المنهج اإلسالمي في اإلنتاج
دكتور /محمد عبد الحليم عمر
(*)
مقدمـــة
َّللا عز وجل اإلنسان ليحيا ،وأمده بوسائل الحياة العديدة ممثلة في األرض بما
لقد خلق ه
ض َج ِميعًا}
فيها من نبات وحيوان ومعادن { ُه َو الَّذِي َخلَ َ
ق لَ ُك ْم َما فِي األَرْ ِ
( )1
ليستمد
َّللا القوت والمسكن والملبس مصلحا بحيث
منها احتياجاته من قوت وسكن وملبس "ولم يخلق ه
يستغنى عن صنعة اإلنسان فيه"
( )2
لذلك حدثت الحاجة إلى قيام اإلنسان بنشاط اإلنتاج لتهيئة
َّللا له إلشباع حاجياته ،واذا كانت كل األفكار االقتصادية قديمة
واعداد الطيبات التى خلقها ه
وحديثة تت فق مع اإلسالم في أهمية اإلنتاج فإن االختالف بينهما يتحدد في أهدافه وضوابطه
وأسلوبه ،فاإلسالم بصفته ديناً ونظاماً حضارياً له رؤيته المستقلة والمتميزة لتنظيم السلوك
اإلنتاجي وظهر ذلك جلياً وفي سبق واضح في اآلتي:
-
النصوص الدينية -قرآنا وسنة -التي تناولت تنظيم اإلنتاج واالرتقاء به إلى درجة العبادة.
-
اتباع المسلمين االوائل لما جاء في هذه النصوص أثمر نجاحا اقتصاديا باه ار ساند
الحضارة اإلسالمية ،ذلك أن األمة العربية( )3في زمن الرسول
انطلقت من نقطة الصفر
من حيث االمكانيات حيث لم يكن لديها شئ لالضطالع بمهماتها الجسيمة في مجال
الدعوة والدولة ،ولكن الواقع أثبت وباالمكانيات البسيطة التى بيديها أنها قادرة على تنفيذ
خططها في كافة المجاالت.
واذا كان المسلمون األوائل قد نجحوا وباالمكانيات البسيطة في بناء حضارتهم بكل جوانبها
دينية وسياسية واقتصادية وأجتماعية والتى ارتفعت بهم عاليا وأفادت البشرية جمعاء ،فإن ذلك
كان بسبب تمسكهم بالدين وهديه ،وحينما أعرض مسلمو اليوم عن هذا الهدى واعتمدوا في بناء
حياتهم على األفكار المستوردة البعيدة عن هدى الدين تخلفوا حضاريا واقتصاديا" .لذلك فإن
َّللا حتى ينتفي التناقض الواقعين
المخرج الوحيد لهم من ربقة هذا التخلف هو العودة إلى هدى ه
فيه بين ما يؤمنون به وهو الدين اإلسالمي وبين ما يحكم سلوكهم وهى األفكار غير اإلسالمية.
(*) أستاذ احملاسبة مدير مركز صاحل كامل لالقتصاد اإلسالمي جبامعة األزهر
( )1سورة البقرة -اآلية . 29
( )2اإلمام الغزايل "إحياء علوم الدين" نشر مصطفى احلليب مبصر 1939 -ج 3ص . 220
( )3مالك بن نىب -املسلم يف عامل االقتصاد -دار الشروق 1978 -ص .72
-1-
ومن واجبات المفكرين المسلمين أن يبرزوا األفكار اإلسالمية في جميع المجاالت
ويضعوها سهلة أمام المنفذين حتى يمكن األخذ بها وبذلك يتفق الفكر مع التطبيق.
وفي هذا البحث احاول أن أقدم صورة أجمالية لألفكار اإلسالمية التى تحكم السلوك
اإلنتاجي ،أهدافه وضوابطه وأساليبه بشكل يبرز موقف اإلسالم من هذه الوظيفة االقتصادية
الهامة التى هى وسيلة التنمية المنشودة وأساس لها في الوظائف االقتصادية الرئيسية من
استثمار وتوزيع واستهالك.
وسوف تنتظم خطة البحث في الموضوعات التالية:
المبحث األول :الواقع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة.
المبحث الثاني :مفهوم اإلنتاج وأهميته وأهدافه من منظور إسالمي.
المبحث الثالث :ضوابط اإلنتاج في اإلسالم.
المبحث الرابع :تنمية عناصر اإلنتاج في اإلسالم.
-2-
المبحث األول
الواقع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة
مقدمـــة:
من المعروف أن أهمية البحث تنبع من أهمية المشكلة التى يتناولها بالدراسة ،وأن اى
مشكلة لها أسباب وتنتج عنها آثار ضارة ،وبالتعرف على األسباب يمكن االقت ارح بعالج المشكلة
وتالفى آثارها ،والواقع يؤكد أن الدول اإلسالمية تعانى من مشكالت عديدة في اإلنتاج ،لذلك
فإننا في هذا المبحث سوف نحاول التعرف على هذه المشكالت -آثارها وأسبابها -وفي
المباحث التالية سوف نحاول اقتراح العالج لها ممثالً في المنهج اإلسالمي.
أما ا آلثار فيمكن التعرف عليها من التخلف اإلنتاجي لهذه الدول هذا التخلف الذي يمكن
االستدالل عليه ببيان الوضع اإلنتاجي باألرقام واالحصائيات وذلك في الفقرة األولي من هذا
المبحث ،ثم نتعرف على األسباب التى أدت إلى هذا الوضع في الفقرة الثانية:
أوال :الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة:
أن الواقع يؤكد أن دول العالم اإلسالمي المعاصرة تقع في مؤخرة دول العالم اقتصاديا،
وتتسم اقتصادياتها بالتخلف وتعتمد في إشباع حاجيات أفرادها ليس على الناتج المحلي وانما
على ناتج الدول األخرى ،ويمكن التدليل على صدق هذه المقولة باألرقام واالحصائيات وفقا
للمعايير المتعارف عليها لقياس مدى تقدم أو تخلف الدول كما يتضح من اآلتي:
أ -من حيث موقع دول العالم اإلسالمي في التصنيف االقتصادي لدول العالم:
جرى العرف االقتصادي على تصنيف دول العالم من حيث مؤشرات التقدم بحسب نصيب
الفرد من الناتج القومى اإلجمالي ،إلى المجموعات التالية(:)
المجموعة األولي :منخفضة الدخل وهى ستون دولة (نصيب الفرد فيها من الناتج يتراوح
بين 995 ،765دوالر في السنة) منها 26دولة إسالمية هى( :موزمبيق -تشاد -سيراليون-
بنجالديش -أوغندا -غينيا بساو -مالي -اليمن -بنين -زامبيا -باكستان -موريتانيا-
أذريبجان -غينيا -السنغال -الكاميرون -البانيا -أفغانستان -البوسنة والهرسك -الصومال-
السودان -المالديف -جزر القمر -طاجكستان -النيجر -بوركينا فاسو).
( )1تقرير البنك الدويل عن التنمية يف العامل - 1997ترمجة ونشر مؤسسة األهرام ،التقرير السنوى للبنك
اإلسالمي للتنمية 1418هـ . 1998/1997 -
-3-
المجموعة الثانية :متوسطة الدخل وهى 89دولة منها 2دولة إسالمية هى (مصر-
تركمستان -سورينام -ليبيا -أندونيسيا -المغرب -سوريا -كازخستان -االردن -الجزائر-
تونس -جيبوتي -لبنان -تركيا ،وهذه دول ذات الدخل المتوسط األدنى حيث يتراوح نصيب الفرد
ما بين 3035 ، 766دوالر في السنة) ثم (الجابون -ماليزيا -العراق -فلسطين -إيران-
عمان -السعودية ،وهى الدول ذات الدخل المتوسط األعلى) ويتراوح نصيب الفرد فيها ما بين
9385 ،3036دوالر في السنة فأكثر).
المجموعة الثالثة :وهى الدول ذات الدخل المرتفع وهى 5دولة منها 5دول إسالمية
هى( :الكويت -اإلمارات -البحرين -بروناى -قطر) ويتراوح نصيب الفرد فيها 9386دوالر في
السنة فأكثر.
ومن ذلك يتضح أن غالبية الدول اإلسالمية تقع في عداد الدول المتخلفة ،فعدد الدول
اإلسالمية 52دولة منها دول تعتبر فقيرة متخلفة وهى 40دولة و 2دولة تعتبر غنية في
الدخل منها 5دول ذات دخل مرتفع 7 ،دول ذات دخل متوسط في حده األعلى وهذا االرتفاع
بسبب عائدات البترول فقط.
ب -من حيث مقاييس اإلنتاجية:
أن وضع الدول اإلسالمية ضمن مجموعة الدول المتخلفة اقتصاديا كما سبق ذكره يأتي
بالدرجة االولي نتيجة للتخلف اإلنتاجي لها ،هذا التخلف الذي يمكن التعرف عليه أيضا من
بعض المعايير المتعارف عليها لقياس التخلف اإلنتاجي وهى:
-ضعف الهيكل اإلنتاجي:
ويستدل عليه بالتوزيع النسبي لألنشطة اإلنتاجية بين القطاعات االقتصادية المختلفة
(زراعة -صناعة -خدمات) حيث جرى العرف االقتصادي الحاضر على اعطاء الصناعة
خاصة التحويلية منها األهمية النسبية الكبرى في النشاط تليها الخدمات ثم الزراعة ،وكلما أختلت
هذه األهمية النسبية كلما أتسم االقتصاد بالتخلف وبالنظر في االحصاءات التى توضح ذلك
يتبين أن غالبية الدول اإلسالمية تعاني من خلل في هياكلها اإلنتاجية يتمثل هذا الخلل في تدني
نسبة الصناعة إلى باقي األنشطة وتزايد نسبة الخدمات غير اإلنتاجية وكذا الزراعة .ففي
مجموعة الدول الصناعية المتقدمة تتراوح نسبة مساهمة الصناعة (التحويلية) بين %29إلى
%43من الناتج المحلي اإلجمالي(.)
( )1تقرير البنك الدويل للتنمية عام 1997مرجع سابق.
-4-
أما بالنسبة للدول اإلسالمية فإن الوضع فيها بالنسبة لهيكل الناتج يتحدد فيما يلي(:)
24 -دولة منها يمثل النشاط الخدمي فيها ما بين %65 ، %34من الناتج المحلي األجمالي
ويمثل أكبر القطاعات اإلنتاجية فيها.
8 -2دولة منها يعد النشاط الزراعي فيها أهم قطاعات اإلنتاج حيث يمثل ما بين ، %23
%56من الناتج المحلي األجمالي.
