تحميل الملف المرفق

‫تذبذب قيمة النقود الورقية وأثره على الحقوق وااللتزامات على ضوء قواعد الفقه اإلسالمي‬
‫إعداد‬
‫الدكتور على محيى الدين القره داغى‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫الحمد هلل والصالة والسالم على عبده ورسوله ومن وااله‬
‫وبعد ‪:‬‬
‫تصاحب العمالت الورقية منذ ظهورها اضطرابات عديدة ‪ ،‬وتهزها التقلبات الكثيرة والتذبذب من‬
‫قيمتها الشرائية ولقد نالت قسطا كبي ار من التدهور واالنهيار في بعض األحايين ‪ ،‬بل تكاد تفقد‬
‫بعضها معياريتها للسلع ‪ ،‬ومخزونيتها للقيم مما ترتبت على ذلك آثار خطيرة على مستوى الحقوق‬
‫وااللتزامات ‪ ،‬وهضم كبير لحقوق الناس ‪ ،‬وال سيما ألولئك الذين أعطوا مبالغ معينة لفترة زمنية‬
‫طويلة ‪ ،‬فيعاد إليه المبلغ فكأنه قد اقتطع منه نصفه ‪ ،‬أو ثلثاه نتيجة للتضخم الذي تعانى منه معظم‬
‫الدول ‪ ،‬فلو تصورنا أن أحدا اقرض آخر مبلغ مائة ألف ليرة لبنانية في سنة ‪ ، 1970‬والمدين اآلن‬
‫يريد أن يوفي بدينه ‪ ،‬ترى كم يرجع ؟ هل يرجع المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية ؟ فلو قلنا نعم لوقع‬
‫على الدائن ظلم كبير حيث كان المبلغ الذي دفعه في وقته يساوى حوالي خمسين ألف دوالر واآلن‬
‫يساوى حوالي ثالثمائة دوالر ‪ ،‬فكان المبلغ في وقته يشتري به بيتا ومطبعة واآلن ال يكفي لتكاليف‬
‫دعوة بضعة أشخاص وعلى عكس ذلك لو أخذ شخص اآلن مائة ألف ليرة لبنانية التي تساوى‬
‫حوالي ثالثمائة دوالر ثم بعد عشر سنوات يريد أن يرجعها وقد صعدت قيمة الليرة صعودا كبي ار ترى‬
‫كم يرجع ؟ والمسألة ال تخص الليرة اللبنانية ‪ ،‬بل هي عامة في أكثر النقود مثل الليرة التركية ‪،‬‬
‫والسورية ‪ ،‬بل حتى الجنية المصري والدينار العراقي ‪ ،‬والجنيه السوداني وغيرها ‪..‬‬
‫فالمسالة لم تعد تطاق لما يترتب عليها من نتائج خطيرة ‪ ،‬ولذلك قمت بإثارتها على مستوى كلية‬
‫الشريعة بجامعة قطر في ندوة علمية في ‪ 1987/10/15‬وأثنى أغلب الحاضرين بمن فيهم فضيلة‬
‫األستاذ الدكتور ‪ /‬يوسف القرضاوي ‪ ،‬واألستاذ الدكتور جمال الدين عطية ‪ -‬على النتائج التي‬
‫توصلت إليها (‪ )1‬والتي نلخصها هنا حتى نعرضها على المهتمين بالفقه واالقتصاد اإلسالمي‬
‫إلثرائها بالمناقشة والنقد والتحليل‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬ينشر البحث بالكامل في مجلة المسلم المعاصر في العدد القادم بإذن هللا تعالى العدد ( ‪) 50‬‬
‫وما بعده‬
‫(‪)9831/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫سنتكلم في الخالصة عن تعريف النقود بإيجاز ‪ ،‬وعن نبذة تاريخية لها ثم عن بعض أحكام النقود‬
‫المعدنية من الذهب والفضة وعن الفلوس ثم إن هذا الموضوع في الواقع يرتبط بقاعدة المثلي والقيمي‬
‫في الفقه اإلسالمي ولذلك نرى من الضروري أن نتحرى هذا الجانب ونوضح المعايير التي تتحكم‬
‫فيها لنرى هل تدخل نقودنا الورقية في المثليات ‪ ،‬وهي هي مثل الذهب والفضة في جميع األحكام؟‬
‫وقبل أن ندخل في الموضوع أحب أن أشير إلى عدة مبادئ أساسية يجب على كل باحث مراعاتها‬
‫وهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن ما ورد فيه النص من الكتاب والسنة الخالي من المعارض ال يجوز االجتهاد بخالفه وان كان‬
‫ذلك ال يمنع من جواز االجتهاد فيه ‪.‬‬
‫من هنا فالنقود الورقية حديثة العهد ال مطمع في وجود نص فيها ‪ ،‬وال قول للفقهاء السابقين ومن هنا‬
‫تخضع للقواعد العامة التي تتحكم فيها العدالة وما يحقق المصلحة لجميع األطراف‪.‬‬
‫‪ -2‬رعاية المقاصد والمبادئ األساسية والقواعد العامة الكلية للشريعة مقدمة على رعاية الجزئيات‬
‫والفروع وال سيما إذا كانت اجتهادية ‪ ،‬ومن هذه المبادئ التي تتحكم في موضوعنا مبدأ العدل وعدم‬
‫اس باْلق ْسط } ويقول شيخ اإلسالم ابن تيمية (واألصل‬
‫وم النَّ ُ‬
‫الظلم الذي جاء ألجله اإلسالم ‪ { :‬ل َيُق َ‬
‫في العقود جميعها هو العدل فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب والشارع نهى عن الربا لما فيه من‬
‫الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم ) (‪ )1‬فإذا كان القرآن الكريم قد قرر بخصوص المرابين { َال‬
‫ظَل ُمو َن } فكيف يرضى أن يظلم الدائن ويقتطع حقه في وقت يدعو فيه الرسول الكريم‬
‫ظل ُمو َن َوَال تُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫صلى هللا عليه وسلم إلى اإلحسان إليه ويقرر (( إن خياركم أحسنكم قضاء )) (‪. )2‬‬
‫ومن هذه المبادئ قاعدة ( ال ضرر وال ضرار ) ومبدأ رعاية المصلحة ودرء المفسدة ورعاية أن‬
‫االجتهادات الدينية على المصلحة تتغير بتغير مبناها كما أوضح ذلك ابن القيم في كتابه القيم (‬
‫أعالم الموقعين )‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬مجموع الفتاوى ‪510/1‬‬
‫(‪ )2‬حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه مع الفتح ‪ 95-65/5‬ومسلم في صحيحه‬
‫‪314/3‬وغيره ‪0‬‬
‫(‪)9832/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫التعريف بالنقد ‪:‬‬
‫عرف فقهاؤنا الكرام النقد من خالل ذكر وظائفه األساسية فقالوا ‪( :‬إنها أثمان المبيعات وقيم‬
‫المتلفات والديات ووسيط بين السلع وحاكم عليها وانه من ملكه فكأنما ملك كل شيئ وهو التوسل من‬
‫خالله إلى سائر األشياء وان نسبته إلى سائر األموال نسبة واحدة وانه بمثابة المرآة التي يرى من‬
‫خاللها األشياء) (‪ )1‬وقد شرح ذلك اإلمام الغزالي شرحا وافيا (‪ )2‬كما تناوله شيخ اإلسالم فقال ‪:‬‬
‫( فإن المقصود من األثمان أن تكون‬
‫معيار لألموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير األموال وال يقصد‬
‫ًا‬
‫االنتفاع بعينها) (‪. )3‬‬
‫طا للتبادل‬
‫وقد عرفه علماء االقتصاد الحديث بما يقرب مما ذكرناه فقالوا ‪ ( :‬هو ما يستخدم وسي ً‬
‫ومقياسا للقيم ومخزونا للثروة ومعيا ار للمدفوعات اآلجلة من الديون ) ‪.‬‬
‫ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن هذه الوظائف األربع مجتمعة ليست بمثابة األركان التي لو تخلفت‬
‫واحدة منها في نقد ما لفقد نقديته ولذلك نرى كثي ار من أنواع النقود في االقتصاد الحديث مثل النقود‬
‫السلعية والنقود المصرفية بل والنقود البالستيكية مع أنها ال تتوفر فيها جميع العناصر السابقة يطلق‬
‫عليها اسم النقود ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬انظر بداية المجتهد ‪ 130/2 :‬واحياء علوم الدين ‪ 88/4:‬واعالم الموقعين ‪156/2 :‬‬
‫(‪ )2‬راجع إحياء علوم الدين ‪89-88/4:‬‬
‫(‪ )3‬مجموع الفتاوى ‪472-471/29 :‬‬
‫(‪)9833/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫نبذة تاريخية عن النقود ‪:‬‬
‫لم يكن اإلنسان في مجتمعه البدائي بحاجة كبيرة إلى وسيط للتداول إذا كان يكتفي ذاتيا بما وفر هللا‬
‫له من خيرات األرض ثم لما تكونت المجتمعات احتاج إلى المقايضة ثم إلى استخدام النقود ولما‬
‫جاء اإلسالم كان النقد السائد هو الدنانير الذهبية والدراهم الفضية اللتين كانتا سائدتين في‬
‫اإلمبراطوريتين الرومانية والفارسية ثم قام عمر (رضي هللا عنه ) بضرب دراهم على نفس الكسروية‬
‫وكتب على بعضها " الحمد هلل " وعلى بعضها " ال اله إال هللا " وكذلك قام عثمان بضرب دراهم ثم‬
‫معاوية وابن الزبير لما استقر األمر لعبد الملك وضع السكة اإلسالمية وأمر الناس أن يضربوا عليها‬
‫نقودهم وقد استقر األمر على أن وزن الدينار هو مثقال من الذهب أي ‪ 40.25‬غرامات والدرهم كل‬
‫عشر منه يساوى سبعة مثاقيل ثم ظلت الخالفة اإلسالمية تحافظ على النقود وال تفرط فيها إال في‬
‫حاالت يعم فيها االضطراب وبتتبعنا ألحوال الحضارة اإلسالمية نجد أنها لم تشهد أزمات تضخم‬
‫حادة مثل ما حدث في عالمنا المعاصر نتيجة التزامها بالنقود الذهبية أو الفضية ولكنها قد شهدت‬
‫بعض اضطرابات نتيجة سيادة الفلوس والغش في المعامالت كما ذكر ذلك العالمة المقريزي‬
‫والحافظ المناوي وغيرهما (‪)1‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬كتاب النقود للمقريزي ط استانه والنقود والمكاييل والموازين للحافظ المناوي ط دار الحرية بغداد‬
‫واألحكام السلطانية ألبي يعلى ‪ :‬ص ‪ 174‬والمقدمة البن خلدون ط عبد السالم بن شقرون ص ‪29‬‬
‫والحضارة اإلسالمية آلدم متر ط دار الكتاب العربي ببيروت ‪320/2 :‬‬
‫(‪)9834/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ظهور النقود النقدية ‪:‬‬
‫ساعد على ظهورها (‪ )1‬عدم االستقرار واالضطراب اللذان سادا أوروبا مما حدا باألغنياء أن يودعوا‬
‫نقودهم الذهبية عند التجار الصيارفة األمناء القادرين على حفظ األموال في خزائنهم الحديدية الذين‬
‫كانوا يعطون بدورهم سندات إيصال فتكونت على أثر ذلك فئة من التجار الصيارفة اعتنوا بالصيرفة‬
‫فقط وحفظ األمانات واخذ الفوائد عليها واصبحوا وسطاء في تبادل النقود بحيث إذا أراد رجال‬
‫األعمال الذين يتعاملون معهم إبرام عملية تبادل معينة أو تسديد ما عليه من ديون إلى الغير كان‬
