تحميل الملف المرفق

‫المنهج اإلسالمي في اإلنتاج‬
‫دكتور‪ /‬محمد عبد الحليم عمر‬
‫(*)‬
‫مقدمـــة‬
‫َّللا عز وجل اإلنسان ليحيا‪ ،‬وأمده بوسائل الحياة العديدة ممثلة في األرض بما‬
‫لقد خلق ه‬
‫ض َج ِميعًا}‬
‫فيها من نبات وحيوان ومعادن { ُه َو الَّذِي َخلَ َ‬
‫ق لَ ُك ْم َما فِي األَرْ ِ‬
‫( ‪)1‬‬
‫ليستمد‬
‫َّللا القوت والمسكن والملبس مصلحا بحيث‬
‫منها احتياجاته من قوت وسكن وملبس "ولم يخلق ه‬
‫يستغنى عن صنعة اإلنسان فيه"‬
‫( ‪)2‬‬
‫لذلك حدثت الحاجة إلى قيام اإلنسان بنشاط اإلنتاج لتهيئة‬
‫َّللا له إلشباع حاجياته‪ ،‬واذا كانت كل األفكار االقتصادية قديمة‬
‫واعداد الطيبات التى خلقها ه‬
‫وحديثة تت فق مع اإلسالم في أهمية اإلنتاج فإن االختالف بينهما يتحدد في أهدافه وضوابطه‬
‫وأسلوبه‪ ،‬فاإلسالم بصفته ديناً ونظاماً حضارياً له رؤيته المستقلة والمتميزة لتنظيم السلوك‬
‫اإلنتاجي وظهر ذلك جلياً وفي سبق واضح في اآلتي‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫النصوص الدينية ‪-‬قرآنا وسنة‪ -‬التي تناولت تنظيم اإلنتاج واالرتقاء به إلى درجة العبادة‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫اتباع المسلمين االوائل لما جاء في هذه النصوص أثمر نجاحا اقتصاديا باه ار ساند‬
‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬ذلك أن األمة العربية(‪ )3‬في زمن الرسول ‪‬‬
‫انطلقت من نقطة الصفر‬
‫من حيث االمكانيات حيث لم يكن لديها شئ لالضطالع بمهماتها الجسيمة في مجال‬
‫الدعوة والدولة‪ ،‬ولكن الواقع أثبت وباالمكانيات البسيطة التى بيديها أنها قادرة على تنفيذ‬
‫خططها في كافة المجاالت‪.‬‬
‫واذا كان المسلمون األوائل قد نجحوا وباالمكانيات البسيطة في بناء حضارتهم بكل جوانبها‬
‫دينية وسياسية واقتصادية وأجتماعية والتى ارتفعت بهم عاليا وأفادت البشرية جمعاء‪ ،‬فإن ذلك‬
‫كان بسبب تمسكهم بالدين وهديه‪ ،‬وحينما أعرض مسلمو اليوم عن هذا الهدى واعتمدوا في بناء‬
‫حياتهم على األفكار المستوردة البعيدة عن هدى الدين تخلفوا حضاريا واقتصاديا‪" .‬لذلك فإن‬
‫َّللا حتى ينتفي التناقض الواقعين‬
‫المخرج الوحيد لهم من ربقة هذا التخلف هو العودة إلى هدى ه‬
‫فيه بين ما يؤمنون به وهو الدين اإلسالمي وبين ما يحكم سلوكهم وهى األفكار غير اإلسالمية‪.‬‬
‫(*) أستاذ احملاسبة مدير مركز صاحل كامل لالقتصاد اإلسالمي جبامعة األزهر‬
‫(‪ )1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪. 29‬‬
‫(‪ )2‬اإلمام الغزايل "إحياء علوم الدين" نشر مصطفى احلليب مبصر‪ 1939 -‬ج‪ 3‬ص ‪. 220‬‬
‫(‪ )3‬مالك بن نىب ‪-‬املسلم يف عامل االقتصاد‪ -‬دار الشروق‪ 1978 -‬ص ‪.72‬‬
‫‪-1-‬‬
‫ومن واجبات المفكرين المسلمين أن يبرزوا األفكار اإلسالمية في جميع المجاالت‬
‫ويضعوها سهلة أمام المنفذين حتى يمكن األخذ بها وبذلك يتفق الفكر مع التطبيق‪.‬‬
‫وفي هذا البحث احاول أن أقدم صورة أجمالية لألفكار اإلسالمية التى تحكم السلوك‬
‫اإلنتاجي‪ ،‬أهدافه وضوابطه وأساليبه بشكل يبرز موقف اإلسالم من هذه الوظيفة االقتصادية‬
‫الهامة التى هى وسيلة التنمية المنشودة وأساس لها في الوظائف االقتصادية الرئيسية من‬
‫استثمار وتوزيع واستهالك‪.‬‬
‫وسوف تنتظم خطة البحث في الموضوعات التالية‪:‬‬
‫المبحث األول‪ :‬الواقع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬مفهوم اإلنتاج وأهميته وأهدافه من منظور إسالمي‪.‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬ضوابط اإلنتاج في اإلسالم‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬تنمية عناصر اإلنتاج في اإلسالم‪.‬‬
‫‪-2-‬‬
‫المبحث األول‬
‫الواقع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة‬
‫مقدمـــة‪:‬‬
‫من المعروف أن أهمية البحث تنبع من أهمية المشكلة التى يتناولها بالدراسة‪ ،‬وأن اى‬
‫مشكلة لها أسباب وتنتج عنها آثار ضارة‪ ،‬وبالتعرف على األسباب يمكن االقت ارح بعالج المشكلة‬
‫وتالفى آثارها‪ ،‬والواقع يؤكد أن الدول اإلسالمية تعانى من مشكالت عديدة في اإلنتاج‪ ،‬لذلك‬
‫فإننا في هذا المبحث سوف نحاول التعرف على هذه المشكالت ‪-‬آثارها وأسبابها ‪ -‬وفي‬
‫المباحث التالية سوف نحاول اقتراح العالج لها ممثالً في المنهج اإلسالمي‪.‬‬
‫أما ا آلثار فيمكن التعرف عليها من التخلف اإلنتاجي لهذه الدول هذا التخلف الذي يمكن‬
‫االستدالل عليه ببيان الوضع اإلنتاجي باألرقام واالحصائيات وذلك في الفقرة األولي من هذا‬
‫المبحث‪ ،‬ثم نتعرف على األسباب التى أدت إلى هذا الوضع في الفقرة الثانية‪:‬‬
‫أوال‪ :‬الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية المعاصرة‪:‬‬
‫أن الواقع يؤكد أن دول العالم اإلسالمي المعاصرة تقع في مؤخرة دول العالم اقتصاديا‪،‬‬
‫وتتسم اقتصادياتها بالتخلف وتعتمد في إشباع حاجيات أفرادها ليس على الناتج المحلي وانما‬
‫على ناتج الدول األخرى‪ ،‬ويمكن التدليل على صدق هذه المقولة باألرقام واالحصائيات وفقا‬
‫للمعايير المتعارف عليها لقياس مدى تقدم أو تخلف الدول كما يتضح من اآلتي‪:‬‬
‫أ‪ -‬من حيث موقع دول العالم اإلسالمي في التصنيف االقتصادي لدول العالم‪:‬‬
‫جرى العرف االقتصادي على تصنيف دول العالم من حيث مؤشرات التقدم بحسب نصيب‬
‫الفرد من الناتج القومى اإلجمالي‪ ،‬إلى المجموعات التالية(‪:)‬‬
‫المجموعة األولي‪ :‬منخفضة الدخل وهى ستون دولة (نصيب الفرد فيها من الناتج يتراوح‬
‫بين ‪ 995 ،765‬دوالر في السنة) منها ‪ 26‬دولة إسالمية هى‪( :‬موزمبيق‪ -‬تشاد‪ -‬سيراليون‪-‬‬
‫بنجالديش‪ -‬أوغندا‪ -‬غينيا بساو‪ -‬مالي‪ -‬اليمن‪ -‬بنين‪ -‬زامبيا‪ -‬باكستان‪ -‬موريتانيا‪-‬‬
‫أذريبجان‪ -‬غينيا‪ -‬السنغال‪ -‬الكاميرون‪ -‬البانيا‪ -‬أفغانستان‪ -‬البوسنة والهرسك‪ -‬الصومال‪-‬‬
‫السودان‪ -‬المالديف‪ -‬جزر القمر‪ -‬طاجكستان‪ -‬النيجر‪ -‬بوركينا فاسو)‪.‬‬
‫(‪ )1‬تقرير البنك الدويل عن التنمية يف العامل ‪ - 1997‬ترمجة ونشر مؤسسة األهرام‪ ،‬التقرير السنوى للبنك‬
‫اإلسالمي للتنمية ‪1418‬هـ ‪. 1998/1997 -‬‬
‫‪-3-‬‬
‫المجموعة الثانية‪ :‬متوسطة الدخل وهى ‪ 89‬دولة منها ‪ 2‬دولة إسالمية هى (مصر‪-‬‬
‫تركمستان‪ -‬سورينام‪ -‬ليبيا‪ -‬أندونيسيا‪ -‬المغرب‪ -‬سوريا‪ -‬كازخستان‪ -‬االردن‪ -‬الجزائر‪-‬‬
‫تونس‪ -‬جيبوتي‪ -‬لبنان‪ -‬تركيا‪ ،‬وهذه دول ذات الدخل المتوسط األدنى حيث يتراوح نصيب الفرد‬
‫ما بين ‪ 3035 ، 766‬دوالر في السنة) ثم (الجابون‪ -‬ماليزيا‪ -‬العراق‪ -‬فلسطين‪ -‬إيران‪-‬‬
‫عمان‪ -‬السعودية‪ ،‬وهى الدول ذات الدخل المتوسط األعلى) ويتراوح نصيب الفرد فيها ما بين‬
‫‪ 9385 ،3036‬دوالر في السنة فأكثر)‪.‬‬
‫المجموعة الثالثة‪ :‬وهى الدول ذات الدخل المرتفع وهى ‪ 5‬دولة منها ‪ 5‬دول إسالمية‬
‫هى‪( :‬الكويت‪ -‬اإلمارات‪ -‬البحرين‪ -‬بروناى‪ -‬قطر) ويتراوح نصيب الفرد فيها ‪ 9386‬دوالر في‬
‫السنة فأكثر‪.‬‬
‫ومن ذلك يتضح أن غالبية الدول اإلسالمية تقع في عداد الدول المتخلفة‪ ،‬فعدد الدول‬
‫اإلسالمية ‪ 52‬دولة منها دول تعتبر فقيرة متخلفة وهى ‪ 40‬دولة و ‪ 2‬دولة تعتبر غنية في‬
‫الدخل منها ‪ 5‬دول ذات دخل مرتفع‪ 7 ،‬دول ذات دخل متوسط في حده األعلى وهذا االرتفاع‬
‫بسبب عائدات البترول فقط‪.‬‬
‫ب‪ -‬من حيث مقاييس اإلنتاجية‪:‬‬
‫أن وضع الدول اإلسالمية ضمن مجموعة الدول المتخلفة اقتصاديا كما سبق ذكره يأتي‬
‫بالدرجة االولي نتيجة للتخلف اإلنتاجي لها‪ ،‬هذا التخلف الذي يمكن التعرف عليه أيضا من‬
‫بعض المعايير المتعارف عليها لقياس التخلف اإلنتاجي وهى‪:‬‬