0 -3دول منها يعد نشاط الصناعة فيها أكبر قطاع ولكن يالحظ أن فيها حوالي 8دول
الصناعة األساسية فيها استخراج البترول بينما لم تمثل الصناعة التحويلية على مستوى
جميع دول العالم اإلسالمي سوى نسبة تتراوح بين صفر. %23 ،
وبذلك يتضح أن جميع الدول اإلسالمية تقل فيها نسبة اإلنتاج الصناعي إلى الناتج
المحلي عما يسود في الدول الصناعية المتقدمة رأسمالية واشتراكية.
-2انخفاض مستوى الناتج المحلي:
يمكن التعرف على ذلك بمقارنة الناتج المحلي األجمالي في عدد 35دولة إسالمية التى
تتوافر عنها بيانات عام 997حيث بلغ الناتج 88مليار دوالر.
وهو يمثل %74من ناتج دولة واحدة فقط من الدول المتقدمة وهى انجلت ار ( 05مليار
دوالر) ويصل مجموعه إلى %0من الناتج في الواليات المتحدة االمريكية ( 6952مليار
دوالر) ويبلغ %6من ناتج اليابان ( 508مليار دوالر) ،هذا في نفس الوقت الذي تتزايد فيه
عوامل اإلنتاج في الدول اإلسالمية من موارد بشرية ومساحات أراضي ،حيث يبلغ سكان الدول
اإلسالمية حوالي .250مليار نسمة وهو يمثل أكثر من عشرة أمثال سكان اليابان وقرابة 2
مثل سكان انجلت ار وحوالي ثالثة أمثال سكان الواليات المتحدة ،كما أن المساحة التى يشغلونها
تمثل ثالثة أضعاف مساحة الواليات المتحدة ومرة وخمس من مساحة االتحاد السوفيتي.
ويظهر أثر هذا االنخفاض في نصيب الفرد من الناتج المحلي حسبما بيناه في فقرة سابقة.
جـ -بالنسبة لمعيار االعتماد على الدول األخرى (الصادرات والواردات):
من المالحظ أن غالبية الدول اإلسالمية تعتمد على الدول األخرى في إشباع حاجيات
أفرادها من المنتجات ،واالعتماد على الغير في حد ذاته أمر ال غبار عليه فإن الدولة مثل
اإلنسان ال تكتفي بنفسها ،ولكن مكمن الخطورة هنا في تزايد االعتماد على الغير ممثال في تزايد
الواردات عن الصادرات وبما ينتج عنه من مديونية وعج از في الميزان التجاري ،وبالنظر في
( )1املرجع السابق.
-5-
االحصاءات العالمية
( )
توجد أربع عشرة دولة إسالمية فقط من بين 52دولة ،تزيد فيها
الصادرات عن الواردات مع مالحظة أن الصادرات في أغلبها تتمثل بالدرجة األولي في البترول
وبعض المواد األولية ،أما في باقي الدول اإلسالمية وعددها حوالي 38دولة فإن نسبة الواردات
فيها إلى الصادرات تتراوح بين %79و . %700
هذا مع مراعاة أن نسبة الصادرات من المواد األولية تتراوح بين %37و %00من
أجمالي الصادرات ،ونسبة الصادرات من السلع المصنعة تتراوح بين صفر %63 ، %فهى
لثالثة دول فقط فوق ال %50ولتسع دول من %20إلى %50ولثالث دول من %5إلى
، %20ولخمس عشر دولة من صفر %إلى . %5وعلى الجانب اآلخر فإن الواردات من
السلع األولية ال تزيد عن %50في دولة واحدة وباقي الدول بين %5و . %45
وبالنسبة للواردات من السلع المصنعة فإن ذلك يظهر مدى اعتماد العالم اإلسالمي على
الغير في اشباع حاجات أفراده من هذه السلع إذ تتراوح النسبة بين %50و %85من جملة
الواردات لجميع الدول ،ولو أن هذا االعتماد كان على دول من نفس المجموعة اإلسالمية لهان
األمر ولكن يالحظ بصفة عامة أن اتجاه الدول اإلسالمية للتجارة مع بعضها متدني إلى حد
كبير حيث ال تزيد صادرات الدول اإلسالمية إلى بعضها البعض من %9.5عام 996بينما
التجارة البينية بين الدول اإلسالمية وغيرها من دول العالم تمثل حوالي . %9.5
ونتيجة العتماد الدول اإلسالمية على الدول األخرى فإن حجم الديون فيها يزيد بمعدل
كبير بالنسبة لغالبيتها فباستثناء دول البترول نجد أن أجمالي ديون الدول اإلسالمية حوالي
589.8مليار دوالر أمريكي في عام 998وهى تعادل نسبة %40من أجمالي الناتج المحلي
لهذه الدول ويلحق بها خدمة الدين (الفوائد واألقساط المستحقة) باعتبارها مقياسا لعبث المديونين
حيث وصلت إلى نسبة %26.6من حجم الناتج المحلي اإلجمالي وفي بعض الدول تتراوح
النسبة بين %34.5و %20.9وتبلغ الفوائد الربوية التى تدفع على هذه الديون حوالى %33
من صادراتها.
كما أن لزيادة االعتماد على الدول الخارجية أث ار آخر في العجز المزمن في الميزان
التجاري ألغلب الدول اإلسالمية.
د -تخلف الفن اإلنتاجي:
( )1تقرير البنك اإلسالمي للتنمية عام 1418هـ مرجع سابق.
-6-
لقد بات من المؤكد ضرورة اعتماد اإلنتاج على التكنولوجيا التى تعمل على تحسين وتطور
اإلنتاج في أفضل صورة ،والتكنولوجيا ببساطة هى استخدام نتائج البحث العلمي في العملية
اإلنتاجية وهذا يتطلب وجود مؤسسات بحثية وجهات قادرة على استخدام نتائج هذه األبحاث
وتطويرها ،ويتسم اإلنتاج في الدول المتخلفة عموما والدول اإلسالمية تشكل حي اًز كبي اًر منها،
بتخلف الفن اإلنتاجي فيها لعدم امكانية استخدام تكنولوجيا حديثة في عمليات اإلنتاج وهذا ناتج
من عدم االهتمام بالبحث العلمي حيث تشير االحصاءات إلى أن %90من المجتمع العلمي في
الدول المتقدمة %0 ،في الدول المتخلفة ،كما تشير االحصاءات إلى أن نسبة %36من
الطالب في الجامعات العربية يدرسون في مجال العلوم المتصلة بالتكنولوجيا %64 ،يدرسون
في مجاالت العلوم اإلنسانية ،وفي مجال االنفاق على البحوث العلمية والتنمية التجريبية في
الدول العربية تتراوح النسبة بين %0.5 ، %0.من الناتج المحلي اإلجمالي ويصل نصيب
الفرد من االنفاق على هذه البحوث في البالد العربية من دوالر واحد إلى دوالرين ،بينما يصل
في الدول المتقدمة من 50إلى 00دوالر وفي أمريكا إلى 40دوالر(.)
وهكذا نصل في النهاية إلى أن الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية متخلف بصورة كبيرة
وأن آثار هذه المشكلة تظهر في المعايير التى ذكرناها من انخفاض في الناتج وضعف الهيكل
اإلنتاجي.
وهنا يثور تساؤل :ما هى األسباب التى أدت إلى هذا الوضع؟ وهذا ما سنحاول بيانه في الفقرة
التالية.
ثانيا :أسباب الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية:
أن عملية اإلنتاج هى محصلة لتفاعل القوى البشرية في التعامل مع الموارد من خالل
الجهد اإلنساني الفعال الذي تحكمه مجموعة من القيم لتضبط حركته وتنظمها ،وبالتالي فإنه يلزم
لممارسة العملية اإلنتاجية أربعة عناصر هى:
َّللا عز وجل لإلنسان على وجه األرض.
-الموارد :وتمثل ما خلقه ه
َّللا لإلنسان.
-2القدرة البشرية :وتتمثل في االمكانات العقلية والبدنية التى أودعها ه
-3الجهد البشري :ويتمثل في تعامل القدرة البشرية مع الموارد.
-4القيم :وتتمثل في مجموعة الضوابط التى تنظم القدرة البشرية في تعاملها مع الموارد.
( )1العلم والتكنولوجيا يف تنمية الدول العربية -دراسات وواثئق -اليونسكو العدد . 41
-7-
والعناصر الثالثة األخيرة يجمعها عنصر العمل والذي يعتبر العنصر األهم في العملية
اإلنتاجية ويدل على ذلك نموذجين ماثلين أمام البشرية جمعا من التاريخ القديم والحديث ،أما
النموذج من التاريخ القديم فهو ما سبق ذكره في حال العرب في بدء ظهور اإلسالم حيث بدأوا
من نقطة الصفر من حيث االمكانيات وبنوا حضارة مازالت آثارها الدينية والفكرية واالقتصادية
والسياسية ملء السمع والبصر ،أما النموذج من التاريخ الحديث
( )
فيتمثل في دولة مثل ألمانيا
حيث استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية وخروجها منها محطمة أن تعيد بناءها من نقطة
الصفر أى بال امكان يعد بالنسبة لما انجز فعال وأصبحت في تعداد الدول المتقدمة وسبب ذلك
يعود بالدرجة األولي إلى اإلرادة الحضارية التى وجهت اإلنسان فيها إلى أن ينجز شيئاً كبي اًر من
ال إمكانيات ،واذا نظرنا إلى الدول اإلسالمية المعاصرة ومدى توافر هذه العناصر فيها فسوف
نجد اآلتي:
َّللا سبحانه وتعالى البشرية جمعاء بأسباب الحياة وخص العالم
بالنسبة للموارد فلقد أمد هاإلسالمي منها بجزء كبير ممثال في المساحات الشاسعة من األراضي بما عليها من نبات
وحيوان وبما فيها من معادن وثروات.
بالنسبة للقدرة البشرية فاهلل عز وجل يخاطبنا كمسلمين في كتابه العزيز بأنه سخر لنا ماالسمو ِ
ِ
ات َو َما ِفي
في السموات واألرض حيث يقول عز وجل ﴿أََل ْم َتَر ْوا أ َّ
َّللا َس َّخَر َل ُك ْم َما في َّ َ َ
َن َّ َ
اهرًة وب ِ
ض وأَسب َغ عَلي ُكم ِنعمه َ ِ
اطَن ًة﴾( )2ويقول سبحانه وتعالى ﴿ َو َس َّخَر َل ُك ْم َما ِفي
األَْر ِ َ ْ َ َ ْ ْ َ َ ُ
ظ َ ََ
َّ ِ
ض ج ِم ِ
ِ
ِ ِ
ات لَِق ْو ٍم َي َت َف َّكُرو َن﴾( )3ومعنى التسخير في
آلي ٍ
يعا مْن ُه ِإ َّن في َذل َك َ
الس َم َوات َو َما في األَْر ِ َ ً
هذه اآليات هو تذليلها بمعنى جعلها في متناول قدرة اإلنسان ونطاق يده وعقله.
