تحميل الملف المرفق

‫مغلـوطات املـال العـام‬
‫مدخل‪:‬‬‫احلمدهلل وبعد‪،،‬‬
‫يعيش اإلنسان املسلم يف هذه البالد مهوماً معيشية كثرية‪ ،‬هم اإلسكان ومنزل العمر الذي‬
‫يرتاءى خلياله صبحاً ومساءً‪ ،‬وهم البحث عن سرير لوالدته يف أي مستشفى‪ ،‬وهم الطرق‬
‫املكتظة حىت أواخر املساء‪ ،‬وهم مراجعة الدوائر احلكومية‪ ،‬وهم رحلة طريان ألغيت‪ ،‬وهم قبول‬
‫يبة ٍ‬
‫البنه يف اجلامعة‪ ،‬وهم االبن الذي خترج ومل جيد وظيفة‪ ،‬وهم قر ٍ‬
‫أرملة ال جتد كفايتها‪ ،‬وهم‬
‫األسبوع األخري من الشهر حيث انتهى الرصيد ويف انتظار الراتب‪ ،‬اخل‪.‬‬
‫أخذت مرًة أأتمل هذه اهلموم املعيشية اليت تؤرق تفكري غالب أفراد اجملتمع‪ ،‬وكلما أتملت يف‬
‫هذه املشكالت اكتشفت نفسي أصل إىل نقطة (املال العام) يف إدارته وصيانته وحفظه من‬
‫الفساد‪ ..‬هذه اهلموم املعيشية مرتبطة بشكل أساس أبداء األجهزة احلكومية‪ ،‬واألجهزة‬
‫احلكومية كلها شرايهنا النابض فيها هو (املال العام)‪ ،‬فأي خلل يف إدارة املال العام يؤدي فوراً‬
‫إىل اخللل يف كفاءة املستشفى واجلامعة واإلسكان واملواصالت والتعليم اخل‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫وكلما وصلت لنقطة املال العام وجوهرية الدور الذي يلعبه يف ضمان مصاحل املسلمني أدركت‬
‫شيئاً من أسرار تعظيم الشريعة والفقه اإلسالمي للمال العام‪.‬‬
‫أريد هاهنا يف هذه الورقة أن نناقش سوايً بعض التصورات الشائعة عن املال العام‪ ،‬لكنها‬
‫تصورات مغلوطة لألسف‪ ،‬سواءً بني بعض أفراد اجملتمع‪ ،‬أو عند كثري من الوالة واملسؤولني‪ ،‬أو‬
‫حىت بني من يسمون أنفسهم النخبة املثقفة‪.‬‬
‫إمنا أان قاسم‪:‬‬‫يتصور كثري من الناس أن (املال العام) هو ملك شخصي لويل األمر‪ ،‬ويرتبون على هذا‬
‫التصور نتائج وتصرفات غريبة‪ ،‬وهذا خطأ خمالف للنص واتفاق الفقهاء‪ ،‬فاملال العام ملك‬
‫للمسلمني يميعاً‪ ،‬ولي ملكاً خاصاً لويل األمر‪ ،‬وقد شرح النيب ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬هذا‬
‫املبدأ يف عبارة وجيزة بليغة يف احلديث الصحيح الذي قال فيه ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪( -‬ما‬
‫أعطيكم وال أمنعكم‪ ،‬وإمنا أان قاسم‪ ،‬أضعه حيث أمرت)‪ ،‬وأصل منت احلديث يف الصحيحني من‬
‫حديث جابر ومعاوية‪ ،‬وهذا لفظ اإلمام أمحد‪ ،‬ويف رواية للبخاري عن أيب هريرة (هللا املعطي‪،‬‬
‫وأان القاسم) [البخاري‪.]3116 ،‬‬
‫‪2‬‬
‫فإذا كان هذا رسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬يؤكد أنه ال ميلك املال العام‪ ،‬وإمنا وظيفته‬
‫القسم والتوزيع فقط‪ ،‬فكيف مبن خيلف رسول هللا من والة املسلمني؟! ولذلك حني تعرض‬
‫أخاذ يكشف وجه‬
‫اإلمام ابن تيمية يف كتابه السياسة الشرعية هلذا احلديث قال عنه يف تعليق ّ‬
‫األولوية‪:‬‬
‫(فهذا رسول رب العاملني قد أخرب أنه ليس املنع والعطاء إبرادته واختياره‪ ،‬كما يفعل ذلك‬
‫املالك الذي أبيح له التصرف يف ماله) [الفتاوى‪]268/28 ،‬‬
‫مبعىن أن النيب –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬حني قال (إمنا أان قاسم) أراد أنه (لي مبالك)‪ ،‬ولذلك‬
‫يقول اإلمام ابن تيمية‪:‬‬
‫(وقول النيب "إين وهللا ال أعطى أحداً‪ ،‬وال أمنع أحداً‪ ،‬وإمنا أان قاسم أضع حيث أمرت" يدل على‬
‫أنه ليس مبالك لألموال) [منهاج السنة‪ ،‬ابن تيمية]‬
‫ولذلك ملا عاجل ابوالعباس ابن تيمية مسألة املنح العقارية اليت يوزعها ويل األمر على املسلمني‬
‫حبسب املصلحة ّبني أن هذا لي تربعاً من ويل األمر ألنه لي ماله الشخصي‪ ،‬بل هذا جا ٍر‬
‫على مبدأ (إمنا أان قاسم) كما يقول ابن تيمية‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫(وأما أراضي املسلمني فمنفعتها حق للمسلمني‪ ،‬وويل األمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم‪ ،‬ليس‬
‫متربعاً هلم) [الفتاوى‪]85/28 ،‬‬
‫ودالالت هذا املبدأ (إمنا أان قاسم) الذي قرره رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬مل يكن شأانً‬
‫غامضاً مل يذكره إال ابن تيمية‪ ،‬بل هذا تصور عام بني فقهاء اإلسالم منذ فجر اخلالفة‬
‫الراشدة وانتهاءً بفقهائنا املعاصرين‪ ،‬وقد أشار لذلك عمربن اخلطاب كثرياً‪ ،‬ومن ذلك قوله‬
‫رضي هللا عنه‪:‬‬
‫(أما وهللا ما أان أبحق هبذا الفيء منكم‪ ،‬وما أحد منا أبحق به من أحد‪ ،‬وما منا أحد من‬
‫املسلمني إال وله يف هذا الفيء حق‪ ،‬ولئن بقيت ليبلغن الراعي وهو يف جبال صنعاء حقه من‬
‫يفء هللا) [األموال البن زجنويه‪ ،‬حتقيق فياض‪ ،‬ص‪]569‬‬
‫ولذلك قام الصحايب اجلليل كاتب الوحي معاوية بن أيب سفيان –رضي هللا عنه‪ -‬يف الناس‬
‫خطيباً زمن خالفته وأ ّكد هذا املعىن كما يقول الراوي عطية بن قي ‪:‬‬
‫(خطبنا معاوية فقال‪ :‬إن يف بيت مالكم فضال عن أعطيتكم ‪ ،‬وأان قاسم بينكم ذلك‪ ،‬فإنه‬
‫ليس مبالنا؛ إمنا هو يفء هللا الذي أفاءه عليكم) [األموال أليب عبيد‪ ،‬ت رجب‪،‬‬
‫ص‪.]363/1‬‬
‫‪4‬‬
‫واستمر هذا املعىن مشعاً حاضراً يف مدوانت الفقه اإلسالمي يف العصر الوسيط‪ ،‬ومن ذلك‬
‫قول اإلمام ابن قدامة رمحه هللا يف موسوعته املغين ملا تعرض لباب إحياء املوات‪:‬‬
‫(وأما مال بيت املال‪ ،‬فإمنا هو مملوك للمسلمني) [املغين‪]184/6 ،‬‬
‫ويشري لذلك القرايف بعبارة أكثر حسماً ويتحدث عن ويل األمر إذا وقف وقفاً من املال العام‬
‫ونسبه لنفسه‪:‬‬
‫(فإن وقفوا وقفاً على جهات الرب واملصاحل العامة ونسبوه ألنفسهم‪ ،‬بناء على أن املال الذي‬
‫يف بيت املال هلم‪ ،‬كما يعتقده جهلة امللوك؛ بطل الوقف‪ ،‬بل ال يصح إال أن يوقفوا معتقدين‬
‫أن املال للمسلمني‪ ،‬والوقف للمسلمني‪ ،‬أما إن املال هلم والوقف هلم فال‪ ،‬كمن وقف مال‬
‫غريه على أنه له فال يصح الوقف فكذلك ها هنا) [الفروق للقرايف‪ ،‬ف ‪ ،115‬ص‪]687/2‬‬
‫ويف زمننا هذا يقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهوالعالمة ابن عثيمني رمحه هللا‪:‬‬
‫(وغاية ما عند احلكومة أن توزع بيت املال على املستحقني‪ ،‬فمثال‪ :‬هذا مدرس فله ما يليق‬
‫بعمله‪ ،‬وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله‪ ،‬وهكذا‪ ،‬يعين ليس من احلكومة يف هذا إال التوزيع‬
‫والتنظيم‪ ،‬أما أنت فلك حق‪ ،‬وكل من عمل عمالً متعديً يف املسلمني فله حق من بيت املال)‬
‫[املمتع‪]56/10 ،‬‬
‫‪5‬‬
‫حسناً ‪ ..‬ماهي النتائج السلبية اليت انبنت على هذا التصور اخلاطئ؟ أعين تصور أن املال العام‬
‫هو ملك شخصي خاص لويل األمر‪.‬‬
‫انبىن على هذا التصور أن بعض والة األمور توهم أن له أن أيخذ من هذا املال ماشاء‪ ،‬وأن‬
‫يقتطع وي ِ‬
‫قطع من العقارات ماشاء‪ ،‬وأنه حني يصرف للناس من املال العام شيئاً فإمنا يتفضل‬
‫ُ‬
‫به عليهم‪ ،‬ألنه يف نظره ماله الشخصي الذي كرمه هللا به على أساس الوالية‪ ،‬وهذا خطأ‬
‫خمالف ملبدأ (إمنا أان قاسم) الذي قرره رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬ووضحه فقهاء‬
‫املسلمني‪ ،‬وسيأيت مزيد توضيح هلذا الوهم عند بعض الوالة‪.‬‬
‫ومما انبىن على هذا التصور اخلاطئ –أيضاً‪ -‬أن بعض األفراد يف اجملتمع املسلم صار ال ميانع‬
‫من االستيالء على شئ من املال العام من وزارة أو مستشفى أو بلدية أومدرسة أوغريها‪،‬‬
‫واحلجة اليت يتذرعون هبا يلخصوهنا يف قوهلم‪ :‬أن هذا مال ويل األمر‪ ،‬وويل األمر مل ينصفنا‪،‬‬
‫فيحق لنا أن أنخذ من ماله‪ .‬فانظر كيف آل هذا التصور إىل هذه النتائج الفظيعة!‬
‫‪6‬‬
‫ولذلك جتد بعض الناس ممن حيمل يف نفسه نقمة على الوضع السياسي جتده مندفعاً يف‬
‫االستحواذ على شئ من املال العام ما أمكنه ذلك‪ ،‬بل الزلت أتذكر أنين قابلت وأان فىت ايفع‬
‫شاابً يكربين ببضع سنوات‪ ،‬فقال يل بلجة عامية (أي فلوس تقدر اتخذها من الدولة ال ترتدد‬
‫ألهنم ماكلينك أصالً) وهذا انشئ من تصور أن هذه األموال العامة هي أموال خاصة لويل‬
‫األمر‪ ،‬ولذلك يريد أن يظفر حبق يرى أن ويل األمر غبنه فيه‪ ،‬وهذا خطأ شنيع‪ ،‬فهذه األموال‬
‫العامة هي أموال املسلمني‪ ،‬فإن أخذت منها هللة واحدة صارت ذمتك معلقةٌ ابملسلمني‬
‫يميعاً‪.‬‬
‫وقد أشار فقيه الدنيا يف زمنه الشيخ ابن عثيمني رمحه هللا إىل هذه الظاهرة‪ ،‬ووضح خطورة‬
‫األمر ألن الذمة تتعلق ابملسلمني يميعاً‪ ،‬حيث يقول الشيخ رمحه هللا‪:‬‬
‫(خالفاً ملن قال‪ :‬إن بيت املال حالل‪ ،‬اكذب على الدولة‪ ،‬اسرق من العمل‪ ،‬اعمل ما شئت‪،‬‬
‫فليس هذا حراما‪ ،‬والسبب أنه بيت مال املسلمني‪ ،‬فنقول‪ :‬بيت مال املسلمني أعظم من‬
‫ملك واحد معني؛ وذلك ألن سرقته خيانة لكل مسلم‪ ،‬خبالف سرقة أو خيانة رجل معني فإنه‬
‫إبمكانك أن تتحلل منه وتسلم) [املمتع‪]354/14 ،‬‬
‫بل إن بعض الناس اعتاد أن يربر غاراته على املال العام بقوله (ايرجال هذي فلوس الدولة!)‬
‫واتضح يل بعد مناقشات مع هذا الصنف من الناس أنه يقصد مبفهوم "الدولة" هنا لي‬
‫‪7‬‬
‫املفهوم املتعارف عليه أبهنا ممثل عن اجملتمع املسلم‪ ،‬بل يقصد مبفهوم "الدولة" أشخاص الوالة‬
‫أعياهنم‪ ،‬فالدولة يف نظر هؤالء كيان خارجي مستقل عن اجملتمع ميثل أفراداً أبعياهنم!‬
‫ومن استوعب جيداً قول رسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪( -‬إمنا أان قاسم)‪ ،‬وما وضحه‬
‫فقهاء اإلسالم أتسيساً على هذا املبدأ؛ استبان له خطأ الصحافة الليربالية يف تعبريها أحياانً‬
‫عن بعض القرارات بعبارة (مكرمة ملكية)‪ ،‬فهذه العبارة فيها تفصيل‪ :‬فإن كان ويل األمر بىن‬
‫مستشفى أو جامعة أو مركزاً للبحث العلمي أوحنو ذلك‪ ،‬من ماله الشخصي اخلاص؛ فهذه ال‬
‫شك مكرمة يستحق هبا ويل األمر اإلشادة والتنويه‪ ،‬فقد روى ابوداود بسند جيد عن أيب هريرة‬
‫املمولني‬
‫أن النيب –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬قال ( اليشكر هللا من ال يشكر الناس)‪ ،‬وشكر ّ‬
‫لألعمال اخلريية فيه مصلحة عظيمة بتشجيعهم وتشجيع نظرائهم على اخلري‪.‬‬
‫ولكن إن كان هذا املستشفى أو اجلامعة أو الطريق أوحنوه إمنا بناه ويل األمر ابملال العام‬
‫للمسلمني؛ فهذه ال يليق ابلناس أن يقال هلم هذه مكرمة عليكم بينما هي يف احلقيقة من‬
‫أمواهلم أصالً‪ ،‬فهذا فيه إساءة مزدوجة لويل األمر وللناس‪ ،‬ولكن الصحافة الليربالية ال تبايل‬
‫مبشاعر اجملتمع‪ ،‬ألهنا مؤسسات بنيت على الوصولية وتزوير الوعي‪ ،‬والزلنا نطمح ابستصدار‬
‫توجيه لإلعالم الليربايل للكف عن استعمال هذه العبارة املؤذية ملشاعر الناس‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫على أية حال ‪ ..‬هذا املبدأ العظيم (إمنا أان قاسم) الذي أسسه رسول هللا –صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ -‬يرتّب التزامني‪ ،‬التزام على ويل األمر أبن ال يستعمل املال العام كممتلكات شخصية‪،‬‬
