تذبذب قيمة النقود الورقية وأثره على الحقوق وااللتزامات على ضوء قواعد الفقه اإلسالمي
إعداد
الدكتور على محيى الدين القره داغى
بسم هللا الرحمن الرحيم
الحمد هلل والصالة والسالم على عبده ورسوله ومن وااله
وبعد :
تصاحب العمالت الورقية منذ ظهورها اضطرابات عديدة ،وتهزها التقلبات الكثيرة والتذبذب من
قيمتها الشرائية ولقد نالت قسطا كبي ار من التدهور واالنهيار في بعض األحايين ،بل تكاد تفقد
بعضها معياريتها للسلع ،ومخزونيتها للقيم مما ترتبت على ذلك آثار خطيرة على مستوى الحقوق
وااللتزامات ،وهضم كبير لحقوق الناس ،وال سيما ألولئك الذين أعطوا مبالغ معينة لفترة زمنية
طويلة ،فيعاد إليه المبلغ فكأنه قد اقتطع منه نصفه ،أو ثلثاه نتيجة للتضخم الذي تعانى منه معظم
الدول ،فلو تصورنا أن أحدا اقرض آخر مبلغ مائة ألف ليرة لبنانية في سنة ، 1970والمدين اآلن
يريد أن يوفي بدينه ،ترى كم يرجع ؟ هل يرجع المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية ؟ فلو قلنا نعم لوقع
على الدائن ظلم كبير حيث كان المبلغ الذي دفعه في وقته يساوى حوالي خمسين ألف دوالر واآلن
يساوى حوالي ثالثمائة دوالر ،فكان المبلغ في وقته يشتري به بيتا ومطبعة واآلن ال يكفي لتكاليف
دعوة بضعة أشخاص وعلى عكس ذلك لو أخذ شخص اآلن مائة ألف ليرة لبنانية التي تساوى
حوالي ثالثمائة دوالر ثم بعد عشر سنوات يريد أن يرجعها وقد صعدت قيمة الليرة صعودا كبي ار ترى
كم يرجع ؟ والمسألة ال تخص الليرة اللبنانية ،بل هي عامة في أكثر النقود مثل الليرة التركية ،
والسورية ،بل حتى الجنية المصري والدينار العراقي ،والجنيه السوداني وغيرها ..
فالمسالة لم تعد تطاق لما يترتب عليها من نتائج خطيرة ،ولذلك قمت بإثارتها على مستوى كلية
الشريعة بجامعة قطر في ندوة علمية في 1987/10/15وأثنى أغلب الحاضرين بمن فيهم فضيلة
األستاذ الدكتور /يوسف القرضاوي ،واألستاذ الدكتور جمال الدين عطية -على النتائج التي
توصلت إليها ( )1والتي نلخصها هنا حتى نعرضها على المهتمين بالفقه واالقتصاد اإلسالمي
إلثرائها بالمناقشة والنقد والتحليل.
__________
( )1ينشر البحث بالكامل في مجلة المسلم المعاصر في العدد القادم بإذن هللا تعالى العدد ( ) 50
وما بعده
()9831/2
--------------
سنتكلم في الخالصة عن تعريف النقود بإيجاز ،وعن نبذة تاريخية لها ثم عن بعض أحكام النقود
المعدنية من الذهب والفضة وعن الفلوس ثم إن هذا الموضوع في الواقع يرتبط بقاعدة المثلي والقيمي
في الفقه اإلسالمي ولذلك نرى من الضروري أن نتحرى هذا الجانب ونوضح المعايير التي تتحكم
فيها لنرى هل تدخل نقودنا الورقية في المثليات ،وهي هي مثل الذهب والفضة في جميع األحكام؟
وقبل أن ندخل في الموضوع أحب أن أشير إلى عدة مبادئ أساسية يجب على كل باحث مراعاتها
وهي :
-1أن ما ورد فيه النص من الكتاب والسنة الخالي من المعارض ال يجوز االجتهاد بخالفه وان كان
ذلك ال يمنع من جواز االجتهاد فيه .
من هنا فالنقود الورقية حديثة العهد ال مطمع في وجود نص فيها ،وال قول للفقهاء السابقين ومن هنا
تخضع للقواعد العامة التي تتحكم فيها العدالة وما يحقق المصلحة لجميع األطراف.
-2رعاية المقاصد والمبادئ األساسية والقواعد العامة الكلية للشريعة مقدمة على رعاية الجزئيات
والفروع وال سيما إذا كانت اجتهادية ،ومن هذه المبادئ التي تتحكم في موضوعنا مبدأ العدل وعدم
اس باْلق ْسط } ويقول شيخ اإلسالم ابن تيمية (واألصل
وم النَّ ُ
الظلم الذي جاء ألجله اإلسالم { :ل َيُق َ
في العقود جميعها هو العدل فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب والشارع نهى عن الربا لما فيه من
الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم ) ( )1فإذا كان القرآن الكريم قد قرر بخصوص المرابين { َال
ظَل ُمو َن } فكيف يرضى أن يظلم الدائن ويقتطع حقه في وقت يدعو فيه الرسول الكريم
ظل ُمو َن َوَال تُ ْ
تَ ْ
صلى هللا عليه وسلم إلى اإلحسان إليه ويقرر (( إن خياركم أحسنكم قضاء )) (. )2
ومن هذه المبادئ قاعدة ( ال ضرر وال ضرار ) ومبدأ رعاية المصلحة ودرء المفسدة ورعاية أن
االجتهادات الدينية على المصلحة تتغير بتغير مبناها كما أوضح ذلك ابن القيم في كتابه القيم (
أعالم الموقعين ).
__________
( )1مجموع الفتاوى 510/1
( )2حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه مع الفتح 95-65/5ومسلم في صحيحه
314/3وغيره 0
()9832/2
-------------التعريف بالنقد :
عرف فقهاؤنا الكرام النقد من خالل ذكر وظائفه األساسية فقالوا ( :إنها أثمان المبيعات وقيم
المتلفات والديات ووسيط بين السلع وحاكم عليها وانه من ملكه فكأنما ملك كل شيئ وهو التوسل من
خالله إلى سائر األشياء وان نسبته إلى سائر األموال نسبة واحدة وانه بمثابة المرآة التي يرى من
خاللها األشياء) ( )1وقد شرح ذلك اإلمام الغزالي شرحا وافيا ( )2كما تناوله شيخ اإلسالم فقال :
( فإن المقصود من األثمان أن تكون
معيار لألموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير األموال وال يقصد
ًا
االنتفاع بعينها) (. )3
طا للتبادل
وقد عرفه علماء االقتصاد الحديث بما يقرب مما ذكرناه فقالوا ( :هو ما يستخدم وسي ً
ومقياسا للقيم ومخزونا للثروة ومعيا ار للمدفوعات اآلجلة من الديون ) .
ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن هذه الوظائف األربع مجتمعة ليست بمثابة األركان التي لو تخلفت
واحدة منها في نقد ما لفقد نقديته ولذلك نرى كثي ار من أنواع النقود في االقتصاد الحديث مثل النقود
السلعية والنقود المصرفية بل والنقود البالستيكية مع أنها ال تتوفر فيها جميع العناصر السابقة يطلق
عليها اسم النقود .
__________
( )1انظر بداية المجتهد 130/2 :واحياء علوم الدين 88/4:واعالم الموقعين 156/2 :
( )2راجع إحياء علوم الدين 89-88/4:
( )3مجموع الفتاوى 472-471/29 :
()9833/2
-------------نبذة تاريخية عن النقود :
لم يكن اإلنسان في مجتمعه البدائي بحاجة كبيرة إلى وسيط للتداول إذا كان يكتفي ذاتيا بما وفر هللا
له من خيرات األرض ثم لما تكونت المجتمعات احتاج إلى المقايضة ثم إلى استخدام النقود ولما
جاء اإلسالم كان النقد السائد هو الدنانير الذهبية والدراهم الفضية اللتين كانتا سائدتين في
اإلمبراطوريتين الرومانية والفارسية ثم قام عمر (رضي هللا عنه ) بضرب دراهم على نفس الكسروية
وكتب على بعضها " الحمد هلل " وعلى بعضها " ال اله إال هللا " وكذلك قام عثمان بضرب دراهم ثم
معاوية وابن الزبير لما استقر األمر لعبد الملك وضع السكة اإلسالمية وأمر الناس أن يضربوا عليها
نقودهم وقد استقر األمر على أن وزن الدينار هو مثقال من الذهب أي 40.25غرامات والدرهم كل
عشر منه يساوى سبعة مثاقيل ثم ظلت الخالفة اإلسالمية تحافظ على النقود وال تفرط فيها إال في
حاالت يعم فيها االضطراب وبتتبعنا ألحوال الحضارة اإلسالمية نجد أنها لم تشهد أزمات تضخم
حادة مثل ما حدث في عالمنا المعاصر نتيجة التزامها بالنقود الذهبية أو الفضية ولكنها قد شهدت
بعض اضطرابات نتيجة سيادة الفلوس والغش في المعامالت كما ذكر ذلك العالمة المقريزي
والحافظ المناوي وغيرهما ()1
__________
( )1كتاب النقود للمقريزي ط استانه والنقود والمكاييل والموازين للحافظ المناوي ط دار الحرية بغداد
واألحكام السلطانية ألبي يعلى :ص 174والمقدمة البن خلدون ط عبد السالم بن شقرون ص 29
والحضارة اإلسالمية آلدم متر ط دار الكتاب العربي ببيروت 320/2 :
()9834/2
-------------ظهور النقود النقدية :
ساعد على ظهورها ( )1عدم االستقرار واالضطراب اللذان سادا أوروبا مما حدا باألغنياء أن يودعوا
نقودهم الذهبية عند التجار الصيارفة األمناء القادرين على حفظ األموال في خزائنهم الحديدية الذين
كانوا يعطون بدورهم سندات إيصال فتكونت على أثر ذلك فئة من التجار الصيارفة اعتنوا بالصيرفة
فقط وحفظ األمانات واخذ الفوائد عليها واصبحوا وسطاء في تبادل النقود بحيث إذا أراد رجال
األعمال الذين يتعاملون معهم إبرام عملية تبادل معينة أو تسديد ما عليه من ديون إلى الغير كان
عليه أن يقدم إلى الصراف الذي يتعامل معه ما يحمله من إيصاالت ،ويسترجع منه سبائكه ثم
يرسلها إلى دار سك النقود حيث يتم تحويلها إلى عمالت ذهبية يستخدمها التاجر في عمليات الثراء
وتسديد الديون (. )2
ثم خطت الصيرفة خطوة أخرى نحو التيسير في التبادل وذلك بإعطاء المزيد من الثقة إلى اإليصال
،بحيث إذا وقع على ظهره صاحبه وأعطاه آلخر أصبح خاصا بحامله ومن هنا أعطى بدل السبيكة
الذهبية نفسها ،ويجري به النقود ويتداول مع بقاء السبيكة عند الصراف .تلك هي بداية المخاض
لورقة البنكنوت التي مهدت الطريق لوالدة األوراق النقدية ،وهيأت الرأي العام لتقبلها ،أدرك التجار
فوائدها في تسهيل عمليات الدفع ،فتطورت إلى إصدار فئات محدودة مثل عشرة جنيهات وخمسين
جنيها ومائة جنيه ...