‫عليه أن يقدم إلى الصراف الذي يتعامل معه ما يحمله من إيصاالت ‪ ،‬ويسترجع منه سبائكه ثم‬
‫يرسلها إلى دار سك النقود حيث يتم تحويلها إلى عمالت ذهبية يستخدمها التاجر في عمليات الثراء‬
‫وتسديد الديون (‪. )2‬‬
‫ثم خطت الصيرفة خطوة أخرى نحو التيسير في التبادل وذلك بإعطاء المزيد من الثقة إلى اإليصال‬
‫‪ ،‬بحيث إذا وقع على ظهره صاحبه وأعطاه آلخر أصبح خاصا بحامله ومن هنا أعطى بدل السبيكة‬
‫الذهبية نفسها ‪ ،‬ويجري به النقود ويتداول مع بقاء السبيكة عند الصراف ‪ .‬تلك هي بداية المخاض‬
‫لورقة البنكنوت التي مهدت الطريق لوالدة األوراق النقدية ‪ ،‬وهيأت الرأي العام لتقبلها ‪ ،‬أدرك التجار‬
‫فوائدها في تسهيل عمليات الدفع‪ ،‬فتطورت إلى إصدار فئات محدودة مثل عشرة جنيهات وخمسين‬
‫جنيها ومائة جنيه ‪...‬‬
‫ً‬
‫ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الحكومات وتبنتها وأعطتها الثقة وأفادت منها حيث احتفظت هي بالسبائك‬
‫‪ ،‬وأصدرت في مقابلها األوراق النقدية المطلوبة ‪ ،‬وبذلك درجت الحكومات على طبع أوراق النقد‬
‫بشرط توفر غطاء كاف من السبائك ثم أختفي الصيارفة من الصورة وحل نظام الشيكات المصرفية‬
‫محل إيصاالت الصيارفة تكونت البنوك الحديثة وقامت بإصدار النقود الورقية بكل أشكالها المتعددة‬
‫‪ ،‬ثم خفف العطاء ليصل إلى ‪ % 50‬فقط‪ ،‬ووجدت عدة أنظمة منها ما يعتمد على نظام النقد الواحد‬
‫أو على غيره إلى أن تكون في عام ‪ 1945‬م صندوق النقد الدولي وأصبحت معظم األنظمة النقدية‬
‫الحديثة تعتمد على النقد الورقية والمصرفية كوسيلة للدفع ‪ ،‬وذلك بسبب المشاكل االقتصادية وعدم‬
‫قدرة الدول على توفير الغطاء الكافي ومن هنا فإن حجم المعروض من النقد ال يتوقف بتاتا على‬
‫إمكانية الحصول على المعادن النقدية وانما يتوقف على ق اررات السلطات النقدية من البنك المركزي‬
‫وو ازرة المالية ومع ذلك فإن هناك بال شك عوامل كثيرة لها تأثيرها الفعال على النقود الورقية وعلى‬
‫رأسها نوعية االقتصاد القائم درجة نموه وما حققه من تقدم أو ما يعانيه من تخلف اقتصادي‬
‫اجتماعي وسياسي وما يصيب الدولة من مشاكل وحروب وغيرها (‪. )3‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬وقد ذكر ابن بطوطة في رحلته ط المطبعة الخيرية األولى ‪ :‬ص ‪ 196‬أن أهل الصين كانوا‬
‫يستعملون النقود الورقية‬
‫(‪ )2‬د‪ .‬أحمد عبده ‪ /‬المصدر السابق ص ‪340‬‬
‫(‪ )3‬المصادر السابقة وراجع أ‪.‬د مصطفى رشدي شيحه ‪ :‬النقود والبنوك ط الدار الجامعية ص ‪31‬‬
‫ود‪ .‬عبد النعيم مبارك ‪ :‬النقود والصيرفة ط الدار الجامعية ص ‪19‬‬
‫(‪)9835/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫قاعدة المثلي والقيمي في الفقه اإلسالمي وعالقتها بالنقد ‪:‬‬
‫وضع فقهاؤنا الكرام قاعدة عامة تتحكم في مسائل كثيرة وتضبط بها جزئيات ال تكاد تحصر في‬
‫أبواب الحج والقرض والبيوع ‪ ،‬والغصب ‪ ،‬والضمانات ‪ ،‬والجنايات ‪ ،‬وغيرها‪ ...‬حيث ترد المثليات‬
‫بالمثل دون مالحظة القيمة ‪ ،‬في حين يرد ما هو قيمي بالقيمة ‪ -‬كقاعدة عامة ‪. -‬‬
‫والموضوع الذي نحن بصدد بحثه له عالقة وثيقة بهذه القاعدة ‪ ،‬وذلك ألننا إذا استطعنا أن نوضح‬
‫المعايير الدقيقة للقيمي والمثلي نستطيع حينئذ من خاللها الوصول إلى الحكم على نقودنا الورقية‬
‫بالمثلية أو القيمية ‪.‬‬
‫فالمثلى نسبة إلى المثل ‪ ،‬وهو لغة الشبه ‪ ،‬والقيمي نسبة إلى القيمة وهي لغة ثمن الشيء بالتقويم‬
‫(‪ )1‬وقد ورد لفظ " مثل " ومشتقاته اكثر من مائة وخمسين مرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫إ ْن َن ْح ُن إ َّال َب َشر م ْثُل ُك ْم } (‪ )2‬أي من حيث الخلقة والماهية والجنس ‪ ،‬والنوع ولكنه ثار خالف بين‬
‫المفسرين في تفسير " مثل " في قوله تعالى ‪َ { :‬ف َج َزاء م ْث ُل َما َقتَ َل م َن النَّ َعم } (‪ )3‬حيث فسره‬
‫بعضهم بشبهه في الخلقة الظاهرة ويكون مثله في المعنى (‪ )4‬في حين فسره آخرون وعلى رأسهم‬
‫الحنفية بالقيمة وجعلوها هي المعيار في عملية التقويم ودافع أبو بكر الجصاص عن هذا المعنى‬
‫دفاعا كبي ار وأورد أدلة كثيرة لدعمه ودحض حجة المخالف ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬لسان العرب والقاموس مادة " مثل "‬
‫(‪ )2‬سورة إبراهيم ‪ :‬اآلية ‪11‬‬
‫(‪ )3‬سورة المائدة اآلية ‪95‬‬
‫(‪ )4‬أحكام القرآن البن العربي ‪670/2:‬‬
‫(‪)9836/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وفي اصطالح الفقهاء اختلفت وجهات نظرهم في المثلية والقيمية حسب المراد بها في األبواب‬
‫المختلفة ‪ ،‬ففي باب الحج تعتبر البقرة مثال للناقة‪ ،‬وكذلك النعامة مثال للناقة والبقرة ‪ ،‬حيث إذا قتلها‬
‫المحرم تجب إحداها مع أن الحيوانات جميعها ليست من المثليات في باب القرض عند من يقول‬
‫باستقراضها ( الجمهور ) ونرى أن المثلية ال تتحقق في باب البيع حتى في جنس واحد ونوع واحد‬
‫من الحيوانات إال مع التماثل في الذكورة ‪ ،‬أو األنوثة ‪ ،‬ويسمونه فوات الوصف المرغوب فيه ‪ ،‬أو‬
‫الجنس المرغوب (‪ )1‬وغير ذلك من التفصيالت (‪ )2‬ولكن أكثر االتجاهات تسير نحو تعريف‬
‫المثلى بما هو مقدر بكيل أو وزن فعلى ضوء ذلك فالمكيالت والموزونات هما المثليات وغيرهما‬
‫تفاوت بيًنا بين أفرادها (‪. )3‬‬
‫قيميات في حين أضاف بعضهم إليهما المعدودات التي ال‬
‫َ‬
‫ولو أستعرضنا ما ذكره فقهاؤنا الكرام في هذه األبواب المختلفة لوصلنا إلى أن المعيار الذي اختاروه‬
‫هو ما يحقق العدالة يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية عند كالمه عن عوض المثل ‪ " :‬وهو أمر ال بد‬
‫منه في العدل الذي به تتم المصلحة الدنيا واآلخرة فهو ركن من أركان الشريعة ومداره على القياس‬
‫واالعتبار للشيء بمثله وهو نفس العدل وهو معنى القسط الذي أرسل هللا له الرسل (‪ ".... )4‬ولذلك‬
‫نرى فقهاؤنا يحكمون على شيء بأنه يرد بالقيمة مع أنه على ضوء القاعدة العامة من المثليات مثل‬
‫الذهب الذي دخلته الصنعة حيث يصبح من القيميات والماء الذي أتلفه شخص في وقت َعزة حيث‬
‫يالحظ فيه القيمة وغيرها كثير جدا (‪. )5‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬يراجع مبدأ الرضا في العقود دراسة مقارنة ‪802 /2‬‬
‫(‪ )2‬يراجع المبسوط ‪ 13-12 /13‬وفتح القدير ‪ 206 /5 :‬ومواهب الجليل‪ 466/4:‬والوسيط بتحقيقنا‬
‫‪ 803 /3 :‬والمغنى البن قدامة ‪ 135 /7 :‬وغيرها حيث فصلنا ذلك في البحث الذي سينشر في‬
‫مجلة المسلم المعاصر إن شاء هللا ‪.‬‬
‫(‪ )3‬يراجع فتح القدير ‪269/11‬‬
‫(‪ )4‬مجموع الفتاوى ‪520 /29 :‬‬
‫(‪ )5‬األشباه للسيوطي ‪ :‬ص ‪382‬‬
‫(‪)9837/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هل نقودنا الورقية مثل الدراهم الفضية والدنانير الذهبية في كل األحكام ؟ هذا هو السؤال الذي‬
‫يفرض نفسه عند بحث أحكام النقود والشك أن الجواب عنه بالسلب أو باإليجاب أو بالتفصيل يكون‬
‫هو األساس في أي حل يراد‪.‬‬
‫فقد ذهب العلماء الذين عاصروا مولد النقود الورقية إلى أنها ليست مثل النقود المعدنية على‬
‫اإلطالق ولذلك قال بعضهم بعدم وجوب الزكاة فيها ثم حينما اتضح األمر بعض الشيء أفتى‬
‫الكثيرون بوجوب الزكاة فيها (‪ . )1‬ولو دققنا النظر في هذا الخالف لوجدنا خالف عصر وأوان ال‬
‫خالف حجة وبرهان‪ ،‬لذلك لم يعد للتكييف السابق باعتبارها سندات ديوان أي مبرر بعد ما صارت‬
‫أثمانا بالعرف ونالت ثقة الناس ‪ ،‬ولكنها مع ذلك ال يمكن القول بأن النقود الورقية أصبحت مثل‬
‫النقود الذهبية في جميع األحكام وذلك ألن كثي ار من الفقهاء لم يعطوا جميع أحكامها للنقود‬
‫المغشوشة على الرغم من رواجها وكذلك لم يعاملوا الفلوس معاملة الذهب والفضة حتى وان راجت‬
‫( ‪. )2‬‬
‫وكذلك األمر في نقودنا الورقية حيث تختلف النقود الذهبية والفضية فيما يأتي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن الدنانير والدراهم نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما في حين أن العملة الورقية نقد‬
‫حسب العرف واالصطالح ‪.‬‬
‫‪ -2‬أهما ال ينسأ مع نقديتهما باعتبار أن الزيادة في وزنهما زيادة في قيمتهما وقد أثار إلى ذلك‬
‫الحديث الصحيح " وزنا بوزن " وال يالحظ ذلك في النقود الورقية‪.‬‬
‫‪ -3‬أنهما لو ألغيت نقديتهما بقيت مثيلتهما وقيمتهما في حين أن العمالت الورقية لو ألغيت لما بقيت‬
‫فيها أي فائدة ‪.‬‬
‫‪ -4‬ال خالف بين علمائنا المعاصرين في أن نقودنا الورقية تقوم بالذهب أو الفضة أو غيرهما‬
‫لمعرفة نصاب الزكاة فيها ‪ ,‬في حين أن نصاب الدراهم والدنانير ثابت وال يحتاج منه إلى تقدير‬
‫بآخر بل يقوم بهما غيرهما (‪. )3‬‬
‫‪ -5‬أن المعاصرين جميعا متفقون على أن نقد كل بلد جنس بذاته ولذلك يجري فيه التفاضل فيها لو‬
‫بيع بنقد بلد آخر وما ذلك إال لرعاية القيمة في حين أن الدراهم والدنانير ال يالحظ فيهما البنك الذي‬
‫أصدرها ‪.‬‬
‫‪ -6‬أن النقود الورقية كانت مغطاة في أساسها بالذهب وال يزال االقتصاد الخاص بالدولة التي‬