‫والتزام على األفراد برعاية حرمة (املال العام) وتغليظ االعتداء عليه ألنه متعلق بذمة املسلمني‬
‫يميعاً‪ ،‬ولي ماالً ألعيان فقط‪.‬‬
‫وابجلملة فمن أراد أن يعرف شدة حضور (املال العام) يف الفقه اإلسالمي عامةً‪ ،‬ويف فقه عمر‬
‫بن اخلطاب خاصةً؛ فليقرأ الكتاب اجلليل (األموال) لإلمام أيب عبيد رمحه هللا‪ ،‬وأما كتاب ابن‬
‫زجنويه بنف‬
‫االسم (األموال) فهوكاملستخرج على كتاب أيب عبيد مع بعض اإلضافات‬
‫ئل إن سياسات إدارة املال العام ‪-‬موارده‬
‫الطفيفة‪ ،‬وقد أشار لذلك الكتاين‪ ،‬بل لو قال قا ٌ‬
‫ومصارفه‪ -‬يف اإلسالم أس شطرها األعظم ابوحفص عمر بن اخلطاب –رضي هللا عنه‪ -‬ملا‬
‫أبعد‪ ،‬واملراد أن من أتمل يف كتاب األموال لإلمام أيب عبيد وكيف يتباحث أئمة السلف يف‬
‫التفاصيل الفقهية إلدارة (املال العام) استوعب منزلة هذا املال يف دين هللا‪ ،‬وشدة عناية أهل‬
‫السنة به‪.‬‬
‫هالّ جلس يف بيت أبيه ليهدى إليه؟‬‫يمهور الوالة واملسؤولني واملوظفني العموميني ما إن يتسنمون مناصبهم حىت أتيت إليهم هدااي‬
‫مباشرة أو منافع أوتسهيالت يف إدارات أخرى‪ ،‬هذه املنافع ال أتيت يف صورة "رشوة" مباشرة‬
‫‪9‬‬
‫وحادة الوضوح‪ ،‬بل أتيت يف صورة هدية و (فزعة) و أتيت أحياانً مغلفة بلغة احلب واملودة ورغبة‬
‫التواصل!‬
‫خذ مثالً بعض النماذج الشائعة‪:‬‬
‫هذا مزارع أييت للمسؤول بصناديق التمر الفاخر كل عام‪ ،‬وهذا مستثمر ي ِ‬
‫دخل املسؤول شريكاً‬
‫ُ‬
‫معهم يف جتارهتم ٍ‬
‫بقرض يقرضونه إايه فإذا أتت األرابح أخذوا قرضهم وأعطوه الربح وهو مل‬
‫حيرك ساكناً‪ ،‬وهذا مسؤول متنحه شركة التقسيط تسهيالت خاصة بتقليص هامش األرابح إىل‬
‫نسبة معدومة‪ ،‬وهذا مسؤول أيتيه بعض مستثمري العقار ويقولون نريدك أن تدخل معنا يف‬
‫عمولة بيع بعض العقارات الفالنية وبعد مدة ينزل يف رصيده مبلغ العمولة (السعي) وهو ال‬
‫صلة له أصالً ابلصفقة‪ ،‬وهذا مسؤول أتته منحة عقارية كغريه من املسلمني لكن يقدم له‬
‫البعض خدمة بتطبيق املنحة يف موقع عقاري ابهظ الثمن فتصبح قيمة منحته تساوي عشرة‬
‫أضعاف منحة نظرائه‪ ،‬وهكذا صور كثرية للهدااي اليت تقدم لشاغلي الوظائف ذات احلساسية‪،‬‬
‫ويبتلى هبا خصوصاً أمثال وكالء الوزارات والقضاة وكتاب العدل وعمداء شؤون القبول‬
‫والتسجيل ابجلامعات وحنوهم‪.‬‬
‫وهذا لون من ألوان الفساد يف املال العام ألنه استغالل للسلطة‪ ،‬لكن اإلشكال اجلوهري يف‬
‫كل صور الفساد هذه أهنا أتيت يف صورة هدية وتسهيالت و(فزعة) اخل‪ ،‬حسناً ما الضابط‬
‫‪10‬‬
‫الذي يكشف ذلك؟ الضابط الذي يكشف ذلك بينه رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬يف‬
‫حديث ابن اللتبية الشهري يف الصحيحني حني بعثه النيب –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬جلمع‬
‫صدقات بين سليم‪ ،‬أتمل معي الضابط الذي أشار إليه رسول هللا‪:‬‬
‫(عن أىب محيد الساعدى قال‪ :‬استعمل رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬رجال من األسد‬
‫يقال له ابن اللتبية على الصدقة‪ ،‬فلما قدم قال‪ :‬هذا لكم وهذا أهدى يل‪ ،‬قال فقام رسول‬
‫هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬على املنرب فحمد هللا وأثىن عليه وقال‪" :‬ما ابل عامل أبعثه‬
‫فيقول هذا لكم وهذا أهدى يل‪ ،‬أفال قعد ىف بيت أبيه أو ىف بيت أمه حىت ينظر أيهدى إليه‬
‫أم ال؟) [البخاري ‪ ،2597‬مسلم ‪]4843‬‬
‫لعلك الحظت املبدأ الذي أسسه النيب –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬لفرز صور إستغالل السلطة‬
‫يف بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم‬
‫والرتبّح من الوظيفة‪ ،‬وهذا املبدأ هو (هال جل‬
‫ال؟)‪ ،‬ويشرح ابن قدامة ‪-‬رمحه هللا‪ -‬األساس الذي بىن عليه رسول هللا هذا الضابط فيقول‪:‬‬
‫(ألن حدوث اهلدية عند حدوث الوالية؛ يدل على أهنا من أجلها) [املغين‪ ،‬البن قدامة]‬
‫ومن وجه آخر يوضح ابن تيمية هذا الضابط النبوي والسبب الذي يدعوا الناس لفعل ذلك‬
‫مع املسؤولني فيقول‪:‬‬
‫‪11‬‬
‫(فإن كان الرجل حبيث لو نزع عن تلك الوالية أهدي له تلك اهلدية؛ مل تكن الوالية هي‬
‫الداعية للناس إىل عطيته‪ ،‬وإال فاملقصود ابلعطية إمنا هي واليته‪ ،‬إما ليكرمهم فيها‪ ،‬أو‬
‫ليخفف عنهم‪ ،‬أو يقدمهم على غريهم‪ ،‬أو حنو ذلك) [الكربى‪]157/6 ،‬‬
‫الكثري من املسؤولني يسأل دوماً‪ :‬ميت تكون اخلدمة والتسهيالت اليت أتلقاها جائزة ومىت‬
‫تكون حمرمة؟ واجلواب ميسور جداً‪ ،‬طبِّق فقط قاعدة النيب –صلى هللا عليه وسلم‪( -‬هال‬
‫جل يف بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم ال؟) مبعىن كلما واجهت تسهيالت أوخدمات فاسأل‬
‫نفسك‪ :‬هل كنت ستتلقاها لو مل تكن حتتل هذا املنصب؟ فإن كان اجلواب نعم فهي خدمة‬
‫مشروعة‪ ،‬وإن اجلواب ال فهي خدمة حمرمة‪.‬‬
‫وهذه القاعدة النبوية أدهشت بلغاء األصوليني يف طريقة صياغتها‪ ،‬ففي كتابه الساحر بدائع‬
‫الفوائد عقد ابن القيم فصالً يذكر فيه أمثلة شرعية على طريقة تنبيه القرآن والسنة إىل "العلل‬
‫الشرعية" وأوصافها وأتثريها على األحكام‪ ،‬وأن ما يف النصوص الشرعية من دقائق العقول‬
‫أبيمع الكالم وأوجزه ما هو أعظم من كالم األصوليني‪ ،‬ومن األمثلة اليت ذكرها ابن القيم قوله‪:‬‬
‫(وأتمل قوله يف قصة ابن اللتبية "أفال جلس يف بيت ابيه وأمه وقال هذا أهدى يل" كيف جيد‬
‫حتت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية‪ ،‬واألصويل رمبا كد خاطره حىت قرر ذلك‬
‫بعد اجلهد‪ ،‬فدلت هذه الكلمة النبوية على أن اهلدية ملا دارت مع العمل وجوداً وعدماً كان‬
‫‪12‬‬
‫العمل سببها وعلتها‪ ،‬ألنه لو جلس يف بيت أبيه وأمه النتفت اهلدية‪ ،‬وإمنا وجدت ابلعمل‬
‫فهو علتها) [بدائع الفوائد‪ ،‬ابن القيم]‬
‫وحديث ابن اللتبية هو األصل الشرعي يف تنظيم قاعدة (استغالل النفوذ)‪ ،‬ويف هذا احلديث‬
‫من الفقه ووسائل معاجلة سوء استعمال السلطة مبادئ غزيرة‪ ،‬وسنذكر بعض األمثلة‪:‬‬
‫منها‪ :‬جترمي استغالل النفوذ واالسرتابح من الوظيفة ومنع أي صورة من صور احملاابة للوالة‬
‫واملسؤولني حتت أي غطاء كهدية وحنوها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬الضابط الذي مييز هل املنفعة والتسهيالت اليت استفادها املسؤول من الناس جائزة أم‬
‫ال؟ وهو ضابط "لوكان يف غري الوالية فهل سيصله هذا النفع أم ال؟"‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن األموال املتحصلة من اهلدااي اليت للوالة ال ترجع إىل املهدي‪ ،‬بل تذهب للمال‬
‫العام‪ ،‬ألن النيب مل يرجعها للمهدين بل أخذها للمال العام‪ ،‬وهذا اإلجراء النبوي بناءً على‬
‫قاعدة املعاملة بنقيض املقصود‪ ،‬وقد أشار الفقهاء هلذه املسألة‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫ومنها‪ :‬حماسبة الوالة بعد االنتهاء من أعماهلم فقد نص احلديث على "احملاسبة" كما يف رواية‬
‫البخاري‪:‬‬
‫(عن أيب محيد الساعدي قال‪ :‬استعمل رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم رجالً من األسد‪،‬‬
‫على صدقات بين سليم‪ ،‬يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه) [البخاري‪]1500 ،‬‬
‫ومنها‪ :‬أن حماسبة الوالة والوزراء واملسؤولني ال تعين أبداً إساءة الظن فيهم وال الطعن يف‬
‫أمانتهم‪ ،‬ولكنه "إجراء عديل" خيضع له اجلميع لضمان سالمة إدارة املال العام‪ ،‬فإن ابن اللتبية‬
‫صحايب أمني‪ ،‬ومع ذلك حاسبه ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬قال ابن القيم تعليقاً على أن أمانة‬
‫املسؤول ال متنع حماسبته‪:‬‬
‫(للحاكم أن حياسبه ويسأله عن وجوه ذلك‪ ،‬وال مينعه من حماسبته كونه أميناً‪ ،‬فإن النيب ‪-‬‬
‫صلى هللا عليه و سلم‪ -‬حاسب عماله كما ثبت يف صحيح البخاري أنه بعث ابن اللتبية‬
‫عامال على الصدقة فلما جاء حاسبه) [إغاثة اللهفان‪ ،‬ابن القيم ]‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه ال مانع أن تكون احملاسبة املالية للوالة واملسؤولني علنية‪ ،‬ففي نص حديث أيب محيد‬
‫الساعدي يف البخاري ومسلم أن النيب صعد املنرب وحاسب وعاتب وايل األموال ابن اللتبية‬
‫رضي هللا عنه‪ ،‬ومل حياسبه أو يعاتبه بشكل سري أويف غرفة خاصة‪ ،‬كما يقول الراوي‪:‬‬
‫‪14‬‬
‫(فقام رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬على املنرب‪ ،‬فحمد هللا وأثىن عليه‪ ،‬وقال‪ :‬ما ابل‬
‫عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى يل‪[ )..‬البخاري ‪ ، 6979‬مسلم ‪]4843‬‬
‫وال يزال يف حديث ابن اللتبية الكثري من مبادئ وقواعد حماسبة الوالة وضبط استعمال السلطة‬
‫ومحاية املال العام وكبح استغالل النفوذ‪ ،‬وهي حباجة لتفقه خاص‪ ،‬ولي هذا حمل بسطها‪.‬‬
‫واحلقيقة أن حديث ابن اللتبية أثّر على الفقهاء جوهرايً يف النظر لسلوك صاحب السلطة‪،‬‬
‫سأنقل هذا احلوار الطريف بني الشيخ ابن عثيمني رمحه هللا وأحد تالميذه يف منزل الشيخ رمحه‬
‫هللا عام ‪1420‬هـ‪:‬‬
‫(‪-‬السائل‪ :‬هل جيوز اهلدية من املوظف لرئيسه؟‬
‫الشيخ‪ :‬اهلدية من املوظف لرئيسه ال جتوز؛ ألنك كما تعلم حديث عبد هللا بن اللتبية‪،..‬‬‫هذا الرئيس لوال أنه رئيس هل ستعطيه؟ ال تعطيه‪ ،‬إذاً ال تعطه‪.‬‬
‫السائل‪ :‬ولو كان قلماً؟‬‫الشيخ‪ :‬ولو سواكاً!‬‫‪-‬السائل‪ :‬وإن كان من ابب الدعوة؟‬
‫‪15‬‬
‫الشيخ‪ :‬ال‪ ،‬هذا ليس من ابب الدعوة‪ ،‬الدعوة اذهب للمسجد‪ ،‬ألن اهلدية جتذب اإلنسان‬‫غصباً عليه‪ ،‬إذا أهديت للرئيس تريد يف املستقبل حيابيك‪ ،‬ويتغاضى عن تقصريك‪ ،‬ويرخص‬
‫لك يف وقت ليس فيه ترخيص‪ ،‬اهلدية جترب اإلنسان أنه حيايب صاحبه) [لقاء الباب املفتوح‪،‬‬
‫ل‪.]225‬‬
‫اكتبا كل ٍ‬‫مال لكما‪:‬‬
‫بناء الوازع اإلمياين والوعي األخالقي والنظم العقابية يف اجملتمع حول املال العام ال شك أن له‬
‫دوراً جوهرايً يف صيانة املال العام‪ ،‬لكن ذلك كله ال يكفي‪ ،‬بل البد –أيضاً‪ -‬من وسائل‬
‫وإجراءات (وقائية) حتفظ املسؤول مسبقاً من الوقوع يف جرمية استغالل السلطة واالثراء من‬
‫املال العام‪ ،‬ومن أهم هذه اآلليات الوقائية آلية أسسها اخلليفة الراشد عمر بن اخلطاب ‪-‬رضي‬
‫هللا عنه‪ -‬وهي إفصاح شاغلي املناصب القيادية عن ثروهتم وممتلكاهتم‪ ،‬أو إعالن الذمة املالية‪،‬‬
‫فإذا أصبحت ثروهتم حتت الضوء امتنع عليهم مضاعفة ثروهتم بعد تويل املنصب‪.‬‬