ً
ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الحكومات وتبنتها وأعطتها الثقة وأفادت منها حيث احتفظت هي بالسبائك
،وأصدرت في مقابلها األوراق النقدية المطلوبة ،وبذلك درجت الحكومات على طبع أوراق النقد
بشرط توفر غطاء كاف من السبائك ثم أختفي الصيارفة من الصورة وحل نظام الشيكات المصرفية
محل إيصاالت الصيارفة تكونت البنوك الحديثة وقامت بإصدار النقود الورقية بكل أشكالها المتعددة
،ثم خفف العطاء ليصل إلى % 50فقط ،ووجدت عدة أنظمة منها ما يعتمد على نظام النقد الواحد
أو على غيره إلى أن تكون في عام 1945م صندوق النقد الدولي وأصبحت معظم األنظمة النقدية
الحديثة تعتمد على النقد الورقية والمصرفية كوسيلة للدفع ،وذلك بسبب المشاكل االقتصادية وعدم
قدرة الدول على توفير الغطاء الكافي ومن هنا فإن حجم المعروض من النقد ال يتوقف بتاتا على
إمكانية الحصول على المعادن النقدية وانما يتوقف على ق اررات السلطات النقدية من البنك المركزي
وو ازرة المالية ومع ذلك فإن هناك بال شك عوامل كثيرة لها تأثيرها الفعال على النقود الورقية وعلى
رأسها نوعية االقتصاد القائم درجة نموه وما حققه من تقدم أو ما يعانيه من تخلف اقتصادي
اجتماعي وسياسي وما يصيب الدولة من مشاكل وحروب وغيرها (. )3
__________
( )1وقد ذكر ابن بطوطة في رحلته ط المطبعة الخيرية األولى :ص 196أن أهل الصين كانوا
يستعملون النقود الورقية
( )2د .أحمد عبده /المصدر السابق ص 340
( )3المصادر السابقة وراجع أ.د مصطفى رشدي شيحه :النقود والبنوك ط الدار الجامعية ص 31
ود .عبد النعيم مبارك :النقود والصيرفة ط الدار الجامعية ص 19
()9835/2
-------------قاعدة المثلي والقيمي في الفقه اإلسالمي وعالقتها بالنقد :
وضع فقهاؤنا الكرام قاعدة عامة تتحكم في مسائل كثيرة وتضبط بها جزئيات ال تكاد تحصر في
أبواب الحج والقرض والبيوع ،والغصب ،والضمانات ،والجنايات ،وغيرها ...حيث ترد المثليات
بالمثل دون مالحظة القيمة ،في حين يرد ما هو قيمي بالقيمة -كقاعدة عامة . -
والموضوع الذي نحن بصدد بحثه له عالقة وثيقة بهذه القاعدة ،وذلك ألننا إذا استطعنا أن نوضح
المعايير الدقيقة للقيمي والمثلي نستطيع حينئذ من خاللها الوصول إلى الحكم على نقودنا الورقية
بالمثلية أو القيمية .
فالمثلى نسبة إلى المثل ،وهو لغة الشبه ،والقيمي نسبة إلى القيمة وهي لغة ثمن الشيء بالتقويم
( )1وقد ورد لفظ " مثل " ومشتقاته اكثر من مائة وخمسين مرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى { :
إ ْن َن ْح ُن إ َّال َب َشر م ْثُل ُك ْم } ( )2أي من حيث الخلقة والماهية والجنس ،والنوع ولكنه ثار خالف بين
المفسرين في تفسير " مثل " في قوله تعالى َ { :ف َج َزاء م ْث ُل َما َقتَ َل م َن النَّ َعم } ( )3حيث فسره
بعضهم بشبهه في الخلقة الظاهرة ويكون مثله في المعنى ( )4في حين فسره آخرون وعلى رأسهم
الحنفية بالقيمة وجعلوها هي المعيار في عملية التقويم ودافع أبو بكر الجصاص عن هذا المعنى
دفاعا كبي ار وأورد أدلة كثيرة لدعمه ودحض حجة المخالف .
__________
( )1لسان العرب والقاموس مادة " مثل "
( )2سورة إبراهيم :اآلية 11
( )3سورة المائدة اآلية 95
( )4أحكام القرآن البن العربي 670/2:
()9836/2
-------------وفي اصطالح الفقهاء اختلفت وجهات نظرهم في المثلية والقيمية حسب المراد بها في األبواب
المختلفة ،ففي باب الحج تعتبر البقرة مثال للناقة ،وكذلك النعامة مثال للناقة والبقرة ،حيث إذا قتلها
المحرم تجب إحداها مع أن الحيوانات جميعها ليست من المثليات في باب القرض عند من يقول
باستقراضها ( الجمهور ) ونرى أن المثلية ال تتحقق في باب البيع حتى في جنس واحد ونوع واحد
من الحيوانات إال مع التماثل في الذكورة ،أو األنوثة ،ويسمونه فوات الوصف المرغوب فيه ،أو
الجنس المرغوب ( )1وغير ذلك من التفصيالت ( )2ولكن أكثر االتجاهات تسير نحو تعريف
المثلى بما هو مقدر بكيل أو وزن فعلى ضوء ذلك فالمكيالت والموزونات هما المثليات وغيرهما
تفاوت بيًنا بين أفرادها (. )3
قيميات في حين أضاف بعضهم إليهما المعدودات التي ال
َ
ولو أستعرضنا ما ذكره فقهاؤنا الكرام في هذه األبواب المختلفة لوصلنا إلى أن المعيار الذي اختاروه
هو ما يحقق العدالة يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية عند كالمه عن عوض المثل " :وهو أمر ال بد
منه في العدل الذي به تتم المصلحة الدنيا واآلخرة فهو ركن من أركان الشريعة ومداره على القياس
واالعتبار للشيء بمثله وهو نفس العدل وهو معنى القسط الذي أرسل هللا له الرسل ( ".... )4ولذلك
نرى فقهاؤنا يحكمون على شيء بأنه يرد بالقيمة مع أنه على ضوء القاعدة العامة من المثليات مثل
الذهب الذي دخلته الصنعة حيث يصبح من القيميات والماء الذي أتلفه شخص في وقت َعزة حيث
يالحظ فيه القيمة وغيرها كثير جدا (. )5
__________
( )1يراجع مبدأ الرضا في العقود دراسة مقارنة 802 /2
( )2يراجع المبسوط 13-12 /13وفتح القدير 206 /5 :ومواهب الجليل 466/4:والوسيط بتحقيقنا
803 /3 :والمغنى البن قدامة 135 /7 :وغيرها حيث فصلنا ذلك في البحث الذي سينشر في
مجلة المسلم المعاصر إن شاء هللا .
( )3يراجع فتح القدير 269/11
( )4مجموع الفتاوى 520 /29 :
( )5األشباه للسيوطي :ص 382
()9837/2
-------------هل نقودنا الورقية مثل الدراهم الفضية والدنانير الذهبية في كل األحكام ؟ هذا هو السؤال الذي
يفرض نفسه عند بحث أحكام النقود والشك أن الجواب عنه بالسلب أو باإليجاب أو بالتفصيل يكون
هو األساس في أي حل يراد.
فقد ذهب العلماء الذين عاصروا مولد النقود الورقية إلى أنها ليست مثل النقود المعدنية على
اإلطالق ولذلك قال بعضهم بعدم وجوب الزكاة فيها ثم حينما اتضح األمر بعض الشيء أفتى
الكثيرون بوجوب الزكاة فيها ( . )1ولو دققنا النظر في هذا الخالف لوجدنا خالف عصر وأوان ال
خالف حجة وبرهان ،لذلك لم يعد للتكييف السابق باعتبارها سندات ديوان أي مبرر بعد ما صارت
أثمانا بالعرف ونالت ثقة الناس ،ولكنها مع ذلك ال يمكن القول بأن النقود الورقية أصبحت مثل
النقود الذهبية في جميع األحكام وذلك ألن كثي ار من الفقهاء لم يعطوا جميع أحكامها للنقود
المغشوشة على الرغم من رواجها وكذلك لم يعاملوا الفلوس معاملة الذهب والفضة حتى وان راجت
( . )2
وكذلك األمر في نقودنا الورقية حيث تختلف النقود الذهبية والفضية فيما يأتي:
-1أن الدنانير والدراهم نقدان ذاتيان ضامنان للقيمة في حد ذاتهما في حين أن العملة الورقية نقد
حسب العرف واالصطالح .
-2أهما ال ينسأ مع نقديتهما باعتبار أن الزيادة في وزنهما زيادة في قيمتهما وقد أثار إلى ذلك
الحديث الصحيح " وزنا بوزن " وال يالحظ ذلك في النقود الورقية.