‫‪ -‬ضعف الهيكل اإلنتاجي‪:‬‬
‫ويستدل عليه بالتوزيع النسبي لألنشطة اإلنتاجية بين القطاعات االقتصادية المختلفة‬
‫(زراعة‪ -‬صناعة‪ -‬خدمات) حيث جرى العرف االقتصادي الحاضر على اعطاء الصناعة‬
‫خاصة التحويلية منها األهمية النسبية الكبرى في النشاط تليها الخدمات ثم الزراعة‪ ،‬وكلما أختلت‬
‫هذه األهمية النسبية كلما أتسم االقتصاد بالتخلف وبالنظر في االحصاءات التى توضح ذلك‬
‫يتبين أن غالبية الدول اإلسالمية تعاني من خلل في هياكلها اإلنتاجية يتمثل هذا الخلل في تدني‬
‫نسبة الصناعة إلى باقي األنشطة وتزايد نسبة الخدمات غير اإلنتاجية وكذا الزراعة‪ .‬ففي‬
‫مجموعة الدول الصناعية المتقدمة تتراوح نسبة مساهمة الصناعة (التحويلية) بين ‪ %29‬إلى‬
‫‪ %43‬من الناتج المحلي اإلجمالي(‪.)‬‬
‫(‪ )1‬تقرير البنك الدويل للتنمية عام ‪ 1997‬مرجع سابق‪.‬‬
‫‪-4-‬‬
‫أما بالنسبة للدول اإلسالمية فإن الوضع فيها بالنسبة لهيكل الناتج يتحدد فيما يلي(‪:)‬‬
‫‪ 24 -‬دولة منها يمثل النشاط الخدمي فيها ما بين ‪ %65 ، %34‬من الناتج المحلي األجمالي‬
‫ويمثل أكبر القطاعات اإلنتاجية فيها‪.‬‬
‫‪ 8 -2‬دولة منها يعد النشاط الزراعي فيها أهم قطاعات اإلنتاج حيث يمثل ما بين ‪، %23‬‬
‫‪ %56‬من الناتج المحلي األجمالي‪.‬‬
‫‪ 0 -3‬دول منها يعد نشاط الصناعة فيها أكبر قطاع ولكن يالحظ أن فيها حوالي ‪ 8‬دول‬
‫الصناعة األساسية فيها استخراج البترول بينما لم تمثل الصناعة التحويلية على مستوى‬
‫جميع دول العالم اإلسالمي سوى نسبة تتراوح بين صفر‪. %23 ،‬‬
‫وبذلك يتضح أن جميع الدول اإلسالمية تقل فيها نسبة اإلنتاج الصناعي إلى الناتج‬
‫المحلي عما يسود في الدول الصناعية المتقدمة رأسمالية واشتراكية‪.‬‬
‫‪ -2‬انخفاض مستوى الناتج المحلي‪:‬‬
‫يمكن التعرف على ذلك بمقارنة الناتج المحلي األجمالي في عدد ‪ 35‬دولة إسالمية التى‬
‫تتوافر عنها بيانات عام ‪ 997‬حيث بلغ الناتج ‪ 88‬مليار دوالر‪.‬‬
‫وهو يمثل ‪ %74‬من ناتج دولة واحدة فقط من الدول المتقدمة وهى انجلت ار (‪ 05‬مليار‬
‫دوالر) ويصل مجموعه إلى ‪ %0‬من الناتج في الواليات المتحدة االمريكية (‪ 6952‬مليار‬
‫دوالر) ويبلغ ‪ %6‬من ناتج اليابان (‪ 508‬مليار دوالر)‪ ،‬هذا في نفس الوقت الذي تتزايد فيه‬
‫عوامل اإلنتاج في الدول اإلسالمية من موارد بشرية ومساحات أراضي‪ ،‬حيث يبلغ سكان الدول‬
‫اإلسالمية حوالي ‪ .250‬مليار نسمة وهو يمثل أكثر من عشرة أمثال سكان اليابان وقرابة ‪2‬‬
‫مثل سكان انجلت ار وحوالي ثالثة أمثال سكان الواليات المتحدة‪ ،‬كما أن المساحة التى يشغلونها‬
‫تمثل ثالثة أضعاف مساحة الواليات المتحدة ومرة وخمس من مساحة االتحاد السوفيتي‪.‬‬
‫ويظهر أثر هذا االنخفاض في نصيب الفرد من الناتج المحلي حسبما بيناه في فقرة سابقة‪.‬‬
‫جـ‪ -‬بالنسبة لمعيار االعتماد على الدول األخرى (الصادرات والواردات)‪:‬‬
‫من المالحظ أن غالبية الدول اإلسالمية تعتمد على الدول األخرى في إشباع حاجيات‬
‫أفرادها من المنتجات‪ ،‬واالعتماد على الغير في حد ذاته أمر ال غبار عليه فإن الدولة مثل‬
‫اإلنسان ال تكتفي بنفسها‪ ،‬ولكن مكمن الخطورة هنا في تزايد االعتماد على الغير ممثال في تزايد‬
‫الواردات عن الصادرات وبما ينتج عنه من مديونية وعج از في الميزان التجاري‪ ،‬وبالنظر في‬
‫(‪ )1‬املرجع السابق‪.‬‬
‫‪-5-‬‬
‫االحصاءات العالمية‬
‫( ‪)‬‬
‫توجد أربع عشرة دولة إسالمية فقط من بين ‪ 52‬دولة‪ ،‬تزيد فيها‬
‫الصادرات عن الواردات مع مالحظة أن الصادرات في أغلبها تتمثل بالدرجة األولي في البترول‬
‫وبعض المواد األولية‪ ،‬أما في باقي الدول اإلسالمية وعددها حوالي ‪ 38‬دولة فإن نسبة الواردات‬
‫فيها إلى الصادرات تتراوح بين ‪ %79‬و ‪. %700‬‬
‫هذا مع مراعاة أن نسبة الصادرات من المواد األولية تتراوح بين ‪ %37‬و ‪ %00‬من‬
‫أجمالي الصادرات‪ ،‬ونسبة الصادرات من السلع المصنعة تتراوح بين صفر‪ %63 ، %‬فهى‬
‫لثالثة دول فقط فوق ال ‪ %50‬ولتسع دول من ‪ %20‬إلى ‪ %50‬ولثالث دول من ‪ %5‬إلى‬
‫‪ ، %20‬ولخمس عشر دولة من صفر‪ %‬إلى ‪ . %5‬وعلى الجانب اآلخر فإن الواردات من‬
‫السلع األولية ال تزيد عن ‪ %50‬في دولة واحدة وباقي الدول بين ‪ %5‬و ‪. %45‬‬
‫وبالنسبة للواردات من السلع المصنعة فإن ذلك يظهر مدى اعتماد العالم اإلسالمي على‬
‫الغير في اشباع حاجات أفراده من هذه السلع إذ تتراوح النسبة بين ‪ %50‬و ‪ %85‬من جملة‬
‫الواردات لجميع الدول‪ ،‬ولو أن هذا االعتماد كان على دول من نفس المجموعة اإلسالمية لهان‬
‫األمر ولكن يالحظ بصفة عامة أن اتجاه الدول اإلسالمية للتجارة مع بعضها متدني إلى حد‬
‫كبير حيث ال تزيد صادرات الدول اإلسالمية إلى بعضها البعض من ‪ %9.5‬عام ‪ 996‬بينما‬
‫التجارة البينية بين الدول اإلسالمية وغيرها من دول العالم تمثل حوالي ‪. %9.5‬‬
‫ونتيجة العتماد الدول اإلسالمية على الدول األخرى فإن حجم الديون فيها يزيد بمعدل‬
‫كبير بالنسبة لغالبيتها فباستثناء دول البترول نجد أن أجمالي ديون الدول اإلسالمية حوالي‬
‫‪ 589.8‬مليار دوالر أمريكي في عام ‪ 998‬وهى تعادل نسبة ‪ %40‬من أجمالي الناتج المحلي‬
‫لهذه الدول ويلحق بها خدمة الدين (الفوائد واألقساط المستحقة) باعتبارها مقياسا لعبث المديونين‬
‫حيث وصلت إلى نسبة ‪ %26.6‬من حجم الناتج المحلي اإلجمالي وفي بعض الدول تتراوح‬
‫النسبة بين ‪ %34.5‬و ‪ %20.9‬وتبلغ الفوائد الربوية التى تدفع على هذه الديون حوالى ‪%33‬‬
‫من صادراتها‪.‬‬
‫كما أن لزيادة االعتماد على الدول الخارجية أث ار آخر في العجز المزمن في الميزان‬
‫التجاري ألغلب الدول اإلسالمية‪.‬‬
‫د‪ -‬تخلف الفن اإلنتاجي‪:‬‬
‫(‪ )1‬تقرير البنك اإلسالمي للتنمية عام ‪1418‬هـ مرجع سابق‪.‬‬
‫‪-6-‬‬
‫لقد بات من المؤكد ضرورة اعتماد اإلنتاج على التكنولوجيا التى تعمل على تحسين وتطور‬
‫اإلنتاج في أفضل صورة‪ ،‬والتكنولوجيا ببساطة هى استخدام نتائج البحث العلمي في العملية‬
‫اإلنتاجية وهذا يتطلب وجود مؤسسات بحثية وجهات قادرة على استخدام نتائج هذه األبحاث‬
‫وتطويرها‪ ،‬ويتسم اإلنتاج في الدول المتخلفة عموما والدول اإلسالمية تشكل حي اًز كبي اًر منها‪،‬‬
‫بتخلف الفن اإلنتاجي فيها لعدم امكانية استخدام تكنولوجيا حديثة في عمليات اإلنتاج وهذا ناتج‬
‫من عدم االهتمام بالبحث العلمي حيث تشير االحصاءات إلى أن ‪ %90‬من المجتمع العلمي في‬
‫الدول المتقدمة‪ %0 ،‬في الدول المتخلفة‪ ،‬كما تشير االحصاءات إلى أن نسبة ‪ %36‬من‬
‫الطالب في الجامعات العربية يدرسون في مجال العلوم المتصلة بالتكنولوجيا‪ %64 ،‬يدرسون‬
‫في مجاالت العلوم اإلنسانية‪ ،‬وفي مجال االنفاق على البحوث العلمية والتنمية التجريبية في‬
‫الدول العربية تتراوح النسبة بين ‪ %0.5 ، %0.‬من الناتج المحلي اإلجمالي ويصل نصيب‬
‫الفرد من االنفاق على هذه البحوث في البالد العربية من دوالر واحد إلى دوالرين‪ ،‬بينما يصل‬
‫في الدول المتقدمة من ‪ 50‬إلى ‪ 00‬دوالر وفي أمريكا إلى ‪ 40‬دوالر(‪.)‬‬
‫وهكذا نصل في النهاية إلى أن الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية متخلف بصورة كبيرة‬
‫وأن آثار هذه المشكلة تظهر في المعايير التى ذكرناها من انخفاض في الناتج وضعف الهيكل‬
‫اإلنتاجي‪.‬‬
‫وهنا يثور تساؤل‪ :‬ما هى األسباب التى أدت إلى هذا الوضع؟ وهذا ما سنحاول بيانه في الفقرة‬
‫التالية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أسباب الوضع اإلنتاجي في الدول اإلسالمية‪:‬‬
‫أن عملية اإلنتاج هى محصلة لتفاعل القوى البشرية في التعامل مع الموارد من خالل‬