‫تصدرها له عالقة بقوتها وضعفها وال يؤخذ هذا في الدراهم والدنانير‪.‬‬
‫‪ -7‬حينما ألغى الفقهاء رعاية القيمة في المثليات مثل الذهب والفضة والحنطة والشعير نظروا إلى‬
‫أنها تحقق الغرض المقصود سواء رخص سعرها أم غال ‪ ،‬أما النقود الورقية فقيمتها في قوتها‬
‫الشرائية‪.‬‬
‫‪ -8‬أن االقتصاديين يكادون يتفقون على أن مشكلة التضخم التي يعانى منها ولدت في أحضان‬
‫النقود الورقية ولم يحصل مثلها عند سيادة النقود المعدنية النفيسة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬يراجع في تفصيل ذلك فتح العلي المالك للشيخ عليش ‪ 165-164 /1:‬والفتح الرباني مع شرحه‬
‫للساعاتي ‪ 25 /8 :‬والفقه على المذاهب األربعة ‪15/ 1:‬وفقه الزكاة للشيخ الدكتور القرضاوي ‪/1‬‬
‫‪271‬‬
‫(‪ )2‬يراجع الهداية مع شرح فتح القدير وشرح العناية ‪ 153-152 /7 :‬وحاشية ابن عابدين ‪266 /5‬‬
‫(‪ )3‬راجع فقه الزكاة ‪269/1 :‬‬
‫(‪)9838/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫الترجيح ‪:‬‬
‫ولذلك فالراجح هو القول بنقدية هذه األوراق المالية وبالتالي وجوب الزكاة فيها باعتبار قيمتها وكونها‬
‫صالحة للثمنية والحقوق وااللتزامات وعدم جواز الربا فيها ال نقدا وال نسيئة‪ ،‬ولكن مع مالحظة أنها‬
‫ال تؤدي جميع الوظائف المطلوبة وبالتالي مالحظة قيمتها عندما تحدث فجوة كبيرة بين قيمة النقد‬
‫في وقت القبض وقيمته عند التسليم وهذا في نظري هو الرأي الذي يحقق العدل الذي أشار إليه‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم (( قيمة عدل ال وكس وال شطط )) (‪ )1‬وهذا هو الواقع الذي تعيشه‬
‫نقودنا الورقية حيث يعترف كثير من االقتصاديين بأنها ال تؤدى اليوم جميع وظائفها (‪. )2‬‬
‫وفي رأيي أن نظام النقود اليوم نظام خاص ال يمكن إجراء جميع األحكام الخاصة بالنقود المعدنية –‬
‫الذهب والفضة وحتى الفلوس عليها فهو نظام خاص جديد ال بد أن نتعامل معه على ضوء واقعه‬
‫ونشأته وتطوره وعطائه وما جرى عليه ولذلك فما المانع من أن نقره كوسيط للتبادل التجاري ولكنه‬
‫مع ذلك يالحظ فيه قيمته ونربطه أما بالذهب أو بسلة السلع بعد أن فقد النقد الورقي كثي ار من‬
‫وظائفه حتى في الدول الغربية حيث لم يعد مثل السابق مقياسا للقيم حتى في الغرب الذي نشأ فيه‬
‫وال مخزونا للثروة حيث تخزن في الغالب بالذهب أو بالعقار أو بنحوها فقيمة نقودنا الحالية في‬
‫قدرتها الشرائية فإذا فقدتها أو اهتزت فما الفائدة في شكلها أو ما كتب عليها ؟ فهي ال تؤكل وال تلبس‬
‫وال يتحلى بها وانما ليشتري بها السلع ولذلك فالتساوي والتماثل والتفاضل والتعامل والزكاة باعتبار‬
‫قيمتها ولذلك فما دام سعر الريال الواحد ‪ -‬مثال ‪ -‬في وقت واحد لدولة واحدة ال يتصور فيه الزيادة‬
‫فال يحتاج إلى رعاية القيمة وكذلك األمر في وقتين لم تتغير فيهما قيمته بشكل يؤدي إلى الغبن‬
‫الفاحش فعال ال تصو ار وتخمينا وحتى تكون أبعاد هذا الذي اخترناه واضحة المعالم ‪ ،‬فالبد أن نذكر‬
‫التأصيل الفقهي له والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم ومتى نلجأ إليه ؟ وزمن التقويم ومكانه ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم في صحيحه ‪1145/2 :‬‬
‫(‪ )2‬يراجع د حمدي عبد العظيم ‪ :‬السياسات العالية والنقدية في الميزان ص‪ 342‬د‪ .‬محمد يحيى‬
‫عويس مبادئ في علم االقتصاد ص ‪. 281‬‬
‫(‪)9839/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫التأصيل الفقهي ‪:‬‬
‫ال شك أن مسالة النقود الورقية لم تكن موجودة في عصر النبي صلى هللا عليه وسلم وال في عصر‬
‫الصحابة والفقهاء والمجتهدين وانما ظهرت ‪ -‬كما سبق ‪ -‬في حدود القرنين األخيرين ومن هنا فال‬
‫نطمع أن نحصل على نص خاص يعالج هذه المسالة بخصوصها ولكن لما كان اإلسالم دينا خالدا‬
‫شامال لكل األزمنه واألمكنة فإنه تضمن من المبادئ والقواعد العامة ما يمكن استنباط حكم كل‬
‫قضية مهما كانت جديدة على ضوئها اذن فالقضية تحل من خالل المبادئ والمقاصد العامة للشريعة‬
‫وباإلضافة إلى ذلك فإننا نرى بعض مسائل جزئية دقيقة أثارها فقهاؤنا الكرام تصلح ألن تكون أرضا‬
‫صالحة لالنطالق منها إلى حل مسألتنا هذه ومن هنا فنحن نذكر بإيجاز بعض القواعد العامة‬
‫والمبادئ الكلية ‪ ,‬وبعض المسائل الجزئية ذات العالقة بموضوعنا ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬المبادئ العامة القاضية بشكل قاطع بتحقيق العدالة ورفع الظلم حيث أنزل هللا تعالى الكتب‬
‫ان‬
‫اب َواْلم َيز َ‬
‫والشرائع لتحقيق ذلك ‪ ....‬قال هللا تعالى ‪َ { :‬لَق ْد أ َْرَسْل َنا ُرُسَل َنا باْل َبي َنات َوأ َْن َ ْزل َنا َم َع ُه ُم اْلكتَ َ‬
‫ل َيُقوم َّ‬
‫اس باْلق ْسط } (‪. )1‬‬
‫الن ُ‬
‫َ‬
‫ولذلك يرشد القرآن الكريم إلى أن المرابي حينما يتوب يأخذ رأس ماله ال يظلم وال يظلم إذن فكيف‬
‫يسمح بأن ترجع إلى الدائن نقوده بعد أن فقدت جزءا كبي ار من قيمتها ولذلك قال الرسول صلى هللا‬
‫عليه وسلم (( خير الناس أحسنهم قضاء )) (‪)2‬‬
‫ومن المبادئ العامة الكلية قول النبي صلى هللا عليه وسلم (( ال ضرر وال ضرار )) (‪ . )3‬حيث‬
‫جعلها النبي صلى هللا عليه وسلم من القطعيات التي تزاحمت عليها أدلة الشرع من الكتاب والسنة‬
‫( ‪. )4‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سورة الحديد اآلية ‪25‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري في صحيحه مع فتح الباري ‪56 /5‬‬
‫(‪ )3‬رواه أحمد في مسنده ‪ 327/5‬والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى المستدرك‬
‫‪57/2‬‬
‫(‪ )4‬الموافقات ‪10-9/3‬‬
‫(‪)9840/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ومن هذا المنطق فال يمكن أن تكون الجزئيات مخالفة للقواعد العامة وال القطعيات مناقضة لألصول‬
‫العامة المقررة فعلى ضوء ذلك فال يمكن أن نقول في نقودنا الورقية قوال يخالف هذه المبادئ يؤدي‬
‫إلى الظلم والضرر بأصحاب الحقوق في وجهة نظرنا أن القول برد المثل في نقودنا الورقية يؤدي في‬
‫كثير من األحوال إلى الظلم بأصحاب الحقوق فمن دفع قبل خمسة عشر عاما مبلغ ‪ 100‬ألف ليرة‬
‫مثال ثم لو رجعها المدين إلى الدائن بالمثل ألصاب الدائن خسارة كبيرة وضرر كبير ال يمكن أن‬
‫يتفق مع هذه المبادئ السابقة ‪.‬‬
‫* ثانيا ‪ :‬بعض المسائل الفقهية التي ذكرها فقهاؤنا السابقون بخصوص الفلوس والدراهم والدنانير‬
‫المغشوشة حيث ذهب الفقهاء إلى رعاية القيمة على أساس الذهب الخالص ورواجها في السوق‬
‫ومالحظة الرخص أو الغالء حيث ذهب أبو يوسف ومحمد في بعض الحاالت وبعض فقهاء‬
‫المالكية وبعض الحنابلة إلى رعاية القيمة يقول ابن عابدين ( قال في الولواجية ‪ :‬رجل اشترى ثوبا‬
‫بدراهم نقد البلدة فلم ينقدها حتى تغيرت فهذا على وجهين إن كانت تلك الدراهم ال تروج اليوم في‬
‫السوق أصال فسد البيع ألنه هلك الثمن وان كانت تروج لكن انتقصت قيمتها ال يفسد والنه لم يهلك‬
‫وليس له إال ذلك وان انقطع بحيث ال يقدر عليها فعليه قيمتها ‪ )...‬ثم قال ( يجب رد مثله ) هذا‬
‫كله قول أبي حنيفة‬
‫__________‬
‫(‪)9841/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ووقال أبو يوسف ‪ :‬تجب قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد اآلخر يوم التعامل وقال محمد‬
‫يجب آخر ما انقطع من أيدى الناس قال القاضى الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف‬
‫وفيما سوى ذلك على قول أبي حنيفة انتهي – قال التمرتاشي اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب‬
‫غشها أو بالفلوس وكان كل منها نافعا حتى جاز البيع لقيام االصطالح على الثمنية ‪ ،‬ولعدم الحاجة‬
‫إلى اإلشارة اللتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع ثم كسدت بطل البيع واالنقطاع عن أيدي‬
‫الناس كالكساد حكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على‬
‫المشتري رد المبيع إن كان قائما مثله إن كان هالكا وكان مثليا واال فقيمته وان لم يكن مقبوضا فال‬
‫حكم لهذا البيع أصال وهذا عند اإلمام األعظم وقاال ال يبطل البيع ‪ ،‬ألن المتعذر إنما هو التسليم‬
‫بعد الكساد ‪ ،‬وذلك ال يوجب الفساد‪ ،‬الحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة ‪ ،‬ثم انقطع‬
‫واذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته‪ ،‬لكن عند أبي يوسف يوم البيع‪ ،‬وعند محمد يوم الكساد‬
‫وهو آخر ما تعامل الناس بها ‪ ،‬وفي الذخيرة ‪ :‬الفتوى على قول أبي يوسف ‪ )1( ...‬وذكر ابن‬
‫عابدين أن الظاهر من كالمهم هو أن هذا الخالف في الفلوس ‪ ،‬والدراهم التي غلب غشها ‪ ،‬غير‬
‫أن بعض الحنفية عمموه في المغشوشة وغيرها (‪ )2‬ثم ذكر ابن عابدين مسألة وقعت في عصره‬
‫رجح القول فيها بناء على العدالة ‪ ،‬ال على الشكل والتقليد فقال ‪ ( :‬أعلم أنه تردد في زماننا ورود‬
‫األمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائحة بالنقص ‪ ،‬واختلف اإلفتاء فيه ‪ ،‬والذي استقر عليه‬