-3أنهما لو ألغيت نقديتهما بقيت مثيلتهما وقيمتهما في حين أن العمالت الورقية لو ألغيت لما بقيت
فيها أي فائدة .
-4ال خالف بين علمائنا المعاصرين في أن نقودنا الورقية تقوم بالذهب أو الفضة أو غيرهما
لمعرفة نصاب الزكاة فيها ,في حين أن نصاب الدراهم والدنانير ثابت وال يحتاج منه إلى تقدير
بآخر بل يقوم بهما غيرهما (. )3
-5أن المعاصرين جميعا متفقون على أن نقد كل بلد جنس بذاته ولذلك يجري فيه التفاضل فيها لو
بيع بنقد بلد آخر وما ذلك إال لرعاية القيمة في حين أن الدراهم والدنانير ال يالحظ فيهما البنك الذي
أصدرها .
-6أن النقود الورقية كانت مغطاة في أساسها بالذهب وال يزال االقتصاد الخاص بالدولة التي
تصدرها له عالقة بقوتها وضعفها وال يؤخذ هذا في الدراهم والدنانير.
-7حينما ألغى الفقهاء رعاية القيمة في المثليات مثل الذهب والفضة والحنطة والشعير نظروا إلى
أنها تحقق الغرض المقصود سواء رخص سعرها أم غال ،أما النقود الورقية فقيمتها في قوتها
الشرائية.
-8أن االقتصاديين يكادون يتفقون على أن مشكلة التضخم التي يعانى منها ولدت في أحضان
النقود الورقية ولم يحصل مثلها عند سيادة النقود المعدنية النفيسة.
__________
( )1يراجع في تفصيل ذلك فتح العلي المالك للشيخ عليش 165-164 /1:والفتح الرباني مع شرحه
للساعاتي 25 /8 :والفقه على المذاهب األربعة 15/ 1:وفقه الزكاة للشيخ الدكتور القرضاوي /1
271
( )2يراجع الهداية مع شرح فتح القدير وشرح العناية 153-152 /7 :وحاشية ابن عابدين 266 /5
( )3راجع فقه الزكاة 269/1 :
()9838/2
-------------الترجيح :
ولذلك فالراجح هو القول بنقدية هذه األوراق المالية وبالتالي وجوب الزكاة فيها باعتبار قيمتها وكونها
صالحة للثمنية والحقوق وااللتزامات وعدم جواز الربا فيها ال نقدا وال نسيئة ،ولكن مع مالحظة أنها
ال تؤدي جميع الوظائف المطلوبة وبالتالي مالحظة قيمتها عندما تحدث فجوة كبيرة بين قيمة النقد
في وقت القبض وقيمته عند التسليم وهذا في نظري هو الرأي الذي يحقق العدل الذي أشار إليه
النبي صلى هللا عليه وسلم (( قيمة عدل ال وكس وال شطط )) ( )1وهذا هو الواقع الذي تعيشه
نقودنا الورقية حيث يعترف كثير من االقتصاديين بأنها ال تؤدى اليوم جميع وظائفها (. )2
وفي رأيي أن نظام النقود اليوم نظام خاص ال يمكن إجراء جميع األحكام الخاصة بالنقود المعدنية –
الذهب والفضة وحتى الفلوس عليها فهو نظام خاص جديد ال بد أن نتعامل معه على ضوء واقعه
ونشأته وتطوره وعطائه وما جرى عليه ولذلك فما المانع من أن نقره كوسيط للتبادل التجاري ولكنه
مع ذلك يالحظ فيه قيمته ونربطه أما بالذهب أو بسلة السلع بعد أن فقد النقد الورقي كثي ار من
وظائفه حتى في الدول الغربية حيث لم يعد مثل السابق مقياسا للقيم حتى في الغرب الذي نشأ فيه
وال مخزونا للثروة حيث تخزن في الغالب بالذهب أو بالعقار أو بنحوها فقيمة نقودنا الحالية في
قدرتها الشرائية فإذا فقدتها أو اهتزت فما الفائدة في شكلها أو ما كتب عليها ؟ فهي ال تؤكل وال تلبس
وال يتحلى بها وانما ليشتري بها السلع ولذلك فالتساوي والتماثل والتفاضل والتعامل والزكاة باعتبار
قيمتها ولذلك فما دام سعر الريال الواحد -مثال -في وقت واحد لدولة واحدة ال يتصور فيه الزيادة
فال يحتاج إلى رعاية القيمة وكذلك األمر في وقتين لم تتغير فيهما قيمته بشكل يؤدي إلى الغبن
الفاحش فعال ال تصو ار وتخمينا وحتى تكون أبعاد هذا الذي اخترناه واضحة المعالم ،فالبد أن نذكر
التأصيل الفقهي له والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم ومتى نلجأ إليه ؟ وزمن التقويم ومكانه .
__________
( )1رواه مسلم في صحيحه 1145/2 :
( )2يراجع د حمدي عبد العظيم :السياسات العالية والنقدية في الميزان ص 342د .محمد يحيى
عويس مبادئ في علم االقتصاد ص . 281
()9839/2
-------------التأصيل الفقهي :
ال شك أن مسالة النقود الورقية لم تكن موجودة في عصر النبي صلى هللا عليه وسلم وال في عصر
الصحابة والفقهاء والمجتهدين وانما ظهرت -كما سبق -في حدود القرنين األخيرين ومن هنا فال
نطمع أن نحصل على نص خاص يعالج هذه المسالة بخصوصها ولكن لما كان اإلسالم دينا خالدا
شامال لكل األزمنه واألمكنة فإنه تضمن من المبادئ والقواعد العامة ما يمكن استنباط حكم كل
قضية مهما كانت جديدة على ضوئها اذن فالقضية تحل من خالل المبادئ والمقاصد العامة للشريعة
وباإلضافة إلى ذلك فإننا نرى بعض مسائل جزئية دقيقة أثارها فقهاؤنا الكرام تصلح ألن تكون أرضا
صالحة لالنطالق منها إلى حل مسألتنا هذه ومن هنا فنحن نذكر بإيجاز بعض القواعد العامة
والمبادئ الكلية ,وبعض المسائل الجزئية ذات العالقة بموضوعنا :
أوالً :المبادئ العامة القاضية بشكل قاطع بتحقيق العدالة ورفع الظلم حيث أنزل هللا تعالى الكتب
ان
اب َواْلم َيز َ
والشرائع لتحقيق ذلك ....قال هللا تعالى َ { :لَق ْد أ َْرَسْل َنا ُرُسَل َنا باْل َبي َنات َوأ َْن َ ْزل َنا َم َع ُه ُم اْلكتَ َ
ل َيُقوم َّ
اس باْلق ْسط } (. )1
الن ُ
َ
ولذلك يرشد القرآن الكريم إلى أن المرابي حينما يتوب يأخذ رأس ماله ال يظلم وال يظلم إذن فكيف
يسمح بأن ترجع إلى الدائن نقوده بعد أن فقدت جزءا كبي ار من قيمتها ولذلك قال الرسول صلى هللا
عليه وسلم (( خير الناس أحسنهم قضاء )) ()2
ومن المبادئ العامة الكلية قول النبي صلى هللا عليه وسلم (( ال ضرر وال ضرار )) ( . )3حيث
جعلها النبي صلى هللا عليه وسلم من القطعيات التي تزاحمت عليها أدلة الشرع من الكتاب والسنة
( . )4
__________
( )1سورة الحديد اآلية 25
( )2رواه البخاري في صحيحه مع فتح الباري 56 /5
( )3رواه أحمد في مسنده 327/5والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى المستدرك
57/2
( )4الموافقات 10-9/3
()9840/2
-------------ومن هذا المنطق فال يمكن أن تكون الجزئيات مخالفة للقواعد العامة وال القطعيات مناقضة لألصول
العامة المقررة فعلى ضوء ذلك فال يمكن أن نقول في نقودنا الورقية قوال يخالف هذه المبادئ يؤدي
إلى الظلم والضرر بأصحاب الحقوق في وجهة نظرنا أن القول برد المثل في نقودنا الورقية يؤدي في
كثير من األحوال إلى الظلم بأصحاب الحقوق فمن دفع قبل خمسة عشر عاما مبلغ 100ألف ليرة
مثال ثم لو رجعها المدين إلى الدائن بالمثل ألصاب الدائن خسارة كبيرة وضرر كبير ال يمكن أن
يتفق مع هذه المبادئ السابقة .