َّللا لإلنسان فإن النصوص
-بالنسبة لبذل الجهد البشري لألفادة من الموارد التى سخرها ه
الدينية كثيرة في أمر المسلم وحثه على العمل المنتج (وسيأتى ذكره بعد).
-بالنسبة للقيم التى تضبط حركة الجهد البشري في تعامله مع الموارد باإلنتاج فإن
اإلسالم شرع منها الكثير بل أن القيم األخالقية تعتبر الشعبة الثالثة من شعب اإلسالم بعد
العقيدة والشريعة (وسيأتى ذكره بعد).
( )1مالك بن نىب -مرجع سابق ص . 73
( )2سورة لقمان اآلية . 20
( )3سورة اجلاثية اآلية . 13 -
-8-
ومن هذا العرض يتضح أن المسلمين يملكون عناصر اإلنتاج من ربهم ودينهم سواء
الموارد والقدرة أو األمر بالعمل وبذل الجهد أو القيم الضابطة للعمل ،إذا فلماذا وصل بهم الحال
في الوقت الحاضر إلى هذا التخلف اإلنتاجي؟!
َّللا عز وجل في احاطته بكل شئ ،وكشأن القرآن الكريم في عدم التفريط في أى
كشأن ه
َّللا سبحانه وتعالى وفي قرآنه الكريم يعطينا اإلجابة على هذا التساؤل ويحدد أسباب
شئ فإن ه
ذلك التخلف في كلمة واحدة وهى "االعراض" حيث يقول عز من قائل آلدم وذريته من بعده
ِ َّ ِ ِ
ِ
اه ِب َ ِ
ِ
ِ
اي َفال َي ِض ُّل
يعا َب ْع ُض ُك ْم لَِب ْع ٍ
ال ْ
طا مْن َها َجم ً
﴿ َق َ
ض َعُد ٌّو َفإ َّما َيأْتَين ُك ْم مني ُهًدى َف َمن َّاتَب َع ُه َد َ
يش ًة َضْنكا وَنح ُشره يوم اْل ِقي ِ
َع َمى﴾(.)
ض َع ْن ِذ ْكرِي َفِإ َّن َل ُه َم ِع َ
َعَر َ
امة أ ْ
َوال َي ْشَقىَ و َم ْن أ ْ
ً َ ْ ُُ َْ َ َ َ
ى
ات ِم َن
امُنوا َو َّاتَق ْوا َل َف َت ْحَنا َعَلْي ِه ْم َبَرَك ٍ
كما يقول في آية أخرى ﴿ َوَل ْو أ َّ
َن أ ْ
َه َل اْلُقَر َء َ
السم ِ
اء َواألَْر ِ
اه ْم ِب َما َكاُنوا َي ْك ِسُبو َن﴾(.)2
ض َوَل ِك ْن َك َّذُبوا َفأ َ
َخ ْذَن ُ
َّ َ
ِ
ِ
ِ
يها ِرْزُق َها َر َغًدا
َّللا َم َثال َقْرَي ًة َكاَن ْت َءامَن ًة ُم ْط َمئَّن ًة َيأْت َ
كما يقول سبحانه وتعالى ﴿ َو َضَر َب َّ ُ
ان َف َك َفر ْت ِبأَْنعمِ َّ ِ
َّللا لِباس اْلجوِع واْل َخو ِ
ِ
ف ِب َما َكاُنوا َي ْصَن ُعو َن﴾( )3ويالحظ
َّللا َفأَ َذا َق َها َّ ُ َ َ ُ َ ْ
ُ
م ْن ُك ِل َم َك ٍ َ
َّللا التى خلقها لهم من الموارد االقتصادية
َّللا سبحانه ضرب المثل بأهل قرية كفروا بأنعم ه
هنا أن ه
المختلفة ،ومعنى الكفر هو االنكار والجحود وعدم االعتراف بهذه الموارد والتعامل معها
َّللا بوفرة ولكنها لم
باالستثمار ،وهذا هو حال األمة اإلسالمية اليوم فهى لديها الموارد التى خلقها ه
تتعامل معها ولذا كانت النتيجة كما قرر سبحانه "الخوف والجوع" .وتتأكد العالقة بين معصية
ِ
يح ُك ْم
ه
َّللا َوَر ُسوَل ُه َوال َتَن َاز ُعوا َف َت ْف َشُلوا َوَت ْذ َه َب ِر ُ
َّللا ورسوله وبين الفشل في قوله تعالى ﴿ َوأَط ُ
يعوا َّ َ
َو ْ ِ ِ
ين﴾(.)4
َّللا َم َع َّ
الصا ِب ِر َ
اصبُروا إ َّن َّ َ
ويتضح من هذه اآليات أن سبب التخلف الذي يعيش فيه مسلمو اليوم وأثر هذا التخلف
في المعيشة الضنك
( )5
َّللا ومنهجه،
والخوف والجوع والتخلف والفشل ،هو االعراض عن هدى ه
َّللا والمنهج اإلسالمي في جميع شئونهم،
وبالتالي فالمخرج الوحيد لهم من ذلك هو اتباع هدى ه
وفي المباحث التالية نبين معالم هذا المنهج في مجال اإلنتاج.
( )1سورة طه اآلايت . 124- 123
( )2سورة األعراف :اآلية . 96
( )3سورة النحل :اآلية .112
( )4سورة األنفال -اآلية . 46
( )5املعيشة ا لضنك قد تكون مع زايدة املوارد أيضا ولكن تنزع الربكة وتقل االستفادة منها كنتيجة لالعراض
عن ذكر ه
اَّلل.
-9-
المبحث الثاني
مفهوم اإلنتاج وضرورته وأهدافه
من منظور إسالمي
مقدمــــة:
لقد حددنا في المبحث السابق واقع العالم اإلسالمي اليوم واتضح أنه واقع متخلف إنتاجا ثم
َّللا وهديه ،وبذلك نكون وصلنا في
بينا السبب الرئيسي لهذا الواقع وهو االعراض عن منهج ه
البحث إلى منتصف الطريق وهو تشخيص الداء ونبدأ من هذا المبحث في تحديد العالج وذلك
بمدخل عام لبيان مفهوم اإلنتاج وأهميته وأهدافه والمسئولية عنه من منظور إسالمي وذلك في
النقاط التالية:
أوال :مفهوم اإلنتاج:
يعرف االقتصاديون المعاصرون اإلنتاج بمفهوم شامل بأنه "خلق المنفعة أو زيادتها"
والتعريف بهذه الصياغة غير مقبول إسالميا وال يتفق مع حقيقة العملية اإلنتاجية ،ذلك أن للخلق
في اللغة معنيان
( )
..أحدهما ابتداع الشئ على مثال لم يسبق إليه أو االنشاء ،وثانيهما :تقدير
األمور ،ولفظ الخلق الوارد في التعريف االقتصادي لإلنتاج ينصرف إلى إيجاد المنفعة وانشاؤها
من عدم ،وهو ال يتفق مع الفكر اإلسالمي الذي يطلق الخلق بهذا المعنى كصفة هَّلل عز وجل
{و َّ
اَّللُ َخلَقَ ُك ْم َو َما ت َ ْع َملُ َ
ون}
دون غيره ،فهو سبحانه الذي خلق اإلنسان وما يعمل َ
ج ِميعًا}(.)3
له الموارد { ُه َو الَّذِي َخلَ َ
ض َ
ق لَ ُك ْم َما فِي األَرْ ِ
( )4
ِف ٌء َو َمنَافِعُ}
{واأل َ ْنعَا َم َخلَقَ َها لَ ُك ْم فِي َها د ْ
وخلق المنافع من هذه الموارد َ
اس}(.)5
س َ
{وأ َ ْن َز ْلنَا ْال َحدِيدَ فِي ِه بَأ ْ ٌ
شدِيدٌ َو َمنَافِ ُع ِللنَّ ِ
َ
( )2
وخلق
واذا فالجهد اإلنساني في العملية اإلنتاجية ال ينصرف إلى خلق المنفعة أو زيادتها بل
َّللا في الموارد وتهيئتها بصورة تمكن من االنتفاع بها،
ينصب على اكتشاف المنافع التى خلقها ه
وعلى ذلك يمكن تعريف اإلنتاج من منظور إسالمي بأنه "بذل اإلنسان جهده في الموارد
ألكتشاف وتهيئة المنافع الموجودة بها".
( )1ابن منظور :لسان العرب -دار املعارف ج 14ص . 1244
( )2سورة الصافات -اآلية . 96
( )3سورة البقرة -اآلية . 29
( )4سورة النحل -اآلية . 5
( )5سورة احلديد -اآلية . 25
-
10
-
ثانيا :أهمية وضرورة اإلنتاج في اإلسالم:
مما الشك فيه أن اإلنتاج ضروري وهام لقيام حياة اإلنسان كما صوره اإلمام الغزالي في
َّللا عز وجل خلق الموارد لإلنسان في صورة يلزم معها صنعة اإلنسان فيها حتى تصبح
أن ه
صالحة ألشباع حاجاته ويتساوى في القول بذلك الفكر الوضعي مع الفكر اإلسالمي ،ولكن ما
يميز الفكر اإلسالمي في هذا المجال هو االرتقاء باألنتاج وأهميته إلى درجة الوجوب الشرعي،
َّللا عز وجل ،يدل على ذلك ما يلي:
بما له من الزام ومسئولية أمام ه
أ-
َّللا عباده باعمار األرض في قوله تعالى
أمر ه
َوا ْ
ست َ ْع َم َر ُك ْم فِي َها}
( )
ض
{ ُه َو أ َ ْنشَأ َ ُك ْم ِم َن األَرْ ِ
ويقول المفسرون في معنى ذلك أمركم من عمارتها بما تحتاجون
إليه وفيه داللة على وجوب عمارة األرض للزراعة والغراس واالبنية(.)2
َّللا به ألن "استعمركم فيها" أى طلب منكم
ولن يكون ذلك إال بالنشاط اإلنتاجي الذي يأمر ه
َّللا عز وجل لدى األصوليين على الوجوب.
عمارتها والطلب المطلق من ه
َّللا
ب -ومن الهدى النبوى الشريف ما ورد عن رسول ه
منها في طلب الحالل"
( )3
في قوله "العبادة عشرة أجزاء تسعة
وطلب الحالل في المجال االقتصادي يشمل كل عمل يقوم به
اإلنسان الشباع حاجياته من نشاط زراعي وصناعي وخدمي ويرتقي به اإلسالم إلى درجة
العبادة ،بل أنه يمثل %90من العبادة ألنه بالعمل المنتج يستعين اإلنسان على أداء باقي
العبادات من صالة وزكاة وصوم وحج ...والتي تمثل %0من العبادة.