‫روى اإلمام أمحد يف فضائل الصحابة عن انفع أن بعض الوالة طلبوا زايدة رواتبهم يف عهد أيب‬
‫بكر‪ ،‬فلما ويل عمر كتب إليهم إجراءات جديدة‪ ،‬يقول انفع‪:‬‬
‫(ملا ويل عمر كتب إليهم –أي إىل معاوية وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد‪" : -‬إن رضيتم‬
‫ابلرزق األول وإال فاعتزلوا عملنا"‪ ،‬قال ‪ :‬فأما معاوية وعمرو فرضيا‪ ،‬وأما خالد فاعتزل‪،‬‬
‫‪16‬‬
‫قال‪ :‬فكتب إليهما عمر‪" :‬أن اكتبا يل كل ٍ‬
‫مال هو لكما"‪ ،‬ففعال‪ ،‬قال‪ :‬فجعل ال يقدر هلما‬
‫بعد على ٍ‬
‫مال إال أخذه فجعله يف بيت املال) [فضائل الصحابة‪ ،‬لإلمام أمحد‪ ،‬دار ابن‬
‫اجلوزي‪ ،‬ص ‪.]358‬‬
‫وهذا أثر إبسناد جيد إىل انفع راوي القصة‪ ،‬وغاية ما يتخوف فيه هو تردد جرير بن حازم‬
‫احلافظ حيث رواه مرةً عن انفع مباشرة‪ ،‬ومرة عن يعلى عن انفع‪ ،‬وهذا ال يضر لعدة قرائن؛‬
‫منها أن الواسطة صحيحة أعين يعلى بن حكيم‪ ،‬وألن جرير ثبت مساعه من انفع‪ ،‬وألن من‬
‫روى عن جرير ولده وهب‪ ،‬ووهب ضبط حديث والده الذي قبل االختالط وبعده‪ ،‬حىت أنه‬
‫حجبه عن الرواية حني اختلط كما نص على ذلك ابن مهدي‪ ،‬فاألرجح أن احلديث ابدخال‬
‫الواسطة يعلى ألهنا الرواية األقدم زمناً فهي أبعد عن اختالط جرير املتأخر‪ ،‬وعلى ٍ‬
‫كل فهو‬
‫صحيح اإلسناد إىل انفع‪.‬‬
‫وهذا األثر العمري العظيم يف غاية األمهية يف أتسي مبدأ إفصاح املسؤول عن ثروته قبل توليه‬
‫منصبه‪ ،‬أي إعالن الذمة املالية‪ ،‬وكونه مبدأ مبكر يف اتريخ اإلسالم‪ ،‬حيث أرسل عمر الثنني‬
‫من املسؤولني يقول هلما (اكتبا يل كل ٍ‬
‫مال لكما)‪ ،‬وهذه مطالبة صرحية ابالفصاح عن الوضع‬
‫املايل للمسؤول‪ ،‬بل إن عمركان أيخذ ما زاد يف ثروة املسؤول ويرسله للمال العام‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫من أين لك هذا؟‬‫يتصور كثري من املسؤولني أنه ال مربر ملساءلته عن ثروته بعد توليه منصباً رفيعاً‪ ،‬ويعتقدون أن‬
‫هذا إجراء بال مربر شرعي جييز ذلك‪ ،‬واحلقيقة أن هذا تصور خاطئ‪ ،‬بل إن مبدأ (من أين‬
‫لك هذا؟) قرره رسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬يف حديث أيب محيد الساعدي عند ابن‬
‫خزمية وفيه قوله صلى هللا عليه وسلم عن بعض عماله‪:‬‬
‫(فإن سئل‪" :‬من أين لك هذا؟" قال‪ :‬أهدي يل‪ ،‬فهال إن كان صادقاً أهدى له وهو يف بيت‬
‫أبيه أو أمه) [خزمية‪]2382 ،‬‬
‫وقد كان عمر بن اخلطاب يسأل عماله كثرياً عن مصادر ثروهتم بعد الوالية‪ ،‬تطبيقاً ملبدأ (من‬
‫أين لك هذا؟) الذي أسسه رسول هللا‪ ،‬واآلاثر عن عمر كثرية يف هذا الباب‪.‬‬
‫انتفاء احلد ال يعين انتفاء التجرمي والتعزير‪:‬‬‫بعض العامة البسطاء تسربت إليه معلومة فقهية ففهمها بشكل خاطئ‪ ،‬وهي أن السرقة من‬
‫املال العام (بيت مال املسلمني) ال حد فيها يف الشريعة‪ ،‬ألن لكل مسل ٍم نصيب يف بيت‬
‫املال‪ ،‬فصار هذا شبهة يف درأ احلد (مذهب اجلمهور)‪ ،‬فتوهم بعض العامة بناءً على ذلك أن‬
‫انعدام احلد يعين أنه حالل وأن ال عقوبة فيه!‬
‫‪18‬‬
‫ومن الطريف أن هذا التصور الساذج لي‬
‫مقتصراً على بسطاء العامة؛ بل تدحرج فيه من‬
‫يسموهنم "كبار" املفكرين العرب‪ ،‬ومنهم نصر ابوزيد (تويف يف يوليو ‪ ،)2010‬حيث يقول‬
‫ساخراً بفقهاء اإلسالم‪:‬‬
‫(ومثة شرط آخر أشد خطورة وهو "أال يكون للسارق يف املال املسروق نصيب"‪ ،‬أي أن‬
‫يكون املال مملوكاً ملكية خاصة للمسروق منه‪ ،‬وبديهي أن هذا الشرط ال يتوافر يف بيت مال‬
‫املسلمني أو اخلزانة العامة‪ ،‬فكل من يستويل على بعض هذا املال العام ‪-‬أو كله‪ -‬ال يقام‬
‫عليه احلد‪ ،‬ألن له نصيباً فيه فليس خالصاً للغري‪ ،‬وهكذا ينحصر جمال تطبيق حد السرقة‬
‫على النصابني وصغار اللصوص‪ ،‬وهذا هو اإلسالم الذي يطرحه اخلطاب الديين على الناس‪،‬‬
‫ويبشرهم أبنه قادر على حل مشكالت الواقع) [نقد اخلطاب الديين‪ ،‬ابوزيد‪.]88 ،‬‬
‫فنصر ابوزيد يتصور ذات التصور الذي لدى بعض اجلهال ممن مل يسعفهم الوقت للتعلم‪ ،‬وهو‬
‫أن انتفاء احلد ابلشبهة يعين انتفاء التجرمي والتعزير‪ ،‬ويقتضي إابحة السرقة من املال العام!‬
‫فاجلمهور (احلنفية والشافعية واحلنابلة) يرون أن السارق من بيت املال ال قطع عليه‪ ،‬وإمنا فيه‬
‫التعزير املناسب‪ ،‬وحيتجون بقاعدة درء احلدود ابلشبهات وللسارق من بيت املال شبهة‬
‫ملك‪ ،‬وحيتجون ‪-‬أيضاً‪ -‬حبديث العبد الذي سرق من املغنم –وهومال عام‪ -‬فلم يقطعه النيب‬
‫‪19‬‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ -‬وقال (مال هللا سرق بعضه بعضاً) [ابن ماجة‪ ،]2590 ،‬ولكن‬‫احلديث يف احلقيقة ضعيف فيه جبارة وحجاج بن متيم كالمها ضعيفان‪ ،‬وقال عنه البيهقي يف‬
‫السنن الكربى (وهذا إسناد فيه ضعف)‪ ،‬واحتجوا –أيضاً‪ -‬آباثر عن الصحابة عمر وعثمان‬
‫وعلي وغريهم‪ ،‬ولي هذا حمل إيرادها وما قيل فيها‪.‬‬
‫وأما القول اآلخر فهو قول اإلمام مالك وبعض السلف ورأو أن السارق من بيت املال عليه‬
‫السا ِرقَة فَاقْطَعوا أَيْ ِديَـه َما) [املائدة‪ .]38 ،‬وال خمصص هلا‪.‬‬
‫السا ِرق َو َّ‬
‫(و َّ‬
‫قطع‪ ،‬لعموم آية َ‬
‫ومن الفقهاء من حاول التوسط بني القولني‪ ،‬ومنهم الشيخ ابن عثيمني ‪-‬رمحه هللا‪ -‬فرأى أنه‬
‫ال إطالق يف القطع يف السرقة من بيت املال‪ ،‬بل حبسب قوة شبهة امللك‪ ،‬فقد يكون السارق‬
‫قد أخذ حقوقه من بيت املال ومل يعد له فيه شبهة ملك فعليه القطع‪ ،‬وقد يكون مل يستوفها‬
‫فهذه شبهة ملك تدرأ احلد‪ ،‬فصار املعترب هو قوة شبهة امللك‪ ،‬كما يقول الشيخ ابن عثيمني‪:‬‬
‫(اخلالصة يف مسألة السرقة من بيت املال‪ :‬أن األصل فيها القطع‪ ،‬حىت توجد شبهة بينة‪،‬‬
‫وهي إما فقره‪ ،‬أو قيامه مبصلحة من مصاحل املسلمني) [الشرح املمتع‪]355/14 ،‬‬
‫‪20‬‬
‫وابجلملة فسواء على مذهب اإلمام مالك الذي يرى يف سرقة املال العام القطع‪ ،‬أو يف مذهب‬
‫اجلمهور الذين يرون درأ احلد وثبوت التعزير؛ ففي احلالني مل يرتفع التجرمي وال العقوبة‪ ،‬ويف هذا‬
‫إيضاح خلطأ التصور لدى بعض اجلهال‪ ،‬ولدى نصر ابوزيد وأمثاله‪.‬‬
‫ومما يدل أن نصر ابوزيد مل يفهم املسألة الفقهية أصالً قوله يف خالصة هذا النقد (وهكذا‬
‫ينحصر جمال تطبيق حد السرقة على النصابني وصغار اللصوص) فانظر كيف يتوهم أن هذا‬
‫القول الفقهي يفضي حلماية كبار اللصوص وتطبيق احلد على صغار اللصوص‪ ،‬بينما الواقع‬
‫هو عك‬
‫ذلك‪ ،‬فإن صغار اللصوص هم الفقراء وهم أكثر احتماالً ألن يكون هلم شبهة‬
‫ملك يف بيت املال‪ ،‬وسرقتهم ال تتعدى حقهم يف أكثر األحوال‪ ،‬فيدرأ عنهم احلد هبذه‬
‫الشبهة‪ ،‬خبالف كبار اللصوص فهم أثرايء ويغلب أن ال تكون هلم شبهة ملك يف بيت املال‪،‬‬
‫ولو فرض أن هلم شبهة ملك فإن سرقتهم الكبرية تتجاوز مقدار ما ميلكونه قطعاً‪ ،‬فتنتفي‬
‫الشبهة الدارئة للحد‪ ،‬فصار هذا القول الفقهي يفضي لتطبيق احلد على كبار اللصوص دون‬
‫الصغار‪ ،‬ولي العك كما يتوهم ابوزيد‪.‬‬
‫فتأمل كيف يستنتج نصر ابوزيد من هذا احلكم الفقهي ما هو نقيض املقصود وستدرك حينها‬
‫وجاهة الرأي الذي يرى أمهية تكثيف الدعوة اإلسالمية لقضية استعمال (العقل)‪ ،‬وأن ينشر‬
‫الدعاة بني الشباب أمهية حتريك العقل والعقالنية‪ ،‬فكثري من هؤالء الذين يسمون أنفسهم‬
‫‪21‬‬
‫مفكرين يعانون من أنيميا حادة يف القدرات العقلية‪ ،‬وشواهد ذلك تفوق احلصر وفيها أمثلة‬
‫طريفة كثرية‪.‬‬
‫واحلقيقة أن هتكم نصر ابوزيد ابلفقهاء ال يثري استغراابً كبرياً‪ ،‬ألن الرجل كان لديه مشكلة مع‬
‫القرآن نفسه‪ ،‬فضالً عن الفقهاء‪ ،‬فكان يعلن أن القرآن بشري ال إهلي‪ ،‬وأن الغيبيات يف‬
‫القرآن أساطري‪ ،‬ولذلك رفع عليه جمموعة من احملتسبني يف مصر دعوى لدى احملكمة بثبوت‬
‫ردته ووجوب التفريق بينه وبني زوجته ابتهال يون ‪ ،‬فقررت احملكمة ردته فعالً والتفريق بينه‬
‫وبني زوجته‪ ،‬فرفع نصر ابوزيد طعناً يف احلكم لدى حمكمة النقض‪ ،‬فرفضت حمكمة النقض‬
‫طعن نصر ابوزيد وأيدت حكم احملكمة بردته! كما تقول حمكمة النقض يف نص حكمها‪:‬‬
‫(وحيث إن هذا النعي مردود‪ ،‬مبا سلف بيانه‪ ،‬من أن املطعون ضده األول –أي نصر ابوزيد‪-‬‬
‫قد أفصح مبؤلفاته عما يعد من الكفر الصريح‪ ،‬وأن استتابة املرتد مستحبة وغري واجبة على‬
‫الراجح يف املذهب احلنفي‪ ،‬وأن أثر هذه االستتابة يتعلق بتوقيع حده الردة وال يؤثر يف‬
‫القضاء ابلفرقة اليت تقع على الفور مبجرد الردة بني املرتد وزوجه‪ ،‬وأن احلكم املطعون فيه قد‬
‫انتهى إىل قضاء صحيح) [حمكمة النقض املصرية‪ ،‬الطعن رقم ‪ 478‬لسنة ‪ 65‬ق أحوال‬
‫شخصية]‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫ونصر ابوزيد أنكر أن يكون القرآن من هللا متذرعاً أبن ذلك مينعنا من فهم القرآن ويصبح‬
‫وكأن هللا يكلم نفسه! كما يقول ابوزيد‪:‬‬
‫(إن القول إبهلية النصوص‪ ،‬واإلصرار على طبيعتها اإلهلية؛ يستلزم أن البشر عاجزون‬
‫مبناهجهم عن فهمها‪ ،..‬وهكذا تتحول النصوص الدينية إىل نصوص مستغلقة على فهم‬
‫اإلنسان العادي‪ ،‬وهكذا يبدو وكأن هللا يكلم نفسه ويناجي ذاته‪ ،..‬وإذا كنا هنا نتبىن القول‬
‫ببشرية النصوص الدينية؛ فإن هذا التبين ال يقوم على أساس نفعي آيديولوجي) [نقد اخلطاب‬
‫الديين‪ ،‬ابوزيد‪.]206 ،‬‬
‫بل بلغ التوقح بنصر ابوزيد أنه كان يقول أن غيبيات القرآن (عن هللا واملالئكة اخل) خرافات‬
‫وأساطري‪ ،‬كما يقول‪:‬‬
‫(تتحدث كثري من آيت القرآن عن هللا بوصفه ملِكاً‪ ،‬له عرش وكرسي وجنود‪ ،‬وتتحدث عن‬
‫القلم واللوح‪ ،..‬وكلها تساهم إذا ف ِهمت فهماً حرفياً يف تشكيل صورة أسطورية) [نقد‬
‫اخلطاب الديين‪ ،‬ابوزيد‪.]207 ،‬‬
‫أرأيت مستوى هذا االحنطاط يف التعامل مع القرآن ابعتباره ال ينسب هلل‪ ،‬وأن الغيبيات اليت‬
‫فيه أساطري؟ ايليتك إذن ترى كيف احتفت صحافتنا الليربالية احمللية هبذا املتعدي على كتاب‬
‫‪23‬‬
‫هللا‪ ،‬لقد أقاموا له رقصة تلميع تتمعر منها قلوب املؤمنني‪ ،‬ولي‬
‫هذا موضع إيراد شواهد‬
‫الصحافة الليربالية احمللية‪ ،‬لكن خذ مثاالً واحداً فقط‪:‬‬
‫(ال حيضر نصر حامد أبو زيد يف ذاكريت بوصفه مفكراً عربياً المعاً وحسب‪ ،‬وإمنا إنساانً‬
‫ومثقفاً وشجاعاً من طراز فريد) [صحيفة الريض‪ 8 ،‬يوليو ‪.]2010‬‬
‫وهكذا جتد صحافتنا الليربالية احمللية ِّ‬
‫تروج لكل من يتعدى على القرآن‪ ،‬يف الوقت الذي ترتصد‬
‫فيه للعلماء الرابنيني لتشويه صورهتم االجتماعية‪ ،‬هل هذه صحافة تعرب عن بالد احلرمني‬
‫وجزيرة االسالم ومنطلق دعوة الشيخ حممد بن عبدالوهاب؟! أمل حيق الوقت الجتثاث هذه‬