‫الحال اآلن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينا كما لو اشترى بمائة ريال أفرنجي‪ ،‬أو مائة‬
‫ذهب عتيق ‪ ،‬أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبايعان نوعا والخيار‬
‫فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد ‪ ،‬ولكن األول ظاهر سواء كان بيعا أو قرضا بناء على ما‬
‫قدمناه وأما الثاني فقد حصل بسبب ضرر ظاهر للبائعين فإن ما ورد األمر برفضه متفاوت ‪ )..‬ثم‬
‫قال ‪ ( :‬وقد كنت تكلمت مع شيخي فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا لما علمت من الضرر ‪،‬‬
‫وانما يفتي بالصلح ‪ )..‬ثم بين بأن القضية تدور مع علتها قائال ‪ ( :‬فإنه وان كان الخيار للمشتري‬
‫في دفع ما يشاء وقت العقد وان امتنع البائع لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت األنواع ‪ ،‬فإذا امتنع عما‬
‫أراد المشتري يظهر تعنته أما في هذه الصورة فال ‪ ،‬ألنه ظهر أنه يمتنع عن قصد إض ارره ‪)....‬‬
‫فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار لألنفع له ‪ ،‬فالصلح حينئذ أحوط‪ ،‬والمسألة غير‬
‫منصوص عليها بخصوصها ‪.‬‬
‫فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصا ‪ ،‬ال األقل‪ ،‬وال األكثر ‪ ،‬كيال‬
‫يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري (‪. )3‬‬
‫وهذا ما نحن نؤكد عليه هنا أنه ما دامت النقود الورقية غير منصوص عليها فالبد إذن من رعاية ما‬
‫يحقق العدالة ‪ ،‬ويرفع الحيف والضرر والضرار دون النظر إلى الشكل ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬رسالة النقود ‪ ، 61 -60/2 :‬والهداية وفتح القدير ‪155/7 :‬‬
‫(‪ )2‬رسالة النقود ‪62/2 :‬‬
‫(‪ )3‬النقود ‪66/ 2 :‬‬
‫(‪)9842/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫وقد أعطى العالمة الكاساني أهمية خاصة للقيمة حتى جعلها معيا ار وأصال فقال ‪( :‬أال ترى أنه ال‬
‫يعرف الجيد‪ ،‬والوسط والرديء إال باعتبار القيمة ‪ ،‬فكانت القيمة هي المعرفة بهذه الصفات فكانت‬
‫أصال في الوجوب ‪ ،‬فكانت أصال في التسليم ‪. )1( ) ...‬‬
‫وفي المذهب المالكي نجد أن القاضي ابن عتاب ‪ ،‬وابن دحون وغيرهما يقولون برعاية القيمة في‬
‫بعض المسائل ‪ ،‬حيث ورد في المعيار المعرب ‪ ( :‬سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك‬
‫السكة ؟ أجاب ‪ ...‬وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطعوعة من الذهب ‪،‬‬
‫ويأخذ صاحب الدين القيمة ومن الذهب ‪ ،...‬وكان أبو محمد بن دحون رحمه هللا يفتي بالقيمة يوم‬
‫القرض ‪ ،‬ويقول إنما أعطاها على العوض فله العوض‪. )2( )..‬‬
‫وقيد الرهوني رد المثل بالمثل إذا لم يكن تغير السعر كبي ار ‪ ،‬فقال ‪ ( :‬وينبغي أن يفيد ذلك بما إذا لم‬
‫يكثر جدا حتى يصير القابض بها كالقابض لما ال كبير منفعة فيه‪ ،‬لوجود العلة التي علل بها‬
‫المخالف ‪ ،‬حيث إن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به ألخذ منتفع به ‪ ،‬فال يظلم بإعطائه ما ال ينتفع به‬
‫) (‪. )3‬‬
‫وقد راعى المالكية – كقاعدة عامة – القيمة في كثير من المسائل وأولها عناية فائقة حيث ذهبوا إلى‬
‫أن عشرين دينا ار من الذهب تجب فيها الزكاة حتى ولو كان فيها نقص من حيث الوزن ما دامت‬
‫مثل الكاملة في الرواج ‪ ،‬وعلل ذلك العالمة الدسوقي بقوله ‪ ( :‬ال يخفى أن القيمة تابعة للجودة‬
‫والرداءة فااللتفات ألحدهما التفات إلى اآلخر) (‪ )4‬خالفا للشافعية في رعاية الوزن (‪. )5‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬بدائع الصنائع ‪1442/3 :‬‬
‫(‪ )2‬المعيار المعرب ‪462 – 461 / 6 :‬‬
‫(‪ )3‬نقال عن د‪ .‬شوقي أحمد دنيا في بحثه القيم عن النقود واألثمان في مجلة المسلم المعاصر العدد‬
‫(‪)41‬‬
‫(‪ )4‬حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ‪.455/1 :‬‬
‫(‪ )5‬الروضة ‪ ، 257/2 :‬والمجموع ‪. 1974 / 6 :‬‬
‫(‪)9843/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫والقاعدة العامة لدى الشافعية وغيرهم أن المثلي إذا عدم ‪ ،‬أو عز فلم يحصل إال بزيادة ال يجب‬
‫تحصيله كما صححه النووي ‪ ،‬بل يرجع إلى القيمة (‪. )1‬‬
‫والحنابلة يقولون بوجوب القيمة في حالة إلغاء السلطان الفلوس ‪ ،‬أو الدراهم المكسرة ‪ ،‬ولكن هل‬
‫تجب القيمة عند الغالء أو الرخص ؟ المنصوص عن أحد وأصحابه هو عدم اعتبارها‪ ،‬وقد بين ابن‬
‫قدامة السبب في هذه التفرقة بين الحالتين فقال معلال لوجود القيمة في حالة الكساد ودون حالة تغير‬
‫القيمة ‪ ( :‬إن تحريم السلطان لها منع إنفاقها ‪ ،‬وأبطل ماليتها فأشبه كسرها ‪ ،‬أو تلف أجزائها ‪ ،‬وأما‬
‫رخص السعر فال يمنع ردها سواء كان كثي ار أو قليال ‪ ،‬ألنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر‬
‫فأشبه الحنطة إذا رخصت ‪ ،‬أو غلت ) (‪. )2‬‬
‫ولو دققنا النظر في التعليل الذي ذكره ابن قدامه لوجدناه قائما على ثالثة أمور ‪:‬‬
‫األمر األول ‪ :‬االعتماد على أن الكساد عيب ولكن الرخص الفاحش ليس بعيب ولو رجعنا إلى‬
‫تعريف ابن قدامة نفسه للعيوب لدخل فيه الرخص الفاحش ‪ ،‬حيث عرفها بأنها ‪ :‬النقائص الموجبة‬
‫لنقص المالية ‪ ،‬ثم ذكر عدة تطبيقات محلال فيها ‪ ( ،‬ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته ) ‪.‬‬
‫فعلى ضوء ذلك كان األجدى رعاية القيمة أيضا في النقود االصطالحية ألن القيمة عنصر أساسي‬
‫‪.‬‬
‫* األمر الثاني ‪ :‬االعتماد على القياس على الحنطة إذا رخصت وهذا في نظرنا قياس مع الفارق ‪،‬‬
‫وذلك ألن قيمة الحنطة في ذاتها لو رخصت لما اختلف األمر من حيث قيمتها الغذائية ‪ ،‬وكذلك‬
‫النقود الذهبية والفضية حيث لو رخصت لما أثرت في كونها سلعة لها قيمة ذاتية ‪ ،‬أما النقود الورقية‬
‫فقيمتها في قدرتها الشرائية فلو اهتزت اهت از از كبي ار فالبد من مراعاتها ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬راجع المصدرين السابقين ‪ ،‬وقطع المجادلة عند تغير المعاملة للسيوطي مخطوطة التونسي ‪،‬‬
‫ورقة (‪ ، )1‬وذكر وجها للشافعية يقضي بأن الفلوس والدراهم المغشوشة من المتقومات فعلى هذا‬
‫يكون الرد فيها بالقيمة ‪.‬‬
‫(‪ )2‬المغني البن قدامة ‪460 / 4 :‬‬
‫(‪)9844/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* األمر الثالث ‪ :‬القياس على كسر النقد ‪ ،‬أو تلف بعض أجزائه ‪ ،‬وهذا القياس لصالحنا حيث إن‬
‫التضخم الذي أصاب معظم النقود فسره الباحثون االقتصاديون بقطع العملة إلى نصفين أو أكثر ‪،‬‬
‫يبقى جزء منها في جيب الدولة ‪ ،‬وجزؤها اآلخر عند المستهلك ‪ ،‬وذلك ألن الدولة تصدر من النقود‬
‫الورقية أكثر مما لديها من وسائل نمو االقتصاد والثروة ‪.‬‬
‫فعلى ضوء ذلك فالرخص الفاحش في النقود الورقية هو بمثابة الكسر وتلف بعض أجزاء النقود‬
‫المعدنية ‪ ،‬ألن العبرة بالقيمة والقدرة الشرائية وهي قد اهتزت ‪.‬‬
‫هذا وقد نقل صاحب الدرر السنية عن شيخ اإلسالم ابن تيمية قوله ‪ ( :‬بأن اختالف األسعار مانع‬
‫من التماثل ‪ ،‬وقاس مسألة تغير النقود على كسادها ‪ ،‬بناء على أن كون الكساد عيبا يكمن في كونه‬
‫نقصا في القيمة ‪ ،‬ألنه ليس عيبا في ذات النقد من حيث النقص في عينه ‪ ،‬حيث إن القدر لم يتغير‬
‫‪ ،‬وانما هو باعتبار أن الكساد يترتب عليه نقصان في القيمة ال غير ) ‪ ،‬ثم عقب صاحب الدرر‬
‫على ذلك بقوله ‪ ( :‬إن كثي ار من األصحاب تابعوا الشيخ تقي الدين – أي ابن تيمية – في الحاق‬
‫سائر الديون بالقرض ‪ ،‬وأما رخص األسعار فكالم الشيخ صريح في أنه رد القيمة أيضا ووهو‬
‫األقوى ) (‪. )1‬‬
‫وهذا الرأي الذي اختاره شيخ اإلسالم في عصره للنوازل الواقعية فيه جدير بالقبول ‪ ،‬وحري بالترجيح‬
‫في المسألة التي نحن بصدد بحثها ‪ ،‬فعلى ضوء هذا الرأي ‪ ،‬واآلراء التي سبقته ألبي يوسف ‪،‬‬
‫وبعض علماء المالكية نكون قد وجدنا أرضية ثابتة ‪ ،‬ومنطلقا جيدا للرأي الذي نرجحه وهو رعاية‬
‫القيمة في نقودنا الورقية عند التغير الفاحش‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬الدرر السنية في األجوبة النجدية ‪ /‬ط ‪ .‬دار االفتاء بالرياض ‪110/5 :‬‬
‫(‪)9845/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫* ثالثا ‪ :‬رجوع الفقهاء في كثير من األمور المثلية إلى القيمة حينما ال يحقق المثل العدالة ‪ ،‬كما في‬
‫حالة اقتراض الماء عند ندرته وفي حالة الحلي المصنوع من الذهب ولكن داخلته الصنعة وغير ذلك‬
‫مما ذكرناه عند كالمنا على المثلي والقيمي ‪.‬‬
‫* رابعا ‪ :‬وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬أشار إلى أهمية القيمة‬
‫‪ ،‬حيث قال ‪ (( :‬من أعتق عبدا بين اثنين فإن كان موس ًار قوم عليه ‪ ،‬ثم يعتق )) وفي رواية‬
‫صحيحة أخرى ‪ (( :‬من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد ُقوم العبد عليه قيمة‬
‫عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ‪ ،‬واال فقد عتق منه ما عتق )) وفي رواية لمسلم ‪:‬‬
