‫فمن زاد أو استزاد فقد أربى اآلخذ والمعطي فيه سواء )) ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9890/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* المبرر الثامن ‪ :‬إن إنكار هذا النظام منع للقرض الحسن‪.‬‬
‫فوعا إلى النبي صلى هللا‬
‫نفعا وفي األثر مر ً‬
‫واإلجابة على هذا ‪ :‬إن الزيادة على القرض ‪ ،‬قرض جر ً‬
‫عليه وسلم أنه نهى عن قرض جر منفعة ‪ .‬وروي موقوًفا على ابن مسعود وأبي بكر بن كعب وعبد‬
‫هللا بن سالم وابن عباس وفضالة بن عبيد رضي هللا عنهم‪ .‬وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن‬
‫أبي موسى‪ ،‬قال " قدمت المدينة فلقيت عبد هللا بن سالم فقال لي ‪ :‬إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا‬
‫كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قش فال تأخذه فإنه ربا‪ .‬ومن‬
‫سدادا‬
‫هذا يتضح أن الذي يقرض ألف ريال مثال ثم يأخذ بطريق االلتزام ممن أقرض ً‬
‫ألفا ومائتين ً‬
‫قرضا حسنا‬
‫لأللف التي أقرضه إياها فهو أولى باإلنكار واعتبار الزيادة ربا‪ .‬وان القول بأن المقرض ً‬
‫يتضرر من نقص القيمة الشرائية لما أقرضه عما كانت عليه وقت اإلقراض فاإلجابة عن هذا أن‬
‫الغرض من القروض الحسنة التقرب إلى هللا تعالى بتيسير أمور عباده وفي اإلقراض من األجر عند‬
‫هللا ما يهون هذا النقص‪ .‬فعن ابن مسعود رضي هللا عنه قال ‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫مسلما قرضا مرتين إال كان كصدقتهما مرة )) ‪ .‬رواه ابن ماجه ‪.‬‬
‫(( ما من مسلم يقرض‬
‫ً‬
‫أما إذا قضى المقترض من أقرضه بما هو أكثر مما اقترضه من غير طلب من المقرض وال تشوف‬
‫فال بأس بذلك‪ .‬ففي الصحيحين عن جابر بن عبد هللا رضي هللا عنه قال‪ :‬أتيت النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم وكان عليه دين فقضاني وزادني ‪ .‬وفيهما عن أبي هريرة رضي هللا عنه قال ‪ (( :‬كان‬
‫لرجل على النبي صلى هللا عليه وسلم سن من اإلبل فقال ‪ (( :‬أعطوه )) )) فطلبوا سنه فلم يجدوا‬
‫سنا فوقه فقال أعطوه‪ .‬فقال ‪ :‬أوفيتني أوفاك هللا‪ ،‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم ‪ (( :‬إن خيركم‬
‫إال ً‬
‫أحسنكم قضاء ‪. )) ...‬‬
‫قرضا أو غيره من الربا ‪ ،‬وأن االنتفاع من‬
‫وبهذا يتضح أن إلزام الملتزم بزيادة على التزامه سواء كان ً‬
‫المقترض قبل سداد القرض من ذلك‪ ،‬وأن الوفاء بالقرض زيادة عنه من غير طلب من المقرض أو‬
‫تلميح بذلك ال بأس به وأن القرض عمل إرفاقي تدعوا إليه مكارم األخالق واحتساب ما عند هللا‬
‫وبهذا يندفع القول بأن منع هذا النظام منع للقرض الحسن‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9891/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* المبرر التاسع ‪ :‬إن هذا النظام يساعد على حصول القروض األجنبية للبلدان اإلسالمية المختلفة‪.‬‬
‫واإلجابة عن هذا أن روح هذا النظام هو المحافظة على القيمة الشرائية بحق الملتزم به وقت سداده‪،‬‬
‫بمعنى أن صاحب الحق ال يستفيد إال ضمان حقه عن النقص عند سداده فكيف يكون في هذا‬
‫النظام إغراء للمؤسسات المالية األجنبية بإقراض الدول اإلسالمية المتخلفة ؟ بل إننا نستطيع القول‬
‫بأن األخذ بهذا النظام سيضاعف االلتزام على هذه الدول المقترضة من المؤسسات المالية األجنبية‬
‫بفوائد حينما تراعى القيمة الشرائية وقت السداد فيكون على الملتزم للبنوك األجنبية الفوائد الربوية‬
‫وفرق القيمة عند ربط االلتزام بمؤشرات األسعار‪ .‬وبهذا يتضح أن هذا التبرير غير ظاهر وأن التبرير‬
‫به لرد هذا النظام متجه‪.‬‬
‫* المبرر العاشر ‪ :‬ربط تغيرات األسعار يشبه اإلضافة التي يضيفها البائع على ما يبيعه بالدين‪.‬‬
‫واإلجابة عن هذا تتضح بمزيد من التأمل‪ ،‬فإن الفرق بين الصورتين واضح فالزيادة التي يحصل‬
‫عليها من يبيع بالدين يحصل عليها قبل االلتزام‪ ،‬فإذا تم االلتزام بمائة ألف ريال مثال فإن الدائن ال‬