* ثانيا :بعض المسائل الفقهية التي ذكرها فقهاؤنا السابقون بخصوص الفلوس والدراهم والدنانير
المغشوشة حيث ذهب الفقهاء إلى رعاية القيمة على أساس الذهب الخالص ورواجها في السوق
ومالحظة الرخص أو الغالء حيث ذهب أبو يوسف ومحمد في بعض الحاالت وبعض فقهاء
المالكية وبعض الحنابلة إلى رعاية القيمة يقول ابن عابدين ( قال في الولواجية :رجل اشترى ثوبا
بدراهم نقد البلدة فلم ينقدها حتى تغيرت فهذا على وجهين إن كانت تلك الدراهم ال تروج اليوم في
السوق أصال فسد البيع ألنه هلك الثمن وان كانت تروج لكن انتقصت قيمتها ال يفسد والنه لم يهلك
وليس له إال ذلك وان انقطع بحيث ال يقدر عليها فعليه قيمتها )...ثم قال ( يجب رد مثله ) هذا
كله قول أبي حنيفة
__________
()9841/2
-------------ووقال أبو يوسف :تجب قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد اآلخر يوم التعامل وقال محمد
يجب آخر ما انقطع من أيدى الناس قال القاضى الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف
وفيما سوى ذلك على قول أبي حنيفة انتهي – قال التمرتاشي اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب
غشها أو بالفلوس وكان كل منها نافعا حتى جاز البيع لقيام االصطالح على الثمنية ،ولعدم الحاجة
إلى اإلشارة اللتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري للبائع ثم كسدت بطل البيع واالنقطاع عن أيدي
الناس كالكساد حكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على
المشتري رد المبيع إن كان قائما مثله إن كان هالكا وكان مثليا واال فقيمته وان لم يكن مقبوضا فال
حكم لهذا البيع أصال وهذا عند اإلمام األعظم وقاال ال يبطل البيع ،ألن المتعذر إنما هو التسليم
بعد الكساد ،وذلك ال يوجب الفساد ،الحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطبة ،ثم انقطع
واذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته ،لكن عند أبي يوسف يوم البيع ،وعند محمد يوم الكساد
وهو آخر ما تعامل الناس بها ،وفي الذخيرة :الفتوى على قول أبي يوسف )1( ...وذكر ابن
عابدين أن الظاهر من كالمهم هو أن هذا الخالف في الفلوس ،والدراهم التي غلب غشها ،غير
أن بعض الحنفية عمموه في المغشوشة وغيرها ( )2ثم ذكر ابن عابدين مسألة وقعت في عصره
رجح القول فيها بناء على العدالة ،ال على الشكل والتقليد فقال ( :أعلم أنه تردد في زماننا ورود
األمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائحة بالنقص ،واختلف اإلفتاء فيه ،والذي استقر عليه
الحال اآلن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معينا كما لو اشترى بمائة ريال أفرنجي ،أو مائة
ذهب عتيق ،أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبايعان نوعا والخيار
فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد ،ولكن األول ظاهر سواء كان بيعا أو قرضا بناء على ما
قدمناه وأما الثاني فقد حصل بسبب ضرر ظاهر للبائعين فإن ما ورد األمر برفضه متفاوت )..ثم
قال ( :وقد كنت تكلمت مع شيخي فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا لما علمت من الضرر ،
وانما يفتي بالصلح )..ثم بين بأن القضية تدور مع علتها قائال ( :فإنه وان كان الخيار للمشتري
في دفع ما يشاء وقت العقد وان امتنع البائع لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت األنواع ،فإذا امتنع عما
أراد المشتري يظهر تعنته أما في هذه الصورة فال ،ألنه ظهر أنه يمتنع عن قصد إض ارره )....
فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار لألنفع له ،فالصلح حينئذ أحوط ،والمسألة غير
منصوص عليها بخصوصها .
فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصا ،ال األقل ،وال األكثر ،كيال
يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري (. )3
وهذا ما نحن نؤكد عليه هنا أنه ما دامت النقود الورقية غير منصوص عليها فالبد إذن من رعاية ما
يحقق العدالة ،ويرفع الحيف والضرر والضرار دون النظر إلى الشكل .
__________
( )1رسالة النقود ، 61 -60/2 :والهداية وفتح القدير 155/7 :
( )2رسالة النقود 62/2 :
( )3النقود 66/ 2 :
()9842/2
--------------
وقد أعطى العالمة الكاساني أهمية خاصة للقيمة حتى جعلها معيا ار وأصال فقال ( :أال ترى أنه ال
يعرف الجيد ،والوسط والرديء إال باعتبار القيمة ،فكانت القيمة هي المعرفة بهذه الصفات فكانت
أصال في الوجوب ،فكانت أصال في التسليم . )1( ) ...
وفي المذهب المالكي نجد أن القاضي ابن عتاب ،وابن دحون وغيرهما يقولون برعاية القيمة في
بعض المسائل ،حيث ورد في المعيار المعرب ( :سئل ابن الحاج عمن عليه دراهم فقطعت تلك
السكة ؟ أجاب ...وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك من قيمة السكة المقطعوعة من الذهب ،
ويأخذ صاحب الدين القيمة ومن الذهب ،...وكان أبو محمد بن دحون رحمه هللا يفتي بالقيمة يوم
القرض ،ويقول إنما أعطاها على العوض فله العوض. )2( )..
وقيد الرهوني رد المثل بالمثل إذا لم يكن تغير السعر كبي ار ،فقال ( :وينبغي أن يفيد ذلك بما إذا لم
يكثر جدا حتى يصير القابض بها كالقابض لما ال كبير منفعة فيه ،لوجود العلة التي علل بها
المخالف ،حيث إن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به ألخذ منتفع به ،فال يظلم بإعطائه ما ال ينتفع به
) (. )3
وقد راعى المالكية – كقاعدة عامة – القيمة في كثير من المسائل وأولها عناية فائقة حيث ذهبوا إلى
أن عشرين دينا ار من الذهب تجب فيها الزكاة حتى ولو كان فيها نقص من حيث الوزن ما دامت
مثل الكاملة في الرواج ،وعلل ذلك العالمة الدسوقي بقوله ( :ال يخفى أن القيمة تابعة للجودة
والرداءة فااللتفات ألحدهما التفات إلى اآلخر) ( )4خالفا للشافعية في رعاية الوزن (. )5
__________
( )1بدائع الصنائع 1442/3 :
( )2المعيار المعرب 462 – 461 / 6 :
( )3نقال عن د .شوقي أحمد دنيا في بحثه القيم عن النقود واألثمان في مجلة المسلم المعاصر العدد
()41
( )4حاشية الدسوقي على الشرح الكبير .455/1 :
( )5الروضة ، 257/2 :والمجموع . 1974 / 6 :
()9843/2
-------------والقاعدة العامة لدى الشافعية وغيرهم أن المثلي إذا عدم ،أو عز فلم يحصل إال بزيادة ال يجب
تحصيله كما صححه النووي ،بل يرجع إلى القيمة (. )1
والحنابلة يقولون بوجوب القيمة في حالة إلغاء السلطان الفلوس ،أو الدراهم المكسرة ،ولكن هل
تجب القيمة عند الغالء أو الرخص ؟ المنصوص عن أحد وأصحابه هو عدم اعتبارها ،وقد بين ابن
قدامة السبب في هذه التفرقة بين الحالتين فقال معلال لوجود القيمة في حالة الكساد ودون حالة تغير
القيمة ( :إن تحريم السلطان لها منع إنفاقها ،وأبطل ماليتها فأشبه كسرها ،أو تلف أجزائها ،وأما
رخص السعر فال يمنع ردها سواء كان كثي ار أو قليال ،ألنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر
فأشبه الحنطة إذا رخصت ،أو غلت ) (. )2
ولو دققنا النظر في التعليل الذي ذكره ابن قدامه لوجدناه قائما على ثالثة أمور :
األمر األول :االعتماد على أن الكساد عيب ولكن الرخص الفاحش ليس بعيب ولو رجعنا إلى
تعريف ابن قدامة نفسه للعيوب لدخل فيه الرخص الفاحش ،حيث عرفها بأنها :النقائص الموجبة
لنقص المالية ،ثم ذكر عدة تطبيقات محلال فيها ( ،ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته ) .
فعلى ضوء ذلك كان األجدى رعاية القيمة أيضا في النقود االصطالحية ألن القيمة عنصر أساسي
.
* األمر الثاني :االعتماد على القياس على الحنطة إذا رخصت وهذا في نظرنا قياس مع الفارق ،
وذلك ألن قيمة الحنطة في ذاتها لو رخصت لما اختلف األمر من حيث قيمتها الغذائية ،وكذلك
النقود الذهبية والفضية حيث لو رخصت لما أثرت في كونها سلعة لها قيمة ذاتية ،أما النقود الورقية
فقيمتها في قدرتها الشرائية فلو اهتزت اهت از از كبي ار فالبد من مراعاتها .
__________
( )1راجع المصدرين السابقين ،وقطع المجادلة عند تغير المعاملة للسيوطي مخطوطة التونسي ،
ورقة ( ، )1وذكر وجها للشافعية يقضي بأن الفلوس والدراهم المغشوشة من المتقومات فعلى هذا
يكون الرد فيها بالقيمة .
( )2المغني البن قدامة 460 / 4 :
()9844/2
-------------* األمر الثالث :القياس على كسر النقد ،أو تلف بعض أجزائه ،وهذا القياس لصالحنا حيث إن
التضخم الذي أصاب معظم النقود فسره الباحثون االقتصاديون بقطع العملة إلى نصفين أو أكثر ،
يبقى جزء منها في جيب الدولة ،وجزؤها اآلخر عند المستهلك ،وذلك ألن الدولة تصدر من النقود
الورقية أكثر مما لديها من وسائل نمو االقتصاد والثروة .
فعلى ضوء ذلك فالرخص الفاحش في النقود الورقية هو بمثابة الكسر وتلف بعض أجزاء النقود
المعدنية ،ألن العبرة بالقيمة والقدرة الشرائية وهي قد اهتزت .
هذا وقد نقل صاحب الدرر السنية عن شيخ اإلسالم ابن تيمية قوله ( :بأن اختالف األسعار مانع
من التماثل ،وقاس مسألة تغير النقود على كسادها ،بناء على أن كون الكساد عيبا يكمن في كونه
نقصا في القيمة ،ألنه ليس عيبا في ذات النقد من حيث النقص في عينه ،حيث إن القدر لم يتغير
،وانما هو باعتبار أن الكساد يترتب عليه نقصان في القيمة ال غير ) ،ثم عقب صاحب الدرر
على ذلك بقوله ( :إن كثي ار من األصحاب تابعوا الشيخ تقي الدين – أي ابن تيمية – في الحاق
سائر الديون بالقرض ،وأما رخص األسعار فكالم الشيخ صريح في أنه رد القيمة أيضا ووهو
األقوى ) (. )1
وهذا الرأي الذي اختاره شيخ اإلسالم في عصره للنوازل الواقعية فيه جدير بالقبول ،وحري بالترجيح
في المسألة التي نحن بصدد بحثها ،فعلى ضوء هذا الرأي ،واآلراء التي سبقته ألبي يوسف ،
وبعض علماء المالكية نكون قد وجدنا أرضية ثابتة ،ومنطلقا جيدا للرأي الذي نرجحه وهو رعاية
القيمة في نقودنا الورقية عند التغير الفاحش.