‫(( من ماله قيمه عدل ال وكس وال شطط )) (‪)1‬‬
‫يقول العالمة ابن القيم ‪ ( :‬ومعلوم أن المماثلة مطلوبة حسب اإلمكان ‪ ،‬ثم نقل عن جمهور العلماء‬
‫قولهم ‪ :‬الدليل على اعتبار القيمة في إتالف الحيوان دون المثل ‪ :‬أن النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫ضمن معتق الشخص إذا كان موس ار بقيمته ‪ ،‬ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله فدل على أن األصل‬
‫هو القيمة في غير المكيل والموزون ) (‪. )2‬‬
‫ثم إن قضية المثلي والقيمي ليست هي أيضا من المنصوص عليها بحيث ال يجوز مخالفتها ‪ ،‬يقول‬
‫الشوكاني ‪ ( :‬إطالقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه أنه مثلي‪ ،‬وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي‬
‫هو مجرد اصطالح لهم ‪ ،‬ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله ‪ ،‬والقيمي بقيمته هو‬
‫أيضا مجرد رأي عملوا عليه ‪ ،‬واال فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته ) ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب العتق ‪ . 151 – 150/5 :‬ومسلم ‪ ، 1140/2 :‬وسنن‬
‫أبي داود – مع العون ‪ ، 472/10 : -‬والترمذي – مع تحفة األحوذي ‪ . 281/4 : -‬والنسائي ‪:‬‬
‫‪ . 281/7‬وابن ماجه ‪. 844/4 :‬‬
‫(‪ )2‬شرح سنن أبي داود البن القيم ‪. 274 – 727/12 :‬‬
‫(‪)9846/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫على أي معيار نعتمد في التقويم ‪:‬‬
‫سبق أن ذكرنا أننا ال نلجأ إلى القيمة عند وجود الغبن الفاحش ‪ ،‬وفي حالة رجوعنا إلى القيمة ال بد‬
‫أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم حتى يتبين لنا الفرق بين قيمتي العملة الورقية في‬
‫الورقتين ‪ :‬وقت القبض ‪ ،‬ووقت إرادة الرد ‪ ،‬ولنا لمعرفة ذلك معياران ‪:‬‬
‫المعيار األول ‪ :‬االعتماد على السلع األساسية مثل الحنطة والشعير واللحم واألرز بحيث نقوم المبلغ‬
‫المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد كمن كان يشتري به من هذه السلع األساسية ‪ ،‬ثم نأتي‬
‫عند الرد أو الوفاء بااللتزام إلى القدر الذي يشترى به اآلن من هذه السلع ‪ ،‬فحينئذ يتضح الفرق ‪،‬‬
‫وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع ‪ ،‬وهي معتبر في كثير من الدول الغربية يعرفون من خاللها‬
‫التضخم ونسبته ‪ ،‬ويعالجون على ضوئها آثار التضخم وال سيما في الرواتب واألجور ‪.‬‬
‫ويشهد على هذا االعتبار أن الرسول صلى هللا عليه وسلم جعل دية اإلنسان – وهو أعلى ما في‬
‫الوجود – اإلبل ‪ ،‬مع وجود النقدين – الدراهم والدنانير – في عصره ‪.‬‬
‫وال يقال ‪ :‬إن السبب في ذلك هو أن اإلبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب ‪ .‬وذلك ألن الرسول‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬قومها عليهم بالذهب أو الفضة ‪ ،‬كما ذكر العلماء أن اإلبل قد عزت عندهم‬
‫‪ ،‬ومع ذلك لم يجعل الذهب ‪ ،‬أو الفضة أصال في الدية ‪ ،‬ومن هنا زادهما حسب قيمة اإلبل ‪ ،‬فقد‬
‫روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو وبن شعيب عن أبيه عن جده قال (( كانت قيمة الدية على‬
‫عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ثماني مائة دينار ‪ ،‬وثمانية آالف درهم ‪ ...‬وكان ذلك حتى‬
‫استخلف عمر فقام خطيبا فقال ‪ ( :‬أال إن اإلبل قد غلت) قال ‪ :‬ففرضها ‪ ،‬على أهل الذهب ألف‬
‫دينار ‪ ،‬وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا )) (‪ . )1‬قال الخطابي ‪ ( :‬وانما قومها رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم على أهل القرى لعزة اإلبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمانى مائة ‪ ،‬ومن‬
‫الورق ثمانية آالف درهم فجرى األمر كذلك إلى أن كان عمر ‪ ،‬وعزت اإلبل في زمانه ‪ ،‬فبلغ‬
‫بقيمتها من الذهب ألف دينار ‪ ،‬ومن الورق اثنا عشر ألفا ) (‪. )2‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سنن أبي داود مع العون – كتاب الديات ‪ ، 284/12 :‬ورواه مالك بالغا في الموطأ ‪530/2 :‬‬
‫(‪ )2‬عون المعبود ‪285/12 :‬‬
‫(‪)9847/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة اإلبل حتي في زمن النبي صلى هللا عليه وسلم لم‬
‫تكن مستقرة استق ار ار تاما ‪ ،‬وانما كانت تابعة لغالء اإلبل ورخصها ‪ ،‬فقد روى أبو داود ‪ ،‬والنسائي‬
‫والترمذي بسندهم ‪ (( :‬أن رجال من بني عدي قتل فجعل النبي صلى هللا عليه وسلم ديته اثني عشر‬
‫ألفا )) (‪ )1‬كما روى الدارمى ‪ (( :‬أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فرض على أهل الذهب ألف‬
‫دينار )) (‪ )2‬وروى النسائي ‪ (( :‬كان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقومها على أهل اإلبل إذا‬
‫غلت رفع قيمتها واذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬ما بين ‪ 400‬إلى ‪ 800‬دينار أو عدلها من الورق )) (‪ )3‬وروى البخاري‬
‫بسنده في قصة شراء النبي صلى هللا عليه وسلم ناقة جابر قال ابن جريح عن عطاء وغيره وعن‬
‫جابر ‪ ( :‬أخذته بأربعة دنانير ) ‪ ،‬وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دارهم (‪. )4‬‬
‫كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع األساسية وجعلها معيا ار يرجع إليها عند التقويم ‪،‬‬
‫ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خاللها قيمة النقود – كما ذكرنا –‬
‫ولذلك نرى األستاذ القرضاوي يثير تساؤال حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضا ‪ :‬فهل من سبيل إلى‬
‫وضع معيار ثابت للغنى الشرعي ؟ فيقول ‪ ( :‬وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود‬
‫باألنصبة األخرى الثابتة بالنص ‪ ،‬ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع األساسية مثل اإلبل ‪ ،‬والغنم‬
‫والزروع والثمار‪ ،‬ثم رجح كون اإلبل والغنم المعيار الثابت حيث أن لهما قيمة ذاتية ال ينازع فيها أحد‬
‫) (‪. )5‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬سنن ابن داود مع العون كتاب الديات ‪ . 290/12 :‬والترمذي – مع التحفة – كتاب الديات ‪:‬‬
‫‪ 646/4‬قال الشوكاني في النيل ‪ ( : 271/8 :‬وكثرة طرقه تشهد لصحته )‬
‫(‪ )2‬سنسن الدرامي ‪ ،‬كتاب الديات ‪ . 113/2 :‬وراجع النيل ‪271/8 :‬‬
‫(‪ )3‬سنن النسائى ‪ ،‬كتاب القسامة ‪43 / 8 :‬‬
‫(‪ )4‬صحيح البخاري – مع الفتح كتاب الشروط ‪. 314/5 : /‬‬
‫(‪ )5‬فقه الزكاة ‪269 – 265/1 :‬‬
‫(‪)9848/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫المعيار الثاني ‪ :‬االعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية ‪ ،‬وفي‬
‫حالة القيام بالرد ‪ ،‬وأداء هذا االلتزام ‪ ،‬بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به‬
‫من الذهب ‪ ،‬فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد ‪ ،‬أو ارتفاعه يالحظ في الرد وفي جميع الحقوق‬
‫وااللتزمات – قوته الشرائية بالنسبة للذهب ‪ ،‬فمثال لو كان المبلغ المتفق عليه عشرة آالف ريال‬
‫ويشترى به مائتا غرام من الذهب فالواجب عند الرد والوفاء بااللتزام المبلغ الذي يشترى به هذا القدر‬
‫من الذهب ‪ ،‬وذلك ألن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتا واستق ار ار ‪ ،‬وأنه لم يصبه التذبذب‬
‫واالضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة (‪ )1‬ولذلك رجح مجمع البحوث اإلسالمية ‪ :‬االقتصار‬
‫في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية ‪ -‬على معيار الذهب فقط لتميزه‬
‫بدرجة ملحوظة من الثبات (‪ )2‬ويشهد العتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب لم يقوم‬
‫بغيره ‪ ،‬في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة ‪ ،‬يقول السيوطي ‪ ( :‬الذهب‬
‫والفضة قيم األشياء إال في باب السرقة ‪ ،‬فإن الذهب أصل ‪ ،‬والفضة عروض بالنسبة إليه نص‬
‫عليه الشافعي في األم ‪ ،‬وقال ‪ :‬ال أعرف موضعا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إال في السرقة ) ‪.‬‬
‫ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة ‪ ،‬ففيها ‪ ،‬واال فيرجع األمر فيها إلى القضاء أو‬
‫إلى التحكيم وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬فقه الزكاة ‪ ، 262/1 :‬حيث ذكر أن االعتبار بالذهب في الزكاة هو ما قاله الشيوخ األجالء أبو‬
‫زهرة ‪ ،‬وخالف وحسن رحمهم هللا‬
‫(‪ )2‬مقررات مجمع البحوث اإلسالمية في مؤتمرهم الثاني سنة ‪ 1965‬م القرار ‪ 2 :‬ص ‪4 -2‬‬
‫(‪)9849/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫الجمع بين المعيارين ‪:‬‬
‫ويمكن لقاضي الموضوع ‪ ،‬أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة‬
‫النقد بالنسبة للذهب والسلع األساسية يوم إنشاء العقد ‪.‬‬
‫متى نلجأ إلى التقويم ‪:‬‬
‫ال شك أننا ال نلجأ إلى التقويم في كل األحوال ‪ ،‬وال عند وجود التراضي بين األطراف وانما نلجأ إليه‬