بل أن الرسول
في الحث على العمل واإلنتاج ينفر من البطالة حتى ولو كان لدى
َّللا عليه وسلم "أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي الفارغ"
اإلنسان ما يكفيه فيقول صلى ه
( )4
أى
الذي ال يعمل ألن دخله يكفيه.
جـ -من المعروف أن لكل إنسان حقا في أن يشبع حاجياته لكى يعيش ولكن في مقابل هذا
الحق فإن عليه واجبا في أن يعمل لكى ينتج ما يحتاجه ،ويصور أحد المفكرين
المسلمين
( )5
الحق في هذا المجال بأنه االستهالك والواجب بأنه اإلنتاج ويخلص من سرد
قصة الرسول
مع السائل الذي أتاه يسأله يوما لقمة عيش فأشار عليه الرسول بأن
( )1سورة هود -اآلية . 61
( )2اخلصاص -أحكام القرآن -دار الكتاب العريب ج 3ص. 165
( )3عبد الوهاب الوصايب "الربكة يف فضل السعى واحلركة" مكتبة اخلاجني -القاهرة 1354هـ ص. 29
( )4أخرجه الديلمي يف مسند الفردوس.
( )5مالك بن نىب -مرجع سابق ص. 107 - 106
-
11
-
يحتطب (ينتج) ليأكل من عمل يده وبذلك قدم الواجب وهو اإلنتاج على الحق وهو
االستهالك.
ونخلص من كل هذه األدلة إلى أن اإلنتاج في اإلسالم يرتقي إلى درجة العبادة الخالصة
هَّلل وتصل أهميته إلى درجة الوجوب الشرعي ،وبما أن الواجب مسئولية فإنه يثار تساؤل هنا
حول على من تقع مسئولية اإلنتاج في اإلسالم وذلك ما سنوضحه في الفقرة التالية:
ثالثا :مسئولية اإلنتاج في اإلسالم:
أن العمل في نظام اإلنتاج البد أن يمارس على أنه مسئولية ذلك ذلك أنه إذا عدمت
المسئولية فسد النظام ،والقيام بأية مسئولية البد أن يسبقها اقرار سلطة للمسئول بمعنى قدرته
على تحمل المسئولية ،ذلك أن المسئولية بدون سلطة تحميل فوق الطاقة وعجز عن أداء
المسئولية ،وقد سبق القول أن عملية اإلنتاج تتطلب مجموعة من العناصر هى الموارد والقدرة
وبذل الجهد والقيم ،والموارد والقدرة في هذا المجال تمثالن السلطة وبذل الجهد وااللتزام بالقيم
يمثالن المسئولية ،إذا فمن يملك القدرة والموارد يكون هو المسئول عن اإلنتاج ،ولو نظرنا في
النظم االقتصادية المعاصرة وطبقا لفلسفتها األساسية نجد في النظام الرأسمالي تتركز الموارد في
يد األفراد وبالتالي فاإلنتاج مسئوليتهم طبقا لفلسفة النظام ،وفي النظام االشتراكي تتركز الموارد
في يد الدولة وبالتالي فاإلنتاج مسئولية الدولة ،أما في النظام اإلسالمي والذي يقر الملكية
الخا صة والعامة فأننا نجد أن مسئولية اإلنتاج تقع على كل من اإلنسان الفرد والدولة وتتوزع هذه
المسئولية طبقا للتحليل التالي(:)
أ -مسئولية الدولة :أن دور الدولة في عملية اإلنتاج أمر استراتيجي وهام لما تملكه من
امكانيات كبيرة وقدرة على التأثير في النشاط االقتصادي القومي ومسئولية الدولة تتحدد هنا
اجماال في اآلتي:
-القيام بتوفير القواعد األساسية من المرافق العامة الالزمة لعملية اإلنتاج وذلك واجب
أساسي ركز عليه المفكرون المسلمون مثل ما جاء في كتاب اإلمام على بن أبى طالب إلى
عامله على مصر األشتر النخعي "وليكن نظرك في عمارة األرض أبلغ من نظرك في استجالب
( )1حبثنا أولوايت االستثمار يف اإلسالم -املؤمتر احلادي عشر لالحصاء والعلوم االجتماعية -القاهرة مارس
. 1986
-
12
-
الخراج ،ألن ذلك اليدرك إال بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البالد وأهلك العباد ولم
يستقم أمره إال قليال"(.)
-2ضرورة تدخل الدولة لمراقبة اإلنتاج وللتاكد من أنه يوجه طبقا للقيم اإلسالمية سواء
من حيث اختيار مجاالت اإلنتاج أو أتباع االساليب المشروعة والبعد عن الممارسات الحرام،
ويدل على ذلك "نظام الحسبة" الذي كان أحد اركان الدولة اإلسالمية ويقوم بوظيفة مراقبة الدولة
للنشاط االقتصادي في عمومه(.)2
-3ممارسة الدولة لبعض األنشطة االقتصادية ،وأن كان بعض المفكرين المسلمين مثل
ابن خلدون وابن األزرق وأبو جعفر الدمشقي
( )3
يرون أن اشتغال الدولة بالتجارة مضربا بالعمران
مؤذن بخراب البالد ،إال أن ذلك ال يمنع من القول أن الملكية العامة يجب أن تؤدى دورها
ومسئوليتها في العملية اإلنتاجية ،على ان ال تكون هى المنتجة الوحيدة بل يشترك معها األفراد
في تحمل هذه المسئولية ،فالنظام اإلسالمي والذي يقر الملكية الفردية والعامة يتسع لممارسة دور
كل منها في اإلنتاج(.)4
َّللا لهم سبل امتالك
ب -مسئولية األفراد عن اإلنتاج :أن مسئولية األفراد الذين يسر ه
الموارد والقدرة البشرية (المال والعمل) عن اإلنتاج مسئولية دينية لما سبق قوله من أن الواجب
على المسلمين إعمار األرض ومن أن العمل المنتج في طلب الحالل يعتبر عباده هَّلل عز وجل
َّللا هو المالك الحقيقي له ومن واجب األمين أو المستخلف
وألن المال في يد األفراد أمانة ألن ه
أن يعمل وفق إرادة المالك األصلي والمالك األصلي أمرنا باعمار األرض ،واذا كان الفالسفة
يقولون أنه
يلزم أن تقترن المسئولية بالمحاسبة على أدائها فها هو الرسول
يؤكد أن اإلنسان
َّللا من موارد وقدرة بشرية في قوله الجامع "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى
يسأل عما منحه ه
يسأل عن أربع :عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أباله؟ وعن ماله من أين أكتسبه وفيما
( )1هنج البالغة -مجع الشريف الرضي -دار الشعب بدون اتريخ ص -34ومثل هذا القول لدى كل من:
املاوردي -األحكام السلطانية -مطبعة مصطفى احلليب مبصر 1973 -ص 127أبو يوسف -اخلراج-
املطبعة السلفية 1396 -ص. 119
( )2حممد املبارك -الدولة واحلسبة عند ابن تيمية -دار الفكر . 1967
( )3رأى ابن خلدون يف مؤلفه "مقدمة ابن خلدون" دار احياء الرتاث العريب ص- ،281رأى ابن األزرق -يف
مؤلفه "بدائع السلك يف طبائع امللك" -وزارة االعالم ابلعرق -ج 1ص- 208رأى أبو جعفر
الدمشقي -االشارة إىل حماسن التجارة مكتبة الكليات األزهرية ، 977 -ص. 61
( )4د .يوسف ابراهيم -املنهج اإلسالمي يف التنمية -االحتاد الدوىل للبنوك اإلسالمية 1401هـ ص- 375
. 377
-
13
-
انفقه؟ وعن عمله ماذا عمل فيه؟
( )
أى انه يسأل عن الطاقات التى اتيحت له مادية (ماله)
وبشرية (بدنية العمر والشباب ،وذهنية العلم) .ومن الجدير بالذكر أن هذه المساءلة ال تكون في
اآلخرة فقط وانما في الدنيا أيضاً من خالل واجبات ولى األمر في إجبار من يملكون القدرة على
اإلنتاج في حالة االحتياج إليه ،ويصور ابن تيمية ذلك في قوله "والمقصود أن هذه األعمال التى
هى فرض على الكفاية متى لم يقم بها اإلنسان صارت فرض عليه السيما إن كان غيره عاج از
عنها ،فإذا كان الناس مح تاجين إلى فالحة قوم او نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا
يجبرهم ولى األمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل"
( )2
وذلك مشروط لديه بتقاعس المنتجين
وعدم كفاية المعروض من السلعة أو الخدمة سواء من اإلنتاج المحلي أو الواردات.
وهكذا نرى ان اإلسالم نظم اإلنتاج كمسئولية حدد اطرافها ودور كل منهم بصورة تمكن من
تحقيق أهداف اإلنتاج التى توضحها في النقطة التالية:
رابعا :أهداف اإلنتاج:
تحدد اهداف اإلنتاج في العرف االقتصادي في اهداف وصفية وأهداف عملية وكل منها
ينقسم إلى أهداف عامة وأهداف خاصة ،وبدون الدخول في تفاصيل هذه األهداف فإننا سنحاول
ان نوضح النظرة اإلسالمية لها كاهداف وصفية وعملية عامة فقط والتى تتحدد في اآلتي:
أهداف أولية :وتتمثل في تحقيق المنفعة واشباع الحاجيات.
َّللا عز وجل.
أهداف عليا :قيام حياة اإلنسان وعبادة ه
وليس هذا فقط ما يميز نظرة اإلسالم إلى أهداف اإلنتاج بل أنه يختلف عن األفكار
األخرى في وضع الضوابط الكفيلة بتحقيق األهداف األولية التى يقول بها.
وسوف نناقش فيما يلي مزايا النظرة اإلسالمية في أهداف اإلنتاج.
َّللا هدفا لإلنتاج فإن ذلك يظهر في اآلتي:
( أ ) من حيث اعتبار عبادة ه
-أن اإلنتاج في حد ذاته يدخل ضمن نسبة ال %90من العبادة طبقا للحديث السابق
ذكره.