__________
( )1الدرر السنية في األجوبة النجدية /ط .دار االفتاء بالرياض 110/5 :
()9845/2
-------------* ثالثا :رجوع الفقهاء في كثير من األمور المثلية إلى القيمة حينما ال يحقق المثل العدالة ،كما في
حالة اقتراض الماء عند ندرته وفي حالة الحلي المصنوع من الذهب ولكن داخلته الصنعة وغير ذلك
مما ذكرناه عند كالمنا على المثلي والقيمي .
* رابعا :وحتى نختم هذا بختام المسك نرى أن النبي صلى هللا عليه وسلم ،أشار إلى أهمية القيمة
،حيث قال (( :من أعتق عبدا بين اثنين فإن كان موس ًار قوم عليه ،ثم يعتق )) وفي رواية
صحيحة أخرى (( :من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد ُقوم العبد عليه قيمة
عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ،واال فقد عتق منه ما عتق )) وفي رواية لمسلم :
(( من ماله قيمه عدل ال وكس وال شطط )) ()1
يقول العالمة ابن القيم ( :ومعلوم أن المماثلة مطلوبة حسب اإلمكان ،ثم نقل عن جمهور العلماء
قولهم :الدليل على اعتبار القيمة في إتالف الحيوان دون المثل :أن النبي صلى هللا عليه وسلم
ضمن معتق الشخص إذا كان موس ار بقيمته ،ولم يضمنه نصيب شريكه بمثله فدل على أن األصل
هو القيمة في غير المكيل والموزون ) (. )2
ثم إن قضية المثلي والقيمي ليست هي أيضا من المنصوص عليها بحيث ال يجوز مخالفتها ،يقول
الشوكاني ( :إطالقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه أنه مثلي ،وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي
هو مجرد اصطالح لهم ،ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله ،والقيمي بقيمته هو
أيضا مجرد رأي عملوا عليه ،واال فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته ) .
__________
( )1صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب العتق . 151 – 150/5 :ومسلم ، 1140/2 :وسنن
أبي داود – مع العون ، 472/10 : -والترمذي – مع تحفة األحوذي . 281/4 : -والنسائي :
. 281/7وابن ماجه . 844/4 :
( )2شرح سنن أبي داود البن القيم . 274 – 727/12 :
()9846/2
-------------على أي معيار نعتمد في التقويم :
سبق أن ذكرنا أننا ال نلجأ إلى القيمة عند وجود الغبن الفاحش ،وفي حالة رجوعنا إلى القيمة ال بد
أن نضع موازين دقيقة ومعايير معقولة للتقويم حتى يتبين لنا الفرق بين قيمتي العملة الورقية في
الورقتين :وقت القبض ،ووقت إرادة الرد ،ولنا لمعرفة ذلك معياران :
المعيار األول :االعتماد على السلع األساسية مثل الحنطة والشعير واللحم واألرز بحيث نقوم المبلغ
المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد كمن كان يشتري به من هذه السلع األساسية ،ثم نأتي
عند الرد أو الوفاء بااللتزام إلى القدر الذي يشترى به اآلن من هذه السلع ،فحينئذ يتضح الفرق ،
وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع ،وهي معتبر في كثير من الدول الغربية يعرفون من خاللها
التضخم ونسبته ،ويعالجون على ضوئها آثار التضخم وال سيما في الرواتب واألجور .
ويشهد على هذا االعتبار أن الرسول صلى هللا عليه وسلم جعل دية اإلنسان – وهو أعلى ما في
الوجود – اإلبل ،مع وجود النقدين – الدراهم والدنانير – في عصره .
وال يقال :إن السبب في ذلك هو أن اإلبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب .وذلك ألن الرسول
صلى هللا عليه وسلم ،قومها عليهم بالذهب أو الفضة ،كما ذكر العلماء أن اإلبل قد عزت عندهم
،ومع ذلك لم يجعل الذهب ،أو الفضة أصال في الدية ،ومن هنا زادهما حسب قيمة اإلبل ،فقد
روى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو وبن شعيب عن أبيه عن جده قال (( كانت قيمة الدية على
عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ثماني مائة دينار ،وثمانية آالف درهم ...وكان ذلك حتى
استخلف عمر فقام خطيبا فقال ( :أال إن اإلبل قد غلت) قال :ففرضها ،على أهل الذهب ألف
دينار ،وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا )) ( . )1قال الخطابي ( :وانما قومها رسول هللا صلى هللا
عليه وسلم على أهل القرى لعزة اإلبل عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمانى مائة ،ومن
الورق ثمانية آالف درهم فجرى األمر كذلك إلى أن كان عمر ،وعزت اإلبل في زمانه ،فبلغ
بقيمتها من الذهب ألف دينار ،ومن الورق اثنا عشر ألفا ) (. )2
__________
( )1سنن أبي داود مع العون – كتاب الديات ، 284/12 :ورواه مالك بالغا في الموطأ 530/2 :
( )2عون المعبود 285/12 :
()9847/2
-------------والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة اإلبل حتي في زمن النبي صلى هللا عليه وسلم لم
تكن مستقرة استق ار ار تاما ،وانما كانت تابعة لغالء اإلبل ورخصها ،فقد روى أبو داود ،والنسائي
والترمذي بسندهم (( :أن رجال من بني عدي قتل فجعل النبي صلى هللا عليه وسلم ديته اثني عشر
ألفا )) ( )1كما روى الدارمى (( :أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فرض على أهل الذهب ألف
دينار )) ( )2وروى النسائي (( :كان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقومها على أهل اإلبل إذا
غلت رفع قيمتها واذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول
هللا صلى هللا عليه وسلم ،ما بين 400إلى 800دينار أو عدلها من الورق )) ( )3وروى البخاري
بسنده في قصة شراء النبي صلى هللا عليه وسلم ناقة جابر قال ابن جريح عن عطاء وغيره وعن
جابر ( :أخذته بأربعة دنانير ) ،وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دارهم (. )4
كل ما ذكرناه يدل بوضوح على أهمية اعتبار السلع األساسية وجعلها معيا ار يرجع إليها عند التقويم ،
ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع سلة لهذه السلع ونقيس من خاللها قيمة النقود – كما ذكرنا –
ولذلك نرى األستاذ القرضاوي يثير تساؤال حول ما إذا هبطت قيمة الذهب أيضا :فهل من سبيل إلى
وضع معيار ثابت للغنى الشرعي ؟ فيقول ( :وهنا قد نجد من يتجه إلى تقدير نصاب النقود
باألنصبة األخرى الثابتة بالنص ،ثم ذكر عدة خيارات داخل السلع األساسية مثل اإلبل ،والغنم
والزروع والثمار ،ثم رجح كون اإلبل والغنم المعيار الثابت حيث أن لهما قيمة ذاتية ال ينازع فيها أحد
) (. )5
__________
( )1سنن ابن داود مع العون كتاب الديات . 290/12 :والترمذي – مع التحفة – كتاب الديات :
646/4قال الشوكاني في النيل ( : 271/8 :وكثرة طرقه تشهد لصحته )
( )2سنسن الدرامي ،كتاب الديات . 113/2 :وراجع النيل 271/8 :
( )3سنن النسائى ،كتاب القسامة 43 / 8 :
( )4صحيح البخاري – مع الفتح كتاب الشروط . 314/5 : /
( )5فقه الزكاة 269 – 265/1 :
()9848/2
-------------المعيار الثاني :االعتماد على الذهب واعتباره في حالة نشأة العقد الموجب للنقود الورقية ،وفي
حالة القيام بالرد ،وأداء هذا االلتزام ،بحيث ننظر إلى المبلغ المذكور في العقد كم كان يشترى به
من الذهب ،فعند هبوط سعر النقد الورقي الحاد ،أو ارتفاعه يالحظ في الرد وفي جميع الحقوق
وااللتزمات – قوته الشرائية بالنسبة للذهب ،فمثال لو كان المبلغ المتفق عليه عشرة آالف ريال
ويشترى به مائتا غرام من الذهب فالواجب عند الرد والوفاء بااللتزام المبلغ الذي يشترى به هذا القدر
من الذهب ،وذلك ألن الذهب في الغالب قيمته أكثر ثباتا واستق ار ار ،وأنه لم يصبه التذبذب
واالضطراب مثل ما أصاب غيره حتى الفضة ( )1ولذلك رجح مجمع البحوث اإلسالمية :االقتصار
في التقويم بخصوص النصاب في عروض التجارة والنقود الورقية -على معيار الذهب فقط لتميزه
بدرجة ملحوظة من الثبات ( )2ويشهد العتبار الذهب دون الفضة في التقويم أن الذهب لم يقوم
بغيره ،في حين أن الفضة قد قومت به في مسألة نصاب السرقة ،يقول السيوطي ( :الذهب
والفضة قيم األشياء إال في باب السرقة ،فإن الذهب أصل ،والفضة عروض بالنسبة إليه نص
عليه الشافعي في األم ،وقال :ال أعرف موضعا تنزل فيه الدراهم منزلة العروض إال في السرقة ) .
ثم إذا حصل توافق وتراض بين الطرفين على القيمة ،ففيها ،واال فيرجع األمر فيها إلى القضاء أو
إلى التحكيم وتنطبق على هذه المسألة حينئذ جميع القواعد العامة في الدعوى والبينات والقضاء .
__________
( )1فقه الزكاة ، 262/1 :حيث ذكر أن االعتبار بالذهب في الزكاة هو ما قاله الشيوخ األجالء أبو
زهرة ،وخالف وحسن رحمهم هللا
( )2مقررات مجمع البحوث اإلسالمية في مؤتمرهم الثاني سنة 1965م القرار 2 :ص 4 -2
()9849/2
-------------الجمع بين المعيارين :
ويمكن لقاضي الموضوع ،أو المحكم أن يجمع بين المعيارين بأن يأخذ في اعتباره متوسط قيمة
النقد بالنسبة للذهب والسلع األساسية يوم إنشاء العقد .