‫الجهد اإلنساني الفعال الذي تحكمه مجموعة من القيم لتضبط حركته وتنظمها‪ ،‬وبالتالي فإنه يلزم‬
‫لممارسة العملية اإلنتاجية أربعة عناصر هى‪:‬‬
‫َّللا عز وجل لإلنسان على وجه األرض‪.‬‬
‫‪ -‬الموارد‪ :‬وتمثل ما خلقه ه‬
‫َّللا لإلنسان‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة البشرية‪ :‬وتتمثل في االمكانات العقلية والبدنية التى أودعها ه‬
‫‪ -3‬الجهد البشري‪ :‬ويتمثل في تعامل القدرة البشرية مع الموارد‪.‬‬
‫‪ -4‬القيم‪ :‬وتتمثل في مجموعة الضوابط التى تنظم القدرة البشرية في تعاملها مع الموارد‪.‬‬
‫(‪ )1‬العلم والتكنولوجيا يف تنمية الدول العربية ‪-‬دراسات وواثئق‪ -‬اليونسكو العدد ‪. 41‬‬
‫‪-7-‬‬
‫والعناصر الثالثة األخيرة يجمعها عنصر العمل والذي يعتبر العنصر األهم في العملية‬
‫اإلنتاجية ويدل على ذلك نموذجين ماثلين أمام البشرية جمعا من التاريخ القديم والحديث‪ ،‬أما‬
‫النموذج من التاريخ القديم فهو ما سبق ذكره في حال العرب في بدء ظهور اإلسالم حيث بدأوا‬
‫من نقطة الصفر من حيث االمكانيات وبنوا حضارة مازالت آثارها الدينية والفكرية واالقتصادية‬
‫والسياسية ملء السمع والبصر‪ ،‬أما النموذج من التاريخ الحديث‬
‫( ‪)‬‬
‫فيتمثل في دولة مثل ألمانيا‬
‫حيث استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية وخروجها منها محطمة أن تعيد بناءها من نقطة‬
‫الصفر أى بال امكان يعد بالنسبة لما انجز فعال وأصبحت في تعداد الدول المتقدمة وسبب ذلك‬
‫يعود بالدرجة األولي إلى اإلرادة الحضارية التى وجهت اإلنسان فيها إلى أن ينجز شيئاً كبي اًر من‬
‫ال إمكانيات‪ ،‬واذا نظرنا إلى الدول اإلسالمية المعاصرة ومدى توافر هذه العناصر فيها فسوف‬
‫نجد اآلتي‪:‬‬
‫َّللا سبحانه وتعالى البشرية جمعاء بأسباب الحياة وخص العالم‬
‫ بالنسبة للموارد فلقد أمد ه‬‫اإلسالمي منها بجزء كبير ممثال في المساحات الشاسعة من األراضي بما عليها من نبات‬
‫وحيوان وبما فيها من معادن وثروات‪.‬‬
‫ بالنسبة للقدرة البشرية فاهلل عز وجل يخاطبنا كمسلمين في كتابه العزيز بأنه سخر لنا ما‬‫السمو ِ‬
‫ِ‬
‫ات َو َما ِفي‬
‫في السموات واألرض حيث يقول عز وجل ﴿أََل ْم َتَر ْوا أ َّ‬
‫َّللا َس َّخَر َل ُك ْم َما في َّ َ َ‬
‫َن َّ َ‬
‫اهرًة وب ِ‬
‫ض وأَسب َغ عَلي ُكم ِنعمه َ ِ‬
‫اطَن ًة﴾(‪ )2‬ويقول سبحانه وتعالى ﴿ َو َس َّخَر َل ُك ْم َما ِفي‬
‫األَْر ِ َ ْ َ َ ْ ْ َ َ ُ‬
‫ظ َ ََ‬
‫َّ ِ‬
‫ض ج ِم ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ات لَِق ْو ٍم َي َت َف َّكُرو َن﴾(‪ )3‬ومعنى التسخير في‬
‫آلي ٍ‬
‫يعا مْن ُه ِإ َّن في َذل َك َ‬
‫الس َم َوات َو َما في األَْر ِ َ ً‬
‫هذه اآليات هو تذليلها بمعنى جعلها في متناول قدرة اإلنسان ونطاق يده وعقله‪.‬‬
‫َّللا لإلنسان فإن النصوص‬
‫‪ -‬بالنسبة لبذل الجهد البشري لألفادة من الموارد التى سخرها ه‬
‫الدينية كثيرة في أمر المسلم وحثه على العمل المنتج (وسيأتى ذكره بعد)‪.‬‬
‫‪ -‬بالنسبة للقيم التى تضبط حركة الجهد البشري في تعامله مع الموارد باإلنتاج فإن‬
‫اإلسالم شرع منها الكثير بل أن القيم األخالقية تعتبر الشعبة الثالثة من شعب اإلسالم بعد‬
‫العقيدة والشريعة (وسيأتى ذكره بعد)‪.‬‬
‫(‪ )1‬مالك بن نىب ‪ -‬مرجع سابق ص ‪. 73‬‬
‫(‪ )2‬سورة لقمان اآلية ‪. 20‬‬
‫(‪ )3‬سورة اجلاثية اآلية ‪. 13 -‬‬
‫‪-8-‬‬
‫ومن هذا العرض يتضح أن المسلمين يملكون عناصر اإلنتاج من ربهم ودينهم سواء‬
‫الموارد والقدرة أو األمر بالعمل وبذل الجهد أو القيم الضابطة للعمل‪ ،‬إذا فلماذا وصل بهم الحال‬
‫في الوقت الحاضر إلى هذا التخلف اإلنتاجي؟!‬
‫َّللا عز وجل في احاطته بكل شئ‪ ،‬وكشأن القرآن الكريم في عدم التفريط في أى‬
‫كشأن ه‬
‫َّللا سبحانه وتعالى وفي قرآنه الكريم يعطينا اإلجابة على هذا التساؤل ويحدد أسباب‬
‫شئ فإن ه‬
‫ذلك التخلف في كلمة واحدة وهى "االعراض" حيث يقول عز من قائل آلدم وذريته من بعده‬
‫ِ َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اه ِب َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اي َفال َي ِض ُّل‬
‫يعا َب ْع ُض ُك ْم لَِب ْع ٍ‬
‫ال ْ‬
‫طا مْن َها َجم ً‬
‫﴿ َق َ‬
‫ض َعُد ٌّو َفإ َّما َيأْتَين ُك ْم مني ُهًدى َف َمن َّاتَب َع ُه َد َ‬
‫يش ًة َضْنكا وَنح ُشره يوم اْل ِقي ِ‬
‫َع َمى﴾(‪.)‬‬
‫ض َع ْن ِذ ْكرِي َفِإ َّن َل ُه َم ِع َ‬
‫َعَر َ‬
‫امة أ ْ‬
‫َوال َي ْشَقى‪َ ‬و َم ْن أ ْ‬
‫ً َ ْ ُُ َْ َ َ َ‬
‫ى‬
‫ات ِم َن‬
‫امُنوا َو َّاتَق ْوا َل َف َت ْحَنا َعَلْي ِه ْم َبَرَك ٍ‬
‫كما يقول في آية أخرى ﴿ َوَل ْو أ َّ‬
‫َن أ ْ‬
‫َه َل اْلُقَر َء َ‬
‫السم ِ‬
‫اء َواألَْر ِ‬
‫اه ْم ِب َما َكاُنوا َي ْك ِسُبو َن﴾(‪.)2‬‬
‫ض َوَل ِك ْن َك َّذُبوا َفأ َ‬
‫َخ ْذَن ُ‬
‫َّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يها ِرْزُق َها َر َغًدا‬
‫َّللا َم َثال َقْرَي ًة َكاَن ْت َءامَن ًة ُم ْط َمئَّن ًة َيأْت َ‬
‫كما يقول سبحانه وتعالى ﴿ َو َضَر َب َّ ُ‬
‫ان َف َك َفر ْت ِبأَْنعمِ َّ ِ‬
‫َّللا لِباس اْلجوِع واْل َخو ِ‬
‫ِ‬
‫ف ِب َما َكاُنوا َي ْصَن ُعو َن﴾(‪ )3‬ويالحظ‬
‫َّللا َفأَ َذا َق َها َّ ُ َ َ ُ َ ْ‬
‫ُ‬
‫م ْن ُك ِل َم َك ٍ َ‬
‫َّللا التى خلقها لهم من الموارد االقتصادية‬
‫َّللا سبحانه ضرب المثل بأهل قرية كفروا بأنعم ه‬
‫هنا أن ه‬
‫المختلفة‪ ،‬ومعنى الكفر هو االنكار والجحود وعدم االعتراف بهذه الموارد والتعامل معها‬
‫َّللا بوفرة ولكنها لم‬
‫باالستثمار‪ ،‬وهذا هو حال األمة اإلسالمية اليوم فهى لديها الموارد التى خلقها ه‬
‫تتعامل معها ولذا كانت النتيجة كما قرر سبحانه "الخوف والجوع"‪ .‬وتتأكد العالقة بين معصية‬
‫ِ‬
‫يح ُك ْم‬
‫ه‬
‫َّللا َوَر ُسوَل ُه َوال َتَن َاز ُعوا َف َت ْف َشُلوا َوَت ْذ َه َب ِر ُ‬
‫َّللا ورسوله وبين الفشل في قوله تعالى ﴿ َوأَط ُ‬
‫يعوا َّ َ‬
‫َو ْ ِ ِ‬
‫ين﴾(‪.)4‬‬
‫َّللا َم َع َّ‬
‫الصا ِب ِر َ‬
‫اصبُروا إ َّن َّ َ‬
‫ويتضح من هذه اآليات أن سبب التخلف الذي يعيش فيه مسلمو اليوم وأثر هذا التخلف‬
‫في المعيشة الضنك‬
‫( ‪)5‬‬
‫َّللا ومنهجه‪،‬‬
‫والخوف والجوع والتخلف والفشل‪ ،‬هو االعراض عن هدى ه‬
‫َّللا والمنهج اإلسالمي في جميع شئونهم‪،‬‬
‫وبالتالي فالمخرج الوحيد لهم من ذلك هو اتباع هدى ه‬
‫وفي المباحث التالية نبين معالم هذا المنهج في مجال اإلنتاج‪.‬‬
‫(‪ )1‬سورة طه اآلايت ‪. 124- 123‬‬
‫(‪ )2‬سورة األعراف ‪ :‬اآلية ‪. 96‬‬
‫(‪ )3‬سورة النحل ‪ :‬اآلية ‪.112‬‬
‫(‪ )4‬سورة األنفال ‪ -‬اآلية ‪. 46‬‬
‫(‪ )5‬املعيشة ا لضنك قد تكون مع زايدة املوارد أيضا ولكن تنزع الربكة وتقل االستفادة منها كنتيجة لالعراض‬
‫عن ذكر ه‬
‫اَّلل‪.‬‬
‫‪-9-‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫مفهوم اإلنتاج وضرورته وأهدافه‬
‫من منظور إسالمي‬
‫مقدمــــة‪:‬‬
‫لقد حددنا في المبحث السابق واقع العالم اإلسالمي اليوم واتضح أنه واقع متخلف إنتاجا ثم‬
‫َّللا وهديه‪ ،‬وبذلك نكون وصلنا في‬
‫بينا السبب الرئيسي لهذا الواقع وهو االعراض عن منهج ه‬
‫البحث إلى منتصف الطريق وهو تشخيص الداء ونبدأ من هذا المبحث في تحديد العالج وذلك‬
‫بمدخل عام لبيان مفهوم اإلنتاج وأهميته وأهدافه والمسئولية عنه من منظور إسالمي وذلك في‬
‫النقاط التالية‪:‬‬
‫أوال‪ :‬مفهوم اإلنتاج‪:‬‬
‫يعرف االقتصاديون المعاصرون اإلنتاج بمفهوم شامل بأنه "خلق المنفعة أو زيادتها"‬
‫والتعريف بهذه الصياغة غير مقبول إسالميا وال يتفق مع حقيقة العملية اإلنتاجية‪ ،‬ذلك أن للخلق‬
‫في اللغة معنيان‬