-2
{و َما َخلَ ْق ُ
ون}
أن هَّللا عز وجل يقولَ :
اإل ْن َ
س ِإال ِليَ ْعبُدُ ِ
ت ْال ِج َّن َو ِ
يجب أن يكون ما يهدف إليه اإلنسان في جميع أنشطته ومنها النشاط االقتصادي
( )1الرتغيب والرتهيب -ج 2ص. 551
( )2ابن تيمية -احلسبة يف اإلسالم -دار عمر بن اخلطاب ص. 14
( )3سورة الذارايت -اآلية . 56
-
14
-
( )3
وبالتالي
َّللا عز وجل ،حيث أنه بدون اإلنتاج ال يمكن لإلنسان أن يشبع حاجياته
هو عبادة ه
ويحفظ حياته ليتمكن من أداء العبادات المقررة عليه.
-3أن اإلنتاج يمكن المسلمين من نشر الدعوة والدفاع عن المجتمع اإلسالمي من غزو
االخرين فيمكنهم من تحقيق االستقالل بكل أبعاده.
َّللا في ترشيد اإلنتاج واستخدام
ويأتي أثر اعتبار أن الهدف األسمى من اإلنتاج هو عبادة ه
الموارد حتى تتحقق العبادة ،وفي البعد عن إنتاج الخبائث وسوء استخدام الموارد ألن هذه معاص
وَّللا ال يعبد بمعصية.
ه
(ب) من حيث الضوابط التى تحكم األهداف األولية لإلنتاج نجد اآلتي:
-بالنسبة لهدف تحقيق المنفعة أو القيمة وتضبط بضابط إسالمي عام وهو أن تكون
المنفعة معتبرة شرعا وبالتالي تكون منفعة حقيقية وليست مزعومة ومن شأن هذا
الضابط أن يمنع إنتاج سلع وخدمات يزعم البعض أن بها منافع مثل الخمر ودور
المالهي.
-2بالنسبة لهدف إشباع الحاجيات اإلنسانية ،فمن المعروف أن الحاجات هى مجموعة
غرائز وميول وشهوات وانه في غيبة الضوابط المحكمة من عقل ودين وقيم فإن
الشهوات تفسد على اإلنسان حياته ألنها مبنية على الحيوانية والنهم والجشع ويرجع
أحد الكتاب األمريكيين أن هذه الشهوات هى أحد أسباب ثالثة للمأزق في
االقتصاديات المعاصرة حيث يقول" :فالشهوات البرجوازية تعزز الميل إلى التملك
وتخلق طلبا نهما على السلع والخدمات ال يمكن اشباعه بالموارد المتاحة ال في
الدول المتقدمة وال في الدول النامية"
( )
ويحدد أن العالج لذلك يكون بالحد من هذه
الشهوات بمساعدة القيم األخالقية ،ولقد احتوى اإلسالم على مجموعة من هو القيم
األخالقية الضابطة تتمثل فيما يلي:
-
ضبط الغرائز والشهوات بالقناعة والزهد والرضا.
-
ترشيد االستهالك بال اسراف أو تبذير وال تقتير.
-
تحريم االستخدام الترفي للموارد واالستهالك التفاخري.
-
تحقيق العدالة في اشباع الحاجات لجميع أفراد المجتمع بدءاً من حد الكفاية
دون السماح بحدوث فجوات كبيرة في االشباع بين أفراد المجتمع.
( )1دانييل بيل "التناقضات الثقافية للرأمسالية" نقال عن د .حممد عمر شربا "حنو نظام نقدي عادل" املعهد
العاملي للفكر اإلسالمي 1981ص. 35
-
15
-
َّللا لإلنسان
ويجمع ذلك كله آية كريمة حددت ضوابط التصرف في الموارد التى خلقها ه
والتى يجمعها لفظ المال ،وجاءت هذه الضوابط في أربعة معايير يلزم على المسلم مراعاتها في
كل تصرف اقتصادي حتى يأتى تصرفه متفقاً مع الشريعة ويؤدى المقصود منه في اسعاد
اآلخ َرةَ
{وا ْبت َ ِغ فِي َما َءاتَاكَ َّ
ار ِ
اإلنسان في حياته وأخراه ،فيقول سبحانه وتعالى َ
اَّللُ الدَّ َ
س َن َّ
سادَ فِي
اَّللُ إِلَيْكَ َوال ت َ ْب ِغ ْالفَ َ
س نَ ِصيبَكَ ِم َن الدُّ ْنيَا َوأ َ ْحس ِْن َك َما أ َ ْح َ
َوال ت َ ْن َ
ض ِإ َّن َّ
سد َ
ِين}(.)
اَّللَ ال ي ُِحبُّ ْال ُم ْف ِ
األَرْ ِ
ففي هذه اآلية أربعة معايير هى:
-مراعاة اآلخرة وذلك بأن يكون التصرف فيه طاعة هَّلل وال توجد فيه معصية له سبحانه حتى
َّللا في اآلخرة ،ومن شأن االلتزام المعيار ضبط
ينال العبد الثواب ويتجنب العقاب من ه
تصرفات اإلنسان باالتجاه نحو الخبر والبعد عن الشر وبذلك يتوفر ضابط اخالقى هام
-2
-3
تفقده البشرية كثي اًر في عالم اليوم.
س نَ ِصيبَكَ ِم َن الدُّ ْن َيا}
َ
{وال ت َ ْن َ
أى الحصول على أفضل إشباع ممكن ،وهو المعيار
الوحيد الذى وقفت عنده البشرية في ظل نظام السوق الذى يسود العالم اآلن.
س َن َّ
اَّللُ
{وأ َ ْحس ِْن َك َما أ َ ْح َ
َ
إِلَيْكَ } ،ويحدد هذا المعيار المسئولية االجتماعية نحو
المحررين والطبقات المهتمة في المجتمع والتى تحاول الرأسمالية اآلن العمل على تحقيقه
بعدما أدت إلى تفاقم مشكلة الفقر والفقراء ف يالعالم ،ولو أن الرأسمالية تعالج ذلك بآليات
ثبت فشلها كما يظهر في فشل دولة الرفاهية التى تمثل تحوالً عن األسس العامة للرأسمالية
مما جعل الفكر االقتصادي نتيجة نحو اقتصادية المنح واالقتصاد اإلنسانى واقتصاديات
المجتمع.
-4
سادَ فِي
{وال ت َ ْب ِغ ْالفَ َ
َ
ض} ،وهذا ما يعم البشرية اآلن نتيجة عدم مراعاة هذا
األَرْ ِ
المعيار فلقد تفاقمت مشكلة الفساد المادى ممثالً في تلوث البيئة ،والفساد األخالقي المتمثل
في الفساد االقتصادي الذى انتشر إلى حد واسع في جميع الدول اآلن.
وبالتالى ماكان أغنى البشرية عامة والمسلمين خاصة عن التخبط لو أنهم اتبعوا الهدى
اإلسالمي مما لم يكن يسمح بظهور المشكالت المادة التى تعانى منها اقتصاديات العالم اليوم
( )1سورة القصص :اآلية .77
-
16
-
وهى غياب البعد األخالقى وما يسببه في تبديد الموارد وضياع الحقوق ،ومشكالت الفساد
االقتصادي وتلوث البيئة والفقر والفقراء.
وفي المبحث التالى نحاول إعمال هذه المعايير بفقها ضوابط لإلنتاج.
-
17
-
المبحث الثالث
ضوابط اإلنتاج في اإلسالم
مقدمـــة:
تعتبر عملية اإلنتاج أحد جوانب السلوك االقتصادي اإلنساني ،ومن المعروف ان سلوك
اإلنسان بصفة عامة يأتي محصلة لتفاعل نوعين من القوى هما(:)
الدوافع وتمثل أساس الحركة لسلوك اإلنسان. -القيم وتمثل الضوابط على حركة الدوافع.
ولقد جاء اإلسالم بتنظيم كامل لهذه القوى بشكل يرشد السلوك اإلنساني في مجموعه ،فأقر
الدوافع النابعة من فطرة اإلنسان ،ألن اإلسالم ال يتصادم مع الفطرة ،وضبطها بالقيم بحيث ال
يسمح لها باالنطالق العشوائي كما تتمثل في الجشع االقتصادي ،كما انه ال يسمح بتحويل القيم
إلى قوى ضاغطة على الدوافع فتحسبها فهى ضوابط ترشيدية وليست تحجيرية وفي هذا المبحث
سوف نحاول أن نحدد مجموعة القيم اإلسالمية التى تضبط السلوك اإلنتاجي وذلك في النقاط
التالية:
أوال :الضوابط الدينية أو األصولية.
ثانيا :الضوابط االقتصادية.
أوال :الضوابط الدينية أو األصولية:
ونقصد بها مجموعة الضوابط المستمدة من القواعد األصولية في الدين اإلسالمي وتمثل
عوامل حاكمة لكل جوانب السلوك البشري ومنه السلوك اإلنتاجي -وهى المشروعية ،ومراعاة
َّللا ،وتحقيق المصالح ،ودفع الضرر ،والتعاون ،وفيما يلي اإلشارة لكل منها:
حق ه
أ -المشروعية:
ويعنى بها االلتزام باألحكام الشرعية والتى تدور بين الحالل والحرام من واجب ومندوب
ومباح ومكروه وحرام ،فيجب على المسلم في كل سلوكه أن يلتزم باالبتعاد عن الحرام وتجنب
المكروه وضرورة أداء الواجب والميل إلى أداء المندوب والمباح وبتطبيق ذلك على السلوك
اإلنتاجي نجد اآلتي:
( )1د .عبد ه
اَّلل عابد "النظام االقتصادي األمثل" -القاهرة 1985 - 1405ج 4ص. 5
-
18
-
-من حيث نوع اإلنتاج يجب االلتزام بإنتاج السلع والخدمات التى تساعد على حفظ حياة
اإلنسان بعناصرها الخمس "الدين والنفس والعقل والعرض والمال" وبتجنب التعامل في السلع
والخدمات المحرمة أو المكروهة مثل الخمر والخنزير وأدوات المالهي ودور الدعارة.
-2من حيث أسلوب ممارسة اإلنتاج يجب االلتزام باألحكام الشرعية الخاصة بالتمويل
واشكال المشروعات واحسان اإلنتاج واتقانه ،كما يجب تجنب الممارسات الضارة والمحرمة شرعا
مثل التمويل بالربا واالحتكار والغش في المنتجات واالسراف في استخدام الموارد واالضرار
بالطيبات الحرة "تلوث البيئة" والرشوة واالختالس وخيانة األمانة(.)