‫الفئة الضالة اليت ترتبع على إدارة املؤسسة اإلعالمية الليربالية نصرًة لكتاب هللا ومحيةً للقرآن؟!‬
‫أتدري أين موضع الطرافة فعالً؟ حني تتأمل يف كتاابت من خيدعون أنفسهم بتسمية ذواهتم‬
‫(املفكرين العرب) وجتدهم لعقود تلو عقود وهم يتمدحون أبهنم سيأتون ابلنظرايت اجلديدة‬
‫اليت مل أيت هبا األوائل‪ ،‬فإذا طالعت كتاابهتم وجدهتم يتبنون أن القرآن فيه (أساطري) كما كان‬
‫يقول ذلك أركون (الفكر اإلسالمي قراءة علمية‪ ،‬ص‪ ، )84‬وكما يقوله نصر ابوزيد (نقد‬
‫اخلطاب الديين‪ ،‬ص‪ ، )207‬وغريهم‪ ،‬فباهلل عليكم اين اجل ّدة هاهنا؟ هذه عينها نظرية‬
‫مشركي قريش قبل مخسة عشر قرانً! كما حكى هللا مقالتهم فقال‪:‬‬
‫ِ‬
‫ك يـقول الَّ ِذين َك َفروا إِ ْن ه َذا إَِّال أ ِ‬
‫(ح َّىت إِذَا جاء َ ِ‬
‫ني) [األنعام‪]25 ،‬‬
‫َ‬
‫َساطري ْاألَ َّول َ‬
‫َ‬
‫وك جيَادلونَ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪24‬‬
‫شاء لَقلْنَا ِمثْل ه َذا إِ ْن ه َذا إَِّال أَس ِ‬
‫اطري‬
‫آيتـنَا قَالوا قَ ْد ََِس ْعنَا لَ ْو نَ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫(وإِذَا تـ ْتـلَى َعلَْي ِه ْم َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ني)[األنفال‪]31 ،‬‬
‫ْاأل ََّول َ‬
‫ِ‬
‫(وقَالوا أ ِ‬
‫ني ا ْكتَـتَـبـ َها فَ ِهي ُتْلَى َعلَْي ِه ب ْكرةً وأ ِ‬
‫َص ًيال) [الفرقان‪]5 ،‬‬
‫َساطري ْاأل ََّول َ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ايضيعة األعمار من أقو ٍام ظنوا أهنم سيأتون ابالبداع والتحديث‪ ،‬فإذا هي نظرايت الطبقة‬
‫الوثنية املنحطة قبل مخسة عشر قرانً‪ ،‬يعيبون علينا األخذ من ابن تيمية ألنه قدمي قبل سبعة‬
‫قرون‪ ،‬وهم أيخذون نظرايت مشركي قريش قبل مخسة عشر قرانً‪ ،‬مث ال خيجلون من التباهي‬
‫بذم املاضوية!‬
‫إذا كان هذا هو التجديد واالبداع الفكري وهو أخذ نظرايت مشركي قريش فالقضية ميسورة‬
‫جداً وهلل احلمد‪ ،‬ولذلك فالشاب الذي يطمح أن يسلك مسالك املفكرين العرب هؤالء‬
‫فلدي له مقرتح خيتصر عليه الطريق‪ ،‬وهو أن يلتقط ما تبقى من نظرايت مشركي قريش اليت‬
‫عرضها القرآن ويتبناها ابعتبارها جتديداً فكرايً‪ ،‬ويعرضها يف كتاب جديد بلغة متقعرة حتت‬
‫عنوان (قراءة انثروبولوجية جديدة يف القرآن)‪ ،‬أو ميكنه وضعها حتت عنوان آخر (نظرية‬
‫املابعدقرشية‪ -‬رؤية مقاصدية)‪ ،‬وإذا أراد "دليالً إرشادايً" لنظرايت مشركي قريش حبيث خيتصر‬
‫عليه الوقت فلرياجع رسالة الشيخ حممد بن عبدالوهاب (مسائل اجلاهلية) فقد يمع فيها اإلمام‬
‫اجملدد –رمحه هللا‪ -‬أكثر من (‪ )120‬فكرة من أفكار مشركي قريش اليت أبطلها القرآن‪،‬‬
‫‪25‬‬
‫وصدقين مبجرد طرحك هلذا الكتاب ستجد صورتك الشخصية ومقاالت احلفاوة بك يف صدر‬
‫صحفنا السيارة‪ ،‬وستُدعى مباشرة ملؤمترات الفكر العريب لتعرض نظرايتك اجلديدة يف فهم‬
‫اإلسالم وإعادة قراءة الرتاث!‬
‫على أية حال ‪ ..‬دعنا من تصفيق الصحافة الليربالية احمللية ملعتوهي الفكر العريب‪ ،‬ولنعد‬
‫ملوضوعنا عن التصورات الشائعة واملغلوطة عن املال العام‪.‬‬
‫املصلحة تقييد ال ختيري‪:‬‬‫يف ابب السياسة الشرعية يف الفقه اإلسالمي ُمينح ويل األمر مساحة واسعة للتحرك طبقاً‬
‫للمصلحة الشرعية‪ ،‬فباب السياسة الشرعية أغلبه قائم على املصلحة وتقل فيه األحكام الثابتة‬
‫احملددة‪ ،‬والقاعدة الفقهية اليت تنظم هذه القضية هي قاعدة (التصرف على الرعية منوط‬
‫ابملصلحة) وهي قاعدة مبثوثة يف كتب املذاهب الفقهية األربعة‪ ،‬وأحياانً تكون بصياغات‬
‫متقاربة‪.‬‬
‫حسناً ‪ ..‬أين املشكلة إذن؟ املشكلة أن بعض متفقهة السوء الذين حييطون ابلوالة يصورون‬
‫هلم أن معىن هذه القاعدة أن ويل األمر خمري كالتخيري الذي يف خصال الكفارة‪ ،‬أي يكون‬
‫‪26‬‬
‫خمرياً يف التصرف حبسب التشهي والرغبة اخلاصة‪ ،‬وأنه لي‬
‫عليه قيود يف ذلك‪ .‬وهذا تصور‬
‫خاطئ كلياً ملعىن القاعدة‪ ،‬فاملصلحة يف ذاهتا تقييد وليست ختيري‪ ،‬مبعىن أن تصرف ويل األمر‬
‫جيب أن يراعي فيه املصلحة الشرعية‪ ،‬فإن تصرف يف املال العام بغري مراعاة املصلحة دخل يف‬
‫الظلم وخرج عن حد العدل وتعرض لغضب هللا جل وعال‪.‬‬
‫العدل يف اإلقطاع‪:‬‬‫يف شهر ربيع األول عام ‪1394‬هـ اجتمعت اهليئة القضائية العليا يف السعودية وقررت أن‬
‫(اإلقطاع يفيد التملك) [قرار رقم ‪ ،94‬واتريخ ‪ .]1394/3/14‬وهوقرار مشهور‪ ،‬ومضمونه أن ويل‬
‫األمر إذا منح شخصاً مساحة عقارية فيتملكها دون حاجة إلحيائها اإلحياء الشرعي‬
‫املعروف‪.‬‬
‫هذا القرار يرى بعض املراقبني أنه هو املسؤول عن اجتياح كثري من النافذين للعقارات‪ ،‬مث‬
‫تطويق املدن الكربى‪ ،‬ألهنم صاروا يتملكون األراضي بكل سهولة دون حاجة إلحيائها‪ ،‬وهذا‬
‫ما سبب ابلتايل نشوء أزمة العقار واإلسكان يف السعودية‪ ،‬وأعرف أحد اخلرباء املتميزين يف‬
‫هذا اجملال‪ ،‬وهو صديق خاص يل‪ ،‬حدثين أكثر من مرة عن قناعته بتفسري أزمة العقار يف‬
‫السعودية بناء على قرار ‪1394‬هـ الذي اعترب أن اإلقطاع يفيد التملك‪.‬‬
‫‪27‬‬
‫ومثة آخرون قرأت هلم بعض الكتاابت هنا وهناك يزيدون األمر تصعيداً فال يتوقفون عند هذا‬
‫التفسري فقط‪ ،‬بل يرون أن الفقه اإلسالمي وعلماءان هم املسؤولون عن أزمة اإلسكان؛ ألن‬
‫هذا القرار القضائي اختذ ابسم الفقه والعلماء والشريعة‪ ،‬وأن اإلصالح ابلتايل يبدأ من الثورة‬
‫على هذا الفقه التقليدي الذي خلق حالة الشقق السكنية الباهظة وحرم الناس من نعمة‬
‫اإلسكان والتمتع ٍ‬
‫أبرض مناسبة‪.‬‬
‫حسناً ‪ ..‬هذه أطروحة تستحق املناقشة واالحرتام ألصحاهبا‪ ،‬ويف تقديري الشخصي أن‬
‫تفسريهم املطروح هذا غري علمي بتااتً‪ ،‬وأعتقد أن هناك لب‬
‫وسوء فهم انشئ عن عدم‬
‫استيعاب التسلسل التارخيي إلشكالية التملك العقاري يف السعودية‪ ،‬وال ميكن إيضاح املوضوع‬
‫إال بعرض التعاقب التارخيي للقضية‪ ،‬فلنحاول إلقاء الضوء ابتداءً من الفقه اإلسالمي وانتهاءً‬
‫ابلوضع احلايل‪.‬‬
‫من املعروف يف الفقه اإلسالمي أن العقارات ال متلك إال بسبب شرعي للملك مثل (الشراء‪،‬‬
‫اهلبة‪ ،‬اإلرث‪ ،‬اإلحياء‪ ،‬التنفيذ على الرهن‪ ،‬اخل) وحنوها من العقود والتصرفات الناقلة للملكية‪.‬‬
‫‪28‬‬
‫وهاهنا يبدأ السؤال‪ :‬إذا قام ويل األمر ومنح شخصاً ما قطعة أرض من عقار املال العام‬
‫للمسلمني‪ ،‬بدون شراء وال ٍ‬
‫إحياء وال غريه من أسباب امللك؛ فهل ميلك هذا الشخص هذه‬
‫القطعة من األرض مبجرد هذه املنحة‪ ،‬واليت تسمى (اإلقطاع) ؟‬
‫وهذا سؤال لي سؤاالً افرتاضياً‪ ،‬فكثريٌ من الناس وخصوصاً من النافذين حيصلون على‬
‫مساحات شاسعة من األراضي إما من ويل األمر مباشرة‪ ،‬أو من أراضي أحد الوزارات‬
‫احلكومية‪ ،‬فهل ُمتلك عقارات املال العام مبجرد هذا اإلقطاع؟‬
‫احلقيقة أن هذه املسألة فيها خالف بني الفقهاء‪ ،‬فاملالكية يرون أن اإلقطاع بنفسه يفيد‬
‫امللك‪ ،‬فيجوز ملن أخذ األرض أن يتصرف فيها مباشرة ابلبيع حىت ولو مل حييها‪ ،‬كما يقول ابن‬
‫رشد اجلد‪:‬‬
‫(إذا أقطعه شيئا من املوات ليحييه يستحقه بنفس اإلقطاع‪ ،‬فيورث عنه‪ ،‬ويكون له أن‬
‫يتصرف فيه مبا شاء من بيع أو غريه) [البيان والتحصيل‪ ،‬ابن رشد اجلد‪.]301/10 ،‬‬
‫‪29‬‬
‫ومل يستث ِن ابن رشد –رمحه هللا‪ -‬إال حالة إمهال األرض وبني أهنا تسوغ لويل األمر انتزاع‬
‫العقار‪ ،‬لكن القضية اجلوهرية وهي التملك بنف‬
‫اإلقطاع‪ ،‬والذي يفيد مشروعية التصرف‬
‫ابألرض مباشرة بيعاً وإجارةً ورهناً اخل‪ ،‬فهذا يقول به املالكية بال إشكال لديهم‪.‬‬
‫وأما اجلمهور (احلنفية والشافعية واحلنابلة) فريون أن اإلقطاع نفسه ال يثبت به امللك‪ ،‬بل ال بد‬
‫من إحياء األرض حىت يكون سبباً شرعياً للملك‪ ،‬إذن ما فائدة اإلقطاع عندهم؟ اإلقطاع‬
‫عندهم يفيد االختصاص واألولوية فقط‪ ،‬مبعىن أن املقطع يقدم على غريه يف إحياء األرض‬
‫املقطعة‪.‬‬
‫كما يقول الكاساين احلنفي عندما تعرض لإلقطاع (امللك يف املوات يثبت ابإلحياء) [بدائع‬
‫الصنائع‪ ،‬الكاساين]‪.‬‬
‫ويقول املاوردي الشافعي (اإلقطاع ال يوجب التمليك) [احلاوي الكبري‪ ،‬املاوردي‪]482/7 ،‬‬
‫وأما احلنابلة فهم أشد املذاهب يف منع التملك ابإلقطاع‪ ،‬واشرتاط اإلحياء‪ ،‬قال البهويت‪:‬‬
‫(وال ميلكه ‪-‬أي املوات‪ -‬ابإلقطاع؛ ألنه لو ملكه ما جاز اسرتجاعه‪ ،‬بل يصري املقطَع‬
‫كاملتحجر الشارع يف اإلحياء؛ ألنه ترجح ابإلقطاع على غريه) [كشاف القناع‪ ،‬البهويت]‪.‬‬
‫‪30‬‬
‫وسبب خالف الفقهاء يف هذه املسألة اختالفهم يف تفسري نصوص اإلقطاع الواردة عن النيب‬
‫–صلى هللا عليه وسلم‪ -‬منها‪ :‬أن النيب أقطع الزبري أرضاً من أموال بين النضري (البخاري‪)3151‬‬
‫‪ ،‬وأن النيب دعا األنصار ليقطع هلم من البحرين (البخاري‪ ، )3163‬وأن النيب أقطع وائل بن‬
‫حجر أرضاً يف حضرموت (ابوداود‪ 3060‬وصححه ابن امللقن يف البدر املنري)‪ ،‬وأن النيب أقطع‬
‫بالل بن احلارث العقيق أيمع (احلاكم‪1467‬وفيه ضعف)‪.‬‬
‫ومثة نصوص أخرى ال جمال لعرضها‪ ،‬ومن أحسن من رأيته استوعب نصوص اإلقطاع النبوي‬
‫البيهقي يف السنن الكربى‪ ،‬واحلقيقة أنه ليست هذه املسألة فقط‪ ،‬بل أكثر مسائل األحكام‬
‫الفروعية اليت فيها أحاديث وفرية جتد البيهقي غالباً من أحسن من يسوق أحاديثها رمحه هللا‪.‬‬
‫واملراد أن اختالف الفقهاء يف مسألة هل اإلقطاع يفيد امللك أم يفيد االختصاص فقط؟ انشئ‬
‫عن اختالفهم يف تفسري أحاديث اإلقطاع النبوي‪ .‬فاجلمهور حيملون هذه األحاديث على أهنا‬
‫لألولوية وال يتحقق امللك إال ابإلحياء فيفسروهنا على ضوء (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)‪،‬‬
‫واملالكية حيملوهنا على ظاهرها وأهنا متليك حمض‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫حسناً ‪ ..‬دعنا ننتقل اآلن من الفقه اإلسالمي إىل القضاء الشرعي يف السعودية‪ ،‬وكيف تعامل‬
‫القضاء الشرعي مع هذه املسألة؟‬
‫يعرف املختصون أن أهم مصدر يكشف اتريخ القضاء الشرعي يف السعودية هو جمموع فتاوى‬
‫رئي‬
‫القضاة يف زمنه الشيخ حممد ابن ابراهيم رمحه هللا‪ ،‬واليت يمعت فيها أقضيته وأحكامه‬
‫ومراسالته للقضاة وللمسؤولني‪ ،‬وتتمتع فتاوى وأقضية الشيخ حممد ابن ابراهيم بوزن استثنائي‬
‫يف الداخل القضائي السعودي‪ ،‬فال يقارهبا أي مصدر آخر فضالً عن أن يعادهلا‪ ،‬حيث‬
‫يتعامل معها القضاة ايعتبارها أشبه ما تكون بـ(سوابق قضائية حاكمة)‪.‬‬
‫على أية حال ‪ ..‬حني نعود ألقضية الشيخ ابن ابراهيم نالحظ محاساً منقطع النظري لدى‬
‫الشيخ ‪-‬رمحه هللا‪ -‬العتبار أن اإلقطاع ال يفيد التملك‪ ،‬والتشديد يف هذه املسألة‪ ،‬وأنه ال بد‬