متى نلجأ إلى التقويم :
ال شك أننا ال نلجأ إلى التقويم في كل األحوال ،وال عند وجود التراضي بين األطراف وانما نلجأ إليه
عند وجود الغبن الفاحش الذي يلحق بأحد العاقدين سواء كان في عقد القرض ،أم البيع باألجل ،أم
المهر ،أو غير ذلك من العقود التي تتعلق بالذمة ويكون محلها نقدا آجال ثم تتغير قيمته من خالل
الفترتين – فترة االنشاء وفترة الرد والوفاء تغي ار فاحشا ،ويشهد لذلك ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء
من اعتبار الغبن الفاحش حتى في البيوع التي مبناها على المساومة ( )1كما ذكر بعض العلماء
مثل الرهوني أن التغير الكثير ال بد من مالحظته حتى في المثليات فيجعلها من القيميات ،وكذلك
قال الرافعي وغيره في مسائل كثيرة – كما سبق .
__________
( )1األشباه والنظائر :ص . 389
()9850/2
-------------معيار التغير الفاحش :
قبل أن نذكر هذا المعيار نرى فقهاءنا الكرام قد وضعوا عدة معايير لمقدار الغبن الفاحش الذي
يعطي الخيار في الفسخ عندما يقع في البيع ونحوه .
يقول القاضي ابن العربي ،والقرطبي وغيرهما ( :استدل علماؤنا بقوله تعالى { َذل َك َي ْوُم التَّ َغ ُابن }
( )1على أنه ال يجوز الغبن في المعاملة في الدنيا ،ألن هللا تعالى خصص التغابن بيوم القيامة ...
وهذا االختصاص يفيد أنه ال غبن في الدنيا فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد
على الثلث واختاره البغداديون ،...وأن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع ،...إذ هو من باب الخداع
المحرم شرعا في كل ملة ،لكن اليسير ال يمكن االحتراز عنه ألحد ،فمضى في البيوع . )...
ثم إن العلماء قد ثار الخالف بينهم في تحديد الغبن الفاحش ،فمنهم من حدده بما زاد على قيمة
الشيء بالثلث ،وبعضهم بنصف العشر ،وبعضهم بالسدس ،وذهب جمهورهم إلى معيار مرن قائم
على ما يعده عرف التجار غبنا ،وهذا األخير هو الذي رجحناه ( )2ونرجحه هنا أيضا في باب
تقويم النقود الورقية ،فما يعده التجار في عرفهم غبنا فهو غبن هنا أيضا ،واذا اختلفوا فالقاضي
يحكم بما يرتاح إليه حسب األدلة والظروف والمالبسات التي تحيط بالقضية بعينها .
__________
( )1التغابن . 29 :
( )2يراجع :رسالتنا الدكتوراه بكلية الشريعة باألزهر :مبدأ الرضا في العقود ،ط دار البشائر
اإلسالمية . 735/1 :
()9851/2
--------------
زمن التقويم ومكانه :
إذا كنا قد رجحنا اعتبار القيمة في النقود الورقية حينما يكون هناك فرق شاسع بين القوة الشرائية لها
عند إنشاء العقد وثبوتها في ذمة المدين ،وبين إرادة ردها ،فأي وقت نعتبر ؟ هل نعتبر قيمة النقد
يوم إنشاء العقد ؟ وهل نعتبر مكان العقد ؟ أم مكان الرد ؟
والذي نرجحه هو رعاية القيمة يوم إنشاء العقد وقبض المعقود عليه ومكانه ،أي تقوم النقود الورقية
يومئذ كم كانت تساوي من الذهب ،أو كم يشتري بها من السلع األساسية ،ثم على أساسها يرجع
الدين ،أو يوفي بما التزم به من مهر ،أو ثمن المبيع اآلجل أو غير ذلك ،فلو دفع رجل قبل
عشر سنوات ( أي في ) 1977آلخر مائة جنيه أو باع له أرضا بها ،أو كان مهر زوجته مثل
هذا المبلغ فاآلن يقوم المبلغ المذكور على أساس عام ( )1977كم يشتري به من الذهب ،أو من
السلع على ضوء أحد المعيارين السابقين ،أو متوسط ما يشترى به من الذهب والسلع األساسية ،
فلو كان هذا المبلغ المذكور في وقته كان يشترى به بقرة مثال ،فجيب عليه أن يرد مبلغا يشترى به
بقرة ،أو كان يشترى به عشرون غراما من الذهب عيار ( )21فيجب عليه أن يرد ما يشترى به
هذا القدر – وهكذا – إال إذا تراضيا بالمعروف .
ويشهد لذلك أن جمهو ار من العلماء ذهب إلى اعتبار القيمة في الفلوس ،والنقود المغشوشة ،حتى
النقود الخالصة عند كسادها أو انقطاعها ذهبوا إلى أن المعتبر هو يوم إنشاء العقد والقبض ،
ومكانه ،قال المرغيناني ( :إذا اشترى سلعة وترك الناس التعامل بها ...قال أبو يوسف :عليه
قيمتها يوم البيع ،وقال محمد :قيمتها آخر ما تعامل الناس بها ،ثم علل أبو يوسف ذلك بأن
الضمان إنما تم بالبيع ،وهو سببه فالبد إذن من اعتباره) ( )1وقد رجح الكثيرون من األحناف رأي
أبي يوسف ،قال المرغيناني ( :وقول أبي يوسف أيسر ) فعلق عليه ابن الهمام ،والبابرتي فقاال :
(ألن القيمة يوم القبض معلومة ظاهرة ال يختلف فيها بخالف ضبط االنقطاع ،فإنه عسر فكان قول
أبي يوسف أيسر في ذلك) ( )2قال ابن عابدين ( :وفي المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض ،أو
رخصت ،...قال أبو يوسف عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض ،...وعليه
الفتوى ،هكذا في الذخيرة والخالصة ..فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب
أن يعول عليه إفتاء وقضاء ) ()3
__________
( )1الهداية مع فتح القدير . 154/7 :
( )2فتح القدير ،مع شرح العناية على الهداية 159 – 158/ 7 :
( )3رسالة النقود 61 – 60/2 :
()9852/2
-------------وكذلك األمر عند القائلين بالقيمة عند المالكية مثل ابن عتاب وابن دحون حيث أفتيا برعاية القيمة –
في مسألة إلغاء السكة – يوم القرض (. )1
بل إن كثي ار من العلماء ذهبوا إلى اعتبار القيمة يوم العقد ،ونشأة سبب الضمان في مسائل كثيرة ،
فقد ذكر لنا ابن نجيم منها :المقبوض على رسوم الشراء ...فاالعتبار لقيمته يوم القبض ،أو
التلف ومنها المغصوب القيمي إذا هلك ،فالمعتبر قيمته يوم غصبه اتفاقا ،كذلك المغصوب المثلي
إذا انقطع عند أبي يوسف ،ومنها المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوم القبض ،ألنه به دخل في
ضمانه ،ومنها العبد المجني عليه تعتبر قيمته يوم الجناية ،ومنها :ما لو أخذ من األرز والعدس
ونحوهما وقد كان دفع إليه دينا ار مثال لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك في قيمة المأخوذ ...قال في
التيمية :تعتبر قيمة يوم األخذ )2( ...
وقد صرح المالكية أن رد القيميات يكون برد قيمتها يوم العقد ،قال خليل ( :إن اختلف المتبايعان
في جنس الثمن ،أو مثمن ،أو نوعه حلفا ،وفسخ مطلقا ورد قيمتها في الفوات ) قال الدردير ( :
وتعتبر القيمة يوم البيع ،ال يوم الحكم ،وال يوم الفوات ،وهذا إن كان مقوما )...وعلل الصاوي
ذلك بقوله ( :ألنه أول زمن تسلط المشتري على المبيع )..وذكروا أمثلة أخرى بهذا الخصوص
()3
وذكر السيوطي أمثلة كثيرة جدا روعيت فيها القيمة يوم القبض ،منها مسألة ماء التيمم في موضع
عز فيه الماء حيث تراعى قيمته في ذلك الموضع في تلك الحالة على الصحيح عند جمهور
األصحاب ،كذلك الطعام والشراب حالة المخمصة ،ومنها مسألة المبيع إذا تخالفا ،وفسخ وكان
تالفا يرجع إلى قيمته يوم القبض على رأي ،ألنه مورد الفسخ ،ويوم القبض ،على رأي آخر ،ألنه
وقت دخول المبيع في ضمانه ،وما يعرض بعد ذلك من زيادة ،أو نقصان فهو ملكه ،ومنها
المستعار إذا تلف تعتبر قيمته يوم القبض على وجه ،وكذلك المقبوض على جهة السوم ،إذا تلف
)4( ...
__________
( )1المعيار المعرب 462 – 461/ 6 :
( )2األشباه والنظائر البن نجيم :ص . 364 – 362
( )3حاشية العالمة الصاوي على شرح الدردير على مختصر خليل . 536 -528/2 :
( )4األشتباه والنظائر للسيوطي :ص . 377 – 368
()9853/2
--------------
قال النووي في مسألة رد القيمة في القرض بالقيمة ( :يرد القيمة يوم القبض إن قلنا يملك به )...
( )1وقال السيوطي ( :واذا قلنا :أنه يرد في المعدوم القيمة ،فالمعتبر قيمة يوم القبض إن قلنا
يملك به ،وكذا إن قلنا يملك به ،وكذا إن قلنا يملك بالتصرف في وجه ) (. )2
وقد نص اإلمام أحمد في الدراهم المكسورة بعد كسادها على أنه يقومها :كم تساوي يوم أخذها ()3
قال صاحب المطالب ( :ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض))4( .