‫عند وجود الغبن الفاحش الذي يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض ‪ ،‬أم البيع باألجل ‪ ،‬أم‬
‫المهر ‪ ،‬أو غير ذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقدا آجال ثم تتغير قيمته من خالل‬
‫الفترتين – فترة االنشاء وفترة الرد والوفاء تغي ار فاحشا ‪ ،‬ويشهد لذلك ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء‬
‫من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التي مبناها على المساومة (‪ )1‬كما ذكر بعض العلماء‬
‫مثل الرهوني أن التغير الكثير ال بد من مالحظته حتى في المثليات فيجعلها من القيميات ‪ ،‬وكذلك‬
‫قال الرافعي وغيره في مسائل كثيرة – كما سبق ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬األشباه والنظائر ‪ :‬ص ‪. 389‬‬
‫(‪)9850/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫معيار التغير الفاحش ‪:‬‬
‫قبل أن نذكر هذا المعيار نرى فقهاءنا الكرام قد وضعوا عدة معايير لمقدار الغبن الفاحش الذي‬
‫يعطي الخيار في الفسخ عندما يقع في البيع ونحوه ‪.‬‬
‫يقول القاضي ابن العربي ‪ ،‬والقرطبي وغيرهما ‪ ( :‬استدل علماؤنا بقوله تعالى { َذل َك َي ْوُم التَّ َغ ُابن }‬
‫(‪ )1‬على أنه ال يجوز الغبن في المعاملة في الدنيا ‪ ،‬ألن هللا تعالى خصص التغابن بيوم القيامة ‪...‬‬
‫وهذا االختصاص يفيد أنه ال غبن في الدنيا فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد‬
‫على الثلث واختاره البغداديون ‪ ،...‬وأن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع ‪ ،...‬إذ هو من باب الخداع‬
‫المحرم شرعا في كل ملة ‪ ،‬لكن اليسير ال يمكن االحتراز عنه ألحد ‪ ،‬فمضى في البيوع ‪. )...‬‬
‫ثم إن العلماء قد ثار الخالف بينهم في تحديد الغبن الفاحش ‪ ،‬فمنهم من حدده بما زاد على قيمة‬
‫الشيء بالثلث ‪ ،‬وبعضهم بنصف العشر ‪ ،‬وبعضهم بالسدس ‪ ،‬وذهب جمهورهم إلى معيار مرن قائم‬
‫على ما يعده عرف التجار غبنا ‪ ،‬وهذا األخير هو الذي رجحناه (‪ )2‬ونرجحه هنا أيضا في باب‬
‫تقويم النقود الورقية ‪ ،‬فما يعده التجار في عرفهم غبنا فهو غبن هنا أيضا ‪ ،‬واذا اختلفوا فالقاضي‬
‫يحكم بما يرتاح إليه حسب األدلة والظروف والمالبسات التي تحيط بالقضية بعينها ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬التغابن ‪. 29 :‬‬
‫(‪ )2‬يراجع ‪ :‬رسالتنا الدكتوراه بكلية الشريعة باألزهر ‪ :‬مبدأ الرضا في العقود ‪ ،‬ط دار البشائر‬
‫اإلسالمية ‪. 735/1 :‬‬
‫(‪)9851/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫زمن التقويم ومكانه ‪:‬‬
‫إذا كنا قد رجحنا اعتبار القيمة في النقود الورقية حينما يكون هناك فرق شاسع بين القوة الشرائية لها‬
‫عند إنشاء العقد وثبوتها في ذمة المدين ‪ ،‬وبين إرادة ردها ‪ ،‬فأي وقت نعتبر ؟ هل نعتبر قيمة النقد‬
‫يوم إنشاء العقد ؟ وهل نعتبر مكان العقد ؟ أم مكان الرد ؟‬
‫والذي نرجحه هو رعاية القيمة يوم إنشاء العقد وقبض المعقود عليه ومكانه ‪ ،‬أي تقوم النقود الورقية‬
‫يومئذ كم كانت تساوي من الذهب ‪ ،‬أو كم يشتري بها من السلع األساسية ‪ ،‬ثم على أساسها يرجع‬
‫الدين ‪ ،‬أو يوفي بما التزم به من مهر ‪ ،‬أو ثمن المبيع اآلجل أو غير ذلك ‪ ،‬فلو دفع رجل قبل‬
‫عشر سنوات ( أي في ‪ ) 1977‬آلخر مائة جنيه أو باع له أرضا بها ‪ ،‬أو كان مهر زوجته مثل‬
‫هذا المبلغ فاآلن يقوم المبلغ المذكور على أساس عام (‪ )1977‬كم يشتري به من الذهب ‪ ،‬أو من‬
‫السلع على ضوء أحد المعيارين السابقين ‪ ،‬أو متوسط ما يشترى به من الذهب والسلع األساسية ‪،‬‬
‫فلو كان هذا المبلغ المذكور في وقته كان يشترى به بقرة مثال ‪ ،‬فجيب عليه أن يرد مبلغا يشترى به‬
‫بقرة ‪ ،‬أو كان يشترى به عشرون غراما من الذهب عيار ( ‪ )21‬فيجب عليه أن يرد ما يشترى به‬
‫هذا القدر – وهكذا – إال إذا تراضيا بالمعروف ‪.‬‬
‫ويشهد لذلك أن جمهو ار من العلماء ذهب إلى اعتبار القيمة في الفلوس ‪ ،‬والنقود المغشوشة ‪ ،‬حتى‬
‫النقود الخالصة عند كسادها أو انقطاعها ذهبوا إلى أن المعتبر هو يوم إنشاء العقد والقبض ‪،‬‬
‫ومكانه ‪ ،‬قال المرغيناني ‪ ( :‬إذا اشترى سلعة وترك الناس التعامل بها ‪ ...‬قال أبو يوسف ‪ :‬عليه‬
‫قيمتها يوم البيع ‪ ،‬وقال محمد ‪ :‬قيمتها آخر ما تعامل الناس بها ‪ ،‬ثم علل أبو يوسف ذلك بأن‬
‫الضمان إنما تم بالبيع ‪ ،‬وهو سببه فالبد إذن من اعتباره) (‪ )1‬وقد رجح الكثيرون من األحناف رأي‬
‫أبي يوسف ‪ ،‬قال المرغيناني ‪ ( :‬وقول أبي يوسف أيسر ) فعلق عليه ابن الهمام ‪ ،‬والبابرتي فقاال ‪:‬‬
‫(ألن القيمة يوم القبض معلومة ظاهرة ال يختلف فيها بخالف ضبط االنقطاع ‪ ،‬فإنه عسر فكان قول‬
‫أبي يوسف أيسر في ذلك) (‪ )2‬قال ابن عابدين ‪ ( :‬وفي المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض ‪ ،‬أو‬
‫رخصت ‪ ،...‬قال أبو يوسف عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض ‪ ،...‬وعليه‬
‫الفتوى ‪ ،‬هكذا في الذخيرة والخالصة ‪ ..‬فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب‬
‫أن يعول عليه إفتاء وقضاء ) (‪)3‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬الهداية مع فتح القدير ‪. 154/7 :‬‬
‫(‪ )2‬فتح القدير ‪ ،‬مع شرح العناية على الهداية ‪159 – 158/ 7 :‬‬
‫(‪ )3‬رسالة النقود ‪61 – 60/2 :‬‬
‫(‪)9852/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وكذلك األمر عند القائلين بالقيمة عند المالكية مثل ابن عتاب وابن دحون حيث أفتيا برعاية القيمة –‬
‫في مسألة إلغاء السكة – يوم القرض (‪. )1‬‬
‫بل إن كثي ار من العلماء ذهبوا إلى اعتبار القيمة يوم العقد ‪ ،‬ونشأة سبب الضمان في مسائل كثيرة ‪،‬‬
‫فقد ذكر لنا ابن نجيم منها ‪ :‬المقبوض على رسوم الشراء ‪ ...‬فاالعتبار لقيمته يوم القبض ‪ ،‬أو‬
‫التلف ومنها المغصوب القيمي إذا هلك ‪ ،‬فالمعتبر قيمته يوم غصبه اتفاقا ‪ ،‬كذلك المغصوب المثلي‬
‫إذا انقطع عند أبي يوسف ‪ ،‬ومنها المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوم القبض ‪ ،‬ألنه به دخل في‬
‫ضمانه ‪ ،‬ومنها العبد المجني عليه تعتبر قيمته يوم الجناية ‪ ،‬ومنها ‪ :‬ما لو أخذ من األرز والعدس‬
‫ونحوهما وقد كان دفع إليه دينا ار مثال لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك في قيمة المأخوذ ‪ ...‬قال في‬
‫التيمية ‪ :‬تعتبر قيمة يوم األخذ ‪)2( ...‬‬
‫وقد صرح المالكية أن رد القيميات يكون برد قيمتها يوم العقد ‪ ،‬قال خليل ‪( :‬إن اختلف المتبايعان‬
‫في جنس الثمن ‪ ،‬أو مثمن ‪ ،‬أو نوعه حلفا ‪ ،‬وفسخ مطلقا ورد قيمتها في الفوات ) قال الدردير ‪( :‬‬
‫وتعتبر القيمة يوم البيع ‪ ،‬ال يوم الحكم ‪ ،‬وال يوم الفوات ‪ ،‬وهذا إن كان مقوما‪ )...‬وعلل الصاوي‬
‫ذلك بقوله ‪ ( :‬ألنه أول زمن تسلط المشتري على المبيع ‪ )..‬وذكروا أمثلة أخرى بهذا الخصوص‬
‫(‪)3‬‬
‫وذكر السيوطي أمثلة كثيرة جدا روعيت فيها القيمة يوم القبض ‪ ،‬منها مسألة ماء التيمم في موضع‬
‫عز فيه الماء حيث تراعى قيمته في ذلك الموضع في تلك الحالة على الصحيح عند جمهور‬
‫األصحاب ‪ ،‬كذلك الطعام والشراب حالة المخمصة ‪ ،‬ومنها مسألة المبيع إذا تخالفا ‪ ،‬وفسخ وكان‬
‫تالفا يرجع إلى قيمته يوم القبض على رأي ‪ ،‬ألنه مورد الفسخ ‪ ،‬ويوم القبض ‪ ،‬على رأي آخر ‪ ،‬ألنه‬
‫وقت دخول المبيع في ضمانه ‪ ،‬وما يعرض بعد ذلك من زيادة ‪ ،‬أو نقصان فهو ملكه ‪ ،‬ومنها‬
‫المستعار إذا تلف تعتبر قيمته يوم القبض على وجه ‪ ،‬وكذلك المقبوض على جهة السوم ‪ ،‬إذا تلف‬
‫‪)4( ...‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬المعيار المعرب ‪462 – 461/ 6 :‬‬
‫(‪ )2‬األشباه والنظائر البن نجيم ‪ :‬ص ‪. 364 – 362‬‬
‫(‪ )3‬حاشية العالمة الصاوي على شرح الدردير على مختصر خليل ‪. 536 -528/2 :‬‬
‫(‪ )4‬األشتباه والنظائر للسيوطي ‪ :‬ص ‪. 377 – 368‬‬
‫(‪)9853/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫قال النووي في مسألة رد القيمة في القرض بالقيمة ‪ ( :‬يرد القيمة يوم القبض إن قلنا يملك به ‪)...‬‬
‫(‪ )1‬وقال السيوطي ‪ ( :‬واذا قلنا ‪ :‬أنه يرد في المعدوم القيمة ‪ ،‬فالمعتبر قيمة يوم القبض إن قلنا‬
‫يملك به ‪ ،‬وكذا إن قلنا يملك به ‪ ،‬وكذا إن قلنا يملك بالتصرف في وجه ) (‪. )2‬‬
‫وقد نص اإلمام أحمد في الدراهم المكسورة بعد كسادها على أنه يقومها ‪ :‬كم تساوي يوم أخذها (‪)3‬‬
‫قال صاحب المطالب ‪( :‬ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض)‪)4( .‬‬
‫وقال ابن قدامة ( تجب القيمة حين القرض ‪ ،‬ألنها حينئذ ثبتت في ذمته) (‪. )5‬‬
‫وقد نص إمام الحرمين والغزالي وغيرهما من فقهاء المذهب الشافعي على أن العبرة في حالة تغير‬
‫النقد هو النقد الذي كان سائدا يوم العقد ‪ ،‬وال نظر لنقد يوم الحلول ‪ ،‬وكذلك الثمن المؤجل إذا حل‬