‫يستطيع الحصول على هللة واحدة زيادة عن حجم االلتزام الذي التزم به وما حصل عليه من زيادة‬
‫هي في الواقع مع رأس ماله فيما باعه قيمة ما جرى عليه االتفاق بين طرفي االلتزام قيمة للبضاعة‪،‬‬
‫أما الزيادة في االلتزام بعد تمامه واستق ارره في الذمة فإنها أبشع من الزيادة الربوية (أتقضي أم تربي)‬
‫يوضح ذلك أن المعاملة الربوية (أتقضي أم تربي) تكمن الزيادة فيها في حال االتفاق على تأجيل‬
‫الدفع بعد حلوله وأما في صورة ربط االلتزام بتغير األسعار فإن الزيادة على الملتزم حتمية في حال‬
‫االستعداد لسداد مقدار االلتزام‪ ،‬وبهذا يتضح أن الصورتين مختلفتان وأن الجمع بينهما جمع بين‬
‫متباينين‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9892/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وبقية المبررات تكاد تكون مكررة للمبررات التي جرى التعليق عليها‪.‬‬
‫واذا كان لنا عمل في معالجة التضخم االقتصادي ولنا قدرة في اإلسهام في ذلك فينبغي تشخيص‬
‫أسباب التضخم والتعرف على تلك األسباب بما في ذلك زيادة الطلب على العرض والتساهل في‬
‫التقيد بمؤشرات االعتدال في إصدار النقود واحجام رءوس األموال عن الدخول في مشروعات تنموية‬
‫سلعا تباع وتشترى وانكماش اإلنفاق الحكومي على المرافق الحيوية‬
‫وتقويم العمالت النقدية وجعلها ً‬
‫في البالد‪ ،‬ولو قلنا بربط االلتزامات اآلجلة بمستوى األسعار لكان األخذ بذلك أحد أسباب التضخم‬
‫في البالد وقد مر فيما سبق ذكر توجهه‪.‬‬
‫سببا في تضرر الملتزم له بالحق عند تغير أسعار األثمان‬
‫وحيث إنه يمكن أن يكون الملتزم بالحق ً‬
‫بالنقص وذلك بمطله وليه صاحب الحق وهو قادر على أداء الحق فإن هذه المسألة محل نظر‬
‫واجتهاد وقد كتب فيها بحثًا هذا نصه ‪:‬‬
‫الحمد هلل وحده وصلى هللا وسلم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه‪ ،‬وبعد ‪ :‬ال شك أن‬
‫ثمنا من أي جنس من أجناس‬
‫مماطلة المدين دائنه في تسليمه ما وجب عليه أداؤه سواء كان ذلك ً‬
‫مستطيعا‬
‫عينا من أي جنس من األعيان أو السلع فإن ذلك ظلم وعدوان إن كان‬
‫األثمان أو كان ً‬
‫ً‬
‫ان ُذو‬
‫نفسا إال وسعها‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬وِا ْن َك َ‬
‫السبيل في األداء‪ ،‬أما إن كان ذو عسرة فال يكلف هللا ً‬
‫ُع ْس َرٍة َف َن ِظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َرٍة } (سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)280‬‬
‫يدل على ذلك قوله صلى هللا عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه ‪ (( :‬أال واني حرمت الظلم‬
‫ير‬
‫ظِل ْم ِم ْن ُك ْم ُنِذ ْق ُه َع َذ ًابا َكِب ًا‬
‫وجعلته بينكم‬
‫محرما أال فال تظالموا )) ‪ .‬ومن ذلك قوله تعالى ‪َ { :‬و َم ْن َي ْ‬
‫ً‬
‫} (سورة الفرقان ‪ :‬اآلية ‪)19‬‬
‫__________‬
‫(‪)9893/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وبغيا محرم وأن انتهاك المحرم موجب للعقوبة الزاجرة والرادعة‪.‬‬
‫وال شك أن الظلم باعتباره عدو ًانا ً‬
‫كما ال شك أن المسلم حرام ماله ودمه وعرضه إال بحقه ومطل المدين القادر دائنه عن أداء حقه‬
‫نوع من االستيالء على ماله بدون حق أشبه الغصب إن لم يكن من صوره‪ .‬ويبنى على ذلك في‬
‫الغالب بأن تعطيل الدائن من ماله مستلزم فوات منافع لهذا المال في حال تقليبه وادارته وحيث إن‬
‫هذا التعطيل مستلزم ذلك الفوات في الغالب فإن القول بضمانه وتغريمه المدين قول يتفق مع‬
‫األصول العامة والقواعد الشرعية في الحفاظ على حقوق المسلم وطغيان ما ينقصه بسبب الظلم‬
‫والعدوان‪ .‬ولهذا جاء النص الكريم من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في عقوبة المماطل إذا كان‬
‫غنيًّا‪.‬‬
‫ففي الصحيحين عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال (( مطل الغني ظلم )) وفي السنن عن‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال ‪ (( :‬لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) ‪.‬‬