‫( ‪)‬‬
‫‪ ..‬أحدهما ابتداع الشئ على مثال لم يسبق إليه أو االنشاء‪ ،‬وثانيهما‪ :‬تقدير‬
‫األمور‪ ،‬ولفظ الخلق الوارد في التعريف االقتصادي لإلنتاج ينصرف إلى إيجاد المنفعة وانشاؤها‬
‫من عدم‪ ،‬وهو ال يتفق مع الفكر اإلسالمي الذي يطلق الخلق بهذا المعنى كصفة هَّلل عز وجل‬
‫{و َّ‬
‫اَّللُ َخلَقَ ُك ْم َو َما ت َ ْع َملُ َ‬
‫ون}‬
‫دون غيره‪ ،‬فهو سبحانه الذي خلق اإلنسان وما يعمل َ‬
‫ج ِميعًا}(‪.)3‬‬
‫له الموارد { ُه َو الَّذِي َخلَ َ‬
‫ض َ‬
‫ق لَ ُك ْم َما فِي األَرْ ِ‬
‫( ‪)4‬‬
‫ِف ٌء َو َمنَافِعُ}‬
‫{واأل َ ْنعَا َم َخلَقَ َها لَ ُك ْم فِي َها د ْ‬
‫وخلق المنافع من هذه الموارد َ‬
‫اس}(‪.)5‬‬
‫س َ‬
‫{وأ َ ْن َز ْلنَا ْال َحدِيدَ فِي ِه بَأ ْ ٌ‬
‫شدِيدٌ َو َمنَافِ ُع ِللنَّ ِ‬
‫َ‬
‫( ‪)2‬‬
‫وخلق‬
‫واذا فالجهد اإلنساني في العملية اإلنتاجية ال ينصرف إلى خلق المنفعة أو زيادتها بل‬
‫َّللا في الموارد وتهيئتها بصورة تمكن من االنتفاع بها‪،‬‬
‫ينصب على اكتشاف المنافع التى خلقها ه‬
‫وعلى ذلك يمكن تعريف اإلنتاج من منظور إسالمي بأنه "بذل اإلنسان جهده في الموارد‬
‫ألكتشاف وتهيئة المنافع الموجودة بها"‪.‬‬
‫(‪ )1‬ابن منظور‪ :‬لسان العرب ‪ -‬دار املعارف ج‪ 14‬ص ‪. 1244‬‬
‫(‪ )2‬سورة الصافات ‪ -‬اآلية ‪. 96‬‬
‫(‪ )3‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪. 29‬‬
‫(‪ )4‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪. 5‬‬
‫(‪ )5‬سورة احلديد ‪ -‬اآلية ‪. 25‬‬
‫‪-‬‬
‫‪10‬‬
‫‪-‬‬
‫ثانيا‪ :‬أهمية وضرورة اإلنتاج في اإلسالم‪:‬‬
‫مما الشك فيه أن اإلنتاج ضروري وهام لقيام حياة اإلنسان كما صوره اإلمام الغزالي في‬
‫َّللا عز وجل خلق الموارد لإلنسان في صورة يلزم معها صنعة اإلنسان فيها حتى تصبح‬
‫أن ه‬
‫صالحة ألشباع حاجاته ويتساوى في القول بذلك الفكر الوضعي مع الفكر اإلسالمي‪ ،‬ولكن ما‬
‫يميز الفكر اإلسالمي في هذا المجال هو االرتقاء باألنتاج وأهميته إلى درجة الوجوب الشرعي‪،‬‬
‫َّللا عز وجل‪ ،‬يدل على ذلك ما يلي‪:‬‬
‫بما له من الزام ومسئولية أمام ه‬
‫أ‪-‬‬
‫َّللا عباده باعمار األرض في قوله تعالى‬
‫أمر ه‬
‫َوا ْ‬
‫ست َ ْع َم َر ُك ْم فِي َها}‬
‫( ‪)‬‬
‫ض‬
‫{ ُه َو أ َ ْنشَأ َ ُك ْم ِم َن األَرْ ِ‬
‫ويقول المفسرون في معنى ذلك أمركم من عمارتها بما تحتاجون‬
‫إليه وفيه داللة على وجوب عمارة األرض للزراعة والغراس واالبنية(‪.)2‬‬
‫َّللا به ألن "استعمركم فيها" أى طلب منكم‬
‫ولن يكون ذلك إال بالنشاط اإلنتاجي الذي يأمر ه‬
‫َّللا عز وجل لدى األصوليين على الوجوب‪.‬‬
‫عمارتها والطلب المطلق من ه‬
‫َّللا‬
‫ب‪ -‬ومن الهدى النبوى الشريف ما ورد عن رسول ه‬
‫منها في طلب الحالل"‬
‫( ‪)3‬‬
‫‪‬‬
‫في قوله "العبادة عشرة أجزاء تسعة‬
‫وطلب الحالل في المجال االقتصادي يشمل كل عمل يقوم به‬
‫اإلنسان الشباع حاجياته من نشاط زراعي وصناعي وخدمي ويرتقي به اإلسالم إلى درجة‬
‫العبادة‪ ،‬بل أنه يمثل ‪ %90‬من العبادة ألنه بالعمل المنتج يستعين اإلنسان على أداء باقي‬
‫العبادات من صالة وزكاة وصوم وحج ‪ ...‬والتي تمثل ‪ %0‬من العبادة‪.‬‬
‫بل أن الرسول‬
‫‪‬‬
‫في الحث على العمل واإلنتاج ينفر من البطالة حتى ولو كان لدى‬
‫َّللا عليه وسلم "أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي الفارغ"‬
‫اإلنسان ما يكفيه فيقول صلى ه‬
‫( ‪)4‬‬
‫أى‬
‫الذي ال يعمل ألن دخله يكفيه‪.‬‬
‫جـ‪ -‬من المعروف أن لكل إنسان حقا في أن يشبع حاجياته لكى يعيش ولكن في مقابل هذا‬
‫الحق فإن عليه واجبا في أن يعمل لكى ينتج ما يحتاجه‪ ،‬ويصور أحد المفكرين‬
‫المسلمين‬
‫( ‪)5‬‬
‫الحق في هذا المجال بأنه االستهالك والواجب بأنه اإلنتاج ويخلص من سرد‬
‫قصة الرسول‬
‫‪‬‬
‫مع السائل الذي أتاه يسأله يوما لقمة عيش فأشار عليه الرسول بأن‬
‫(‪ )1‬سورة هود ‪ -‬اآلية ‪. 61‬‬
‫(‪ )2‬اخلصاص ‪-‬أحكام القرآن‪ -‬دار الكتاب العريب ج‪ 3‬ص‪. 165‬‬
‫(‪ )3‬عبد الوهاب الوصايب "الربكة يف فضل السعى واحلركة" مكتبة اخلاجني‪ -‬القاهرة ‪1354‬هـ ص‪. 29‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه الديلمي يف مسند الفردوس‪.‬‬
‫(‪ )5‬مالك بن نىب ‪ -‬مرجع سابق ص‪. 107 - 106‬‬
‫‪-‬‬
‫‪11‬‬
‫‪-‬‬
‫يحتطب (ينتج) ليأكل من عمل يده وبذلك قدم الواجب وهو اإلنتاج على الحق وهو‬
‫االستهالك‪.‬‬
‫ونخلص من كل هذه األدلة إلى أن اإلنتاج في اإلسالم يرتقي إلى درجة العبادة الخالصة‬
‫هَّلل وتصل أهميته إلى درجة الوجوب الشرعي‪ ،‬وبما أن الواجب مسئولية فإنه يثار تساؤل هنا‬
‫حول على من تقع مسئولية اإلنتاج في اإلسالم وذلك ما سنوضحه في الفقرة التالية‪:‬‬
‫ثالثا‪ :‬مسئولية اإلنتاج في اإلسالم‪:‬‬
‫أن العمل في نظام اإلنتاج البد أن يمارس على أنه مسئولية ذلك ذلك أنه إذا عدمت‬
‫المسئولية فسد النظام‪ ،‬والقيام بأية مسئولية البد أن يسبقها اقرار سلطة للمسئول بمعنى قدرته‬
‫على تحمل المسئولية‪ ،‬ذلك أن المسئولية بدون سلطة تحميل فوق الطاقة وعجز عن أداء‬
‫المسئولية‪ ،‬وقد سبق القول أن عملية اإلنتاج تتطلب مجموعة من العناصر هى الموارد والقدرة‬
‫وبذل الجهد والقيم‪ ،‬والموارد والقدرة في هذا المجال تمثالن السلطة وبذل الجهد وااللتزام بالقيم‬
‫يمثالن المسئولية‪ ،‬إذا فمن يملك القدرة والموارد يكون هو المسئول عن اإلنتاج‪ ،‬ولو نظرنا في‬
‫النظم االقتصادية المعاصرة وطبقا لفلسفتها األساسية نجد في النظام الرأسمالي تتركز الموارد في‬
‫يد األفراد وبالتالي فاإلنتاج مسئوليتهم طبقا لفلسفة النظام‪ ،‬وفي النظام االشتراكي تتركز الموارد‬
‫في يد الدولة وبالتالي فاإلنتاج مسئولية الدولة‪ ،‬أما في النظام اإلسالمي والذي يقر الملكية‬
‫الخا صة والعامة فأننا نجد أن مسئولية اإلنتاج تقع على كل من اإلنسان الفرد والدولة وتتوزع هذه‬
‫المسئولية طبقا للتحليل التالي(‪:)‬‬
‫أ‪ -‬مسئولية الدولة‪ :‬أن دور الدولة في عملية اإلنتاج أمر استراتيجي وهام لما تملكه من‬
‫امكانيات كبيرة وقدرة على التأثير في النشاط االقتصادي القومي ومسئولية الدولة تتحدد هنا‬
‫اجماال في اآلتي‪:‬‬
‫‪ -‬القيام بتوفير القواعد األساسية من المرافق العامة الالزمة لعملية اإلنتاج وذلك واجب‬
‫أساسي ركز عليه المفكرون المسلمون مثل ما جاء في كتاب اإلمام على بن أبى طالب إلى‬
‫عامله على مصر األشتر النخعي "وليكن نظرك في عمارة األرض أبلغ من نظرك في استجالب‬
‫(‪ )1‬حبثنا أولوايت االستثمار يف اإلسالم ‪-‬املؤمتر احلادي عشر لالحصاء والعلوم االجتماعية‪ -‬القاهرة مارس‬
‫‪. 1986‬‬
‫‪-‬‬
‫‪12‬‬
‫‪-‬‬
‫الخراج‪ ،‬ألن ذلك اليدرك إال بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البالد وأهلك العباد ولم‬
‫يستقم أمره إال قليال"(‪.)‬‬
‫‪ -2‬ضرورة تدخل الدولة لمراقبة اإلنتاج وللتاكد من أنه يوجه طبقا للقيم اإلسالمية سواء‬
‫من حيث اختيار مجاالت اإلنتاج أو أتباع االساليب المشروعة والبعد عن الممارسات الحرام‪،‬‬
‫ويدل على ذلك "نظام الحسبة" الذي كان أحد اركان الدولة اإلسالمية ويقوم بوظيفة مراقبة الدولة‬
‫للنشاط االقتصادي في عمومه(‪.)2‬‬
‫‪ -3‬ممارسة الدولة لبعض األنشطة االقتصادية‪ ،‬وأن كان بعض المفكرين المسلمين مثل‬
‫ابن خلدون وابن األزرق وأبو جعفر الدمشقي‬
‫( ‪)3‬‬
‫يرون أن اشتغال الدولة بالتجارة مضربا بالعمران‬
‫مؤذن بخراب البالد‪ ،‬إال أن ذلك ال يمنع من القول أن الملكية العامة يجب أن تؤدى دورها‬
‫ومسئوليتها في العملية اإلنتاجية‪ ،‬على ان ال تكون هى المنتجة الوحيدة بل يشترك معها األفراد‬