‫من اإلحياء وإال تنتزع األرض من املقطع‪ ،‬وأن ال يكون اإلقطاع إال بقدر قدرته على اإلحياء‪.‬‬
‫ُ‬
‫ونصوص الشيخ حممد بن ابراهيم كثرية جداً يف هذه املسألة سأقتطف بعضها‪ ،‬فمن ذلك قول‬
‫الشيخ يف خطاب أرسله إىل رئي جمل الوزراء شارحاً فيه خالصة رأيه‪:‬‬
‫‪32‬‬
‫(للحكومة إقطاع املوات‪ ،‬وهذا اإلقطاع ال يعطي املقطَع حق التملك‪ ،‬وإمنا يعطيه حق‬
‫االختصاص واألولوية على غريه حىت حيييها‪ ،‬ويضرب له مدة يتمكن يف أثنائها من اإلحياء‪،‬‬
‫فإن أحياها وإال نزعت منه) [جمموع فتاوى ابن ابراهيم]‪.‬‬
‫وأشار الشيخ مرًة إىل وجه قلقه من هذه املسألة‪ ،‬وهي أن اإلقطاع هبذا الشكل قد يكون‬
‫ذريعة اىل استغالله مالياً على حساب الناس‪ ،‬فتصبح األرض كأهنا ورقة جتارية (شيك) حبيث‬
‫يقتطعها اليوم جماانً ويبيعها على الناس غداً أبرفع األسعار‪ ،‬حيث ذكر الشيخ عبارة احلنابلة‬
‫وعلق عليها بقوله‪:‬‬
‫(هلذا قالوا "إقطاع املوات ملن حيييه"‪ ،‬أما إقطاع قطعة كبرية ملن أيخذ ورقتها اليوم‪ ،‬وبعد أيم‬
‫أيخذ نصف املليون‪ ،‬فهذا الجيوز) [جمموع فتاوى ابن ابراهيم]‪.‬‬
‫بل إنه ملا صدرت أحد األنظمة املتعلقة ابلعقار أرسل وزير الزراعة حينها األستاذ حسن‬
‫املشاري نسخة للشيخ حممد بن ابراهيم لرياجعها‪ ،‬وهو إجراء معتاد‪ ،‬فماذا صنع الشيخ؟ تذكر‬
‫مباشرة قضيته اليت اهتم هبا وهي تطويق االقطاعات وفتح اجملال للمحتاجني ليتملكوا‪ ،‬جاء يف‬
‫ملحوظات الشيخ اليت أرسلها لوزير الزراعة‪:‬‬
‫(قد جرى يف املاضي إقطاع أراضي زراعية من ويل األمر‪ ،‬ومل يقم بعض من أقطع تلك‬
‫األراضي إبحيائها‪ ،‬فينبغي وضع مادة ختول وزارة الزراعة إعطاء من أ ِ‬
‫قطعت له مهلة كافية‬
‫‪33‬‬
‫إلحيائها‪ ،‬فإذا مل حييها يف تلك املدة فتأخذها الوزارة وتعطيها ملن حيييها مبوجب هذا‬
‫النظام)[جمموع فتاوى ابن ابراهيم]‪.‬‬
‫حسناً ‪ ..‬استمرت األمور مستقرة على هذا النحو حىت منتصف الثمانينات اهلجرية‪ ،‬ويف هذه‬
‫املرحلة الزمنية حدثت متغريات تقنية قلبت مفهوم اإلحياء رأساً على عقب‪ ،‬حيث تطورت‬
‫وسائل البناء واإلنشاءات والتقنيات الزراعية‪ ،‬فأصبح إحياء آالف الكيلومرتات ال يكلف‬
‫أسبوعاً واحداً‪ ،‬وخصوصاً إذا استحضران تفاوت أعراف "اإلحياء" بني مناطق اململكة‪ ،‬ففي‬
‫املنطقة الوسطى مثالً يشرتط وجود البئر‪ ،‬ويف املنطقة اجلنوبية حيث أكثر اإلحياء هو إحياء‬
‫"بعلي" يعتمد على األمطار يكفي يف اإلحياء بناء سور حىت لومل يكن يغطي طول الرجل‬
‫املعتاد (‪70‬سم)‪ ،‬ويف املنطقة الغربية ال يكتفون بذلك‪ ،‬بل يشرتطون أن يكون السور يغطي‬
‫طول الرجل املعتاد‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫واملراد أنه حني تطورت وتيسرت وسائل البناء واإلنشاءات حدثت يف السعودية يف منتصف‬
‫الثمانينات ما ميكن تسميته (طفرة حجج االستحكام)‪ ،‬فصار كثري من األثرايء الذين‬
‫يستطيعون متويل كلفة اإلنشاءات يتناهبون األراضي البور‪ ،‬إبحيائها أبقل كلفة‪ ،‬مث يستصدرون‬
‫حجج االستحكام بكل يسر وسهولة‪ ،‬وهو ما يعين أن األجيال اجلديدة لن جتد مكاانً جتل‬
‫فيه‪ ،‬حىت أن كثرياً من هذه احلجج تصل إىل مخسني ألف مرت مربع‪ ،‬بل حيدثين أحد األصدقاء‬
‫‪34‬‬
‫وهو ٍ‬
‫قاض يف املنطقة اجلنوبية أن إصدار حجة استحكام لعشرة آالف مرت مربع كان يعترب يف‬
‫نظر زمالئه القضاة يف احملكمة مساحة صغرية ال تستدعي التطويل على املراجع‪ ،‬فيكفي‬
‫ُ‬
‫الشاهدين واملزكني على حصول اإلحياء الشرعي بشروطه إلصدار احلجة يف مدة وجيزة!‬
‫يف هذه الظروف وحتت إحلاح الكثري من املعنيني لضبط القضية؛ صدر األمر السامي رقم‬
‫(‪ )21679‬واتريخ ‪1387/11/9‬هـ‪ ،‬إبيقاف اإلحياء الشرعي بعد هذا التاريخ‪ ،‬فأي إحياء‬
‫حدث قبل هذا التاريخ فيسمع اإلهناء حبجة االستحكام فيه‪ ،‬وأي إحياء شرعي وقع بعد هذا‬
‫التاريخ فال تسمع‪ ،‬ضمن تفاصيل أخرى ال جمال إليرادها‪.‬‬
‫بعد إيقاف اإلحياء الشرعي بعد هذا التاريخ ‪1387‬هـ أصبح شرط "اإلحياء" يف اإلقطاع‬
‫شرطاً تعجيزايً‪ ،‬ألن ويل األمر إذا أقطع أحداً أرضاً فال ميكن أن حيييها ألن اإلحياء مت إيقافه‬
‫أصالً‪ ،‬فصار يستحيل العمل بقول اجلمهور هاهنا وهو اشرتاط اإلحياء يف اإلقطاع!‬
‫حتضر لربامج املنح العقارية السكنية‪ ،‬وهي املنح القدمية اليت‬
‫مث يف التسعينات بدأت احلكومة ّ‬
‫كانت تعطى خلرجيي اجلامعات‪ ،‬وألعضاء هيئة التدري ‪ ،‬وحنوهم‪ ،‬حىت أن بعض األحياء يف‬
‫‪35‬‬
‫مدينة الرايض كانت تسمى قدمياً‪ :‬حي اجلامعيني‪ ،‬وحي الدكاترة‪ ،‬وحنوها من األمساء‪ ،‬بسبب‬
‫كثرة املنح العقارية السكنية من احلكومة فيها‪.‬‬
‫ولكن هذه الربامج للمنح العقارية أصبح من املستحيل تنفيذها‪ ،‬ألن اإلحياء أوقف ابألمر‬
‫السامي ‪1387‬هـ‪ ،‬فكيف يستطيعون إحياء األراضي لتملكها واإلحياء مت إيقافه أصالً؟!‬
‫اق من البلدية‪ ،‬وال‬
‫فصارت تلك املنح تسبب إشكاالت يف احملاكم‪ ،‬فلي مع أصحاهبا إال أور ٌ‬
‫يستطيعون اإلحياء ملنعه‪ ،‬واحملاكم ال جتد طريقاً لتثبيت ملكياهتم‪.‬‬
‫ويف هذه الظروف اجتمعت اهليئة القضائية العليا عام ‪1394‬هـ وأخذت برأي املالكية الذي‬
‫يرى أن اإلقطاع بنفسه يفيد التملك‪ ،‬وبعد ذلك وزعت األراضي على الشرحية املستهدفة‬
‫بكثرة‪ ،‬ومت تثبيت امللكيات بيسر وسهولة يف احملاكم‪ ،‬وكان هذا القرار تفرجياً للناس لتثبيت‬
‫ملكياهتم من املنح السكنية‪.‬‬
‫وخالصة األمر‪ ،‬أن من أتمل اتريخ اإلحياء واإلقطاع يف السعودية‪ ،‬وكيف كان قرار اهليئة‬
‫القضائية العليا ‪ 1394‬حالً ألزمة عميقة تضر مبلكيات املنح السكنية للناس؛ سيعلم حجم‬
‫‪36‬‬
‫الوهم لدى من يتصور أن هذا القرار هو املسؤول عن أزمة العقار واإلسكان‪ ،‬أومن يقول أن‬
‫هذا القرار مت استصداره لتغطية الفساد العقاري يف السعودية‪.‬‬
‫بل لو أتمل من يطرح هذا التفسري ويريد حتميل قضاتنا الشرعيني الشرفاء مغبة أزمة اإلسكان‬
‫يف فحوى هذه األطروحة ألدرك أن مؤداها أن الفساد العقاري مل يقع يف السعودية إال بعد‬
‫‪1394‬هـ‪ ،‬وهذا وهم كبري حبجم حبرية طرباي‪ ،‬فالصكوك العقارية املتسممة تعود إىل الثمانينات‬
‫والتسعينات قبل هذا القرار القضائي املسكني‪.‬‬
‫والطريف يف األمر أن مشاخينا املعاصرين بقو متمسكني بكون اإلقطاع ال يفيد التملك‪ ،‬ومل‬
‫أيخذوا برأي اهليئة القضائية العليا‪ ،‬ومن ذلك قول الشيخ ابن عثيمني ملا تعرض لإلقطاع‪:‬‬
‫(األقرب أنه ال ميلكه‪ ،‬وأنه أحق به‪ ،‬مث إن أحياه فهذا املطلوب‪ ،‬وميلكه ابإلحياء‪ ،‬وإن مل حييه‬
‫وتقدم متشوف إلحيائه؛ وجب على اإلمام أن يقول للذي أقطعه‪ :‬إما أن حتييه‪ ،‬وإما أن ترفع‬
‫يدك‪ ،‬ويضرب له مدة ميكنه أن حيييه فيها) [الشرح املمتع‪.]335/10 ،‬‬
‫ويقول رحيانة الثابتني الشيخ صاحل الفوزان حفظه هللا‪:‬‬
‫‪37‬‬
‫(لكن ال ميلكه مبجرد اإلقطاع حىت حيييه‪ ,‬بل يكون أحق به من غريه‪ ,‬فإن أحياه ملكه‪ ,‬وإن‬
‫عجز عن إحيائه؛ فلإلمام اسرتجاعه وإقطاعه لغريه ممن يقدر على إحيائه) [امللخص الفقهي‪،‬‬
‫‪.]182/2‬‬
‫واملراد أن قرار اهليئة القضائية ال أتثري له يف أزمة العقار واإلسكان كلياً‪ ،‬ذلك أن اهليئة القضائية‬
‫سواءً أخذت برأي اجلمهور وابن تيمية وحممد بن ابراهيم وابن عثيمني والفوزان أبن اإلقطاع ال‬
‫يفيد التملك بنفسه بل جيب إحياء العقار‪ ،‬أو أخذت اهليئة القضائية برأي املالكية أبن‬
‫اإلقطاع بنفسه يفيد التملك بال إحياء؛ فسواءً أخذت اهليئة أبي الرأيني فاملشكلة ال زالت‬
‫قائمة‪ ،‬ألن تكنولوجيا الزراعة والبناء واإلنشاءات تطورت تطوراً مذهالً‪ ،‬وأصبحت وسائل‬
‫اإلحياء يف غاية اليسر والسهولة‪ ،‬فإن كان اإلقطاع ال يفيد التملك إال ابإلحياء فتستطيع‬
‫الشخصية الفاسدة أن حتيي هضبة كاملة يف ظرف أسبوع!‬
‫إذن أين جوهر املشكلة؟ جوهر املشكلة أعمق بكثري بكثري من قرار قضائي يف ظروف اترخيية‬
‫معروفة وله اعتباره الفقهي‪ ،‬جوهر املشكلة حقاً يف غياب نظام شفاف وعادل لتوزيع األراضي‬
‫بني أفراد اجملتمع املسلم‪ ،‬وليست القضية يف قرار هنا أو قرار هناك يراد أن ترمى عليه أضخم‬
‫مشكلة يف السعودية وهي أزمة اإلسكان‪.‬‬
‫‪38‬‬
‫أعتقد أن القول أبن قرار اهليئة القضائية العليا ‪1394‬هـ هواملسؤول عن الفساد العقاري يف‬
‫السعودية فيه تضحيل فقهي واترخيي‪ ،‬الضحالة الفقهية من جهة ضعف استيعاب االعتبارات‬
‫الشرعية هلذا القول واملصاحل العظيمة املرتتبة عليه‪ ،‬والضحالة التارخيية من جهة ضعف‬
‫استيعاب دوره يف التفريج للناس لتثبيت ملكيات منحهم‪.‬‬
‫مبعىن آخر‪ :‬لو كان اإلقطاع ال يفيد التملك فكيف ميكن منح الناس أر ٍ‬
‫اض سكنية؟!‬
‫وأما من يتصور أبن قول اجلمهور أبن (اإلقطاع ال يفيد التملك إال ابإلحياء) قول فقهي ال‬
‫ميكن استغالله‪ ،‬فهو واهم‪ ،‬فحىت هذا القول ميكن استغالله‪ ،‬وتستطيع الشخصية الفاسدة أن‬
‫حتيي مئات اآلالف من األمتار بكل يسر بعد ثورة وسائل اإلنشاءات‪.‬‬
‫ليست القضية يف القول الفقهي نفسه‪ ،‬فكال القولني الفقهيني ميكن للشخصية الفاسدة‬
‫االحتيال عليهما‪ ،‬وإمنا القضية يف النظام الذي سيطبق هذا القول الفقهي‪.‬‬
‫أعين أن أساس املشكلة هو غياب (العدل يف اإلقطاع) فلو استوى الناس يف استالم إقطاعات‬
‫هلم عرب آلية عادلة وواضحة‪ ،‬ومل يتم حماابة قريب أو صديق‪ ،‬لكانت قضية االقطاع هل يفيد‬
‫التملك بنفسه أم ابإلحياء قضية اثنوية‪ ،‬بل ألصبح القول أبن اإلقطاع يفيد التملك بنفسه‬
‫‪39‬‬
‫أكثر حتقيقاً للمصلحة الشرعية للناس‪ ،‬حىت ال يكلف الناس اإلحياء ألجل قطع صغرية‬
‫حيتاجوهنا وال ميلكون سيولة مالية حاضرة إلحيائها‪.‬‬
‫وغياب العدل الشرعي يف اإلقطاع ويف توزيع األراضي على املسلمني من أكثر األمور إيالماً‬
‫للمتابع‪ ،‬فكثري من الشخصيات النافذة اليوم خالفت فريضة العدل الشرعي يف اإلقطاع‪،‬‬
‫فصارت متد سياجها الطويل حتمي من أراضي املسلمني مزارع شخصية هلا‪ ،‬وقبل عدة سنوات‬
‫ملا كنت أعمل فعلياً يف قطاع احملاماة وتعاملت مع بعض هذه القضااي؛ اكتشفت أن بعض‬
‫النافذين الذين فتنوا اببتالع عقارات املسلمني‪ ،‬اكتشفت أن جبانبهم شخصيات منتسبة للعلوم‬
‫الشرعية أو من رجيع كتاابت العدل‪ ،‬تزين هلم ذلك‪ ،‬وتقنعهم أبن ذلك ال خيالف الشريعة‪،‬‬
‫وأن لويل األمر أن يقطع ماشاء من شاء‪ ،‬وأن هذا حق خاص لويل األمر‪ ،‬وحنو ذلك‪ ،‬ولو‬
‫أتمل هؤالء لعلموا أن هذه الشخصيات الدينية الفاسدة اليت تزين هلم ذلك أهنم هم أعداؤهم‬
‫على احلقيقة‪ ،‬فليتأمل اإلنسان كيف ال ميضي أسبوع إال ويقال أحسن هللا عزاءك يف فالن‪،‬‬
‫ِ‬
‫يؤمن املرء أن يكون اجلنازة القادمة؟! واإلنسان ال يستطيع أن يتحمل ذنب عقار واحد‬