وقال ابن قدامة ( تجب القيمة حين القرض ،ألنها حينئذ ثبتت في ذمته) (. )5
وقد نص إمام الحرمين والغزالي وغيرهما من فقهاء المذهب الشافعي على أن العبرة في حالة تغير
النقد هو النقد الذي كان سائدا يوم العقد ،وال نظر لنقد يوم الحلول ،وكذلك الثمن المؤجل إذا حل
( )6وقال مالك ( :ال بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ،ثم يأخذ منه بربع ،أو ثلث ،أو
بكسر معلوم :سلعة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم ،وقال الرجل :آخذ منك بسعر كل يوم فهذا
ال يحل ألنه ضرر يقل مرة ،ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم ) ( )7وهذا الكالم يدل على
اعتبار سعر معلوم عند بداية التصرف .
وبعد هذا العرض والتأصيل يظهر لنا رجحان ما ذهبنا إليه وهو اعتبار القيمة يوم العقد والقبض ،
وهو أدنى إلى تحقيق العدالة وأقرب إلى القسط ،وأيسر ،وذلك ألن المقرض ،أو البائع قد خرج
المال من عهدته في ذلك الوقت ،ودخل في ذمة المدين والمشتري ،وحينئذ يكون له الحق في أن
يشتري به شيئا آخر ،ولذلك قال أحد الفالحين المصريين بفطرته ( :دفعت لك ثمن جاموسة فرجع
إلى ما أشتري به مثلها ،ويكفي أنك استفدت به كل هذا الوقت ) قال ذلك عندما جاء ..إليه
شخص من أقاربه وطلب منه دينا ،فباع الفالح جاموسته بمبلغ ودفعه إليه بالكامل ،ثم بعد عشر
سنوات جاء الرجل ورد عليه المبلغ الذي ما كان يشتري به اآلن ربع جاموسة فأنطقته فطرته السليمة
هذا القول (. )8
__________
( )1الروضة . 37/4 :
( )2األشباه والنظائر :ص 371
( )3المغني البن قدامة 360/4 :
( )4مطالب أولي النهى
( )5المغني 353/4 :
( )6النهاية إلمام الحرمين ،ملحوظة ، 288 /71 :نقال عن األستاذ الدكتور عبد العظيم الديب في
كتابه القيم :فقه إمام الحرمين :ص . 42وراجع الوسيط للغزالي مخطوطة طلعت . 148/2 :
( )7الموطأ :ص . 403
( )8حكى لنا هذه القضية أستاذنا الدكتور القرضاوي حفظه هللا .
()9854/2
-------------حل آخر :
باإلضافة إلى هذا الحل الذي ذكرنا ،فإنه يمكن للمتعاقد الذي ثبت له نقود في ذمة اآلخر آجال أن
يشترط أن يكون الرد بما يساويه من أي نوع آخر .أو أية بضاعة ،مثل أن يدفع أحمد مثال عشرة
آالف جنيه قرضا لخالد ،أو أن يبيع له أرضا بها ،ثم يقدرونها بما يساويها من نقود أخرى ثابتة ،
أو سلع أساسية ليعرفوا القيمة الشرائية للدين حتى يرجعوا إليها عند التنازع فيأخذ الدائن حقه بدون
بخس وال شطط ،أو أن يتفقا على تثبيت قيمة الدين عند التعاقد ،وذلك بأن يتفقا على أن يكون
المعول عليه عند األداء هو القوة الشرائية الحالية للنقد الذي تم به العقد سواء كان قرضا ،أو غيره ،
فإذا كانت قيمة النقد هي 800وحدة شرائية فعند السداد يدفع المدين نفس هذه القيمة بغض النظر
عما إذا كان مبلغ الدين عن السداد له هذه القيمة أو أقل أو أكثر (. )1
وهذا الشرط ليس فيه – حسب نظري – أي مخالفة للشريعة الغراء ،وذلك ألنه ليس شرطا جر
منفعة للدائن ،بل هو يحقق العدالة للطرفين ،وليس ممنوعا في حد ذاته ،بل كل ما يقتضيه هو
رد المثلي بالقيمة – إذا قلنا :إن نقودنا الورقية مثلية ،واذا قلنا أنها قيمية فيكون هذا الشرط من
الشروط الموافقة لمقتضى العقد .
وهذا الشرط مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط وال وكس ،فهو
مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضمانا له من مخاطر الطريق وهو ما يسمى بالسفتجة ،وهو
جائز عند جمهور الفقهاء ،يقول شيخ اإلسالم ( :والصحيح الجواز ،ألن المقترض رأى النفع بأن
خطر الطريق إلى نقل دراهم المقرض فكالهما منتفع بهذا االقتراض ،والشارع ال ينهى عما ينفع
الناس ويصلحهم ،ويحتاجون إليه ،وانما ينهى عما يضرهم ويفسدهم )2( )...والشرط الذي معنا
ليس فيه غرر ،وال يؤدي إلى جهالة ،وال ربا ،والم منازعة بل يؤدي إلى أداء الحقوق كاملة إلى
أصحابها في وقت أصبحت التقلبات الكبيرة سمة عصرنا فحينئذ يكون كل واحد يعرف ما له وما
عليه ،باإلضافة إلى أن األصل في الشروط هو اإلباحة عند جمهور الفقهاء ()3
__________
( )1د .شوقي دنيا :البحث السابق ص ، 70وما بعدها .
( )2مجموع الفتاوى . 456 -455/29 :
( )3يراجع مبدأ الرضا في العقود ،ومصادره . 1186 /2 :
()9855/2
-------------باب التراضي مفتوح :
كل ما قلناه إذا كان هناك عناد من أحد الطرفين ،أما عند سداد الدين أو الوفاء بالثمن ،أو المهر
،أو نحو ذلك تراضيا بالمعروف على الزيادة أو النقصان ،فإن أحدا من الفقهاء ال يمنع ذلك ،بل
هذا ما دعا إليه اإلسالم ،وكان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ،القدوة في ذلك ،فقد روى البخاري
ومسلم وغيرهما بسندهم :أن رجال أتى النبي صلى هللا عليه وسلم يتقاضاه بعي ار ،فقال (( :أعطوه
)) فقالوا :ال نجد إال سنا أفضل من سنه ،فقال (( :أعطوه ،فإن خياركم أحسنكم قضاء )) (. )1
فعلى هذا إذا حل األجل وجاء المدين ورأى أن المبلغ الذي يرده اآلن ال يساوي شيئا بالنسبة لقيمة
المبلغ الذي أخذه ،وقدرته الشرائية ،فطيب خاطر الدائن ونفسه بالزيادة في المقدار ،أو بسلفة
أخرى فقد فعل الحسن ،طبق السنة ،بل إنني أعتقد أنه ال تب أر ذمته في حاالت التغير الفاحش
لقيمة العملة محل العقد إال بإرضاء صاحب الحق ،ألن مبنى األموال وانتقالها في اإلسالم على
التراضي ،وطيب النفس بنص القرآن الكريم { :يا أَي َّ
َم َواَل ُك ْم َب ْي َن ُك ْم باْل َباطل
َمنُوا َال تَأ ُ
ُّها الذ َ
ْكلُوا أ ْ
ين آ َ
َ َ
َن تَ ُكو َن ت َج َارًة َع ْن تَ َر ٍ
اض م ْن ُك ْم } ( )2فكيف تطيب نفسه عندما يقع محتواه ،صحيح أن مبنى
إ َّال أ ْ
القرض على التطوع والتبرع ولكنه تطوع وتبرع بالوقت الذي أشغله دون مقابل محتسبا أجره عند هللا
تعالى ،أما أن ينقص ماليته فال ،ولذلك نرى الفقهاء يجيزون رد العين المستقرضة إلى المقرض ما
دامت لم تتعيب بعيب ينقص من ماليته ،إما إذا تعيبت فال يصح ردها ( ، )3فكذلك األمر هنا .
فال شك أن مسألة التراضي تحل كثي ار من مشاكل مجتمع قائم على العدل واإلحسان واإليثار مثل
المجتمع اإلسالمي الذي يقوم على معيار دقيق وهو ( أن تحب ألخيك كما تحب لنفسك ،وتكره
ألخيك ما تكره لنفسك ) (. )4
فهل يرضى اإلنسان أن يعود إليه دينه ،أو يعطى لها مهرها ،وقد أصبح ال قيمة له بعد أن كان ذا
قيمة جيدة ،فهل يرضى أحد أن تعود إليه ليراته اللبنانية ،أو السورية ،أو التركية اآلن مع أنها
حينما خرجت من يديه كانت لها قيمة وقدرة شرائية ممتازة ؟
هذا السؤال موجه إلى كل مؤمن ،وذلك ألن اإلسالم ال يعتني بالجانب الظاهري القانوني فقط بل
يعتني أيضاً بالجانب السلوكي ،ولذلك فالعذاب ليس دنيويا فقط بل هو في الدنيا واآلخرة ،واألحكام
ال تقتصر على الصحة والبطالن الظاهرين ،بل هناك الحل والحرمة والذي يراقب هللا تعالى يخاف
من عذاب هللا في اآلخرة أكثر من العذاب الدنيوي.
__________
( )1صحيح البخاري – مع الفتح – – 59 – 56/5 :ومسلم . 1224/3 :
([ )2سورة النساء :اآلية ,29وراجع مبدأ الرضا في العقود ،وراجع :األستاذ الدكتور شوقي دنيا
بحثه السابق :ص ] 68
( )3انظر الروضة ، 35/4 :والمغني البن قدامة . 360/4 :
( )4فقد روى البخاري بسنده عن أنس أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال ( :ال يؤمن أحدكم
حتى يحب ألخيه ما يحب لنفسه ) ورواه غيره بألفاظ وطرق كثيرة يراجع صحيح البخاري – مع الفتح
– كتاب اإليمان ، 57 /1 :وأحمد . 310 /2 :
()9856/2
-------------اعتراضات ودفعها :
* االعتراض األول :
إن هذا القول يؤدي إلى زيادة في بعض األموال وهي ربا وهو حرام بنص القرآن؟ مثل أن يقرض
شخص قبل عشر سنوات آالف ليرة ،فلو قدرنا بالقيمة يكون الرد يساوي مائة ألف ليرة ،وهذا عين
الربا .