‫(‪ )6‬وقال مالك ‪( :‬ال بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ‪ ،‬ثم يأخذ منه بربع ‪ ،‬أو ثلث ‪ ،‬أو‬
‫بكسر معلوم ‪ :‬سلعة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم ‪ ،‬وقال الرجل ‪ :‬آخذ منك بسعر كل يوم فهذا‬
‫ال يحل ألنه ضرر يقل مرة ‪ ،‬ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم ) (‪ )7‬وهذا الكالم يدل على‬
‫اعتبار سعر معلوم عند بداية التصرف ‪.‬‬
‫وبعد هذا العرض والتأصيل يظهر لنا رجحان ما ذهبنا إليه وهو اعتبار القيمة يوم العقد والقبض ‪،‬‬
‫وهو أدنى إلى تحقيق العدالة وأقرب إلى القسط ‪ ،‬وأيسر ‪ ،‬وذلك ألن المقرض ‪ ،‬أو البائع قد خرج‬
‫المال من عهدته في ذلك الوقت ‪ ،‬ودخل في ذمة المدين والمشتري‪ ،‬وحينئذ يكون له الحق في أن‬
‫يشتري به شيئا آخر ‪ ،‬ولذلك قال أحد الفالحين المصريين بفطرته ‪ ( :‬دفعت لك ثمن جاموسة فرجع‬
‫إلى ما أشتري به مثلها ‪ ،‬ويكفي أنك استفدت به كل هذا الوقت ) قال ذلك عندما جاء ‪ ..‬إليه‬
‫شخص من أقاربه وطلب منه دينا ‪ ،‬فباع الفالح جاموسته بمبلغ ودفعه إليه بالكامل ‪ ،‬ثم بعد عشر‬
‫سنوات جاء الرجل ورد عليه المبلغ الذي ما كان يشتري به اآلن ربع جاموسة فأنطقته فطرته السليمة‬
‫هذا القول (‪. )8‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬الروضة ‪. 37/4 :‬‬
‫(‪ )2‬األشباه والنظائر ‪ :‬ص ‪371‬‬
‫(‪ )3‬المغني البن قدامة ‪360/4 :‬‬
‫(‪ )4‬مطالب أولي النهى‬
‫(‪ )5‬المغني ‪353/4 :‬‬
‫(‪ )6‬النهاية إلمام الحرمين ‪ ،‬ملحوظة ‪ ، 288 /71 :‬نقال عن األستاذ الدكتور عبد العظيم الديب في‬
‫كتابه القيم ‪ :‬فقه إمام الحرمين ‪ :‬ص ‪ . 42‬وراجع الوسيط للغزالي مخطوطة طلعت ‪. 148/2 :‬‬
‫(‪ )7‬الموطأ ‪ :‬ص ‪. 403‬‬
‫(‪ )8‬حكى لنا هذه القضية أستاذنا الدكتور القرضاوي حفظه هللا ‪.‬‬
‫(‪)9854/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫حل آخر ‪:‬‬
‫باإلضافة إلى هذا الحل الذي ذكرنا ‪ ،‬فإنه يمكن للمتعاقد الذي ثبت له نقود في ذمة اآلخر آجال أن‬
‫يشترط أن يكون الرد بما يساويه من أي نوع آخر ‪ .‬أو أية بضاعة ‪ ،‬مثل أن يدفع أحمد مثال عشرة‬
‫آالف جنيه قرضا لخالد ‪ ،‬أو أن يبيع له أرضا بها ‪ ،‬ثم يقدرونها بما يساويها من نقود أخرى ثابتة ‪،‬‬
‫أو سلع أساسية ليعرفوا القيمة الشرائية للدين حتى يرجعوا إليها عند التنازع فيأخذ الدائن حقه بدون‬
‫بخس وال شطط ‪ ،‬أو أن يتفقا على تثبيت قيمة الدين عند التعاقد ‪ ،‬وذلك بأن يتفقا على أن يكون‬
‫المعول عليه عند األداء هو القوة الشرائية الحالية للنقد الذي تم به العقد سواء كان قرضا ‪ ،‬أو غيره ‪،‬‬
‫فإذا كانت قيمة النقد هي ‪ 800‬وحدة شرائية فعند السداد يدفع المدين نفس هذه القيمة بغض النظر‬
‫عما إذا كان مبلغ الدين عن السداد له هذه القيمة أو أقل أو أكثر (‪. )1‬‬
‫وهذا الشرط ليس فيه – حسب نظري – أي مخالفة للشريعة الغراء ‪ ،‬وذلك ألنه ليس شرطا جر‬
‫منفعة للدائن ‪ ،‬بل هو يحقق العدالة للطرفين ‪ ،‬وليس ممنوعا في حد ذاته ‪ ،‬بل كل ما يقتضيه هو‬
‫رد المثلي بالقيمة – إذا قلنا ‪ :‬إن نقودنا الورقية مثلية ‪ ،‬واذا قلنا أنها قيمية فيكون هذا الشرط من‬
‫الشروط الموافقة لمقتضى العقد ‪.‬‬
‫وهذا الشرط مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط وال وكس ‪ ،‬فهو‬
‫مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضمانا له من مخاطر الطريق وهو ما يسمى بالسفتجة ‪ ،‬وهو‬
‫جائز عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم ‪ ( :‬والصحيح الجواز ‪ ،‬ألن المقترض رأى النفع بأن‬
‫خطر الطريق إلى نقل دراهم المقرض فكالهما منتفع بهذا االقتراض ‪ ،‬والشارع ال ينهى عما ينفع‬
‫الناس ويصلحهم ‪ ،‬ويحتاجون إليه ‪ ،‬وانما ينهى عما يضرهم ويفسدهم ‪ )2( )...‬والشرط الذي معنا‬
‫ليس فيه غرر ‪ ،‬وال يؤدي إلى جهالة ‪ ،‬وال ربا ‪ ،‬والم منازعة بل يؤدي إلى أداء الحقوق كاملة إلى‬
‫أصحابها في وقت أصبحت التقلبات الكبيرة سمة عصرنا فحينئذ يكون كل واحد يعرف ما له وما‬
‫عليه ‪ ،‬باإلضافة إلى أن األصل في الشروط هو اإلباحة عند جمهور الفقهاء (‪)3‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬د ‪ .‬شوقي دنيا ‪ :‬البحث السابق ص ‪ ، 70‬وما بعدها ‪.‬‬
‫(‪ )2‬مجموع الفتاوى ‪. 456 -455/29 :‬‬
‫(‪ )3‬يراجع مبدأ الرضا في العقود ‪ ،‬ومصادره ‪. 1186 /2 :‬‬
‫(‪)9855/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫باب التراضي مفتوح ‪:‬‬
‫كل ما قلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين ‪ ،‬أما عند سداد الدين أو الوفاء بالثمن ‪ ،‬أو المهر‬
‫‪ ،‬أو نحو ذلك تراضيا بالمعروف على الزيادة أو النقصان ‪ ،‬فإن أحدا من الفقهاء ال يمنع ذلك ‪ ،‬بل‬
‫هذا ما دعا إليه اإلسالم ‪ ،‬وكان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬القدوة في ذلك ‪ ،‬فقد روى البخاري‬
‫ومسلم وغيرهما بسندهم ‪:‬أن رجال أتى النبي صلى هللا عليه وسلم يتقاضاه بعي ار ‪ ،‬فقال ‪ (( :‬أعطوه‬
‫)) فقالوا ‪ :‬ال نجد إال سنا أفضل من سنه ‪ ،‬فقال ‪ (( :‬أعطوه ‪ ،‬فإن خياركم أحسنكم قضاء )) (‪. )1‬‬
‫فعلى هذا إذا حل األجل وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده اآلن ال يساوي شيئا بالنسبة لقيمة‬
‫المبلغ الذي أخذه ‪ ،‬وقدرته الشرائية ‪ ،‬فطيب خاطر الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار ‪ ،‬أو بسلفة‬
‫أخرى فقد فعل الحسن ‪ ،‬طبق السنة ‪ ،‬بل إنني أعتقد أنه ال تب أر ذمته في حاالت التغير الفاحش‬
‫لقيمة العملة محل العقد إال بإرضاء صاحب الحق ‪ ،‬ألن مبنى األموال وانتقالها في اإلسالم على‬
‫التراضي ‪ ،‬وطيب النفس بنص القرآن الكريم ‪ { :‬يا أَي َّ‬
‫َم َواَل ُك ْم َب ْي َن ُك ْم باْل َباطل‬
‫َمنُوا َال تَأ ُ‬
‫ُّها الذ َ‬
‫ْكلُوا أ ْ‬
‫ين آ َ‬
‫َ َ‬
‫َن تَ ُكو َن ت َج َارًة َع ْن تَ َر ٍ‬
‫اض م ْن ُك ْم } (‪ )2‬فكيف تطيب نفسه عندما يقع محتواه ‪ ،‬صحيح أن مبنى‬
‫إ َّال أ ْ‬
‫القرض على التطوع والتبرع ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أشغله دون مقابل محتسبا أجره عند هللا‬
‫تعالى ‪ ،‬أما أن ينقص ماليته فال ‪ ،‬ولذلك نرى الفقهاء يجيزون رد العين المستقرضة إلى المقرض ما‬
‫دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته ‪ ،‬إما إذا تعيبت فال يصح ردها (‪ ، )3‬فكذلك األمر هنا ‪.‬‬
‫فال شك أن مسألة التراضي تحل كثي ار من مشاكل مجتمع قائم على العدل واإلحسان واإليثار مثل‬
‫المجتمع اإلسالمي الذي يقوم على معيار دقيق وهو ( أن تحب ألخيك كما تحب لنفسك ‪ ،‬وتكره‬
‫ألخيك ما تكره لنفسك ) (‪. )4‬‬
‫فهل يرضى اإلنسان أن يعود إليه دينه ‪ ،‬أو يعطى لها مهرها ‪ ،‬وقد أصبح ال قيمة له بعد أن كان ذا‬
‫قيمة جيدة ‪ ،‬فهل يرضى أحد أن تعود إليه ليراته اللبنانية ‪ ،‬أو السورية ‪ ،‬أو التركية اآلن مع أنها‬
‫حينما خرجت من يديه كانت لها قيمة وقدرة شرائية ممتازة ؟‬
‫هذا السؤال موجه إلى كل مؤمن ‪ ،‬وذلك ألن اإلسالم ال يعتني بالجانب الظاهري القانوني فقط بل‬
‫يعتني أيضاً بالجانب السلوكي ‪ ،‬ولذلك فالعذاب ليس دنيويا فقط بل هو في الدنيا واآلخرة ‪ ،‬واألحكام‬
‫ال تقتصر على الصحة والبطالن الظاهرين ‪ ،‬بل هناك الحل والحرمة والذي يراقب هللا تعالى يخاف‬
‫من عذاب هللا في اآلخرة أكثر من العذاب الدنيوي‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬صحيح البخاري – مع الفتح – ‪ – 59 – 56/5 :‬ومسلم ‪. 1224/3 :‬‬
‫(‪[ )2‬سورة النساء ‪ :‬اآلية ‪ ,29‬وراجع مبدأ الرضا في العقود ‪ ،‬وراجع ‪ :‬األستاذ الدكتور شوقي دنيا‬
‫بحثه السابق ‪ :‬ص ‪] 68‬‬
‫(‪ )3‬انظر الروضة ‪ ، 35/4 :‬والمغني البن قدامة ‪. 360/4 :‬‬
‫(‪ )4‬فقد روى البخاري بسنده عن أنس أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال ‪( :‬ال يؤمن أحدكم‬
‫حتى يحب ألخيه ما يحب لنفسه ) ورواه غيره بألفاظ وطرق كثيرة يراجع صحيح البخاري – مع الفتح‬
‫– كتاب اإليمان ‪ ، 57 /1 :‬وأحمد ‪. 310 /2 :‬‬
‫(‪)9856/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫اعتراضات ودفعها ‪:‬‬
‫* االعتراض األول ‪:‬‬
‫إن هذا القول يؤدي إلى زيادة في بعض األموال وهي ربا وهو حرام بنص القرآن؟ مثل أن يقرض‬
‫شخص قبل عشر سنوات آالف ليرة ‪ ،‬فلو قدرنا بالقيمة يكون الرد يساوي مائة ألف ليرة ‪ ،‬وهذا عين‬
‫الربا ‪.‬‬
‫الجواب عن ذلك أن ذلك ليس زيادة وال ربا لما يأتي ‪:‬‬
‫أوال ‪ :‬أن الربا هو الزيادة دون مقابل ‪ ،‬والزيادة الموجودة هنا ليست في الواقع إال زيادة من حيث‬
‫الشكل والعدد وهذا ليس له أثر ‪ ،‬فالزيادة التي وقعت عند التقويم هي ليست زيادة ‪ ،‬وانما المبلغ‬
‫المذكور أخي ار هو قيمة المبلغ السابق ‪ ،‬وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة‬
‫‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن الربا هو الزيادة المشروطة ‪ ،‬وهنا لم يشترط الدائن مثال أية زيادة ‪ ،‬وانما اشترط قيمة ماله‬