‫فما ّ‬
‫ظلمه‪ ،‬فكيف إذا طوقه من سبع أرضني يوم القيامة؟!‬
‫‪40‬‬
‫ورب هاتيك العقارات املسيّجة أن من ينصح ألصحاهبا ويذكرهم ابهلل أنه هو الذي أراد هلم‬
‫ِّ‬
‫اخلري والسالمة والسعادة األبدية‪ ،‬ومن يربت على أكتافهم ويزينها هلم أنه هو اللئيم الذي‬
‫سيكردسهم يف أطواق من سبع أرضني يوم القيامة‪.‬‬
‫على أية حال ‪ ..‬الدرس األهم يف هذه القضية برمتها أن يميع األطروحات اليت تومهت أن‬
‫مشكلة التنمية تبدأ ابلصراع مع الفقه والفقهاء والفتوى احمللية‪ ،‬أو أن أزمة السكن بسبب قول‬
‫فقهي تبناه قضاتنا الشرعيون الشرفاء؛ أهنا أطروحات تضيع الوقت وتتسلى مبعابثة الطرف‬
‫األضعف‪ ،‬وهذا جمرد شاهد جديد على أن اإلصالح يف السعودية لي مسألة فقهية بل إرادة‬
‫سياسية‪.‬‬
‫ملاذا تعثر نظام املال العام‪:‬‬‫أحد عشر عاماً‪ ،‬تصرمت عاماً بعد عام‪ ،‬وحنن نشاهد مشروع (نظام محاية األموال العامة‬
‫ومكافحة سوء استعمال السلطة ) خيرج من هيئة الرقابة والتحقيق‪ ،‬مروراً مبجل‬
‫الشورى‪،‬‬
‫الوزراء؛ مث يعود الكرة مرًة أخرى من حيث ابتدأ! هل ايترى‬
‫وانتهاءً هبيئة اخلرباء مبجل‬
‫يطوف هذا النظام املسكني يف هذه احللقة املفرغة ألسباب فنية حبتة‪ ،‬أم أن األمر بفعل فاعل‬
‫لغاايت غامضة؟‬
‫‪41‬‬
‫تبدأ القصة من أنه يف عام ‪1420‬هـ تقدمت أهم مؤسسة سعودية معنية ابلفساد اإلداري‬
‫وهي مؤسسة الرقابة والتحقيق مبشروع نظام امسه (نظام محاية األموال العامة ومكافحة سوء‬
‫استعمال السلطة)‪ ،‬من واقع خربة املؤسسة يف حفظ املال العام‪ ،‬واملشكالت واليت كانت‬
‫تعانيها‪ ،‬والثغرات اليت حتتاج لتغطيتها مبواد نظامية متنحها الصالحيات ملعاجلة الوضع‪ ،‬واحلقيقة‬
‫فصل عن حفظ األموال العامة‪ ،‬وفصل‬
‫أن النظام نص على مبادئ ممتازة‪ ،‬وينقسم إىل فصلني؛ ٌ‬
‫عن مكافحة سوء استعمال السلطة‪ ،‬ومن املبادئ اليت قررها النظام‪ :‬مساءلة من تدورشبهات‬
‫حول ثروته‪ ،‬وإلزام اجلهات الداخلية واخلارجية املتعاقدة مع أجهزة احلكومة على الكشف عما‬
‫إذا كانت قد دفعت عموالت ألي وسطاء‪ ،‬منح مكافأة ألي مواطن يكشف فساداً يف املال‬
‫العام‪ ،‬مضاعفة التعزيرات املتعلقة ابالختالس من املال العام‪ ،‬تشديد العقوبة على سائر‬
‫أشكال استغالل السلطة والنفوذ‪ ،‬وغري ذلك‪.‬‬
‫كان جمل‬
‫الشورى يعلن بشكل دوري عن نتائج معاجلاته ودراسته للنظام‪ ،‬مث أعلن اجملل‬
‫بعد سنوات انتهاءه من النظام وإرساله جملل‬
‫األخبار من هيئة اخلرباء مبجل‬
‫الوزراء العتماده‪ ،‬وبعد انتظار طويل‪ ،‬تسربت‬
‫الوزراء أن النظام لن يعتمد‪ ،‬بل سيعاد من جديد لنف‬
‫الدورة البريوقراطية‪ ،‬وسيقسم إىل نظامني‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫أحد عشر عاماً من االنتظار ومع ذلك سيعود النظام من جديد من حيث ابتدأ‪ ،‬من املسؤول‬
‫عن عرقلة األمور والتعنت الشكلي يف نظام مي شراين مصاحل املسلمني وهو املال العام؟!‬
‫هذه إشكالية حتتاج لتفسري فعالً‪ ،‬لكن قبل أن حناول سوايً تفسريها‪ ،‬دعنا نتأمل منوذجاً آخر‬
‫مشابه وهو (االسرتاتيجية الوطنية حلماية النزاهة ومكافحة الفساد) واليت أعلنت يف اجلريدة‬
‫الرمسية قبل ثالث سنوات (أم القرى‪1428/2/26 ،‬هـ) ‪ ،‬ونصت االسرتاتيجية على إنشاء‬
‫(اهليئة الوطنية ملكافحة الفساد)‪ ،‬ومنذ صدور االسرتاتيجية ونشرها يف اجلريدة الرمسية وحنن إىل‬
‫اليوم ال ح‬
‫وال خرب‪ ،‬فلم يتم إنشاء هيئة مكافحة الفساد‪ ،‬ومل يتم تفعيل االسرتاتيجية‪،‬‬
‫والسؤال مرًة أخرى‪ :‬من املسؤول عن عرقلة األمور يف نظم مت‬
‫شراين مصاحل املسلمني وهو‬
‫املال العام؟!‬
‫ملاذا تعثر نظام محاية األموال العامة طوال أحد عشر عاماً‪ ،‬وملاذا ماتت دماغياً االسرتاتيجية‬
‫الوطنية ملكافحة الفساد؟‬
‫بل دعنا أنخذ املقارنة بصورة أكثر واقعية‪ :‬ملاذا جند سرعة هائلة وتداعي وتنادي لتطبيق‬
‫القرارات املتعلقة ابالختالط بني اجلنسني‪ ،‬بينما جند أنظمة محاية املال العام تتثاءب طوال‬
‫العام؟‬
‫‪43‬‬
‫مثة تفسريات متعددة مطروحة‪ ،‬بعضها يرى أن هذه هي طبيعة األمور‪ ،‬وأن اإلجراءات اإلدارية‬
‫الرمسية بطيئة السري دوماً‪ ،‬لكن هذا تفسري غري مقبول‪ ،‬ألننا رأينا نظماً أخرى متر بسرعات‬
‫نفاثة‪.‬‬
‫يف تقديري الشخصي أننا ميكن أن نفهم سر هذا التأخر يف إرساء نظم محاية املال العام لو‬
‫حاولنا حتليل املشروعات اليت طرحت مؤخراً‪ ،‬فقد نبّه كثري من اخلرباء إىل أن املشروعات‬
‫األخرية اليت أعلن عنها خصص هلا ميزانيات تفوق أضعاف كلفتها الطبيعية‪ ،‬وطرح كثري من‬
‫املختصني مقارانت بني بعض املشروعات ومشروعات مماثلة يف دول أخرى‪ ،‬هذه الظاهرة‬
‫ميكن تسميتها (مشروعات ِضعف التكلفة)‪.‬‬
‫واحلقيقة أن (مشروعات ِضعف التكلفة) هي املفتاح الذي سيمكننا من فهم التعثر يف نظم‬
‫محاية املال العام‪ ،‬فال شك أن األطراف املنتفعة من الفساد يف ميزانيات هذه املشروعات‬
‫ستلعب دوراً كبرياً يف عرقلة األنظمة اليت ستفسد عليها غنائمها‪ ،‬هذه الشخصيات النافذة‬
‫املستفيدة من (مشروعات ضعف التكلفة) ال ميكن أن ترى األايدي متتد لتغلق الصنبور وتقف‬
‫مكتوفة أمامها‪.‬‬
‫‪44‬‬
‫ومما يزيد األمور تعقيداً أن الصحافة الليربالية صنعت دوايً إصالحياً هائالً عندما أعلن عن‬
‫مشروع نظام محاية األموال العامة‪ ،‬واالسرتاتيجية الوطنية ملكافحة الفساد‪ ،‬بينما مل يوجد أي‬
‫خطوة حقيقية على األرض!‬
‫البنية النظامية احلالية ملقاومة الفساد يف املال العام‪:‬‬‫هذا التعثر يف نظام محاية األموال العامة‪ ،‬واالسرتاتيجية الوطنية ملكافحة الفساد؛ ال يعين أننا‬
‫ال منلك أي وسائل نظامية حلفظ املال العام‪ ،‬كال‪ ،‬بل هناك منظومة من األنظمة واملؤسسات‬
‫اهلامة جيب االستفادة منها‪ ،‬ومن أهم أجبدايت اإلصالح الشرعي (االنطالق من املوجود)‪،‬‬
‫فبعض الناس ممن حيمل روحاً ثورية ساذجة يطيب له أن يصور األمور أبعلى ما ميكن من‬
‫التصوير التشاؤمي‪ ،‬وأظن أن السبب الرئي‬
‫يف ذلك هو جهل مثل هؤالء أصالً ابلواقع‪،‬‬
‫ولذلك حياول تعويض جهله ابملزايدة على التصعيد السياسي‪.‬‬
‫حسناً‪ ..‬ماهي النظم واملؤسسات اليت ميكن االنطالق منها وتطويرها حلفظ املال العام الذي‬
‫هو شراين مصاحل املسلمني؟ هناك جمموعة أنظمة‪ ،‬وعدة مؤسسات؛ فأما األنظمة فأمهها‪:‬‬
‫‪45‬‬
‫نظام حماكمة الوزراء (‪1380‬هـ) وقد نص على جترمي استغالل الوزير لنفوذه للحصول على‬‫مصاحل شخصية‪ ،‬وتدخل الوزراء يف القضاء أو يف دوائر حكومية أخرى‪ ،‬وتضييع الوزيرحلقوق‬
‫األفراد‪ ،‬ولكنه جعل حماكمة الوزراء عن طريق هيئة تشكل من ثالثة وزراء‪ ،‬ويقوم بوظيفة‬
‫االدعاء العام من خيتاره رئي جمل الوزراء! وهذا السبب يف موت هذا النظام اهلام لألسف‪.‬‬
‫املرسوم امللكي رقم (‪ )43‬واتريخ ‪1377‬هـ‪ ،‬ونص على جترمي اهلدااي واإلكراميات واستغالل‬‫الوظيفة ملصلحة شخصية وتكليف املوظفني مبا ال جيب عليهم والرواتب الصورية وغريها‪،‬‬
‫وحدد بعض العقوابت التعزيرية‪ ،‬وهذا املرسوم له وزنه يف هيئة الرقابة والتحقيق‪ ،‬ولكن املشكلة‬
‫أنه مرسوم قدمي‪ ،‬بل قدمي جداً‪ ،‬فقد مضى عليه أكثر من نصف قرن‪ ،‬فهل من الالئق أن‬
‫نعامل املال العام مبرسوم صدر قبل أكثر من نصف قرن!‬
‫ومنها‪ :‬نظام مباشرة األموال العامة (‪1395‬هـ) وقد نص النظام على بعض صور العبث‬‫ابملال العام‪ ،‬وبعض إجراءات اجلرد احملاسيب حلفظ املال‪ ،‬لكن النظام قدمي فقد مضى عليه‬
‫(‪ )26‬سنة وواضح من صياغته فعالً ارتباطه ابهلياكل اإلدارية القدمية‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫ومنها‪ :‬نظام مكافحة الرشوة (‪1412‬هـ) وقد نص على صور الرشوة والعطية والتوصية‬‫والوساطة يف األموال العامة وحدد عقوابهتا التعزيرية‪ ،‬وهو نظام صارم وجيد‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬نظام مكافحة التزوير (‪1382‬هـ) وعاجل تزوير وسائل املصادقة والواثئق واالنتحال يف‬‫الدوائر احلكومية‪ ،‬وتعرض لألموال اليت تدخل يف ذمة الشخص بسبب التزوير‪.‬‬
‫ومثة أنظمة أخرى تتعلق بتأديب املوظفني وغري ذلك‪.‬‬
‫وأما املؤسسات املعنية بصيانة ومراقبة املال العام والفساد اإلداري فأمهها مؤسستان؛ هيئة‬
‫الرقابة والتحقيق‪ ،‬وديوان املراقبة العامة‪.‬‬
‫فأما (هيئة الرقابة والتحقيق) فهي متثل تقريباً "نيابة إدارية" وقد خوهلا النظام ابختصاصات‬
‫دقيقة يف مراقبة الفساد اإلداري‪ ،‬حيث ينص النظام على أنه‪:‬‬
‫(ختتص اهليئة إبجراء الرقابة الالزمة للكشف عن املخالفات املالية واإلدارية) [نظام أتديب‬
‫املوظفني‪ ،‬م‪]5‬‬
‫‪47‬‬
‫ومنح النظام هيئة الرقابة والتحقيق صالحيات واسعة للقيام هبذه املهمة والتحقيق مع اجلهات‬
‫احلكومية كما تقول املادة الثامنة مثالً‪:‬‬
‫(على اجلهات احلكومية ُتكني احملقق من األطالع على ما يرى لزوم األطالع عليه من‬
‫األوراق واملستندات وغريها‪ ،‬وتفتيش أماكن العمل إذا تطلب التحقيق ذلك‪ ،‬حبضور الرئيس‬
‫املباشر)[نظام أتديب املوظفني‪ ،‬م‪.]8‬‬
‫وأما (ديوان املراقبة العامة) فقد نص املنظم على تكليفه ابلرقابة على املال العام والفساد‬
‫اإلداري كما يقول النظام‪:‬‬
‫(خيتص الديوان ابلرقابة الالحقة على مجيع إيرادات الدولة‪ ،‬ومصروفاهتا‪ ،‬وكذلك مراقبة كافة‬
‫أموال الدولة‪ ،‬املنقولة والثابتة‪ ،‬ومراقبة حسن إستعمال هذه األموال وإستغالهلا واحملافظة‬
‫عليها)[نظام ديوان املراقبة العامة‪ ،‬م‪]7‬‬
‫وهي مادة نظامية شديدة االتساع والشمول‪ ،‬ومل ِ‬
‫يكتف جمل‬
‫الوزراء بذلك‪ ،‬بل خول ديوان‬
‫املراقبة العامة بصالحيات واسعة لتحقيق هذه املهمة‪ ،‬حيث ألزم النظام كافة الوزارات‬
‫واملؤسسات احلكومية أبن تزود الديوان بكافة البياانت احلسابية واملستندات والواثئق اليت متكن‬
‫الديوان من املراقبة املالية (املادة ‪.)10‬‬
‫‪48‬‬
‫والشمول الذي منحته املادة السابعة واضح أنه مقصود فعالً‪ ،‬حيث أكدته مواد الحقة يف‬
‫ذات النظام‪ ،‬تنص تفصيالً على ضبط "املال العام"‪ ،‬ومن ذلك مانصت عليه املادة الثامنة من‬
‫أنه خيتص الديوان بـ‪:‬‬
‫(التحقق من أن كافة أموال الدولة‪ ،‬املنقولة والثابتة؛ تستعمل يف األغراض اليت خصصت من‬
‫أجلها من قبل اجلهة املختصة‪ ،‬وأن لدى هذه اجلهات من اإلجراءات ما يكفل سالمة هذه‬
‫األموال‪ ،‬وحسن إستعماهلا و إستغالهلا‪ ،‬ويضمن عدم إساءة إستعماهلا‪ ،‬أو إستخدامها يف غري‬
‫األغراض اليت خصصت من أجلها) [نظام ديوان املراقبة العامة‪ ،‬م ‪]2-8‬‬
‫حسناً ‪ ..‬رأينا اآلن كيف متلك هااتن املؤسستان‪ ،‬ديوان املراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق‪،‬‬