‫فمن حل عرضه التشهير به في المجامع التجارية وغيرها بسوء معاملته والتحذير من الدخول معه‬
‫سببا في إلحاق الضرر‬
‫في تعامل أو تداول لتحذير الناس ظلمه وعدوانه وليكون نفور الناس عنه ً‬
‫بتجارته فيكون ذلك عقوبة له الستحالله مال أخيه بدون حق على سبيل الظلم والعدوان‪.‬‬
‫ومن حل عقوبته التقدم لوالة األمر بشكايته على مسلكه الذميم في اللي والمماطلة إللزامه بدفع الحق‬
‫الذي عليه وتقرير ما يستحقه من عقوبة رادعة وزاجرة بالحبس والجلد والغرامة المالية أو بواحدة منها‬
‫على ما يقتضيه النظر المصلحي‪.‬‬
‫ومن عقوبته التقدم للقضاء بطلب التعويض عن النقص الذي سببته المماطلة في أدائه الحق‬
‫وضمان منفعة يغلب على الظن حصولها للدائن في حال استالمه حقه في وقته‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9894/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وقد بحث العلماء رحمهم هللا حكم التعويض عن المنافع الفائتة وعن المنافع المتوقع فواتها فقالوا‬
‫بضمان كل منفعة محقق ضياعها كمنافع األعضاء في حال الجناية عليها كما قالوا بضمان ما‬
‫غرمه محق يطالب بحقه الثابت ممن كان منه المماطلة في أدائه حتى أحرجه إلى الشكاية‬
‫والتقاضي‪ .‬قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في االختيارات ‪ :‬ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه‬
‫إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد‪ .‬ا هـ‪،‬‬
‫وقال في كتاب اإلنصاف للمرداوي في باب الحجر " ولو مطل غريمه حتى أحوجه إلى الشكاية فما‬
‫غرمه بسبب ذلك يلزم المماطل وقال شيخ اإلسالم بن تيمية لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي‬
‫األمر رجع به على الكاذب‪ .‬ا هـ‪.‬‬
‫وفي هذا فتوى لسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه هللا هذا نصها ‪:‬‬
‫موضوع الفتوى ‪ :‬هل نفقات المنتدبين للنظر في القضية على المفلوج مطلًقا ؟‬
‫من محمد إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء حفظه هللا‪.‬‬
‫فعطفا على المخابرة الجارية حول نفقات المنتدبين للنظر في‬
‫السالم عليكم ورحمة هللا وبركاته وبعد‪،‬‬
‫ً‬
‫قضية من القضايا هل تكون على المحكوم عليه تبذلها الجهة التي منها االنتداب وتكون سلفة حتى‬
‫تقتص من المحكوم عليه ؟ ولقد ذكرنا في كتاب سابق منا لسموكم أن في المسألة بحثًا من حيث‬
‫الوجهة الشرعية‪ ،‬وذلك أن العلماء رحمهم هللا نصوا على أن كل من غرم غرامة بسبب عدوان‬
‫شخص آخر‪ ،‬أن ذلك الشخص هو الذي يحمل تلك الغرامة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9895/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫قال شيخ اإلسالم في كتاب " االختيارات " ‪ :‬ومن مطل صاحب الحق حقه حتى أحوجه إلى الشكاية‬
‫فما َغ ِرَمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد ‪ .‬وقال في‬
‫اإلنصاف في باب الحجر قوله ‪ :‬الثانية ‪ :‬لو مطل غريمه حتى أحوجه للشكاية فما َغ ِرَمه بسبب ذلك‬
‫يلزم المماطل‪ .‬وقال شيخ اإلسالم ‪ :‬لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي األمر رجع به على الكاذب‪.‬‬
‫" وحيث كان األمر ما ذكر فإن نفقات المنتدبين على من تبين أنه الظالم وهو العالم أن الحق في‬
‫طمعا في حقه‪ .‬وحينئذ يتضح أن‬
‫جانب خصمه ولكنه أقام الخصومة عليه مضارة ألخيه المسلم أو ً‬
‫المفلوج في المخاصمة ال يلزم بذلك مطلًقا بل له حالتان‪ ،‬إحداهما ‪ :‬أن يتحقق علمه بظلمه وعدوانه‬
‫فليزم بذلك المخاصمة مع علمه بأنه مبطل‪ ،‬الثانية ‪ :‬أال يتضح علمه بظلمه في مخاصمته بل إنما‬
‫ظانا أن الحق معه أو أنه يحتمل أن يكون ًّ‬
‫خاصم ًّ‬
‫محقا ويحتمل خالفه فهذه االوجه شرًعا إللزامه‬
‫بتلك النفقات وبهذا يرتدع المخاصمون بالباطل عن خصوماتهم ويأمن أرباب الحقوق على حقوقهم‬
‫غالبا ويستريح القضاء من كثير من الخصومات‪ .‬ا هـ‪ .‬الجزء الثالث عشر‪ ،‬ص ‪.55‬‬
‫ً‬
‫ومن كان له حق على آخر مستحق األداء‪ ،‬فماطل المدين وهو قادر على الوفاء حتى تغير السعر‬