َّللا:
ب -مراعاة حق َّ
يقرر االقتصاديون أن أفعال العباد التى تتعلق بها األحكام الشرعية تنقسم إلى ما هو حق
خالص هَّلل تعالى وهى العبادات المحضة كالصالة والصيام ..وما هو حق خاص للعبد أو
اإلنسان مثل حق اقتضاء الدين فالشرع اثبت هذا الحق لصاحبه وجعل له الخيرة إن شاء استوفاه
وأن شاء اسقطه ،وهناك أفعال يتعلق بها حق هَّلل وحث لإلنسان ،واذا نظرنا إلى عملية اإلنتاج
وفق هذا التصور نجد أنها من الحقوق المشتركة ألن ملكية المال في اإلسالم ملكية مزدوجة
َّللا في
فهى هَّلل عز وجل ملكية حقيقية وللبشر ملكية استخالف وانابة ،مع مراعاة أن حق ه
التصور اإلسالمي هو حق المجتمع وبالتالي فيلزم على المنتجين مراعاة صالح المجتمع أداء
َّللا تعالى.
لحق ه
ج -تحقيق المصلحة:
أن المقصد العام من التشريع اإلسالمي هو تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم
وتوفير حاجياتهم وتحسيناتهم
( )2
والتى تلزم للحفاظ على مقومات الحياة الخمسة هى الدين والنفس
والعقل والعرض والمال وقد شرع اإلسالم لكل واحد من هذه الخمسة أحكاما تكفل إيجاده وتكوينه
وأحكاما تكفل حفظه وصيانته وبهذين النوعين من األحكام تحقق مصالح الناس وعلى ذلك فإنه
يلزم أن يتوجه اإلنتاج إلى حفظ هذه األشياء وصيانتها بإنشاء دور العبادة ومعاهد العلم لحفظ
الدين ،وإلنتاج السلع الالزمة من مأكل وملبس ومسكن لحفظ النفس ،ولحفظ العقل إنشاء دور
العلم ،والبعد عن االستثمارات في الخمور والمخدرات ،وأما حفظ العرض فيكون بتيسير الزواج
( )1رسالتنا للدكتوراه "الرقابة على األموال يف الفكر اإلسالمي -جتارة األزهر 1982ص 146وما بعدها.
( )2الشيخ عبد الوهاب خالف -علم أصول الفقه -مكتبة الدعوة اإلسالمية ط 8ص. 197
-
19
-
بإنشاء المساكن والمشروعات التى تساعد الشباب على بدء حياتهم ،وحفظ المال يكون عن
طريق توجيهه إلى االستثمارات التى تحقق أفضل إنتاجية ممكنة والبعد عن ضياعه بكل الصور.
د -دفع الضرر:
إذ ا كانت القاعدة السابقة تنظم المظهر اإليجابي للسلوك اإلنتاجي فإن هذه القاعدة تحدد
الجانب السلبي وتطالب باألبتعاد عنه وهو الضرر ،وذلك أنه قد تصاحب عملية اإلنتاج بعض
األضرار مثل تلوث البيئة ،ولقد نظم األصوليين استخدام هذه القاعدة في اآلتي:
-أن الضرر يجب أن يزال شرعا وهو في مجال االقتصاد مثل حق المشترى في الخيار
برد المبيع المعيب.
-2أن الضرر اليزال بالضرر فال يلجأ المنتجون إلى غش السلع خوفا من ضرر الخسارة
أو اتباع أسلوب الرشوة لتصريف منتجاتهم.
-3يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام مثل منع األفراد من إقامة المصانع التى
تسبب تلوثا للبيئة أو أضرار باآلخرين.
-4يرتكب أخف الضررين ألتقاء أشدهما مثل احتياج المجتمع لصناعة معينة كضرورة
يترتب عليها تلوث البيئة وأن عدم إقامة هذه الصناعة سيؤدى إلى ضرر بالمجتمع يفوق أضرار
التلوث فيرتكب أخف الضررين وهو التلوث أن لم يمكن تالفيه بوسائل أخرى.
-5دفع المضار مقدم على جلب المصالح ،ومثله في مجال اإلنتاج أنه إذا كانت هناك
رغبة في تشجيع السياحة ولكن ذلك يتطلب إنشاء مالهي للقمار والخمور والبغاء فأنه يلزم أن
تمنع إقامته ألنه ينطوى على ضرر بالمجتمع ممثال في الكسب الحرام وانتشار الرذيلة وال عبرة
بالمصلحة المزعومة بتشجيع السياحة.
هـ -التعاون:
علَى ْالبِ ِر َوالت َّ ْق َوى
اونُوا َ
{وتَعَ َ
أن التعاون كقيمة إسالمية أمر إلهي في قوله تعالى َ
ان}( )وأساس التعاون المطلوب بين المسلمين هو األخوة
اونُوا َ
َوال تَعَ َ
اإلثْ ِم َو ْالعُ ْد َو ِ
علَى ِ
َّللا المسلمين من
اإلسالمية في العقيدة والهدف اإلسالمي العام برفع كلمة اإلسالم .ولقد حذر ه
التنازع والتشتت ورتب على ذلك نتيجة خطيرة هى الفشل في قوله تعالى:
( )1سورة املائدة -اآلية . 2
-
20
-
{وال تَنَ َ
از ُ
ب ِري ُح ُك ْم}
عوا فَت َ ْف َ
شلُوا َوت َ ْذ َه َ
َ
( )
وأن كانت الظروف قد قسمت العالم
اإلسالمي سياسيا إل ى عديد من الدول فأنه في مجال االقتصاد يمكن أن يتم عمل مشترك بينها
حيث أنه ال توجد دولة في العالم يمكن أن تستقل ذاتيا بإنتاجها بل البد لها من التعاون مع
اآلخرين تصدي ار واستيرادا ،ولقد رأينا من سرد واقع المسلمين في المبحث األول هبوط معدل
التبادل التجاري أو ا نتقال عوامل اإلنتاج بينها ففي الوقت الذي تتجمع فيه بعض الدول التى
تربطها عالقات جغرافية -جوار الوطن -مع بعضها في صورة تكتالت اقتصادية مثل السوق
األوربية المشتركة التي بدأت بين ألمانيا وباقي الدول مثل فرنسا وانجلت ار ومازالت آثار دمار
الحرب العالمية الثانية بينهم لم تخف بعد ،ثم ساروا في طريق التكامل االقتصادي حتى وصلوا
اآلن إلى أوربا الموحدة ،بينما الدول العربية على األقل بدأت بفكرة التعاون االقتصادي منذ عام
946وأنشئت على التوالي بعدها المؤسسات الالزمة لذلك ولم يحدث شئ في الواقع الستمرار
تطبيق األفكار أو تفعيل دور المؤسسات التى مازالت اتفاقياتها حبر على ورق رغم أنه يجمع
َّللا تعالى في قوله
بينها الحوار واألخوة اإلسالمية وهى بذلك ال تمتثل ألمر ه
ِب َح ْب ِل َّ
اَّللِ َج ِميعًا َوال تَفَ َّرقُوا}
( )2
{وا ْعت َ ِص ُموا
َ
فنجد الدول اإلسالمية والتى يجمع بين اكثرها جوار
َّللا في التعاون على البر
جغرافي وأخوة في العقيدة التجتمع في عمل اقتصادي وطاعة ألمر ه
والتقوى.
ثانيا :الضوابط االقتصادية:
أوضحنا في الفقرة السابقة بعض القيم اإلسالمية التى تنظم وتضبط السلوك اإلنساني
للمسلم بصفة عامة ،وبينا أثرها في ضبط السلوك اإلنتاجي ،وفي هذه الفقرة ننتقل إلى تحديد
الضوابط األكثر تخصيصا بالنسبة للسلوك اإلنتاجي والتى تتمثل فيما يلي:
أ -التنوع في اإلنتاج :لقد سبق أن اوضحنا أن اقتصاديات غالبية الدول اإلسالمية تتسم
بخلل في هيكلها اإلنتاجي يتمثل في التركيز على قطاع واحد واهمال باقي القطاعات ،واذا كان
الفكر االقتصادي المعاصر يعطي أهمية كبرى للصناعة ثم الخدمات اإلنتاجية ثم الخدمات
العامة ثم الزراعة ،فإن هذا الترتيب في األهمية لم يكن كذلك على مر التاريخ ففي مذهب
التجاريين كانت التجارة في مقدمة القطاعات وفي مذهب الطبيعيين تتصدر الزراعة عندهم
المرتبة األولي واألهم ،وأخي ار ومنذ الثورة الصناعية احتلت الصناعة المرتبة األولي ،واذا نظرنا
( )1سورة االنفال -اآلية . 46
( )2سورة آل عمران :اآلية .103
-
21
-
إلى الفكر اإلسالمي نجد أن مشكلة المفاضلة في القطاعات لم تأخذ هذا االختالف الواضح كما
يتضح من اآلتي:
-النظر لكل القطاعات على أنها هامة وضرورية من األصل لقيام حياة الناس ويظهر
ذلك في اآليات القرآنية العديدة واألحاديث النبوية التى تناولت الصناعة والزراعة والتجارة في
صورة تقريرية أو أخبارية أو تنظيمية .ثم تأتي أقوال المفكرين المسلمين لتؤكد هذه الحقيقة
بضرورة االهتمام بكل القطاعات فها هو اإلمام الغزالي
( )
وهو يعدد أشغال الدنيا الالزمة لقيام
حياة الناس يذكر جميع القطاعات بفروعها التفصيلية ،فالقطاعات الرئيسية يسميها أصول
الصناعات وهى التى تقوم على إنتاج السلع االستهالكية ثم أمهات الصناعات وهى التى تقوم
على إنتاج السلع الرأسمالية ثم قطاع الخدمات اإلنتاجية والعامة بل أنه ال يغفل عن سرد ما
يحدث في المجتمع االقتصادي من انشطة ال تعد من قبيل األعمال المنتجة ويسميها الحرف
الخسيسة كاللصوصية بل أنه يذكر في آخر سرده لهذه األنشطة أنها متجددة وال تنتهي وسوف
تظهر أنشطة جديدة حديث يقول "فانظر كيف ابتدأ األمر من حاجة القوت والملبس والمسكن
والى ماذا انتهى وهكذا أمور الدنيا ال يفتح منها باب إال وينفتح بسببه أبواب أخر تتناهى إلى
غير حد محصور".
ويرى الغزالي أن كل األنشطة اإلنتاجية مهمة بقوله "فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل
كل فريق بعمل ،ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا"(.)2
-3بالنظر إلى تقرير أفضلية قطاع على آخر فإننا نالحظ وعلى وجه العموم أن
َّللا عليه وسلم عن
األحاديث النبوية الشريفة أشارت مشيدة لكل القطاعات منها قوله صلى ه
الزراعة "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إال كان له
به صدقة"(.)3
ويقول عن التجارة "عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق"
اإلمام على إلى عاملة االشتر النخعي
( )5
( )4
كما نجد أيضا في كتاب
ضرورة االهتمام بكافة القطاعات ،فيقول عن الزراعة
"تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صالحهم صالح لمن سواهم وال صالح لمن سواهم إال
بهم".