‫في تحمل هذه المسئولية‪ ،‬فالنظام اإلسالمي والذي يقر الملكية الفردية والعامة يتسع لممارسة دور‬
‫كل منها في اإلنتاج(‪.)4‬‬
‫َّللا لهم سبل امتالك‬
‫ب‪ -‬مسئولية األفراد عن اإلنتاج‪ :‬أن مسئولية األفراد الذين يسر ه‬
‫الموارد والقدرة البشرية (المال والعمل) عن اإلنتاج مسئولية دينية لما سبق قوله من أن الواجب‬
‫على المسلمين إعمار األرض ومن أن العمل المنتج في طلب الحالل يعتبر عباده هَّلل عز وجل‬
‫َّللا هو المالك الحقيقي له ومن واجب األمين أو المستخلف‬
‫وألن المال في يد األفراد أمانة ألن ه‬
‫أن يعمل وفق إرادة المالك األصلي والمالك األصلي أمرنا باعمار األرض‪ ،‬واذا كان الفالسفة‬
‫يقولون أنه‬
‫يلزم أن تقترن المسئولية بالمحاسبة على أدائها فها هو الرسول ‪‬‬
‫يؤكد أن اإلنسان‬
‫َّللا من موارد وقدرة بشرية في قوله الجامع "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى‬
‫يسأل عما منحه ه‬
‫يسأل عن أربع‪ :‬عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أباله؟ وعن ماله من أين أكتسبه وفيما‬
‫(‪ )1‬هنج البالغة ‪-‬مجع الشريف الرضي‪ -‬دار الشعب بدون اتريخ ص‪ -34‬ومثل هذا القول لدى كل من‪:‬‬
‫املاوردي‪ -‬األحكام السلطانية‪ -‬مطبعة مصطفى احلليب مبصر‪ 1973 -‬ص‪ 127‬أبو يوسف ‪-‬اخلراج‪-‬‬
‫املطبعة السلفية‪ 1396 -‬ص‪. 119‬‬
‫(‪ )2‬حممد املبارك ‪-‬الدولة واحلسبة عند ابن تيمية‪ -‬دار الفكر ‪. 1967‬‬
‫(‪ )3‬رأى ابن خلدون يف مؤلفه "مقدمة ابن خلدون" دار احياء الرتاث العريب ص‪- ،281‬رأى ابن األزرق‪ -‬يف‬
‫مؤلفه "بدائع السلك يف طبائع امللك" ‪-‬وزارة االعالم ابلعرق‪ -‬ج‪ 1‬ص‪- 208‬رأى أبو جعفر‬
‫الدمشقي‪ -‬االشارة إىل حماسن التجارة مكتبة الكليات األزهرية‪ ، 977 -‬ص‪. 61‬‬
‫(‪ )4‬د‪ .‬يوسف ابراهيم ‪-‬املنهج اإلسالمي يف التنمية‪ -‬االحتاد الدوىل للبنوك اإلسالمية ‪1401‬هـ ص‪- 375‬‬
‫‪. 377‬‬
‫‪-‬‬
‫‪13‬‬
‫‪-‬‬
‫انفقه؟ وعن عمله ماذا عمل فيه؟‬
‫( ‪)‬‬
‫أى انه يسأل عن الطاقات التى اتيحت له مادية (ماله)‬
‫وبشرية (بدنية العمر والشباب‪ ،‬وذهنية العلم)‪ .‬ومن الجدير بالذكر أن هذه المساءلة ال تكون في‬
‫اآلخرة فقط وانما في الدنيا أيضاً من خالل واجبات ولى األمر في إجبار من يملكون القدرة على‬
‫اإلنتاج في حالة االحتياج إليه‪ ،‬ويصور ابن تيمية ذلك في قوله "والمقصود أن هذه األعمال التى‬
‫هى فرض على الكفاية متى لم يقم بها اإلنسان صارت فرض عليه السيما إن كان غيره عاج از‬
‫عنها‪ ،‬فإذا كان الناس مح تاجين إلى فالحة قوم او نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا‬
‫يجبرهم ولى األمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل"‬
‫( ‪)2‬‬
‫وذلك مشروط لديه بتقاعس المنتجين‬
‫وعدم كفاية المعروض من السلعة أو الخدمة سواء من اإلنتاج المحلي أو الواردات‪.‬‬
‫وهكذا نرى ان اإلسالم نظم اإلنتاج كمسئولية حدد اطرافها ودور كل منهم بصورة تمكن من‬
‫تحقيق أهداف اإلنتاج التى توضحها في النقطة التالية‪:‬‬
‫رابعا‪ :‬أهداف اإلنتاج‪:‬‬
‫تحدد اهداف اإلنتاج في العرف االقتصادي في اهداف وصفية وأهداف عملية وكل منها‬
‫ينقسم إلى أهداف عامة وأهداف خاصة‪ ،‬وبدون الدخول في تفاصيل هذه األهداف فإننا سنحاول‬
‫ان نوضح النظرة اإلسالمية لها كاهداف وصفية وعملية عامة فقط والتى تتحدد في اآلتي‪:‬‬
‫أهداف أولية‪ :‬وتتمثل في تحقيق المنفعة واشباع الحاجيات‪.‬‬
‫َّللا عز وجل‪.‬‬
‫أهداف عليا‪ :‬قيام حياة اإلنسان وعبادة ه‬
‫وليس هذا فقط ما يميز نظرة اإلسالم إلى أهداف اإلنتاج بل أنه يختلف عن األفكار‬
‫األخرى في وضع الضوابط الكفيلة بتحقيق األهداف األولية التى يقول بها‪.‬‬
‫وسوف نناقش فيما يلي مزايا النظرة اإلسالمية في أهداف اإلنتاج‪.‬‬
‫َّللا هدفا لإلنتاج فإن ذلك يظهر في اآلتي‪:‬‬
‫( أ ) من حيث اعتبار عبادة ه‬
‫‪ -‬أن اإلنتاج في حد ذاته يدخل ضمن نسبة ال ‪ %90‬من العبادة طبقا للحديث السابق‬
‫ذكره‪.‬‬
‫‪-2‬‬
‫{و َما َخلَ ْق ُ‬
‫ون}‬
‫أن هَّللا عز وجل يقول‪َ :‬‬
‫اإل ْن َ‬
‫س ِإال ِليَ ْعبُدُ ِ‬
‫ت ْال ِج َّن َو ِ‬
‫يجب أن يكون ما يهدف إليه اإلنسان في جميع أنشطته ومنها النشاط االقتصادي‬
‫(‪ )1‬الرتغيب والرتهيب ‪ -‬ج‪ 2‬ص‪. 551‬‬
‫(‪ )2‬ابن تيمية ‪-‬احلسبة يف اإلسالم‪ -‬دار عمر بن اخلطاب ص‪. 14‬‬
‫(‪ )3‬سورة الذارايت ‪ -‬اآلية ‪. 56‬‬
‫‪-‬‬
‫‪14‬‬
‫‪-‬‬
‫( ‪)3‬‬
‫وبالتالي‬
‫َّللا عز وجل‪ ،‬حيث أنه بدون اإلنتاج ال يمكن لإلنسان أن يشبع حاجياته‬
‫هو عبادة ه‬
‫ويحفظ حياته ليتمكن من أداء العبادات المقررة عليه‪.‬‬
‫‪ -3‬أن اإلنتاج يمكن المسلمين من نشر الدعوة والدفاع عن المجتمع اإلسالمي من غزو‬
‫االخرين فيمكنهم من تحقيق االستقالل بكل أبعاده‪.‬‬
‫َّللا في ترشيد اإلنتاج واستخدام‬
‫ويأتي أثر اعتبار أن الهدف األسمى من اإلنتاج هو عبادة ه‬
‫الموارد حتى تتحقق العبادة‪ ،‬وفي البعد عن إنتاج الخبائث وسوء استخدام الموارد ألن هذه معاص‬
‫وَّللا ال يعبد بمعصية‪.‬‬
‫ه‬
‫(ب) من حيث الضوابط التى تحكم األهداف األولية لإلنتاج نجد اآلتي‪:‬‬
‫‪ -‬بالنسبة لهدف تحقيق المنفعة أو القيمة وتضبط بضابط إسالمي عام وهو أن تكون‬
‫المنفعة معتبرة شرعا وبالتالي تكون منفعة حقيقية وليست مزعومة ومن شأن هذا‬
‫الضابط أن يمنع إنتاج سلع وخدمات يزعم البعض أن بها منافع مثل الخمر ودور‬
‫المالهي‪.‬‬
‫‪ -2‬بالنسبة لهدف إشباع الحاجيات اإلنسانية‪ ،‬فمن المعروف أن الحاجات هى مجموعة‬
‫غرائز وميول وشهوات وانه في غيبة الضوابط المحكمة من عقل ودين وقيم فإن‬
‫الشهوات تفسد على اإلنسان حياته ألنها مبنية على الحيوانية والنهم والجشع ويرجع‬
‫أحد الكتاب األمريكيين أن هذه الشهوات هى أحد أسباب ثالثة للمأزق في‬
‫االقتصاديات المعاصرة حيث يقول‪" :‬فالشهوات البرجوازية تعزز الميل إلى التملك‬
‫وتخلق طلبا نهما على السلع والخدمات ال يمكن اشباعه بالموارد المتاحة ال في‬
‫الدول المتقدمة وال في الدول النامية"‬
‫( ‪)‬‬
‫ويحدد أن العالج لذلك يكون بالحد من هذه‬
‫الشهوات بمساعدة القيم األخالقية‪ ،‬ولقد احتوى اإلسالم على مجموعة من هو القيم‬
‫األخالقية الضابطة تتمثل فيما يلي‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫ضبط الغرائز والشهوات بالقناعة والزهد والرضا‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫ترشيد االستهالك بال اسراف أو تبذير وال تقتير‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫تحريم االستخدام الترفي للموارد واالستهالك التفاخري‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫تحقيق العدالة في اشباع الحاجات لجميع أفراد المجتمع بدءاً من حد الكفاية‬
‫دون السماح بحدوث فجوات كبيرة في االشباع بين أفراد المجتمع‪.‬‬
‫(‪ )1‬دانييل بيل "التناقضات الثقافية للرأمسالية" نقال عن د‪ .‬حممد عمر شربا "حنو نظام نقدي عادل" املعهد‬
‫العاملي للفكر اإلسالمي ‪ 1981‬ص‪. 35‬‬
‫‪-‬‬
‫‪15‬‬
‫‪-‬‬
‫َّللا لإلنسان‬
‫ويجمع ذلك كله آية كريمة حددت ضوابط التصرف في الموارد التى خلقها ه‬
‫والتى يجمعها لفظ المال‪ ،‬وجاءت هذه الضوابط في أربعة معايير يلزم على المسلم مراعاتها في‬
‫كل تصرف اقتصادي حتى يأتى تصرفه متفقاً مع الشريعة ويؤدى المقصود منه في اسعاد‬
‫اآلخ َرةَ‬
‫{وا ْبت َ ِغ فِي َما َءاتَاكَ َّ‬
‫ار ِ‬
‫اإلنسان في حياته وأخراه‪ ،‬فيقول سبحانه وتعالى َ‬
‫اَّللُ الدَّ َ‬
‫س َن َّ‬
‫سادَ فِي‬
‫اَّللُ إِلَيْكَ َوال ت َ ْب ِغ ْالفَ َ‬
‫س نَ ِصيبَكَ ِم َن الدُّ ْنيَا َوأ َ ْحس ِْن َك َما أ َ ْح َ‬
‫َوال ت َ ْن َ‬
‫ض ِإ َّن َّ‬
‫سد َ‬