‫بأن انخفض سعر الثمن أو العين موضوع الحق الواجب األداء‪ ،‬فمن منطلق العدل وقاعدة ضمان‬
‫النقص أو المنفعة أو العين على من تسبب في فواتها‪ ،‬القول بتضمين المماطل ما نقص على‬
‫صاحب الحق من نقص سعر أو فوات منفعة‪.‬‬
‫وعليه فمن عقوبة المماطل ربط الحق بسعر يوم سداده‪ ،‬إذا كان فيه نقص على صاحب الحق فإذا‬
‫مطل المدين دائنه بعد استحقاق الوفاء وترتب على هذا المطل نقص فإنه مضمون لصاحب الحق‬
‫على مدينه المماطل وهذا مقتضى العدل واإلنصاف فالمدين يضمن هذا النقص بسبب ليه ومطله‬
‫وصاحب الحق يستحق الزيادة على حقه ألن مدينه المماطل أضر به بمقدار هذه الزيادة وهي في‬
‫الحقيقة ليست زيادة وانما هي ضمان نقص سببه المماطلة‪ .‬لقد اختلف العلماء رحمهم هللا في تقدير‬
‫حق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده قال في منتهى إرادات ‪:‬‬
‫وال يضمن نقص سعر‪ .‬ا هـ كما اختلفوا في العقوبة التي يستحقها المماطل فذهب جمهورهم إلى عدم‬
‫الزيادة على الحق مطلًقا كما مر النقل من شرح المنتهى وان العقوبة المقصودة في الحديث ‪ (( :‬لي‬
‫الواجد يحل عقوبته )) ما يوقعها ولي األمر أو نائبه على المماطل من عقوبة تعزيزية بحبس وجلد ـ‬
‫أو بواحدة منهما‪.‬‬
‫وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل‬
‫المماطلة بتحصيل حقه‪ .‬ومن هؤالء شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا‪ ،‬وقد سبق ذكر النص عنه‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9896/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وذهب بعض المحققين إلى القول بضمان نقص السعر‪ ،‬قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه هللا‬
‫" قال األصحاب وما نقص بسعر لم يضمن‪ .‬أقول ‪ :‬وفي هذا نظر فإن الصحيح أن يضمن نقص‬
‫نقصا‬
‫شيئا يساوي ً‬
‫السعر‪ ،‬وكيف يغصب ً‬
‫ألفا وكان مالكه يستطيع بيعه باأللف ثم نقص السعر ً‬
‫فاحشا فصار يساوي خمسمائة‪ ،‬إنه ال يضمن النقص فيرده كما هو ؟ ا هـ‪.‬‬
‫ً‬
‫وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر هللا به‪ ،‬وهو في نفس األمر عقوبة للظالم أقرها صلى هللا‬
‫عليه وسلم بقوله ‪ (( :‬لي الواجد يحل عقوبته وعرضه )) ‪ ،‬وال شك أن المماطل في حكم الغاصب‬
‫بمماطلته أداء الحق الواجب عليه إال أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل فال‬
‫مثال يتضح فيه طريق التقدير ‪:‬‬
‫يجوز دفع ظلم بظلم وال ضرر بضرر أفحش منه – ولنضرب ً‬
‫زيد من الناس قد التزم لعمرو بمائة ألف دوالر أمريكي مثال يحل أجلها في غرة محرم عام ‪ 1407‬هـ‬
‫وكان سعر الدوالر بالين الياباني وقت االلتزام مائتين وخمسين ًينا وفي أول يوم من شهر محرم عام‬
‫‪ 1407‬هـ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ًينا فطلب صاحب الحق حقه من مدينه زيد فماطله إلى‬
‫وقت انخفض سعر الدوالر إلى مائة وخمسين ًينا فما بين سعر الدوالر وقت االلتزام بالحق وبين‬
‫سعره وقت حلول السداد ونقص مقداره ثالثون ًينا في الدوالر هذا النقص ال يجوز أحتسابه على‬
‫سببا فيه على الدائن وانما النقص الذي يجب أن يضمنه المدين للدائن هو الفرق‬
‫المدين ألنه لم يكن ً‬
‫بين سعره وقت حلول السداد وبين سعره بعد المماطلة وهو سبعون ًينا لكل دوالر وبهذا المثال يتضح‬
‫وجه التقدير المبني على العدل وعدم مجاوزة الحد في العقوبة والضمان‪.‬‬
‫ومما يؤكد كما ذكرنا من أن المنفعة مضمونة على من تسبب في ضياعها مسألة العربون ومسألة‬
‫الشرط الجزائي‪.‬‬
‫وكال المسألتين ضمان لمنفعة مظنونة الوجود غير محققة ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة‬
‫المظنونة‪.‬‬
‫واكتماال للبحث أذكر أن الشرط الجظائي قد صار باعتباره قرار هيئة كبار العلماء بعدد ‪ 35‬وتاريخ‬
‫‪ 1394/8/21‬هـ أذكر نصه فيما يلي ‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪)9897/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫(قرار رقم ‪ 35‬وتاريخ ‪ 1394/8/21‬هـ)‬
‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد‪:‬‬
‫فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة فيما بين ‪ 10/28‬و ‪11/14‬‬
‫‪ 93/‬هـ من الرغبة في دراسة موضوع الشرط الجزائي ‪ ،‬فقد جرى إدراجه في جدول أعمال الهيئة في‬
‫دورتها الخامسة المنعقدة فيما بين ‪ 5‬و ‪ 1394/8/22‬هـ في مدينة الطائف ‪.‬‬
‫ثم جرى دراسة الموضوع في هذه الدورة بعد االطالع على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة‬
‫الدائمة للبحوث العلمية واإلفتاء‪ .‬وبعد مداولة الرأي والمناقشة‪ ،‬واستعراض المسائل واإليراد عليه‪،‬‬
‫وتأمل قوله تعالى ‪ { :‬يا أَي َّ ِ‬
‫ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ‬
‫ود } ‪ ،‬وما روي عنه صلى هللا عليه وسلم من‬
‫ُ‬
‫ُّها الذ َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫طا أحل حر أما أو حرم حالال )) ولقول عمر رضي هللا عنه‬
‫قوله (( المسلمون على شروطهم إال شر ً‬
‫‪ " :‬مقاطع الحقوق عند الشروط "‪ ،‬واالعتماد على القول الصحيح من أن األصل في الشروط‬
‫وقياسا‪ ،‬واستعرض‬
‫نصا‬
‫الصحة ‪ ،‬وأنه ال يحرم منها ويبطل إال ما دل الشرع على تحريمه وابطاله ًّ‬
‫ً‬
‫ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة‪ ،‬وتقسيم الصحيحة إلى ثالثة‬
‫أنواع ‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪)9898/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫أحدهما ‪ :‬شرط يقتضيه العقد كاشتراط التقابض وحلول الثمن‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به أو صفة‬
‫بكرا‪.‬‬
‫في الثمن ككون األمة ً‬
‫منافيا لمقتضاه‬
‫الثالث ‪ :‬شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد وال من مصلحته وال ً‬
‫شهرا‪.‬‬
‫كاشتراط البائع سكنى الدار ً‬
‫وتقسيم الفاسدة إلى ثالثة أنواع ‪:‬‬
‫عقدا آخر كبيع أو إجارة أو نحو ذلك‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني ً‬
‫الثاني ‪ :‬اشتراط ما ينافي مقتضى العقد كأن يشترط في البيع أال خسارة عليه أو أال يبيع أو يهب وال‬
‫يعتق‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬الشرط الذي يتعلق به العقد كقوله ‪ :‬بعتك إن جاء فالن‪،‬‬
‫وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد إذ هو حافز‬
‫إلكمال العقد في وقته المحدد له واالستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين ‪:‬‬
‫رجال قال لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح‬
‫أن ً‬
‫جال باع طعامه‬
‫طائعا غير مكره فهو عليه‪ ،‬وقال أيوب عن ابن سيرين ‪ :‬أن ر ً‬
‫‪ :‬من شرط على نفسه ً‬
‫وقال ‪ :‬إن لم آتك األربعاء فليس بيني وبينك بيعة‪ .‬فلم يجئ فقال شريح للمشتري ‪ :‬أنت أخلفت‬
‫فقضى عليه‪ .‬وفضال عن ذلك فهو في مقابلة اإلخالل بااللتزام حيث إن اإلخالل به مظنة الضرر‬
‫وتفويت المنافع‪ ،‬وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد ألبواب الفوضى والتالعب بحقوق عباد هللا‬
‫وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيًقا لقوله تعالى { يا أَي َّ ِ‬
‫َم ُنوا أ َْوُفوا‬
‫ُّها الذ َ‬
‫ين آ َ‬
‫َ َ‬
‫ِباْلعُق ِ‬
‫ود } (سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪)1‬‬
‫ُ‬
‫لذلك كله فإن المجلس يقرر باإلجماع أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط‬
‫صحيح معتبر يجب األخذ به ما لم يكن هناك عذر في اإلخالل بااللتزام الموجب له يعتبر شرًعا‬
‫طا لوجوبه حتى يزول‪.‬‬
‫فيكون العذر مسق ً‬
‫بعيدا عن مقتضى القواعد الشرعية‬
‫واذا كان الشرط الجزائي ًا‬
‫كثير عرًفا يراد به التهديد المالي ويكون ً‬
‫فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل واإلنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من ضرر‬
‫عمال بقوله‬
‫ويرجع تقدير ذلك عند االختالف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر ً‬