( )1مرجع سابق ج 3ص. 221 - 220
( )2نفسه ج 2ص. 75
( )3البخاري حباشية السندي -دار احياء الكتب العربية ج 2ص. 45
( )4الغزايل -مرجع سابق ج 2ص. 64
( )5هنج البالغة -مرجع سابق ص. 99 - 96
-
22
-
ويقول عن التجارة "أستوص بالتجار وأوصى بهم خي ار المقيم منهم والمضطرب بماله
والمترفق ببدنه فأنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجالبها من المباعد والمطارح "..وعن
الصناعة يقول "فاستوص بذوي الصناعات وأوصى بهم خي ار "...وألن اإلسالم ليس مذهبا
لعصر واحد أو قوم بعي نهم ،بل للناس كافة وعلى مر الزمن لذلك لم يأخذ موقفا في تفضيل
قطاع على آخر بل طلب االهتمام بكل القطاعات ثم ترك تحديد األهمية النسبية ألى قطاع منها
يحدده المسلمون بحسب الظروف واألحوال وهذا ما وعاه أحد المفكرين المسلمين منذ زمن بعيد
حيث يقول "فحيث احتيج إلى األقوات تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس وحيث احتيج إلى
المتجر (التجارة) ألنقطاع الطرق تكون التجارة أفضل وحيث احتيج إلى الصنائع تكون هذه
أفضل"
( )
أى أن الهيكل اإلنتاجي يجب أن يوزع بين القطاعات بحسب شدة الحاجة إليه وباللغة
االقتصادية المعاصرة يعطى القطاع الذي يشتد الطلب على منتجاته ويقل المعروض منه
األهمية األولي.
ب -تكوين الطاقة اإلنتاجية والمحافظة عليها :األصل في اإلنتاج أن يوجه إلى اشباع
الحاجات اإلنسانية من مأكل وملبس ولكن إنتاج هذه السلع يحتاج إلى آالت ومعدات وأنشاءات
"التكوين الرأسمالي" األمر الذي يتطلب توجيه جزء من النشاط اإلنتاجي في المجتمع لصناعتها،
وهذا ما سبق فيه اإلمام الغزالي في تقسيمه ألنواع األنشطة اإلنتاجية فيسمى النشاط الموجه
إلنتاج السلع االستهالكية "بالصناعات األساسية" ثم يسمى النشاط الموجه إلنتاج السلع
الرأسمالية "بأمهات الصناعة".
على أن األمر ال يقف بالفكر اإلسالمي عند حد التمييز بين نوعى المنتجات استهالكية
ورأسمالية ،وانما يتعداه إلى التوجيه والحث على االضافات أو التكوين الرأسمالي وذلك للحد من
الميل االستهالكي وللعمل على تكوين الطاقة باإلنشاء وزيادتها بالتوسعات والمحافظة عليها
باالحالل والتجديد ،ويظهر ذلك في عدة أدلة منها:
-
يقول الرسول
في التشجيع على إنشاء الطاقات "سبع يجرى أجرهن للعبد وهو في
قبره بعد موته :من علم علما أو كرى نه ار أو حفر بئ ار أو غرس نخال أو بنى مسجدا أو ورث
مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له(.")2
( )1القسطالين على شرح البخاري.
( )2أخرجه البيهقي.
-
23
-
َّللا عليه وسلم في مجال المحافظة على الطاقة باالحالل والتجديد "ال
-2ويقول صلى ه
يبارك في ثمن أرض أو دار إال أن يجعل في أرض أو دار"
( )
وفي رواية "من باع دا ار أو عقار
َّللا فيه".
ولم يجعل ثمنها في مثلها كان قمينا أن ال يبارك ه
-3يقول الماوردي في تصوير بالغ وهو يؤكد على ضرورة بناء الطاقات اإلنتاجية
واالضافة إلى التكوين الرأسمالي لألجيال القادمة "لوال أن الثاني يرتفق -ينتفع -بما أنشأه األول
حتى يصير به مستغنيا ألفتقر أهل كل عنصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى
وأراضي الحرث ،وفي ذلك من االعواز وتعذر االمكان ماال خفاء به"(.)2
هـ -الترتيب الشرعي ألولويات اإلنتاج:
لقد سبق القول أن اإلنتاج يجب أن يحقق مصلحة الناس ومصالح الناس تتفاوت بحسب
ما يترتب على وجودها أو عدمه ولذلك قسمت الشريعة مصالح الناس بهذا االعتبار إلى ثالث
مراتب هى(:)3
-الضروريات :وهى ما تقوم عليه حياة الناس والبد منه الستقامة مصالحهم واذا فقد
اختل نظام حياتهم.
-2الحاجيات :وهى ما يحتاج إليها الناس لليسر والسعة واحتمال مشاق الحياة.
-3التحسينات :وهى ما تقتضيها المرؤة واآلداب وسير األمور على أقوم منهاج.
وهذا الضابط يوفر سلما تفضليا أمام المستثمرين الختيار البدائل من المنتجات بما يحقق
مصالح الناس المقصودة من الشريعة وذلك في ضوء القواعد الترجيحية التى وضعها علماء
األصول( ،)4ومع مراعاة أن ضرورة االلتزام بهذا الترتيب واجب على الدولة بالدرجة األولي في
ممارستها لإلنتاج واجبار األفراد على االلتزام به في حالة الضرورات التى ال يمكن الحصول
عليها من مصدر آخر طبقا لما قاله ابن تيمية( ،)5ثم في الحاالت األخرى األقل ضرورة يمكن
للدولة التأثير على السلم التفضيلي أمام المستثمرين األفراد لدفعهم إلى االستثمار وفق الترتيب
الشرعي عن طريق تقديم وفورات خارجية للمشروعات مثل إمدادها بالمرافق من مياة وكهرباء
وطاقة بأسعار مخفضة واعفائها من بعض الضرائب والرسوم ومنحها أعانات إنتاج أو تصدير،
( )1رواه أمحد وابن ماجه.
( )2املاوردي "أدب الدنيا والدين" حتقيق مصطفى السقا -مطبعة مصطفى احلليب ط 1955 ،3ص. 146
( )3الشيخ عبد الوهاب خالف مرجع سابق ص. 200 - 199
( )4الشاطيب -املوافقات -املكتبة التجارية الكربى ج 2ص. 25 - 21
( )5سبق ذكره وحنن نتحدث عن مسئولية الدولة يف اإلنتاج.
-
24
-
وَّللا ال يعبد
وعلى األفراد من جانب آخر مراعاة صالح المجتمع والناس ألن اإلنتاج عبادة ه
بمعصية أو بالتضييق على خلقه وعباده.
و -مراعاة التقليل من اآلثار الجانبية الضارة:
من المعروف أن كثي ار من الصناعات الحديثة كالكيماويات واالسمنت وغيرها ينتج عنها
آثار ضارة ممثلة في تلوث البيئة أو األضرار بالطيبات الحرة ،وهو أمر تنبه له المفكرون
المسلمون قديما قبل أن يستفحل خطره بالصورة الموجودة حاليا ووضعوا له القواعد واالجراءات
المنظمة لتجنب هذه اآلثار والتقليل منها وذلك كما يظهر في كتب الحسبة وأبواب المرافق بكتب
الفقه ،وهذا التنبه يستند إلى أصل إسالمي عظيم في قول الرسول
"ال ضرر وال ضرار" وجاء
في تفسير الضرر ما قصد به اإلنسان مصلحة نفسه وكان فيه ضرر على غيره ،أما الضرار ما
قصد به االضرار بغيره دون مصلحة لنفسه
( )
وعلى المستوى التطبيقي نرى كتب الحسبة زاخرة
باألمثلة عما كان يحدث وما يلزم به المحتسب من منع األضرار مثل الزام الفرانين برفع سقائف
أفرانهم وجعل منافس واسعة للدخان في سقوفها(.)2
َّللا عز وجل
وتقع مسئولية منع ذلك على المسلم أوال بدافع من ضميره وبعده عن مخالفة ه
ورسوله حيث يقول الرسول
"ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به"
( )3
أما دور الدولة فيأتي بعدم
الموافقة على أنشاء أى مشروع ينطوى على اضرار بالبيئة ما لم تتخذ االجراءات الكفيلة بمنع
ذلك مسترشده بالقواعد األصولية السابق ذكرها في منع الضرر.
ومن المالحظ على ما ذكرناه حتى اآلن من ضوابط وقيم إسالمية تحكم السلوك اإلنتاجي
في إطاره العام ،أما فيما يتعلق بعناصر اإلنتاج وكيفية تكوينها وتنميتها فهذا ما سنخصص له
المبحث التالي:
( )1أبو الوليد األندلسى ،الباجي -املنتقى شرح موطأ مالك -مطبعة السعادة مبصر ج 6ص. 40
( )2رسالتنا للدكتوراه -مرجع سابق ص 175وما بعدها.
( )3سنن الرتمزى ج 4ص. 332
-
25
-
المبحث الرابع
تنمية عناصر اإلنتاج في اإلسالم
مقدمـــة:
أن عملية اإلنتاج تقوم على تفاعل الجهد البشري مع الموارد ويمكن أن نعبر عن ذلك
رياضيا كاآلتي:
الجهد البشري (العمل) × الموارد (المال) = اإلنتاج
ولتنظيم اإلنتاج وزيادته وتحسينه يلزم تنمية وتحسين عناصره ،وسوف نلقى الضوء في هذا
المبحث على المنهج اإلسالمي لتنمية عناصر اإلنتاج وذلك في اآلتي:
أوال :تمويل اإلنتاج:
يحتاج اإلنتاج إلى تمويل للحصول على الموارد الالزمة لممارسة العملية اإلنتاجية ويوجد
مصدرين للتمويل هما ،التمويل الذاتي والتمويل الخارجي.
ولقد نظم اإلسالم عملية التمويل بما يكفل انسياب تدفق األموال الالزمة لعملية اإلنتاج كما
يتضح مما يلي:
أ -التمويل الذاتي :ويعتبر أفضل مصدر لتمويل اإلنتاج إذ ينطوى على حرية مالك المال
في توجيه أمواله واالنتفاع بها ،ويأتي التمويل الذاتي عادة من المدخرات التى تبقى بعد االنفاق
االستهالكي حيث أن الدخل = االنفاق االستهالكي +االنفاق التعاونى +االدخار ،وبالتالي
فلتعظيم المدخرات تلزم تنمية الدخل وترشيد االنفاق وهذا ما يرسمه لنا التوجيه اإلسالمي كما
يتضح من اآلتي:
-في مجال تنمية الدخل :ويظهر ذلك في الدعوة إلى العمل واستثمار األموال اللذان
يمثالن مصدر الدخل ،ومن تكرار القول أن نؤكد على اهتمام اإلسالم بالعمل ومحاربة البطالة،
بل يصل األمر إلى حث الرسول
على العمل ليس فقط كمصدر لدخل يكفى صاحبه وانما
َّللا عليه وسلم "أشد
َّللا اإلنسان فيقول صلى ه
لزيادة هذا الدخل واستخدام القدرات التى منحها ه
الناس عذابا يوم القيامة المكفى الفارغ" وهذا ما يشير به اإلمام جعفر في قوله لمعاذ عندما
أعتزل العمل لكفايته ويساره "يا معاذ أضعفت عن التجارة أو زهدت فيها؟ فقال معاذ ما ضعفت
عنها وال زهدت فيها عندي مال كثير وهو في يدي وليس ألحد على شئ وال أراني آكله حتى
أموت ،فقال اإلمام ال تتركها فإنها مذهبة للعقل"(.)