‫سلطة الرقابة املالية على كل ظواهر الفساد اإلداري واملايل‪ ،‬وكيف منحهما املنظم سلطة‬
‫التحقيق والتفتيش‪.‬‬
‫فهذا يعين أنه جيب أن ننطلق من البنية النظامية احلالية (قاعدة االنطالق من املوجود) وحماولة‬
‫تطوير هذه األنظمة واملؤسسات املهمة‪ ،‬ومتكني املزيد من الصالحيات ومنحها القوة الالزمة‬
‫لكسر النفوذ الذي ال تستطيع جتاوزه لتحقيق مهمتها‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫هذه فقط بعض النماذج‪ ،‬وقد الحظت أن كثرياً ممن يتحدثون عن مشكلة املال العام‬
‫يتحدثون به بنوع من املزايدة على اإلسالميني أكثر من كونه يعرب عن وعي حقيقي ابلبنية‬
‫النظامية احلالية لصيانة املال العام والثغرات الفعلية املوجودة فيها تفصيالً‪.‬‬
‫ومن املقرتحات لتطوير هاتني املؤسستني (هيئة الرقابة والتحقيق وديوان املراقبةالعامة) أن يتاح‬
‫اجملال للناشطني غري الرمسيني للمشاركة يف حفظ املال العام‪ ،‬فلو أتيح –مثالً‪ -‬للشباب املتدين‬
‫أن يعمل حتت مظلة هيئة الرقابة والتحقيق لالحتساب على الفساد اإلداري واالستفادة من‬
‫صالحيات اهليئة يف التحقيق والتفتيش‪ ،‬لرمبا حدثت ثورة يف حفظ املال العام يف السعودية‪.‬‬
‫املزيد من الدراسات الفقهية يف املال العام‪:‬‬‫احلقيقة أن الباحثني الشرعيني ق ّدموا جهوداً مشكورة يف التأصيل الفقهي ألسئلة املال العام‪،‬‬
‫ومن ذلك مثالً‪ :‬دراسة دكتوراة يف جامعة اإلمام للشيخ د‪.‬خالد املاجد بعنوان (ضوابط‬
‫التصرف يف املال العام يف الفقه اإلسالمي) وقد نشر جزءاً منها‪.‬‬
‫ودراسة يف أكادميية انيف للعلوم األمنية للدكتور نذير أوهاب بعنوان (محاية املال العام يف الفقه‬
‫اإلسالمي) وهي مطبوعة‪.‬‬
‫ودراسة للشيخ د‪.‬حممد الصاحل (التكافل ودوره يف محاية املال العام) وهي مطبوعة‪.‬‬
‫‪50‬‬
‫ومثة أيضاً دراسات أخرى مثل‪( :‬احلماية اإلدارية للمال العام‪ :‬حبث فقهي مقارن) فيصل بن‬
‫رميان الرميان‪( ،‬احلماية اجلنائية للمال العام‪ :‬دراسة فقهية مقارنة) مبارك بن عبدهللا بن هقشة‪،‬‬
‫(مصارف بيت مال الدولة اإلسالمية) عبدهللا بن سليمان املطلق‪ ،‬وغريها‪.‬‬
‫فضالً عن دراسات تفصيلة كثرية يف جرائم املال العام كاالختالس والرشوة وهدااي العمال‬
‫وغريها‪.‬‬
‫ومع أن هذه الدراسات متميزة‪ ،‬ومع أنه مل يتم االستفادة منها ابلشكل الكايف لألسف؛ إال أن‬
‫هذا جيب أن ال يكون حمبطاً للباحثني الشرعيني‪ ،‬بل جيب املواصلة واالستمرار يف املزيد من‬
‫املعاجلات الفقهية للموضوع‪ ،‬وأيضاً املعاجلات املشرتكة مع اخلرباء (خرباء االقتصاد واالدارة‬
‫واألنظمة)‪ ،‬وعقد املؤمترات متعددة االختصاصات يف موضوع املال العام‪ ،‬من أجل صياغة‬
‫أفضل آليات الرقابة واحملاسبة والشفافية‪ ،‬تطبيقاً ألحد أهم معامل منهج أهل السنة وطريقة أئمة‬
‫السلف ومن أدركنا من علمائنا رمحة هللا على اجلميع وهي العناية ابملال العام الذي هو عصب‬
‫مصاحل املسلمني املعاشية‪.‬‬
‫‪-‬هل للخطابة أي دور؟‬
‫‪51‬‬
‫حرصت منذ فرتة على يمع املادة اخلطابية اليت ألقاها خطباء اجلمعة يف موضوعات املال العام‬
‫والفساد اإلداري‪ ،‬واتصلت ببعض اخلطباء وبعض املهتمني مبواقع اخلطب الشرعية‪ ،‬واجتمع‬
‫لدي أرشيف جيد للخطب الشرعية حول املال العام‪ ،‬والفساد اإلداري‪ ،‬والرشوة‪ ،‬وهدااي‬
‫العمال‪ ،‬والغش‪ ،‬والسرقة‪ ،‬وعدم الوفاء ابلعقود‪ ،‬وأكل أموال الناس ابلباطل‪ ،‬والتساهل يف‬
‫واجبات الوظيفة العامة‪ ،‬اخل فكل هذه املفردات وجدهتا حاضرة يف خطب منربية كثرية‪.‬‬
‫ِ‬
‫يزهد يف األثر الذي ميكن أن تصنعه هذا اخلطب‬
‫السؤال هاهنا‪ :‬أنين وجدت بعض اإلخوان ّ‬
‫الشرعية‪ ،‬وأن اخلطابة املنربية ال أثر هلا‪ ،‬وأن الناس ال يتفاعلون أصالً مع خطب اجلمعة‪ ،‬فماذا‬
‫ميكن أن تقدم يف موضوع املال العام؟!‬
‫أريد هاهنا أن أانقش هذه األطروحة احملبطة‪ ،‬وللتدليل على بطالن هذه األطروحة سأذكر‬
‫منوذجاً واحداً فقط ألحد اخلطباء يف مشال مدينة الرايض‪ ،‬وهوصاحب يل‪ ،‬وقد خطب مر ٍ‬
‫ات‬
‫ٌ‬
‫عديدة عن املال العام وقضاايه الشرعية‪ ،‬وقد حكى يل أكثر من مرة أحدااثً تعك شدة أتثر‬
‫املستمعني –وهلل احلمد‪ ،-‬لن أروي لك أخي القارئ ما جرى‪ ،‬بل سأنقل لك نص ما أرسله‬
‫يل صاحيب‪ ،‬يقول أخي اخلطيب‪:‬‬
‫‪52‬‬
‫(كان بعض املصلني يلتقون يب بعد اخلطبه للسالم‪ ،‬أو للسؤال الذي غالباً ما يكون فيما‬
‫خيص اخلطبة‪ ،‬فيخربوين بشئ من مشاعرهم‪ ،‬ومر يب يف هذا الباب أحدااثً ألانس اتبوا من‬
‫الرشوة‪ ،‬وآخرين من التهاون يف املال العام‪ ،‬وغري ذلك‪ ،‬وحيتمل أهنا توبة وقتية فاهلل أعلم‪ ،‬حىت‬
‫إن حمافظاً إلحدى املناطق وافق أن صلى معي مرًة يف ٍ‬
‫خطبة عن غلول العمال‪ ،‬فسألين عن‬
‫"سيارات احملافظة" هل يوصل هبا أوالده للمدرسة أم ال؟‪ .‬ومسئول آخر حضر خطبة عن‬
‫(الظلم وعاقبته) فخصص يوم السبت بعد الظهر للنظر يف املظامل‪ ،‬بدخول من كانت له‬
‫مظلمة يف دائرته مهما كانت مرتبته صغرية‪ ،‬مع ختطي الرتتيب اإلداري يف ذلك بتعميم ص ّدره‬
‫على اجلميع‪ ،‬ألنه سألين بعد اخلطبة عن احلكم يف كونه ال يعلم ابملظلمة؟ فأخربته أنه يظل‬
‫مسئوالً أمام هللا تعاىل‪ ،‬إذ كيف يتوىل وينزوي يف مكتبه ويرتك الظلمة يرتعون يف دائرته‪،‬‬
‫وضابط كبري أخربين أنه سيخصص اجلزء الثالث من مذكراته للقصص واألخبار اليت رآها ملن‬
‫استحلوا أكل ملال احلرام‪ ،‬وطلب مين خطبة أعجبته وأثرت فيه عن حنو هذا املوضوع‪ ،‬وأخربين‬
‫أنه سيضعها مقدمة ملذكراته تلك‪ .‬ومسئول آخر يف إحدى اجلامعات حضر خطبة عن (هدااي‬
‫املوظفني) فحاك يف نفسه هذا األمر كونه مسئوالً عن توقيع عقود وإرساء مناقصات واإلشراف‬
‫على مشاريع‪ ،‬وأتتيه هدااي من شركات متعددة وكان عازماً جازماً على تنفيذ ما أوصيه به‪،‬‬
‫وقد أثر فيه كثرياً حديث (ولو قضيبا من أراك)‪ ،‬وغري ذلك كثري جداً اي أابعمر‪ ،‬لكين أذكرك‬
‫مرة أخرى أن ال تذكر يل امساً إن أوردت شيئا من ذلك‪ ،‬ويكفي أن تقول "أحد اخلطباء")‬
‫أ‪.‬هـ‬
‫‪53‬‬
‫هذه بعض األخبار اليت كان يرويها يل صاحيب اخلطيب‪ ،‬ومثة قصص أخرى يرويها دعاة‬
‫آخرون ال جمال إليرادها هنا؛ وكلها تعك‬
‫انتفاع الناس ابخلطب الشرعية عن قضااي املال‬
‫العام‪ ،‬فأمتىن من اخلطباء والدعاة أن ال يستسلموا للمحبطني الذين يزهدون يف الدور العظيم‬
‫الذي يقومون به‪.‬‬
‫وأخرياً ‪ ..‬األثرة ال تشرعن الثورية‪:‬‬‫تالحظ بعض الكتّاب ممن حيملون روحاً ثورية متهورة جيمعون بعض أخبار وقصص األثرة‬
‫والظلم الذي وقع يف املال العام يف بلدان‪ ،‬مث يعرضوهنا أبسلوب هتييجي متصاعد لشحن نف‬
‫الشاب املتدين وإخراجه عن طوره‪ ،‬مث يتبعون ذلك ابلتهكم مبفاهيم حترمي اخلروج املسلح‬
‫ووجوب السمع والطاعة لوالة األمور ابملعروف والسخرية بعلمائنا وأهنم مداهنون اخل‪.‬‬
‫هذه الشرحية من الكتَّاب اليت تستغل اخللل يف املال العام إليقاد شرارة الفتنة هي أخطر من‬
‫لصوص املال العام أنفسهم‪ ،‬فلصوص املال العام قصاراهم أن ينهبوا جزءاً من أموال املسلمني‪،‬‬
‫لكن رموز الفتنة هؤالء ينتهون حبريق يهلك احلرث والنسل ويتلف األموال ويريق الدماء ويقلب‬
‫أوضاع الدعوة اإلسالمية رأساً على عقب‪.‬‬
‫‪54‬‬
‫حينما أأتمل يف هؤالء الكتّاب فإين ال أتعجب من كوهنم خيالفون قياساً شرعياً‪ ،‬وال حىت فرداً‬
‫يدخل يف عموم شرعي؛ بل يناقضون نصاً مطابقاً حلديث رسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪-‬‬
‫فقد حسم رسول هللا األمر بكل وضوح‪ ،‬وأخربان أنه ستقع أثرة ومظامل يف املال العام‪ ،‬وحذران‬
‫نبينا الشفيق بنا من فتنة اخلروج املسلح على والة األمور وشق عصا الطاعة‪.‬‬
‫أتمل معي مارواه البخاري عن ابن مسعود عن النيب ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬أنه قال‪:‬‬
‫(ستكون أثرة وأمور تنكروهنا‪ ،‬قالوا‪ :‬ي رسول هللا فما أتمران؟ قال "تؤدون احلق الذي عليكم‪،‬‬
‫وتسألون هللا الذي لكم" ) [البخاري‪.]3603‬‬
‫بل كان الصحابة يبايعون رسول هللا على الطاعة حىت يف حالة استئثار السلطة ابملال العام‬
‫(األثرة) كما يقول عبادة بن الصامت‪:‬‬
‫(ابيعنا رسول هللا على السمع والطاعة‪ ،‬يف منشطنا ومكرهنا‪ ،‬وعسران ويسران‪ ،‬وأثرةٍ علينا‪،‬‬
‫وأن ال ننازع األمر أهله‪ ،‬إال أن تروا كفراً بواحاً عندكم من هللا فيه برهان) [البخاري‬
‫‪.]7056‬‬
‫‪55‬‬
‫وسأل الصحابة عن حالة استئثار السلطة ابملال العام يف الوقت الذي تطالب فيه املواطنني‬
‫بواجباهتم‪ ،‬فبني رسول هللا أن ذلك كله ال جييز اخلروج‪ ،‬كما يف صحيح مسلم أن سلمة بن‬
‫يزيد اجلعفى قال (ي نىب هللا أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوان حقهم ومينعوان حقنا فما‬
‫أتمران؟) فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم (اَسعوا وأطيعوا‪ ،‬فإمنا عليهم ما محلوا وعليكم‬
‫ما محلتم) [مسلم‪.]4889 ،‬‬
‫لست أدري كيف يتجاهل هؤالء الثوريون نصوصاً صرحية حامسة من رسول هللا أبيب هو وأمي‬
‫يف طريقة التعامل مع مشكالت األثرة يف املال العام؟‬
‫يف كل هذه النصوص يبني رسول هللا بكل وضوح أن خلل السياسي يف إدارة املال العام ال‬
‫يبيح أبي حال من األحوال اخلروج وال رفض الطاعة ابملعروف‪ ،‬وإمنا يشرع اإلنكار والصدع‬
‫ابحلق فقط‪.‬‬
‫على أية حال ‪ ..‬املخالفون ألهل السنة يف ابب السياسة الشرعية عموماً‪ ،‬واملال العام‬
‫خصوصاً؛ طائفتان‪ :‬طائفة ثورية وطائفة سلطانية‪.‬‬
‫‪56‬‬
‫ذلك أن األصول السياسية الشرعية الثالث ألهل السنة هي‪ :‬حترمي اخلروج املسلح‪ ،‬ووجوب‬
‫الطاعة ابملعروف‪ ،‬وفريضة اإلنكار مبراتبه الثالث‪ .‬وكل هذه األصول الثالث اثبتة بطريق‬
‫التواتر القطعي‪.‬‬
‫فأما الطائفة الثورية فأخذت مببدأ اإلنكار لكنها جحدت حترمي اخلروج ووجوب الطاعة‬
‫ابملعروف‪.‬‬
‫وأما الطائفة السلطانية فوقعت يف الغلو مببدأ طاعة والة األمور حىت عطلت فريضة اإلنكار‬
‫مبراتبها الثالث‪.‬‬
‫وأما أهل السنة فاستوعبوا الشريعة من أطرافها‪ ،‬فأخذوا بكل القواعد الشرعية الثالث‪ ،‬فتجد‬
‫أهل السنة دوماً متمسكني بتحرمي اخلروج ووجوب الطاعة ابملعروف‪ ،‬وابملقابل صادعني ابحلق‬
‫ومنكرين للمنكرات ال خيافون يف هللا لومة الئم وال يهابون سلطاانً وال يمهوراً‪ ،‬وهذا هو أخذ‬
‫الدين كله‪ ،‬وأما الثوريون والسلطانيون فقد وقعوا يف تبعيض الكتاب الذي ذمه تعاىل يف قوله‬
‫ض الْ ِكت ِ‬
‫اب وت ْك ُفُرون بِبـ ْع ٍ‬
‫(أفـتُـ ْؤِمنُون بِبـ ْع ِ‬
‫ض) [البقرة ‪.]85‬‬
‫‪57‬‬
‫وأخذت مرًة أأتمل ‪ ..‬ما الذي جيعل بعض الشباب املسلم أينف ويستنكف من أحاديث‬