‫تعالى ‪ { :‬وِا َذا َح َك ْمتُم َب ْي َن النَّ ِ‬
‫َن تَ ْح ُك ُموا ِباْل َع ْد ِل } (سورة النساء ‪ :‬اآلية ‪.)58‬‬
‫اس أ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫اعدلُوا ُه َو أَ ْق َر ُب للتَّْق َوى } (سورة المائدة ‪:‬‬
‫َن َق ْو ٍم َعَلى أَال تَ ْعدلُوا ْ‬
‫وقوله سبحانه ‪َ { :‬وَال َي ْج ِرَمنَّ ُك ْم َش َنآ ُ‬
‫اآلية ‪)8‬‬
‫وبقوله صلى هللا عليه وسلم (( ال ضرر وال ضرار )) ‪ .‬وباهلل التوفيق وصلى هللا على محمد وعلى‬
‫آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫هيئة كبار العلماء‬
‫التوقيع‬
‫__________‬
‫(‪)9899/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫نظر إلى المخالفة المترتبة على‬
‫وبتأمله يتضح أنه في مقابلة فوات منفعة غير محقق وقوعها‪ ،‬لكن ًا‬
‫تفويت فرصة اكتساب المنفعة صارت أهم عائق لتفويتها اتجه القول بضمان هذه المنفعة‪.‬‬
‫مقدما عند تمام عقد الشراء على أن‬
‫ومثل ذلك مسألة العربون فإن المشتري يبذل ً‬
‫مبلغا من المال ً‬
‫يكون له الخيار مدة معلومة فإن قرر الشراء صار العربون جزًءا من الثمن وان قرر عدم الشراء‬
‫صار العربون مستحًقا للبائع في مقابل عدم تكمنه من عرض بضاعته بعد ارتباطه مع المشتري‬
‫بعقد البيع المعلق‪ ،‬ووجه استحقاق البائع للعربون في حال عدول المشتري عن الشراء أنه في مقابلة‬
‫بيعا معلًقا يحتمل العدول عنه‬
‫تفويت فرص بيع هذه السلعة بثمن أكبر من ثمن بيعها على المشتري ً‬
‫‪ ,‬وفيما يلي نص عن ابن قدامة من كتابه المغني فيما يتعلق بمسألة العربون واختالف العلماء فيها‬
‫‪ .‬وانفرد اإلمام أحمد رحمه هللا بالقول بصحة العربون واستحقاق البائع إياه في حال العدول عن‬
‫الشراء‪.‬‬
‫قال رحمه هللا ما نصه ‪:‬‬
‫هما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة‬
‫" والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع در ً‬
‫احتسب به من الثمن وان لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان‪ ،‬قال أحمد ال‬
‫بأس به وفعله عمر رضي هللا عنه‪".‬‬
‫__________‬
‫(‪)9900/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وعن ابن عمر رضي هللا عنهما أنه أجازه‪ ،‬وقال ابن سيرين ال بأس به‪ ،‬وقال سعيد بن المسيب وابن‬
‫شيئا وقال أحمد ‪ :‬هذا في معناه واختار ابن‬
‫سيرين ‪ :‬ال بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها ً‬
‫الخطاب أنه ال يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي‪ .‬ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن‬
‫شيئا‬
‫(( أن النبي صلى هللا عليه وسلم نهى عن بيع العربون )) ‪ .‬رواه ابن ماجه وألنه شرط للبائع ً‬
‫بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه ألجنبي وألنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه اشترط أن له رد‬
‫هما وهذا‬
‫المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولي الخيار متى شئت رددت السلعة معها در ً‬
‫هو القياس وانما صار أحمد فيه إلى ما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من‬
‫صفوان بن أمية فإن رضي عمر واال فله كذا وكذا‪ ،‬قال األثرم قلت ألحمد تذهب إليه قال أي شيء‬
‫أقول هذا عمر رضي هللا عنه وضعف الحديث المروي‪ ،‬روى هذه القصة األثرم بإسناده‪.‬‬
‫وقد لخص الدكتور عبد الرزاق السنهوري رحمه هللا في كتابه مصادر الحق أدلة القولين ورد أدلة‬
‫القائلين ببطالن بيع العربون‪ ،‬فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة رحمه هللا ما نصه‪ :‬ويمكن أن‬
‫نستخلص من النص المتقدم ما يأتي‪:‬‬
‫أوال‪ :‬إن الذين يقولون ببطالن بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫الذي نهى عن بيع العربون‪ ،‬وألن العربون اشترط للبائع بغير عوض‪ ،‬وهذا شرط فاسد‪ ،‬وألنه بمنزلة‬
‫الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول ولي الخيار‪:‬‬