( )1د .حممد اجلمال "موسوعة االقتصاد اإلسالمي" -دار الكتاب املصري 1980 -ص. 147
-
26
-
-2وفي مجال ترشيد االنفاق :بمعنى االنفاق على قدر الحاجة بال اسراف وال تقتير يقول
َّللا تعالى في حق المؤمنين
ه
ِين ِإذَا أ َ ْنفَقُوا لَ ْم يُس ِْرفُوا َولَ ْم َي ْقت ُ ُروا َوك َ
{والَّذ َ
َان َب ْي َن
َ
ذَ ِلكَ قَ َوا ًما}
( )2
{و ُكلُوا َوا ْ
ش َربُوا َوال تُس ِْرفُوا ِإنَّهُ ال ي ُِحبُّ ْال ُمس ِْرفِ َ
ين}
سبحانه َ
( )
كما يحذر وينهى عن االسراف والتبذير ففي مجال االنفاق االستهالكي يقول
وفي مجال
االنفاق التعاوني وبالرغم من الحث عليه في آيات كثيرة ينهى عن التبذير حيث يقول سبحانه
س ِك َ
ت ذَا ْالقُرْ بَى َحقَّهُ َو ْال ِم ْ
ين َوا ْب َن ال َّ
ِيراِ إ َّن
{و َءا ِ
س ِبي ِل َوال تُبَذِرْ ت َ ْبذ ً
َ
َان ال َّ
ان ال َّ
ين َوك َ
ين كَانُوا ِإ ْخ َو َ
ْال ُم َبذ ِِر َ
ورا}(.)3
ش ْي َطا ُن ِل َر ِب ِه َكفُ ً
ش َي ِ
اط ِ
-3في مجال تشجيع المدخرات :أن العمل على تنمية الدخل وترشيد االنفاق يؤدى إلى
نتيجة رياضية طبقا للمعادلة السابقة هى زيادة المدخرات ومع ذلك فإن اإلسالم يحث وبصورة
مباشرة على تنمية المدخرات فالرسول
يقول "رحم امرءا اكتسب طيبا وانفق قصدا وقدم فضال
ليوم فقره وحاجته"( )4وعندما رأى الرسول
عليك بعض مالك فهو خير لك"(.)5
جري اًر ينفق ماله وال يدخر منه شيئاً قال له" :امسك
-4توجيه المدخرات إلى االستثمار :من المفروض أن تتوجه المدخرات الناتجة عن
المعادلة السابقة إلى االستثمار حتى تكتمل دورة العمل المنتاج واال فإن مجرد حجز من الدخل
َّللا عز وجل.
ال يدخل في الدورة اإلنتاجية يسمى تعطيال للمال واكتنا از له حرمه ه
ب-التمويل الخارجي :من المقرر أنه ليس هناك إنسان مكتف بنفسه وانما يحتاج إلى
اآلخرين وهذا شأن المستثمرين والمنتجين حيث يحتاجون لتمويل أعمالهم إلى اموال ومدخرات
اآلخرين في صورة اقتراض أو مشاركة أو تسهيالت أئتمانية ولقد نظم اإلسالم في سبق وتفوق
واضح العالقة بين الدائن والمدين بدءا من قرار منح األئتمان أو الدين وحتى تحصيله وبصورة
تضمن حصول كل صاحب حق على حقه فحرم الربا وأباح القرض الحسن والمشاركة وقرر
الضمانات من رهن وكفيل وتوثيق واشهاد وال يتسع المجال كما ال يحتاج األمر لوضوحه إلى
زيادة تبيان(.)6
( )1سورة الفرقان -اآلية . 67
( )2سورة األعراف -اآلية . 31
( )3سورة اإلسراء -اآلية . 27 - 26
( )4أخرجه البخارى يف اجلامع الصغري.
( )5رايض الصاحلني للنووى.
( )6رسالتنا للدكتوراه -مرجع سابق ص 75وما بعدها.
-
27
-
كما أن للمفكرين المسلمين قواعد وأسس واضحة لتنظيم اقتراض الدولة أو الدين العام ،ومن
أهمها عدم اللجوء إلى الدين إال في حالة الضرورة وأن يكون هناك إيراد تنتظر لسداد الدين.
ثانيا :العمل:
يعتبر العمل العنصر األهم في العملية اإلنتاجية ونحن لن نسهب في بيان أهمية العمل في
اإلسالم ألن ذلك مقرر ومعروف وانما ما يهم في هذا المجال هو بيان التوجيهات اإلسالمية
العداد وتاهيل العمال هذا التأهيل الذي يتناول التأهيل العلمي والعملي والديني.
أ -أما التأهيل العلمي :مما الشك فيه أن أى عملية إنتاجية ولو بسيطة تحتاج إلى تأهيل
علمي يتلقاه اإلنسان في المدارس والمعاهد والجامعات قبل دخوله ميدان اإلنتاج واإلسالم يمجد
العلم والعلماء فيقول سبحانه وتعالى {يَرْ َف ِع َّ
ِين َءا َمنُوا ِم ْن ُك ْم َوالَّذ َ
اَّللُ الَّذ َ
ِين أُوتُوا
{ر ِب ِه قُ ْل َه ْل
ْال ِع ْل َم د ََر َجاتٍ}( ،)ويقول سبحانه في بيان الفرق بين اإلنسان المتعلم وغيره َ
ِين ال َي ْعلَ ُم َ
ون َوالَّذ َ
ِين َي ْعلَ ُم َ
ست َ ِوي الَّذ َ
َي ْ
ب}( ،)2كما يقول
ون ِإنَّ َما َيتَذَ َّك ُر أُولُو األ َ ْل َبا ِ
َّللا حتى يرجع"(.)3
الرسول " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل ه
هذا مع ضرورة االشارة إلى أن العلم في نظر اإلسالم يتسع ليشمل كل أدراك يفيد
اإلنسان
( )4
ومع ضرورة أن العلم المقصود هو العلم الذي ينفع في مجاالت الحياة ،وهذا العلم هو
أساس البناء التكنولوجي الذي أصبح الزما للعلمية اإلنتاجية.
ب -من حيث التأهيل العملي :والذي يكتسبه اإلنسان من خبرته في مجال العمل فأنه
يكفي ذلك قول الرسول
َّللا يحب العبد المحترف"
"أن ه
( )5
أى الذي حرفة أو مهنة اكتسبها من
ممارسة العمل ولمدة طويلة.
ج -من حيث التأهيل الديني :ويعني به االعداد الوجداني لإلنسان على هدى اإلسالم
َّللا عز وجل
بحيث يتكون لديه من ذاته الضمير الديني الذي يجعله يراقب نفسه رعاية لرقابة ه
عليه ويأتي أثر ذلك على اإلنتاج في اآلتي(:)6
( )1سورة اجملادلة -اآلية . 11
( )2سورة الزمر -اآلية . 9
( )3الغزايل -أحياء علوم الدين -ج 2ص. 245
( )4الشيخ حممود شلتوت (من توجيهات اإلسالم) دار القلم ص. 136
( )5املناوى -التيسري لشرح اجلامع الكبري -املكتب اإلسالمي -بريوت ج 1ص270
( )6رسالتنا للدكتوراه -مرجع سابق ص 281وما بعدها.
-
28
-
-أن ال يتقدم لعمل ال يحسنه واال كان غاشا مدلسا لتعاقده على تقديم منفعة ال يمكنه
تسليمها.
َّللا يراقبه حتى ولو أخطأت رقابة البشر أو
-2المحافظة على وقت العمل لعلمه أن ه
قصرت.
َّللا سائله عن عمره فيما أفناه.
-3عدم التباطؤ والكسل في أداء العمل لعلمه أن ه
-4الوفاء بموجبات عقد العمل امتثاال ألمر هَّللا عز وجل في قوله تعالى {يَاأَيُّ َها الَّذ َ
ِين
َءا َمنُوا أَوْ فُوا بِ ْ
العُقُودِ} وألن أى التزام يتحمله اإلنسان سواء كان مصدره عقد قانوني أو
َّللا عز وجل.
التزام يصبح مسئوال عنه دينيا أمام ه
-5اتقان العمل :بمعنى إحكام العمل وما يتطلبه من مراعاة الجودة والتحسين المستمر
لألداء فهو يرتبط بتقليل الوقت الضائع وتخفيض المواد التالفة واتباع األساليب الجيدة في العمل
وذلك يمثل االتقان في حده األدنى أو القريب أما حده األعلى فإنه يتسع لألبتكار والتجديد وتقديم
الطرق المثلى في العمل
ولذا كان تعبير الرسول
احدكم إذا عمل عمال أن يتقنه"
( )
َّللا يحب
في الحث على االتقان بقوله "إن ه
َّللا عز
وكلما زاد االتقان زادت درجة الحب وزاد العبد قربا من ه
وجل ،وبالتالي فإن أمام العامل المسلم متسعا ألعطاء كل طاقته للعمل لينال أعلى درجات الحب
َّللا.
والقرب من ه
وهكذا ننتهى إلى تحديد اإلطار العام للمنهج اإلسالمي في اإلنتاج وال أدعي أنني استطعت
أن أوفي الموضوع حقه فإن مشكلة اإلنتاج من المشكالت الكبيرة وما قرره اإلسالم بشأنها أكبر
َّللا وتوفيقه
وقدرتي أقل من أن أعرض اإلسالم في ثوبه الكامل فإن كنت قد أصبت فهذا بفضل ه
وان كنت غير ذلك فال أبرئ نفسي ألن ما قدمته مجهود بشري يحتمل الخطأ ويشوبه النقصان
َّللا واعالء كلمة اإلسالم.
وحسبى صدق النية في أنني أريد وجه ه
( )1املناوى -التيسري بشرح اجلامع الصغري -ج 1ص. 269
-
29
-
© Copyright 2026 Paperzz