‫ِين}(‪.)‬‬
‫اَّللَ ال ي ُِحبُّ ْال ُم ْف ِ‬
‫األَرْ ِ‬
‫ففي هذه اآلية أربعة معايير هى‪:‬‬
‫‪ -‬مراعاة اآلخرة وذلك بأن يكون التصرف فيه طاعة هَّلل وال توجد فيه معصية له سبحانه حتى‬
‫َّللا في اآلخرة‪ ،‬ومن شأن االلتزام المعيار ضبط‬
‫ينال العبد الثواب ويتجنب العقاب من ه‬
‫تصرفات اإلنسان باالتجاه نحو الخبر والبعد عن الشر وبذلك يتوفر ضابط اخالقى هام‬
‫‪-2‬‬
‫‪-3‬‬
‫تفقده البشرية كثي اًر في عالم اليوم‪.‬‬
‫س نَ ِصيبَكَ ِم َن الدُّ ْن َيا}‬
‫َ‬
‫{وال ت َ ْن َ‬
‫أى الحصول على أفضل إشباع ممكن‪ ،‬وهو المعيار‬
‫الوحيد الذى وقفت عنده البشرية في ظل نظام السوق الذى يسود العالم اآلن‪.‬‬
‫س َن َّ‬
‫اَّللُ‬
‫{وأ َ ْحس ِْن َك َما أ َ ْح َ‬
‫َ‬
‫إِلَيْكَ }‪ ،‬ويحدد هذا المعيار المسئولية االجتماعية نحو‬
‫المحررين والطبقات المهتمة في المجتمع والتى تحاول الرأسمالية اآلن العمل على تحقيقه‬
‫بعدما أدت إلى تفاقم مشكلة الفقر والفقراء ف يالعالم‪ ،‬ولو أن الرأسمالية تعالج ذلك بآليات‬
‫ثبت فشلها كما يظهر في فشل دولة الرفاهية التى تمثل تحوالً عن األسس العامة للرأسمالية‬
‫مما جعل الفكر االقتصادي نتيجة نحو اقتصادية المنح واالقتصاد اإلنسانى واقتصاديات‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫‪-4‬‬
‫سادَ فِي‬
‫{وال ت َ ْب ِغ ْالفَ َ‬
‫َ‬
‫ض}‪ ،‬وهذا ما يعم البشرية اآلن نتيجة عدم مراعاة هذا‬
‫األَرْ ِ‬
‫المعيار فلقد تفاقمت مشكلة الفساد المادى ممثالً في تلوث البيئة‪ ،‬والفساد األخالقي المتمثل‬
‫في الفساد االقتصادي الذى انتشر إلى حد واسع في جميع الدول اآلن‪.‬‬
‫وبالتالى ماكان أغنى البشرية عامة والمسلمين خاصة عن التخبط لو أنهم اتبعوا الهدى‬
‫اإلسالمي مما لم يكن يسمح بظهور المشكالت المادة التى تعانى منها اقتصاديات العالم اليوم‬
‫(‪ )1‬سورة القصص‪ :‬اآلية ‪.77‬‬
‫‪-‬‬
‫‪16‬‬
‫‪-‬‬
‫وهى غياب البعد األخالقى وما يسببه في تبديد الموارد وضياع الحقوق‪ ،‬ومشكالت الفساد‬
‫االقتصادي وتلوث البيئة والفقر والفقراء‪.‬‬
‫وفي المبحث التالى نحاول إعمال هذه المعايير بفقها ضوابط لإلنتاج‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫‪17‬‬
‫‪-‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫ضوابط اإلنتاج في اإلسالم‬
‫مقدمـــة‪:‬‬
‫تعتبر عملية اإلنتاج أحد جوانب السلوك االقتصادي اإلنساني‪ ،‬ومن المعروف ان سلوك‬
‫اإلنسان بصفة عامة يأتي محصلة لتفاعل نوعين من القوى هما(‪:)‬‬
‫ الدوافع وتمثل أساس الحركة لسلوك اإلنسان‪.‬‬‫‪ -‬القيم وتمثل الضوابط على حركة الدوافع‪.‬‬
‫ولقد جاء اإلسالم بتنظيم كامل لهذه القوى بشكل يرشد السلوك اإلنساني في مجموعه‪ ،‬فأقر‬
‫الدوافع النابعة من فطرة اإلنسان‪ ،‬ألن اإلسالم ال يتصادم مع الفطرة‪ ،‬وضبطها بالقيم بحيث ال‬
‫يسمح لها باالنطالق العشوائي كما تتمثل في الجشع االقتصادي‪ ،‬كما انه ال يسمح بتحويل القيم‬
‫إلى قوى ضاغطة على الدوافع فتحسبها فهى ضوابط ترشيدية وليست تحجيرية وفي هذا المبحث‬
‫سوف نحاول أن نحدد مجموعة القيم اإلسالمية التى تضبط السلوك اإلنتاجي وذلك في النقاط‬
‫التالية‪:‬‬
‫أوال‪ :‬الضوابط الدينية أو األصولية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الضوابط االقتصادية‪.‬‬
‫أوال‪ :‬الضوابط الدينية أو األصولية‪:‬‬
‫ونقصد بها مجموعة الضوابط المستمدة من القواعد األصولية في الدين اإلسالمي وتمثل‬
‫عوامل حاكمة لكل جوانب السلوك البشري ومنه السلوك اإلنتاجي ‪ -‬وهى المشروعية‪ ،‬ومراعاة‬
‫َّللا‪ ،‬وتحقيق المصالح‪ ،‬ودفع الضرر‪ ،‬والتعاون‪ ،‬وفيما يلي اإلشارة لكل منها‪:‬‬
‫حق ه‬
‫أ‪ -‬المشروعية‪:‬‬
‫ويعنى بها االلتزام باألحكام الشرعية والتى تدور بين الحالل والحرام من واجب ومندوب‬
‫ومباح ومكروه وحرام‪ ،‬فيجب على المسلم في كل سلوكه أن يلتزم باالبتعاد عن الحرام وتجنب‬
‫المكروه وضرورة أداء الواجب والميل إلى أداء المندوب والمباح وبتطبيق ذلك على السلوك‬
‫اإلنتاجي نجد اآلتي‪:‬‬
‫(‪ )1‬د‪ .‬عبد ه‬
‫اَّلل عابد "النظام االقتصادي األمثل" ‪ -‬القاهرة ‪ 1985 - 1405‬ج‪ 4‬ص‪. 5‬‬
‫‪-‬‬
‫‪18‬‬
‫‪-‬‬
‫‪ -‬من حيث نوع اإلنتاج يجب االلتزام بإنتاج السلع والخدمات التى تساعد على حفظ حياة‬
‫اإلنسان بعناصرها الخمس "الدين والنفس والعقل والعرض والمال" وبتجنب التعامل في السلع‬
‫والخدمات المحرمة أو المكروهة مثل الخمر والخنزير وأدوات المالهي ودور الدعارة‪.‬‬
‫‪ -2‬من حيث أسلوب ممارسة اإلنتاج يجب االلتزام باألحكام الشرعية الخاصة بالتمويل‬
‫واشكال المشروعات واحسان اإلنتاج واتقانه‪ ،‬كما يجب تجنب الممارسات الضارة والمحرمة شرعا‬
‫مثل التمويل بالربا واالحتكار والغش في المنتجات واالسراف في استخدام الموارد واالضرار‬
‫بالطيبات الحرة "تلوث البيئة" والرشوة واالختالس وخيانة األمانة(‪.)‬‬
‫َّللا‪:‬‬
‫ب‪ -‬مراعاة حق َّ‬
‫يقرر االقتصاديون أن أفعال العباد التى تتعلق بها األحكام الشرعية تنقسم إلى ما هو حق‬
‫خالص هَّلل تعالى وهى العبادات المحضة كالصالة والصيام‪ ..‬وما هو حق خاص للعبد أو‬
‫اإلنسان مثل حق اقتضاء الدين فالشرع اثبت هذا الحق لصاحبه وجعل له الخيرة إن شاء استوفاه‬
‫وأن شاء اسقطه‪ ،‬وهناك أفعال يتعلق بها حق هَّلل وحث لإلنسان‪ ،‬واذا نظرنا إلى عملية اإلنتاج‬
‫وفق هذا التصور نجد أنها من الحقوق المشتركة ألن ملكية المال في اإلسالم ملكية مزدوجة‬
‫َّللا في‬
‫فهى هَّلل عز وجل ملكية حقيقية وللبشر ملكية استخالف وانابة‪ ،‬مع مراعاة أن حق ه‬
‫التصور اإلسالمي هو حق المجتمع وبالتالي فيلزم على المنتجين مراعاة صالح المجتمع أداء‬
‫َّللا تعالى‪.‬‬
‫لحق ه‬
‫ج‪ -‬تحقيق المصلحة‪:‬‬
‫أن المقصد العام من التشريع اإلسالمي هو تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم‬
‫وتوفير حاجياتهم وتحسيناتهم‬
‫( ‪)2‬‬
‫والتى تلزم للحفاظ على مقومات الحياة الخمسة هى الدين والنفس‬
‫والعقل والعرض والمال وقد شرع اإلسالم لكل واحد من هذه الخمسة أحكاما تكفل إيجاده وتكوينه‬
‫وأحكاما تكفل حفظه وصيانته وبهذين النوعين من األحكام تحقق مصالح الناس وعلى ذلك فإنه‬
‫يلزم أن يتوجه اإلنتاج إلى حفظ هذه األشياء وصيانتها بإنشاء دور العبادة ومعاهد العلم لحفظ‬
‫الدين‪ ،‬وإلنتاج السلع الالزمة من مأكل وملبس ومسكن لحفظ النفس‪ ،‬ولحفظ العقل إنشاء دور‬
‫العلم‪ ،‬والبعد عن االستثمارات في الخمور والمخدرات‪ ،‬وأما حفظ العرض فيكون بتيسير الزواج‬
‫(‪ )1‬رسالتنا للدكتوراه "الرقابة على األموال يف الفكر اإلسالمي‪ -‬جتارة األزهر ‪ 1982‬ص‪ 146‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشيخ عبد الوهاب خالف ‪-‬علم أصول الفقه‪ -‬مكتبة الدعوة اإلسالمية ط‪ 8‬ص‪. 197‬‬
‫‪-‬‬
‫‪19‬‬
‫‪-‬‬
‫بإنشاء المساكن والمشروعات التى تساعد الشباب على بدء حياتهم‪ ،‬وحفظ المال يكون عن‬
‫طريق توجيهه إلى االستثمارات التى تحقق أفضل إنتاجية ممكنة والبعد عن ضياعه بكل الصور‪.‬‬
‫د‪ -‬دفع الضرر‪:‬‬
‫إذ ا كانت القاعدة السابقة تنظم المظهر اإليجابي للسلوك اإلنتاجي فإن هذه القاعدة تحدد‬
‫الجانب السلبي وتطالب باألبتعاد عنه وهو الضرر‪ ،‬وذلك أنه قد تصاحب عملية اإلنتاج بعض‬
‫األضرار مثل تلوث البيئة‪ ،‬ولقد نظم األصوليين استخدام هذه القاعدة في اآلتي‪:‬‬
‫‪ -‬أن الضرر يجب أن يزال شرعا وهو في مجال االقتصاد مثل حق المشترى في الخيار‬
‫برد المبيع المعيب‪.‬‬
‫‪ -2‬أن الضرر اليزال بالضرر فال يلجأ المنتجون إلى غش السلع خوفا من ضرر الخسارة‬
‫أو اتباع أسلوب الرشوة لتصريف منتجاتهم‪.‬‬