‫متى شئت رددت السلعة ومعها درهم‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬إن أحمد يجيز بيع العربون ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر وضعف الحديث‬
‫ً‬
‫المروي في النهي عن بيع العربون والى القياس على صورة متفق على صحتها هي أنه ال بأس إذا‬
‫شيئا قال أحمد هذا في معناه‪.‬‬
‫كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها ً‬
‫ثالثًا‪ :‬ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطالن بيع العربون‪ ،‬فالعربون لم يشترط‬
‫للبائع بغير عوض إذ العوض هو االنتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت‬
‫فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول‪ ،‬إذ المشتري‬
‫إنما يشترط خيار الرجوع في البيع بذكر مدة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار)‪.‬اهـ‪.‬‬
‫ومما تقدم يظهر لنا جواز الحكم على المماطل وهو قادر على الوفاء بضمان ما ينقص على الدائن‬
‫طا جزائيًّا لقاء المماطلة واللي بقدر فوات‬
‫بسبب مماطلته وليه وان ضمن عقد االلتزام بالحق شر ً‬
‫المنفعة‪ ،‬فهو شرط محترم واجب الوفاء لقوله تعالى‪ { :‬يا أَي َّ ِ‬
‫ين آَم ُنوا أَوُفوا ِباْلعُق ِ‬
‫ود } ولقوله‬
‫ُ‬
‫ُّها الذ َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫اما )) ولما ورد‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ (( :‬المسلمون على شروطهم إال شرطا حرم حالال أو أحل حر ً‬
‫في صحيح البخاري في باب (ما يجوز من االشتراط والثنيا في اإلقرار والشروط التي يتعارفها الناس‬
‫بينهم)‪ .‬وقال ابن عون‪ ،‬عن ابن سيرين‪ :‬قال رجل لكريه‪ :‬أدخل ركابك‪ ،‬فإن لم أرحل معك يوم كذا‬
‫طائعا غير مكره فهو عليه‪ .‬وقال‬
‫وكذا فلك مائة درهم‪ ،‬فلم يخرج‪ ،‬فقال شريح‪ :‬من شرط على نفسه ً‬
‫طعاما وقال‪ :‬إن لم آتك األربعاء فليس بيني وبينك بيع‪ ،‬فلم‬
‫ال باع‬
‫أيوب‪ ،‬عن ابن سيرين‪ (( :‬أن رج ً‬
‫ً‬
‫يجئ‪ ،‬فقال شريح للمشتري‪ :‬أنت أخلفت‪ ،‬فقضى عليه )) اهـ‪ .‬وفي الجزء الرابع من بدائع الفوائد البن‬
‫القيم رحمه هللا قوله‪ :‬وقال في رواية الميمونى‪ :‬وال بأس بالعربون‪ ،‬وفي رواية األثرم‪ :‬وقد قيل له‪:‬‬
‫نهى النبي صلى هللا عليه وسلم عن العربان‪ ،‬فقال‪ :‬ليس بشيء‪ ،‬واحتج بما روى نافع عن عبد‬
‫دار بشجر‪ ،‬فإن رضي عمر واال له كذا وكذا‪ ،‬قال األثرم‪ :‬فقلت ألحمد‪ :‬فقد‬
‫الحارث أنه اشترى لعمر ًا‬
‫يقال هذا‪ ،‬قال‪ :‬أي شيء أقول هذا عمر رضي هللا عنه‪.‬اهـ‪.‬‬
‫وال يقال بأن هذه الزيادة المترتبة على الدائن المماطل بدون حق سواء كانت عقوبة دل عليها حديث‬
‫‪ (( :‬لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) أو كانت مقتضى شرط جزائي اشتمله عقد االلتزام ال يقال‬
‫بأن هذه هي الزيادة الربوية الجاهلية – أتربي أم تقضي‪ .‬فهي تختلف اختالًفا ببعدها عنها وأهم وجوه‬
‫االختالف ما يلي ‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪)9901/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫أوًال ‪ :‬أن الزيادة الربوية زيادة في غير مقابلة وهي اتفاق بين الدائن والمدين على تأجيل سداد الدين‬
‫إلى أجل معين في مقابلة زيادة معينة لقاء االتفاق على التأجيل‪ .‬بينما الزيادة على الحق المستحق‬
‫لقاء المماطلة بدون حق هي في مقابل تفويت منفعة على الدائن على سبيل الغصب والتعدي‪ ،‬وهي‬
‫في نفس األمر عقوبة مالية سببها الظلم والعدوان‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن الزيادة الربوية اتفاق بين الدائن والمدين لقاء تأجيل السداد فهي زيادة في مقابلة االنتظار‬
‫ً‬
‫ظالما‬
‫مماطال وال‬
‫لزمن مستقبل وعلى سبيل التراضي فالمدين ال يسمى في هذه الحال‬
‫ً‬
‫ً‬
‫معتديا وال ً‬
‫بسبب تأخيره سداد حق دائنه بينما الزيادة عل حق الدائن في مقابلة اللي والمطل بغير حق وضمان‬
‫لمنفعة فائتة بسبب المماطلة‪.‬‬
‫ومعتديا ومفوتًا منفعة دائنة باحتباس حقه عنده بدون حق فهي زيادة لم تكن‬
‫ظالما‬
‫ً‬