‫الذي دفع ‪ ،‬ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه – مثال – وأصبحت قوته‬
‫الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أنه يمكن أن نشترط مثال أن يكون الرد بغير العملة التي تم بها العقد في حالة الزيادة ‪ ،‬فمثال‬
‫لو كان محل العقد ليرة لبنانية فليكن الرد عند الزيادة أو النقص بالريال ‪ ،‬أو بالدوالر ‪ ،‬أو بالجنية ‪،‬‬
‫وهكذا ‪...‬‬
‫فاستيفاء الدراهم بدال من الدنانير ‪ ،‬وبالعكس أمر معترف به عند الجمهور ‪.‬‬
‫ثم إن هذه المسألة ليست بدعا في األمر ‪ ،‬وال هي من المسائل التي ال نجد فيها نصا لفقهائنا‬
‫السابقين في أشباهها ‪ ،‬بل نجد لها مثيالت كثيرة في فقهنا اإلسالمي نذكر بعضها هنا ‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪)9857/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫يقول اإلمام الرافعي ‪ :‬فإذا أتلف حليا وزنه عشرة ‪ ،‬وقيمته عشرون فقد نقل أصحابنا وجهين فيما‬
‫يلزمه ‪.‬‬
‫أولها ‪ :‬أنه يضمن العين بوزنها من جنسها ‪ ،‬والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد‬
‫البلد ‪ ،‬أو لم يكن ‪ ،‬ألننا لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا‪.‬‬
‫وأصحهما عندهم ‪ :‬أنه يضمن الجميع بنقد البلد ‪ ،‬وان كان من جنسه (‪. )1‬‬
‫ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات – كما سبق ‪ ،‬ونجد كذلك في‬
‫باب العقود عند مالك حيث أجاز أن يعطي اإلنسان مثقاال وزيادة في مقابل دينار مضروب ‪ ،‬وكذلك‬
‫أجاز بدل الدينار الناقص بالوازن ‪ ،‬أو بالدينارين ‪ ،‬وروي مثل ذلك عن معاوية – رضي هللا عنه –‬
‫يقول ابن رشد ‪ ( :‬وأجمع الجمهور على أن مسكوكه ‪ ،‬وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه‬
‫ببعض متفاضال لعموم األحاديث المتقدمة في ذلك إال معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر ‪،‬‬
‫والمصوغ ‪ ،‬إلمكان زيادة الصياغة ‪ ،‬واال ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب‬
‫بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه ‪ ،‬أو دراهمه ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا كان ذلك‬
‫لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن ال يكون به بأس ‪ ،‬وبه قال ابن القاسم من أصحابه ‪) ...‬‬
‫( ‪. )2‬‬
‫والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل ال تعتبر ربا ‪ ،‬ألن الربا هو ‪ :‬الفضل المستحق‬
‫ألحد العاقدين في المعاوضة الخالي من عوض شرط فيه (‪. )3‬‬
‫رابعا ‪ :‬كل هذا إذا قلنا بمثلية النقود الورقية ‪ ،‬أما إذا قلنا ‪ :‬إنها قيمية فال شك أن الرد يكون فيها‬
‫بالقيمة – كما سبق – وحينئذ ال يالحظ العدد ‪ ،‬بل القيمة ‪ ،‬ولذلك لم يجوز الفقهاء بيع درهم‬
‫بدرهمين ‪ ،‬ولكنهم أجازوا بيع حيوان بحيوانين وأكثر ‪ ،‬ألن الحيوان مما يختلف حسب أوصافه قيمة‬
‫‪ ،‬فقد روى البخاري في صحيحه تعليقا – بصيغة الجزم – أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبقرة‬
‫مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة ‪ ،‬وقال ابن عباس ‪ :‬قد يكون البعير خي ار من بعيرين ‪ ،‬واشترى‬
‫رافع بن خديج بعي ار ببعيرين ‪ ،‬فأعطاه أحدهما ‪ ،‬وقال ‪ :‬آتيك باآلخر غدا رهوا إن شاء هللا وقال ابن‬
‫المسيب ‪ :‬ال ربا في الحيوان ‪ :‬البعير بالبعيرين ‪ ،‬والشاة بالشاتين إلى أجل ‪ ،‬وقال ابن سيرين ‪ :‬ال‬
‫بأس ببعيرين (‪ )4‬وروى مالك روايات كثيرة في هذا الباب منها أن علي بن أبي طالب باع جمال له‬
‫يدعى عصيفي ار بعشرين بعي ار إلى أجل ( وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة أبقرة ) (‪ )5‬وكذلك‬
‫قال ‪ :‬أمر النبي صلى هللا عليه وسلم عبد هللا بن عمر أن يجهز جيشاً ‪ ،‬فقال ‪ ،‬ليس عندنا ظهر ‪،‬‬
‫ظهر إلى خروج المصدق )) وروي نحو عن زيادة‬
‫ا‬
‫فقال له النبي صلى هللا عليه وسلم ‪ (( :‬ابتع لي‬
‫بن أبي مريم (‪ )6‬قال ابن بطال ‪ :‬وهذا مذهب جمهور الفقهاء (‪. )7‬‬
‫وروي ذلك عن مجاهد وحماد وغيرهما (‪ )8‬ونحن ال نقصد بهذه النصوص أن يجوز بيع ريال قطري‬
‫بريالين ‪ ،‬فهذا ال يجوز ‪ ،‬وانما لمجرد بيان رعاية القيمة ‪ ،‬والسبب في عدم جواز ريال قطري بريالين‬
‫‪ ،‬وجواز بعير ببعيرين هو أن الريال ال يختلف جودة ورداءة في آن واحد ولذلك ففي حالة البيع‬
‫النقدي وجدت زيادة بدون مقابل ‪ ،‬أما البعير فهو مما يختلف جودة ورداءة ولذلك يتالشى الفرق مع‬
‫رعاية هذه االعتبارات ‪ ،‬ولذلك نحن نؤكد على أن النقود الورقية إن كان لها شبه بكثير من األمور‬
‫السابقة ‪ ،‬لكن لها ميزة خاصة وتكييف خاص ‪ ،‬وهو رعاية واقعها وقيمتها الحقيقة ‪ ،‬ولذلك عند‬
‫فقدها ال يظهر فرق ‪ ،‬ولكن عندما يوجد فرق شاسع فالبد من رعايته وهللا أعلم ‪..‬‬
‫__________‬
‫(‪ )1‬فتح العزيز ‪. 280 – 279/11 :‬‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد ‪. 196/2 :‬‬
‫(‪ )3‬فتح القدير ‪. 8/7 :‬‬
‫(‪ )4‬صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب البيوع ‪ ،‬باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة ‪419/4 :‬‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )5‬الموطأ ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ :‬ص‪. 404‬‬
‫(‪ )6‬المصنف لعبد الرزاق ‪. 23 -22/8 :‬‬
‫(‪ )7‬فتح الباري ‪ ، 419/4 :‬وراجع ‪ :‬فتح القدير ‪. 11/7 :‬‬
‫(‪ )8‬مصنف ابن أبي شيبة ‪ 120/7 :‬ح ومصنف عبد الرزاق ‪. 37/8 :‬‬
‫(‪)9858/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫االعتراض الثاني ‪:‬‬
‫أن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد وبالتالي تترتب عليه مشاكل ال عد لها وال‬
‫حصر ‪.‬‬
‫الجواب عن ذلك ‪ :‬أننا ال نسلم أن ذلك يؤدي إلى تحطيم النقود ‪ ،‬وانما يؤدي إلى أن يكون دورها‬
‫محصو ار بحيث ال تؤدي جميع وظائفها األربع المعروفة ‪ ،‬وهذا ال يضر ‪ ،‬حيث اعترف كثير من‬
‫االقتصاديين أن نقودنا ال تؤدي هذه الوظائف جميعا ‪ ،‬أو ال تؤديها على شكل مقبول ‪ ،‬كما أنهم‬
‫اآلن وسعوا مفهوم النقد ليشمل أنواعا كثيرة ال يؤدي بعضها إال وظيفة واحدة – كما سبق – مع أن‬
‫ذلك ال يتعارض مع نقديتها ‪ ،‬وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن ومع ذلك لم يثبتوا لها‬
‫جميع األحكام الخاصة بالذهب ‪ ،‬أو الفضة ‪.‬‬
‫ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة ‪ ،‬لكننا ما دمنا نعترف بالنقود‬
‫الورقية بأنها نقود وان كانت ال تؤدي جميع الوظائف وتربط إما بمعيار الذهب أو معيار السلعة فإنه‬
‫في الحقيقة ال تحدث أية مشكلة تذكر ‪ ،‬بل هي تحقق العدالة ‪ ،‬باإلضافة إلى أننا ال نلجأ إلى عملية‬
‫التقويم دائما ‪ ،‬فال نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة ‪ ،‬وكذلك ال نلجأ إلى‬
‫التقويم في العقود التي يكون الثمن فيها مؤجال إال في حالة الغبن الفاحش ‪ ،‬كما سبق ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)9859/2‬‬
‫االعتراض الثالث ‪:‬‬
‫‪--------------‬‬
‫لماذا ال نعتد بالرخص والغالء في الذهب والفضة ‪ ،‬والحنطة والشعير ونحوهما في الوقت الذي نعتد‬
‫بهما في النقود الورقية ؟‬
‫الجواب عن ذلك ‪ :‬أن القضية تتعلق بالمثلي والقيمي ‪ ،‬حيث ال ينظر في المثلي إلى القيمة ‪ ،‬وأما‬
‫القيمي فيالحظ فيه القيمة – كما سبق – ‪.‬‬
‫ونحن قلنا ‪ :‬إن النقود الورقية ال يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع األحكام ‪ ،‬وال إلغاء‬
‫نقديتها ‪ ،‬وانما الحل الوسط هو ما ذكرناه ‪.‬‬
‫ومن هنا فهي إما قيمية أو مثلية ولكنها عند وجود الفرق الشاسع يالحظ فيها القيمة كالماء الذي‬
‫أخذه اإلنسان في الصحراء فال يرجع له الماء ‪ ،‬وانما تجب عليه قيمته في ذلك المكان ‪.‬‬
‫وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي ‪ ،‬وأدى إليه اجتهادي المتواضع فإن كنت قد أصبت فمن هللا‬
‫‪ ،‬واال فعذري أنني بذلت ما في وسعي ‪ ،‬ولم أرد به إال وجه هللا تعالى ‪.‬‬
‫ومع ذلك فما أقوله عرض لوجهة نظري ‪ ،‬أرجة أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل للوصول‬
‫إلى حل جذري أمام هذه المشكلة ‪ ،‬وأن يتفضلوا بمالحظاتهم السديدة ‪.‬‬
‫وكلمة أخيرة أكررها أنه ليس هناك من محيص للخروج من هذه األزمات الحادة إال بالرجوع إلى‬
‫النقدين الذاتيين ‪ ،‬أو على األقل ربط نقودنا الورقية بالغطاء الذهبي ‪ ،‬وهذا ما يدعو إليه كثير من‬
‫االقتصاديين ‪ ،‬بل بعض المؤتمرات – كما سبق – ‪ ،‬فال شك أن ربك النقد الورقي بالذهب إنما هو‬
‫إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه فإلى أن نعود إلى هذا النظام فالبد أن يالحظ القيمة في نقودنا‬
‫عندما تقتضيه الحاجة حتى نحقق العدالة " دون وكس وال شطط "‪.‬‬
‫وهللا الموفق وهو من وراء القصد ‪ ،‬والهادي إلى سواء السبيل ‪.‬‬
‫الدكتور علي محيي الدين القره داغي‬