‫‪ -3‬يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام مثل منع األفراد من إقامة المصانع التى‬
‫تسبب تلوثا للبيئة أو أضرار باآلخرين‪.‬‬
‫‪ -4‬يرتكب أخف الضررين ألتقاء أشدهما مثل احتياج المجتمع لصناعة معينة كضرورة‬
‫يترتب عليها تلوث البيئة وأن عدم إقامة هذه الصناعة سيؤدى إلى ضرر بالمجتمع يفوق أضرار‬
‫التلوث فيرتكب أخف الضررين وهو التلوث أن لم يمكن تالفيه بوسائل أخرى‪.‬‬
‫‪ -5‬دفع المضار مقدم على جلب المصالح‪ ،‬ومثله في مجال اإلنتاج أنه إذا كانت هناك‬
‫رغبة في تشجيع السياحة ولكن ذلك يتطلب إنشاء مالهي للقمار والخمور والبغاء فأنه يلزم أن‬
‫تمنع إقامته ألنه ينطوى على ضرر بالمجتمع ممثال في الكسب الحرام وانتشار الرذيلة وال عبرة‬
‫بالمصلحة المزعومة بتشجيع السياحة‪.‬‬
‫هـ‪ -‬التعاون‪:‬‬
‫علَى ْالبِ ِر َوالت َّ ْق َوى‬
‫اونُوا َ‬
‫{وتَعَ َ‬
‫أن التعاون كقيمة إسالمية أمر إلهي في قوله تعالى َ‬
‫ان}(‪ )‬وأساس التعاون المطلوب بين المسلمين هو األخوة‬
‫اونُوا َ‬
‫َوال تَعَ َ‬
‫اإلثْ ِم َو ْالعُ ْد َو ِ‬
‫علَى ِ‬
‫َّللا المسلمين من‬
‫اإلسالمية في العقيدة والهدف اإلسالمي العام برفع كلمة اإلسالم‪ .‬ولقد حذر ه‬
‫التنازع والتشتت ورتب على ذلك نتيجة خطيرة هى الفشل في قوله تعالى‪:‬‬
‫(‪ )1‬سورة املائدة ‪ -‬اآلية ‪. 2‬‬
‫‪-‬‬
‫‪20‬‬
‫‪-‬‬
‫{وال تَنَ َ‬
‫از ُ‬
‫ب ِري ُح ُك ْم}‬
‫عوا فَت َ ْف َ‬
‫شلُوا َوت َ ْذ َه َ‬
‫َ‬
‫( ‪)‬‬
‫وأن كانت الظروف قد قسمت العالم‬
‫اإلسالمي سياسيا إل ى عديد من الدول فأنه في مجال االقتصاد يمكن أن يتم عمل مشترك بينها‬
‫حيث أنه ال توجد دولة في العالم يمكن أن تستقل ذاتيا بإنتاجها بل البد لها من التعاون مع‬
‫اآلخرين تصدي ار واستيرادا‪ ،‬ولقد رأينا من سرد واقع المسلمين في المبحث األول هبوط معدل‬
‫التبادل التجاري أو ا نتقال عوامل اإلنتاج بينها ففي الوقت الذي تتجمع فيه بعض الدول التى‬
‫تربطها عالقات جغرافية ‪-‬جوار الوطن‪ -‬مع بعضها في صورة تكتالت اقتصادية مثل السوق‬
‫األوربية المشتركة التي بدأت بين ألمانيا وباقي الدول مثل فرنسا وانجلت ار ومازالت آثار دمار‬
‫الحرب العالمية الثانية بينهم لم تخف بعد‪ ،‬ثم ساروا في طريق التكامل االقتصادي حتى وصلوا‬
‫اآلن إلى أوربا الموحدة‪ ،‬بينما الدول العربية على األقل بدأت بفكرة التعاون االقتصادي منذ عام‬
‫‪ 946‬وأنشئت على التوالي بعدها المؤسسات الالزمة لذلك ولم يحدث شئ في الواقع الستمرار‬
‫تطبيق األفكار أو تفعيل دور المؤسسات التى مازالت اتفاقياتها حبر على ورق رغم أنه يجمع‬
‫َّللا تعالى في قوله‬
‫بينها الحوار واألخوة اإلسالمية وهى بذلك ال تمتثل ألمر ه‬
‫ِب َح ْب ِل َّ‬
‫اَّللِ َج ِميعًا َوال تَفَ َّرقُوا}‬
‫( ‪)2‬‬
‫{وا ْعت َ ِص ُموا‬
‫َ‬
‫فنجد الدول اإلسالمية والتى يجمع بين اكثرها جوار‬
‫َّللا في التعاون على البر‬
‫جغرافي وأخوة في العقيدة التجتمع في عمل اقتصادي وطاعة ألمر ه‬
‫والتقوى‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الضوابط االقتصادية‪:‬‬
‫أوضحنا في الفقرة السابقة بعض القيم اإلسالمية التى تنظم وتضبط السلوك اإلنساني‬
‫للمسلم بصفة عامة‪ ،‬وبينا أثرها في ضبط السلوك اإلنتاجي‪ ،‬وفي هذه الفقرة ننتقل إلى تحديد‬
‫الضوابط األكثر تخصيصا بالنسبة للسلوك اإلنتاجي والتى تتمثل فيما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬التنوع في اإلنتاج‪ :‬لقد سبق أن اوضحنا أن اقتصاديات غالبية الدول اإلسالمية تتسم‬
‫بخلل في هيكلها اإلنتاجي يتمثل في التركيز على قطاع واحد واهمال باقي القطاعات‪ ،‬واذا كان‬
‫الفكر االقتصادي المعاصر يعطي أهمية كبرى للصناعة ثم الخدمات اإلنتاجية ثم الخدمات‬
‫العامة ثم الزراعة‪ ،‬فإن هذا الترتيب في األهمية لم يكن كذلك على مر التاريخ ففي مذهب‬
‫التجاريين كانت التجارة في مقدمة القطاعات وفي مذهب الطبيعيين تتصدر الزراعة عندهم‬
‫المرتبة األولي واألهم‪ ،‬وأخي ار ومنذ الثورة الصناعية احتلت الصناعة المرتبة األولي‪ ،‬واذا نظرنا‬
‫(‪ )1‬سورة االنفال ‪ -‬اآلية ‪. 46‬‬
‫(‪ )2‬سورة آل عمران ‪ :‬اآلية ‪.103‬‬
‫‪-‬‬
‫‪21‬‬
‫‪-‬‬
‫إلى الفكر اإلسالمي نجد أن مشكلة المفاضلة في القطاعات لم تأخذ هذا االختالف الواضح كما‬
‫يتضح من اآلتي‪:‬‬
‫‪ -‬النظر لكل القطاعات على أنها هامة وضرورية من األصل لقيام حياة الناس ويظهر‬
‫ذلك في اآليات القرآنية العديدة واألحاديث النبوية التى تناولت الصناعة والزراعة والتجارة في‬
‫صورة تقريرية أو أخبارية أو تنظيمية‪ .‬ثم تأتي أقوال المفكرين المسلمين لتؤكد هذه الحقيقة‬
‫بضرورة االهتمام بكل القطاعات فها هو اإلمام الغزالي‬
‫( ‪)‬‬
‫وهو يعدد أشغال الدنيا الالزمة لقيام‬
‫حياة الناس يذكر جميع القطاعات بفروعها التفصيلية‪ ،‬فالقطاعات الرئيسية يسميها أصول‬
‫الصناعات وهى التى تقوم على إنتاج السلع االستهالكية ثم أمهات الصناعات وهى التى تقوم‬
‫على إنتاج السلع الرأسمالية ثم قطاع الخدمات اإلنتاجية والعامة بل أنه ال يغفل عن سرد ما‬
‫يحدث في المجتمع االقتصادي من انشطة ال تعد من قبيل األعمال المنتجة ويسميها الحرف‬
‫الخسيسة كاللصوصية بل أنه يذكر في آخر سرده لهذه األنشطة أنها متجددة وال تنتهي وسوف‬
‫تظهر أنشطة جديدة حديث يقول "فانظر كيف ابتدأ األمر من حاجة القوت والملبس والمسكن‬
‫والى ماذا انتهى وهكذا أمور الدنيا ال يفتح منها باب إال وينفتح بسببه أبواب أخر تتناهى إلى‬
‫غير حد محصور"‪.‬‬
‫ويرى الغزالي أن كل األنشطة اإلنتاجية مهمة بقوله "فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل‬
‫كل فريق بعمل‪ ،‬ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا"(‪.)2‬‬
‫‪ -3‬بالنظر إلى تقرير أفضلية قطاع على آخر فإننا نالحظ وعلى وجه العموم أن‬
‫َّللا عليه وسلم عن‬
‫األحاديث النبوية الشريفة أشارت مشيدة لكل القطاعات منها قوله صلى ه‬
‫الزراعة "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إال كان له‬
‫به صدقة"(‪.)3‬‬
‫ويقول عن التجارة "عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق"‬
‫اإلمام على إلى عاملة االشتر النخعي‬
‫( ‪)5‬‬
‫( ‪)4‬‬
‫كما نجد أيضا في كتاب‬
‫ضرورة االهتمام بكافة القطاعات‪ ،‬فيقول عن الزراعة‬
‫"تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صالحهم صالح لمن سواهم وال صالح لمن سواهم إال‬
‫بهم"‪.‬‬
‫(‪ )1‬مرجع سابق ج‪ 3‬ص‪. 221 - 220‬‬
‫(‪ )2‬نفسه ج‪ 2‬ص‪. 75‬‬
‫(‪ )3‬البخاري حباشية السندي ‪ -‬دار احياء الكتب العربية ج‪ 2‬ص‪. 45‬‬
‫(‪ )4‬الغزايل ‪ -‬مرجع سابق ج‪ 2‬ص‪. 64‬‬
‫(‪ )5‬هنج البالغة ‪ -‬مرجع سابق ص‪. 99 - 96‬‬
‫‪-‬‬
‫‪22‬‬
‫‪-‬‬
‫ويقول عن التجارة "أستوص بالتجار وأوصى بهم خي ار المقيم منهم والمضطرب بماله‬
‫والمترفق ببدنه فأنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجالبها من المباعد والمطارح ‪ "..‬وعن‬
‫الصناعة يقول "فاستوص بذوي الصناعات وأوصى بهم خي ار ‪ "...‬وألن اإلسالم ليس مذهبا‬
‫لعصر واحد أو قوم بعي نهم‪ ،‬بل للناس كافة وعلى مر الزمن لذلك لم يأخذ موقفا في تفضيل‬
‫قطاع على آخر بل طلب االهتمام بكل القطاعات ثم ترك تحديد األهمية النسبية ألى قطاع منها‬
‫يحدده المسلمون بحسب الظروف واألحوال وهذا ما وعاه أحد المفكرين المسلمين منذ زمن بعيد‬
‫حيث يقول "فحيث احتيج إلى األقوات تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس وحيث احتيج إلى‬
‫المتجر (التجارة) ألنقطاع الطرق تكون التجارة أفضل وحيث احتيج إلى الصنائع تكون هذه‬
‫أفضل"‬
‫( ‪)‬‬