الجواب عن ذلك أن ذلك ليس زيادة وال ربا لما يأتي :
أوال :أن الربا هو الزيادة دون مقابل ،والزيادة الموجودة هنا ليست في الواقع إال زيادة من حيث
الشكل والعدد وهذا ليس له أثر ،فالزيادة التي وقعت عند التقويم هي ليست زيادة ،وانما المبلغ
المذكور أخي ار هو قيمة المبلغ السابق ،وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة
.
ثانيا :أن الربا هو الزيادة المشروطة ،وهنا لم يشترط الدائن مثال أية زيادة ،وانما اشترط قيمة ماله
الذي دفع ،ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه – مثال – وأصبحت قوته
الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض .
ثالثا :أنه يمكن أن نشترط مثال أن يكون الرد بغير العملة التي تم بها العقد في حالة الزيادة ،فمثال
لو كان محل العقد ليرة لبنانية فليكن الرد عند الزيادة أو النقص بالريال ،أو بالدوالر ،أو بالجنية ،
وهكذا ...
فاستيفاء الدراهم بدال من الدنانير ،وبالعكس أمر معترف به عند الجمهور .
ثم إن هذه المسألة ليست بدعا في األمر ،وال هي من المسائل التي ال نجد فيها نصا لفقهائنا
السابقين في أشباهها ،بل نجد لها مثيالت كثيرة في فقهنا اإلسالمي نذكر بعضها هنا :
__________
()9857/2
--------------
يقول اإلمام الرافعي :فإذا أتلف حليا وزنه عشرة ،وقيمته عشرون فقد نقل أصحابنا وجهين فيما
يلزمه .
أولها :أنه يضمن العين بوزنها من جنسها ،والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد
البلد ،أو لم يكن ،ألننا لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا.
وأصحهما عندهم :أنه يضمن الجميع بنقد البلد ،وان كان من جنسه (. )1
ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات – كما سبق ،ونجد كذلك في
باب العقود عند مالك حيث أجاز أن يعطي اإلنسان مثقاال وزيادة في مقابل دينار مضروب ،وكذلك
أجاز بدل الدينار الناقص بالوازن ،أو بالدينارين ،وروي مثل ذلك عن معاوية – رضي هللا عنه –
يقول ابن رشد ( :وأجمع الجمهور على أن مسكوكه ،وتبره ومصوغه سواء في منع بيع بعضه
ببعض متفاضال لعموم األحاديث المتقدمة في ذلك إال معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر ،
والمصوغ ،إلمكان زيادة الصياغة ،واال ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب
بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه ،أو دراهمه ،فقال :إذا كان ذلك
لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن ال يكون به بأس ،وبه قال ابن القاسم من أصحابه ) ...
( . )2
والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل ال تعتبر ربا ،ألن الربا هو :الفضل المستحق
ألحد العاقدين في المعاوضة الخالي من عوض شرط فيه (. )3
رابعا :كل هذا إذا قلنا بمثلية النقود الورقية ،أما إذا قلنا :إنها قيمية فال شك أن الرد يكون فيها
بالقيمة – كما سبق – وحينئذ ال يالحظ العدد ،بل القيمة ،ولذلك لم يجوز الفقهاء بيع درهم
بدرهمين ،ولكنهم أجازوا بيع حيوان بحيوانين وأكثر ،ألن الحيوان مما يختلف حسب أوصافه قيمة
،فقد روى البخاري في صحيحه تعليقا – بصيغة الجزم – أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبقرة
مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة ،وقال ابن عباس :قد يكون البعير خي ار من بعيرين ،واشترى
رافع بن خديج بعي ار ببعيرين ،فأعطاه أحدهما ،وقال :آتيك باآلخر غدا رهوا إن شاء هللا وقال ابن
المسيب :ال ربا في الحيوان :البعير بالبعيرين ،والشاة بالشاتين إلى أجل ،وقال ابن سيرين :ال
بأس ببعيرين ( )4وروى مالك روايات كثيرة في هذا الباب منها أن علي بن أبي طالب باع جمال له
يدعى عصيفي ار بعشرين بعي ار إلى أجل ( وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة أبقرة ) ( )5وكذلك
قال :أمر النبي صلى هللا عليه وسلم عبد هللا بن عمر أن يجهز جيشاً ،فقال ،ليس عندنا ظهر ،
ظهر إلى خروج المصدق )) وروي نحو عن زيادة
ا
فقال له النبي صلى هللا عليه وسلم (( :ابتع لي
بن أبي مريم ( )6قال ابن بطال :وهذا مذهب جمهور الفقهاء (. )7
وروي ذلك عن مجاهد وحماد وغيرهما ( )8ونحن ال نقصد بهذه النصوص أن يجوز بيع ريال قطري
بريالين ،فهذا ال يجوز ،وانما لمجرد بيان رعاية القيمة ،والسبب في عدم جواز ريال قطري بريالين
،وجواز بعير ببعيرين هو أن الريال ال يختلف جودة ورداءة في آن واحد ولذلك ففي حالة البيع
النقدي وجدت زيادة بدون مقابل ،أما البعير فهو مما يختلف جودة ورداءة ولذلك يتالشى الفرق مع
رعاية هذه االعتبارات ،ولذلك نحن نؤكد على أن النقود الورقية إن كان لها شبه بكثير من األمور
السابقة ،لكن لها ميزة خاصة وتكييف خاص ،وهو رعاية واقعها وقيمتها الحقيقة ،ولذلك عند
فقدها ال يظهر فرق ،ولكن عندما يوجد فرق شاسع فالبد من رعايته وهللا أعلم ..
__________
( )1فتح العزيز . 280 – 279/11 :
( )2بداية المجتهد . 196/2 :
( )3فتح القدير . 8/7 :
( )4صحيح البخاري – مع الفتح – كتاب البيوع ،باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة 419/4 :
.
( )5الموطأ ،كتاب البيوع :ص. 404
( )6المصنف لعبد الرزاق . 23 -22/8 :
( )7فتح الباري ، 419/4 :وراجع :فتح القدير . 11/7 :
( )8مصنف ابن أبي شيبة 120/7 :ح ومصنف عبد الرزاق . 37/8 :
()9858/2
-------------االعتراض الثاني :
أن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد وبالتالي تترتب عليه مشاكل ال عد لها وال
حصر .
الجواب عن ذلك :أننا ال نسلم أن ذلك يؤدي إلى تحطيم النقود ،وانما يؤدي إلى أن يكون دورها
محصو ار بحيث ال تؤدي جميع وظائفها األربع المعروفة ،وهذا ال يضر ،حيث اعترف كثير من
االقتصاديين أن نقودنا ال تؤدي هذه الوظائف جميعا ،أو ال تؤديها على شكل مقبول ،كما أنهم
اآلن وسعوا مفهوم النقد ليشمل أنواعا كثيرة ال يؤدي بعضها إال وظيفة واحدة – كما سبق – مع أن
ذلك ال يتعارض مع نقديتها ،وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بأن الفلوس ثمن ومع ذلك لم يثبتوا لها
جميع األحكام الخاصة بالذهب ،أو الفضة .
ومن جانب آخر أن ذلك إنما يحصل إذا لم توضع معايير دقيقة ،لكننا ما دمنا نعترف بالنقود
الورقية بأنها نقود وان كانت ال تؤدي جميع الوظائف وتربط إما بمعيار الذهب أو معيار السلعة فإنه
في الحقيقة ال تحدث أية مشكلة تذكر ،بل هي تحقق العدالة ،باإلضافة إلى أننا ال نلجأ إلى عملية
التقويم دائما ،فال نلجأ إليه في جميع العقود التي يتم فيها قبض الثمن مباشرة ،وكذلك ال نلجأ إلى
التقويم في العقود التي يكون الثمن فيها مؤجال إال في حالة الغبن الفاحش ،كما سبق .
__________
()9859/2
االعتراض الثالث :
--------------
لماذا ال نعتد بالرخص والغالء في الذهب والفضة ،والحنطة والشعير ونحوهما في الوقت الذي نعتد
بهما في النقود الورقية ؟
الجواب عن ذلك :أن القضية تتعلق بالمثلي والقيمي ،حيث ال ينظر في المثلي إلى القيمة ،وأما
القيمي فيالحظ فيه القيمة – كما سبق – .
ونحن قلنا :إن النقود الورقية ال يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع األحكام ،وال إلغاء
نقديتها ،وانما الحل الوسط هو ما ذكرناه .
ومن هنا فهي إما قيمية أو مثلية ولكنها عند وجود الفرق الشاسع يالحظ فيها القيمة كالماء الذي
أخذه اإلنسان في الصحراء فال يرجع له الماء ،وانما تجب عليه قيمته في ذلك المكان .
وفي الختام هذا ما اطمأنت إليه نفسي ،وأدى إليه اجتهادي المتواضع فإن كنت قد أصبت فمن هللا
،واال فعذري أنني بذلت ما في وسعي ،ولم أرد به إال وجه هللا تعالى .
ومع ذلك فما أقوله عرض لوجهة نظري ،أرجة أن تنال من الباحثين الكرام النقد والتحليل للوصول
إلى حل جذري أمام هذه المشكلة ،وأن يتفضلوا بمالحظاتهم السديدة .
وكلمة أخيرة أكررها أنه ليس هناك من محيص للخروج من هذه األزمات الحادة إال بالرجوع إلى
النقدين الذاتيين ،أو على األقل ربط نقودنا الورقية بالغطاء الذهبي ،وهذا ما يدعو إليه كثير من
االقتصاديين ،بل بعض المؤتمرات – كما سبق – ،فال شك أن ربك النقد الورقي بالذهب إنما هو
إعادة إلى أصله الذي تأصل عليه فإلى أن نعود إلى هذا النظام فالبد أن يالحظ القيمة في نقودنا
عندما تقتضيه الحاجة حتى نحقق العدالة " دون وكس وال شطط ".
وهللا الموفق وهو من وراء القصد ،والهادي إلى سواء السبيل .
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
© Copyright 2026 Paperzz