‫حترمي اخلروج‪ ،‬وأحاديث وجوب الطاعة لوالة األمر ابملعروف؟ والذي توصلت إليه أن هؤالء‬
‫الشباب يشعرون أن األخذ بشريعيت حترمي اخلروج ووجوب الطاعة ابملعروف فيه شئ من‬
‫الضعف واجلنب‪ ،‬وأنه ضد الشجاعة واإلقدام‪ ،‬وحنو ذلك‪.‬‬
‫أريد هاهنا أن أدلّل على خطأ هذا التصور كلياً‪ ،‬تذكر معي شيخ اإلسالم ابن تيمية‪ ،‬هل‬
‫تتذكر كيف كانت شجاعته وجرأته رمحه هللا؟ ابن تيمية كان القلب النابض يف معركة شقحب‬
‫حرك الناس وأهلب محاسهم وتقدم‬
‫التارخيية (قرية تبعد عن دمشق ‪37‬كلم) وهو الذي ّ‬
‫الصفوف‪ ،‬وابن تيمية هو الذي اعتقل سبع مرات‪ :‬سجنة واقعة عساف يف دمشق‪ ،‬وسجنة‬
‫مسألة العرش يف القاهرة‪ ،‬وسجنة حادثة البكري يف مصر‪ ،‬وسجنة املنبجي مبصر‪ ،‬وسجنة‬
‫املنبجي ابالسكندرية‪ ،‬وسجنة مسألة الطالق بدمشق‪ ،‬وسجنة حادثة األخنائي ابلقلعة‬
‫بدمشق وهي األخرية اليت تويف فيها وانتقل لقربه من معتقله‪ .‬وابن تيمية هو الذي كان ابن‬
‫القيم يروي شجاعته فيقول يف الوابل الصيب‪:‬‬
‫(مع ما كان فيه ابن تيمية من احلبس والتهديد واإلرهاق؛ وهو مع ذلك من أطيب الناس‬
‫عيشا وأقواهم قلباً‪ ،‬وكنا إذا اشتد بنا اخلوف‪ ،‬وساءت منا الظنون‪ ،‬وضاقت بنا األرض؛ أتيناه‬
‫فما هو إال أن نراه‪ ،‬ونسمع كالمه؛ فيذهب ذلك كله‪ ،‬وينقلب انشراحا وقوة ويقيناً)[الوابل‬
‫الصيب‪ ،‬ابن القيم]‪.‬‬
‫‪58‬‬
‫طرف من أخبار شجاعته رمحه هللا‪ ،‬أرأيت هذا الشجاع‪ ،‬صنديد أهل السنة يف‬
‫وهذا فقط ٌ‬
‫زمانه؟ فهو الذي كان يقول رمحه هللا‪:‬‬
‫(ولعله ال يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان؛ إال وكان يف خروجها من الفساد ما‬
‫هو أعظم من الفساد الذي أزالته) [منهاج السنة‪]390/3 ،‬‬
‫وكان ابن تيمية دوماً يشري لقضية التجربة رمحه هللا كما يقول‪:‬‬
‫(وهلذا يقال "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بال سلطان" والتجربة تبني‬
‫ذلك)[الفتاوى‪.]391/28 ،‬‬
‫حسناً ‪ ..‬هذا الكالم الذي قاله ابوالعباس ابن تيمية يف تعظيم طاعة والة األمور ومنع اخلروج‬
‫املسلح؛ هل قاله شيخ االسالم خوفاً أومتلقاً؟ هل يعقل أن يكون رجل حيرك اجليوش وال خيرج‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫العتقال آخر حىت توفاه هللا يف معتقله؛ يقول هذا الكالم هلعاً أو تزلفاً؟ هذا‬
‫اعتقال إال‬
‫من‬
‫أمر حتيله طبائع األمور‪.‬‬
‫‪59‬‬
‫إذن ملاذا كان اإلمام ابن تيمية يقول هذا الكالم؟ إمنا كان يقوله تعظيماً لرسول هللا –صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ -‬الذي شرعه وأكده يف نصوص متوافرة غزيرة‪ ،‬وأهل السنة حني يوجبون السمع‬
‫والطاعة لوالة األمور ابملعروف وحترمي اخلروج املسلح؛ فليسوا يقررون ذلك لسواد عيون ملك‬
‫وال أمري وال وزير‪ ،‬بل توقرياً لرسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬الذي دعاان لذلك يف أحاديث‬
‫كثرية‪ ،‬فإذا كان رفع الصوت حبضرة رسول هللا يوشك أن حيبط العمل فكيف ابالعرتاض على‬
‫َّ ِ‬
‫َصواتَكم فَـو َق صو ِ‬
‫ت‬
‫آمنوا َال تَـ ْرفَـعوا أ ْ َ ْ ْ َ ْ‬
‫ين َ‬
‫سنته صلى هللا عليه وسلم وهللا تعاىل يقول َ‬
‫(ي أَيُّـ َها الذ َ‬
‫َّيب وَال َجتْ َهروا لَه ِابلْ َقوِل َكج ْه ِر بـ ْع ِ‬
‫ضك ْم لِبَـ ْع ٍ‬
‫ط أَ ْع َمالك ْم َوأَنْـت ْم َال تَ ْشعرو َن) [احلجرات‬
‫ض أَ ْن َحتْبَ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫النِ ِّ َ‬
‫‪]2‬‬
‫أتمل اي أخي الكرمي يف كثري ممن يكتب يف اخللل السياسي أويف قضااي السياسة الشرعية؛ جتد‬
‫كثرياً من الكتّاب (الثوريني) إذا جاء إىل قاعدة (النهي عن املنكر) يكون تقريره يف غاية القوة‬
‫واحلماس واملغاالة اللفظية‪ ،‬وإذا جاء لقاعديت منع اخلروج ووجوب الطاعة ابملعروف لوالة‬
‫ِ‬
‫أويزهد فيها‪.‬‬
‫األمور؛ رأيته يضعف ويقررها على خجل‪ّ ،‬‬
‫بينما ابملقابل جتد كثرياً من (السلطانيني) إذا جاء لقاعديت منع اخلروج ووجوب الطاعة لوالة‬
‫ٍ‬
‫وطاقة عجيبة‪ ،‬فإذا جاء إىل قاعدة (النهي عن‬
‫األمور يقررمها بتوسع وتكرار وإعادة وإبداء‬
‫املنكر) خارت قواه وحتاشى نصوص اإلنكار القوية‪ ،‬وصار أكثر كالمه يف ذم أخطاء املنكرين!‬
‫‪60‬‬
‫وكال الطائفتني‪ ،‬أعين الثورية والسلطانية؛ إمنا جوهر قصورهم هو ضعف اإلميان والتسليم هلل‬
‫ورسوله‪ ،‬ولذلك تراهم جيدون يف نفوسهم حرجاً من بعض ما أنزل هللا‪ ،‬وهللا تعاىل يقول‬
‫ص ْد ِر َك َح َرج ِم ْنه) [األعراف‪.]2 ،‬‬
‫(كِتَاب أنْ ِز َل إِلَْي َ‬
‫ك فَ َال يَك ْن ِيف َ‬
‫فاملؤمن املنقاد املنصاع هلل ورسوله جتده يقرر األصول السياسية الشرعية الثالث بكل فخر‬
‫وعزة‪ ،‬وال جيد يف نفسه حرجاً وخجالً من كلمة واحدة قررها رسول هللا –صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ -‬فكيف أبحاديث متواترة؟!‬
‫ولذلك فنصيحيت إليك اي أخي الكرمي أنك إذا التقيت أبحد من (الثوريني) أن ال ختجل من‬
‫عقيدتك واعتزازك أبمر رسول هللا ابلسمع والطاعة لوالة األمور‪ ،‬وحترمي اخلروج املسلح‪.‬‬
‫وإذا التقيت ٍ‬
‫أبحد من (السلطانيني) أن ال ختجل من عقيدتك واعتزازك أبمر رسول هللا‬
‫ابإلنكار والصدع ابحلق‪.‬‬
‫ومن سلوكيات الطائفة الثورية اليت الحظتها أهنا تزايد دوماً يف قضااي النقد السياسي‪ ،‬فرمبا‬
‫اجنرف بعض الدعاة وقال نقداً سياسياً متهوراً ليتحاشى الضغط النفسي هلذه الطائفة الثورية‪.‬‬
‫‪61‬‬
‫واألسلوب املفضل هلذه الطائفة الثورية هو ما ميكن تسميته (أسلوب املطالبة ابلسقف‬
‫السياسي األرفع)‪ ،‬وألضرب على ذلك مثالً‪:‬‬
‫لوجاء داعيةٌ وانتقد خطأ معلم معني‪ ،‬لقالوا له‪ :‬تستقوي على املعلم‪ ،‬ملاذا ال تنتقد مدير‬
‫املدرسة نفسه‪ ،‬فإذا انتقدت مدير املدرسة‪ ،‬قالوا لك‪ :‬تستقوي على مدير املدرسة‪ ،‬ملاذا ال‬
‫تنتقد مدير التعليم ابلرايض؟ وإذا انتقدت مدير التعليم قالوا‪ :‬ملاذا ال تنتقد وزير املعارف؟ وإذا‬
‫انتقدت وزير املعارف قالوا لك‪ :‬ملاذا ال تنتقد امللك الذي اختار هذا الوزير ووضعه يف مكانه؟‬
‫وإذا انتقدت امللك قالوا لك‪ :‬مؤكد أن لديك صفقة مع جناح سياسي آخر‪ ،‬ملاذا ال تنتقد كل‬
‫أجنحة السلطة؟ وإذا انتقدت أجنحة السلطة األخرى قالوا لك‪ :‬ما فائدة النقد‪ ،‬النقد كالم ال‬
‫يصنع شيئاً‪ ،‬ومؤكد أهنم مل يسمحوا لك ابلنقد إال إلشغال الناس ابلكالم عن التغيري الفعلي‪،‬‬
‫هذا إهلاء وخطة من السلطة لتفريغ الغضب فقط‪ ،‬ال بد من التغيري ابلقوة‪ .‬فإذا بدأت فعالً‬
‫ابلتغيري ابلقوة مث اعتقلت على خلفية "قضية إرهاب"‪ ،‬خرجوا من الغد يكتبون عنك (مسكني‬
‫متهور لي‬
‫لديه وعي سياسي)‪ ،‬وهكذا لو وقعت قضية عنف جتد هؤالء الثوريني أول من‬
‫يتربأ منك‪ ،‬وهم الذين دفعوك أصالً!‬
‫‪62‬‬
‫هذا األسلوب‪ ،‬أعين أسلوب املطالبة ابلسقف السياسي األرفع؛ هو نوع من استخفاف الدعاة‬
‫ِ‬
‫اّلل حق وَال يستَ ِخ َّفن َ َّ ِ‬
‫ين َال‬
‫الذي هنى هللا عن التأثر به يف قوله تعاىل (فَ ْ‬
‫اصِ ْرب إِ َّن َو ْع َد َّ َ َ َ ْ‬
‫َّك الذ َ‬
‫يوقِنو َن) [الروم ‪.]60‬‬
‫ولذلك كله كنت وال زلت وسأظل مؤمناً أبمهية التفافنا يميعاً حول العلماء الرابنيني الراسخني‪،‬‬
‫ومن أخطر املزالق اليت ميكن أن تنزلق فيها الدعوة اإلسالمية تصدير الصغار وترميز الدعاة‬
‫الشباب وااللتفاف حول طلبة علم ال يزالون يف مقتبل العمر‪.‬‬
‫دعوان نكون صرحاء مع أنفسنا؛ هناك فارق جوهري بني شخصية العلماء الرابنيني‪ ،‬وشخصية‬
‫الداعية الشاب‪ ،‬فالداعية الشاب يعرض له من حب الظهور وشهوة الرايسة ولذة التصدر‬
‫ونزوة غلبة األقران واالستسالم للفنت ما ال يعرض للعلماء الرابنيني الراسخني‪ ،‬ولذلك فاحتمال‬
‫إصابة الراسخني للحق أكثر بكثري من احتمال إصابة الشاب‪ ،‬وثبات الراسخني على املنهج‬
‫أكثر بكثري من ثبات الدعاة الشباب‪.‬‬
‫كثري من الشباب ال يستوعب جيداً معىن قول أهل السنة أن احلجة يف الكتاب والسنة‪ ،‬ويظن‬
‫أن هذا املبدأ ينفي مرجعية العلماء الكبار‪ ،‬ولذلك تراه يعارض مرجعية العلماء هبذه القاعدة‪،‬‬
‫‪63‬‬
‫وهذا خطأ فهناك فرق بني املصدر املؤس‬
‫مصدر مؤس‬
‫للحقيقة واملصدر الكاشف هلا‪ ،‬فالكتاب والسنة‬
‫للحقيقة‪ ،‬بينما اإليماع والقياس وقول الصحايب الذي أقره بقية الصحابة‪،‬‬
‫وانشراح صدر العامل الرابين للحق‪ ،‬اخل هذه كلها مصادر وقرائن عظيمة يف كشف احلقيقة‬
‫الشرعية ولي‬
‫أتسيسها‪ ،‬فهذه املصادر ال أتيت مبعاين شرعية جديدة‪ ،‬بل تكشف فقط املعىن‬
‫الشرعي‪.‬‬
‫خذ مثالً هذا النموذج‪ :‬ملا قال ابوبكر رضي هللا عنه (ألقاتلن من فرق بني الصالة والزكاة)‬
‫فجادله عمر‪ ،‬مث اقتنع عمر الحقاً بصواب قول أيب بكر‪ ،‬السؤال هاهنا‪ :‬كيف اقتنع عمر‬
‫بقول أيب بكر؟ انظر ماذا يقول عمر‪( :‬فوهللا ما هو إال أن رأيت هللا ‪-‬عز وجل‪ -‬قد شرح صدر‬
‫أىب بكر للقتال؛ فعرفت أنه احلق) [البخاري‪.]1400‬‬
‫أرأيت كيف اعترب عمر بن اخلطاب –رضي هللا عنه‪ -‬أن انشراح صدر العامل الرابين أيب بكر‬
‫للقول قرينةٌ على أنه احلق‪ ،‬فهل عمر ال يعترب احلجة يف الكتاب والسنة؟!‬
‫هؤالء العلماء الرابنيون الراسخون الذين يمعوا العلم والعبودية فيهم من التجرد هلل ورسوله ما‬
‫اليستطيعه أكثر الشباب الدعاة‪ ،‬هؤالء الرابنيون ال يراعون يف اجتهادهم سلطاانً‪ ،‬وال يمهور‪،‬‬
‫‪64‬‬
‫وال ثقافة غربية ضاغطة؛ وإمنا يتحرون مراد هللا ورسوله بقلوب زكاها اإلميان والعبودية والتقوى‬
‫والتصون والورع والسالمة من األغراض‪.‬‬
‫هل تريدين أن أصدق أن بعض من حتول إىل جنم إعالمي يتتبع الفالشات الفضائية أصدق يف‬
‫البحث عن مراد هللا ورسوله من هؤالء األكابر املعرضني عن زخارف الدنيا؟!‬
‫الفتوى الشرعية دين وعالقة ابهلل ‪ ..‬فلينظر كل رجل منا عمن أيخذ دينه؟‬
‫على أية حال ‪ ..‬كان املراد من هذه الورقة هو التباحث حول بعض القواعد الشرعية للمال‬
‫العام مثل‪ :‬إمنا أان قاسم‪ ،‬ومن أين لك هذا؟‪ ،‬هال جل يف بيت أبيه ليهدى إليه؟‪ ،‬اكتبا كل‬
‫ٍ‬
‫مال لكما‪ ،‬انتفاء احلد ال يعين انتفاء التعزير‪ ،‬املصلحة تقييد ال ختيري‪ ،‬العدل يف اإلقطاع‬
‫العقاري‪ ،‬وحنوها‪ ،‬وإبراز مركزية املال العام يف فقه أهل السنة‪ ،‬وشدة عنايتهم به‪ ،‬وحماولةً‬
‫ملواصلة جهود أهل السنة يف اإلصالح الشامل للدين والدنيا‪ ،‬وال زال املوضوع فيه نصوص‬
‫شرعية كثرية‪ ،‬وشواهد من آاثر الصحابة‪ ،‬وخصوصاً آاثر عمر بن اخلطاب؛ وكلها حتتاج‬
‫فرص الحقة إبذن هللا‪.‬‬
‫لعرض مفصل يليق هبا‪ ،‬فلعلها تتاح ٌ‬
‫‪65‬‬
‫وهللا تعاىل أعلم‬
‫ابوعمر‬
‫ذوالقعدة ‪1431‬هـ‬
‫‪66‬‬