‫ويعتبر المماطل ً‬
‫موضوع اتفاق على اعتبار التأخير في مقابلتها وانما هي في مقابلة تفويت منفعة على سبيل الظلم‬
‫والعدوان بالمماطلة وهي كذلك عقوبة اقتضاها اللي والمماطلة‪.‬‬
‫ومما تقدم يتضح أن مسائل ضمان قيمة المنفعة على من تسبب في فواتها لها أحوال‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫الحالة األولى ‪ :‬من تسبب بجنايته على عضو إنسان ففاتت منفعة ذلك العضو فال نعلم خالًفا بين‬
‫أهل العلم في حال تعذر القصاص في ضمان دية هذه المنفعة‪.‬‬
‫عينا فحبسها عن صاحبها حتى تغير سعرها بنقص فالذي عليه‬
‫الحالة الثانية ‪ :‬من غصب ً‬
‫المحققون من أخل العلم ضمان هذا النقص على من تسبب في حصوله‪ .‬وقد تقدم النص من‬
‫بعضهم على هذه المسألة وهو الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه هللا‪.‬‬
‫الحالة الثالثة ‪ :‬من كان له حق على أخر فمطله أداء حقه بغير حق حتى أحوجه إلى شكايته وغرم‬
‫غرما على وجه معتاد فالذي عليه المحققون من أهل العلم إلزام المماطل بضمان ما‬
‫بسبب ذلك ً‬
‫غرمه خصمه في سبيل المطالبة بحقه وقد نص على هذه المسألة أكثر من واحد من أهل العلم‬
‫ومحققيهم منهم شيخ اإلسالم ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهما‪.‬‬
‫الحالة الرابعة ‪ :‬ضمان المنفعة الفائتة بسبب اإلخالل بما جرى عليه التعاقد إذا كان في العقد نص‬
‫على ذلك وهذه مسألة الشرط الجوائي وقد صدر باعتبار الشرط الجزائي قرار من مجلس هيئة كبار‬
‫العلماء جرى ذكر نصه في هذا البحث‪.‬‬
‫الحالة الخامسة ‪ :‬ضمان قيمة منفعة مظنونة الوقوع للتسبب في ضياع فرصة االنتفاع وهذه مسألة‬
‫يما وحديثًا‪.‬‬
‫العربون وال يخفى أنها من مفردات اإلمام أحمد وقد أخذ بها مجموعة من أهل التحقيق قد ً‬
‫الحالة السادسة ‪ :‬تضمين المماطل ما يترتب على الدائن من نقص في مقدار دينه بسبب تغير‬
‫السعر أو بسبب الحرمان من إدارة هذا الدين وتقليبه في األسواق التجارية وذلك بالحكم له بذلك‬
‫النقص على مماطلة عقوبة له على ظلمه وعدوانه ومماطلته والحجة في ذلك قوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم (( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )) وقوله صلى هللا عليه وسلم (( مطل الغني ظلم )) ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9902/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫وقد يكون من عموم االستدالل ما في تغريم السارق غرم ما سرقه مرتين للمسروق له مما ال تتوفر‬
‫فيه شروط القطع وذلك على سبيل العقوبة بالمال‪ .‬قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في الجزء الثامن‬
‫والعشرين من مجموع الفتاوى ‪( :‬روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫(( فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أو يؤويه إلى الجرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين ‪,‬‬
‫وفيمن سرق من الماشية قبل أن يؤدي إلى السراج أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين )) ‪ .‬وكذلك‬
‫قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أن يضعف غرمها وبذلك كله قال طائفة من العلماء‬
‫مثل أحمد وغيره‪ .‬وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع‪ .‬فأضعف الغرم‬
‫عمدا أنه يضعف‬
‫على سيدهم ود أر عنهم القطع‪ ،‬وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي ً‬
‫عليه الدية ألن دية الذمي نصف دية المسلم وأخذ بذلك أحمد بن حنبل ) ا هـ‪.‬‬
‫وبهذا يتضح أن العقوبة بالمال أمر مشروع وأن تمليك المعتدى عليه بالسرقة ما زاد عن حقه‬
‫المسروق معتبر وال تعتبر هذه الزيادة من قبيل الربا وانما هي عقوبة للجاني وتعويض عن منفعة‬
‫تفوت بحرمان المجني عليه من االنتفاع بماله مدة بقائه في يد الجاني‪ ،‬وهكذا األمر بالنسبة لمطل‬
‫الغني ولي الواجد‪ ،‬وهللا أعلم وصلى هللا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫عبد هللا بن سليمان بن منيع‬