‫أى أن الهيكل اإلنتاجي يجب أن يوزع بين القطاعات بحسب شدة الحاجة إليه وباللغة‬
‫االقتصادية المعاصرة يعطى القطاع الذي يشتد الطلب على منتجاته ويقل المعروض منه‬
‫األهمية األولي‪.‬‬
‫ب‪ -‬تكوين الطاقة اإلنتاجية والمحافظة عليها‪ :‬األصل في اإلنتاج أن يوجه إلى اشباع‬
‫الحاجات اإلنسانية من مأكل وملبس ولكن إنتاج هذه السلع يحتاج إلى آالت ومعدات وأنشاءات‬
‫"التكوين الرأسمالي" األمر الذي يتطلب توجيه جزء من النشاط اإلنتاجي في المجتمع لصناعتها‪،‬‬
‫وهذا ما سبق فيه اإلمام الغزالي في تقسيمه ألنواع األنشطة اإلنتاجية فيسمى النشاط الموجه‬
‫إلنتاج السلع االستهالكية "بالصناعات األساسية" ثم يسمى النشاط الموجه إلنتاج السلع‬
‫الرأسمالية "بأمهات الصناعة"‪.‬‬
‫على أن األمر ال يقف بالفكر اإلسالمي عند حد التمييز بين نوعى المنتجات استهالكية‬
‫ورأسمالية‪ ،‬وانما يتعداه إلى التوجيه والحث على االضافات أو التكوين الرأسمالي وذلك للحد من‬
‫الميل االستهالكي وللعمل على تكوين الطاقة باإلنشاء وزيادتها بالتوسعات والمحافظة عليها‬
‫باالحالل والتجديد‪ ،‬ويظهر ذلك في عدة أدلة منها‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫يقول الرسول ‪‬‬
‫في التشجيع على إنشاء الطاقات "سبع يجرى أجرهن للعبد وهو في‬
‫قبره بعد موته‪ :‬من علم علما أو كرى نه ار أو حفر بئ ار أو غرس نخال أو بنى مسجدا أو ورث‬
‫مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له(‪.")2‬‬
‫(‪ )1‬القسطالين على شرح البخاري‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه البيهقي‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫‪23‬‬
‫‪-‬‬
‫َّللا عليه وسلم في مجال المحافظة على الطاقة باالحالل والتجديد "ال‬
‫‪ -2‬ويقول صلى ه‬
‫يبارك في ثمن أرض أو دار إال أن يجعل في أرض أو دار"‬
‫( ‪)‬‬
‫وفي رواية "من باع دا ار أو عقار‬
‫َّللا فيه"‪.‬‬
‫ولم يجعل ثمنها في مثلها كان قمينا أن ال يبارك ه‬
‫‪ -3‬يقول الماوردي في تصوير بالغ وهو يؤكد على ضرورة بناء الطاقات اإلنتاجية‬
‫واالضافة إلى التكوين الرأسمالي لألجيال القادمة "لوال أن الثاني يرتفق ‪-‬ينتفع‪ -‬بما أنشأه األول‬
‫حتى يصير به مستغنيا ألفتقر أهل كل عنصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى‬
‫وأراضي الحرث‪ ،‬وفي ذلك من االعواز وتعذر االمكان ماال خفاء به"(‪.)2‬‬
‫هـ‪ -‬الترتيب الشرعي ألولويات اإلنتاج‪:‬‬
‫لقد سبق القول أن اإلنتاج يجب أن يحقق مصلحة الناس ومصالح الناس تتفاوت بحسب‬
‫ما يترتب على وجودها أو عدمه ولذلك قسمت الشريعة مصالح الناس بهذا االعتبار إلى ثالث‬
‫مراتب هى(‪:)3‬‬
‫‪ -‬الضروريات‪ :‬وهى ما تقوم عليه حياة الناس والبد منه الستقامة مصالحهم واذا فقد‬
‫اختل نظام حياتهم‪.‬‬
‫‪ -2‬الحاجيات‪ :‬وهى ما يحتاج إليها الناس لليسر والسعة واحتمال مشاق الحياة‪.‬‬
‫‪ -3‬التحسينات‪ :‬وهى ما تقتضيها المرؤة واآلداب وسير األمور على أقوم منهاج‪.‬‬
‫وهذا الضابط يوفر سلما تفضليا أمام المستثمرين الختيار البدائل من المنتجات بما يحقق‬
‫مصالح الناس المقصودة من الشريعة وذلك في ضوء القواعد الترجيحية التى وضعها علماء‬
‫األصول(‪ ،)4‬ومع مراعاة أن ضرورة االلتزام بهذا الترتيب واجب على الدولة بالدرجة األولي في‬
‫ممارستها لإلنتاج واجبار األفراد على االلتزام به في حالة الضرورات التى ال يمكن الحصول‬
‫عليها من مصدر آخر طبقا لما قاله ابن تيمية(‪ ،)5‬ثم في الحاالت األخرى األقل ضرورة يمكن‬
‫للدولة التأثير على السلم التفضيلي أمام المستثمرين األفراد لدفعهم إلى االستثمار وفق الترتيب‬
‫الشرعي عن طريق تقديم وفورات خارجية للمشروعات مثل إمدادها بالمرافق من مياة وكهرباء‬
‫وطاقة بأسعار مخفضة واعفائها من بعض الضرائب والرسوم ومنحها أعانات إنتاج أو تصدير‪،‬‬
‫(‪ )1‬رواه أمحد وابن ماجه‪.‬‬
‫(‪ )2‬املاوردي "أدب الدنيا والدين" حتقيق مصطفى السقا ‪ -‬مطبعة مصطفى احلليب ط‪ 1955 ،3‬ص‪. 146‬‬
‫(‪ )3‬الشيخ عبد الوهاب خالف مرجع سابق ص‪. 200 - 199‬‬
‫(‪ )4‬الشاطيب ‪-‬املوافقات‪ -‬املكتبة التجارية الكربى ج‪ 2‬ص‪. 25 - 21‬‬
‫(‪ )5‬سبق ذكره وحنن نتحدث عن مسئولية الدولة يف اإلنتاج‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫‪24‬‬
‫‪-‬‬
‫وَّللا ال يعبد‬
‫وعلى األفراد من جانب آخر مراعاة صالح المجتمع والناس ألن اإلنتاج عبادة ه‬
‫بمعصية أو بالتضييق على خلقه وعباده‪.‬‬
‫و‪ -‬مراعاة التقليل من اآلثار الجانبية الضارة‪:‬‬
‫من المعروف أن كثي ار من الصناعات الحديثة كالكيماويات واالسمنت وغيرها ينتج عنها‬
‫آثار ضارة ممثلة في تلوث البيئة أو األضرار بالطيبات الحرة‪ ،‬وهو أمر تنبه له المفكرون‬
‫المسلمون قديما قبل أن يستفحل خطره بالصورة الموجودة حاليا ووضعوا له القواعد واالجراءات‬
‫المنظمة لتجنب هذه اآلثار والتقليل منها وذلك كما يظهر في كتب الحسبة وأبواب المرافق بكتب‬
‫الفقه‪ ،‬وهذا التنبه يستند إلى أصل إسالمي عظيم في قول الرسول ‪‬‬
‫"ال ضرر وال ضرار" وجاء‬
‫في تفسير الضرر ما قصد به اإلنسان مصلحة نفسه وكان فيه ضرر على غيره‪ ،‬أما الضرار ما‬
‫قصد به االضرار بغيره دون مصلحة لنفسه‬
‫( ‪)‬‬
‫وعلى المستوى التطبيقي نرى كتب الحسبة زاخرة‬
‫باألمثلة عما كان يحدث وما يلزم به المحتسب من منع األضرار مثل الزام الفرانين برفع سقائف‬
‫أفرانهم وجعل منافس واسعة للدخان في سقوفها(‪.)2‬‬
‫َّللا عز وجل‬
‫وتقع مسئولية منع ذلك على المسلم أوال بدافع من ضميره وبعده عن مخالفة ه‬
‫ورسوله حيث يقول الرسول ‪‬‬
‫"ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به"‬
‫( ‪)3‬‬
‫أما دور الدولة فيأتي بعدم‬
‫الموافقة على أنشاء أى مشروع ينطوى على اضرار بالبيئة ما لم تتخذ االجراءات الكفيلة بمنع‬
‫ذلك مسترشده بالقواعد األصولية السابق ذكرها في منع الضرر‪.‬‬
‫ومن المالحظ على ما ذكرناه حتى اآلن من ضوابط وقيم إسالمية تحكم السلوك اإلنتاجي‬
‫في إطاره العام‪ ،‬أما فيما يتعلق بعناصر اإلنتاج وكيفية تكوينها وتنميتها فهذا ما سنخصص له‬
‫المبحث التالي‪:‬‬
‫(‪ )1‬أبو الوليد األندلسى‪ ،‬الباجي ‪-‬املنتقى شرح موطأ مالك‪ -‬مطبعة السعادة مبصر ج‪ 6‬ص‪. 40‬‬
‫(‪ )2‬رسالتنا للدكتوراه ‪ -‬مرجع سابق ص‪ 175‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )3‬سنن الرتمزى ج‪ 4‬ص‪. 332‬‬
‫‪-‬‬
‫‪25‬‬
‫‪-‬‬
‫المبحث الرابع‬
‫تنمية عناصر اإلنتاج في اإلسالم‬
‫مقدمـــة‪:‬‬
‫أن عملية اإلنتاج تقوم على تفاعل الجهد البشري مع الموارد ويمكن أن نعبر عن ذلك‬
‫رياضيا كاآلتي‪:‬‬
‫الجهد البشري (العمل) × الموارد (المال) = اإلنتاج‬
‫ولتنظيم اإلنتاج وزيادته وتحسينه يلزم تنمية وتحسين عناصره‪ ،‬وسوف نلقى الضوء في هذا‬
‫المبحث على المنهج اإلسالمي لتنمية عناصر اإلنتاج وذلك في اآلتي‪:‬‬
‫أوال‪ :‬تمويل اإلنتاج‪:‬‬
‫يحتاج اإلنتاج إلى تمويل للحصول على الموارد الالزمة لممارسة العملية اإلنتاجية ويوجد‬
‫مصدرين للتمويل هما‪ ،‬التمويل الذاتي والتمويل الخارجي‪.‬‬
‫ولقد نظم اإلسالم عملية التمويل بما يكفل انسياب تدفق األموال الالزمة لعملية اإلنتاج كما‬
‫يتضح مما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬التمويل الذاتي‪ :‬ويعتبر أفضل مصدر لتمويل اإلنتاج إذ ينطوى على حرية مالك المال‬
‫في توجيه أمواله واالنتفاع بها‪ ،‬ويأتي التمويل الذاتي عادة من المدخرات التى تبقى بعد االنفاق‬
‫االستهالكي حيث أن الدخل = االنفاق االستهالكي ‪ +‬االنفاق التعاونى ‪ +‬االدخار‪ ،‬وبالتالي‬
‫فلتعظيم المدخرات تلزم تنمية الدخل وترشيد االنفاق وهذا ما يرسمه لنا التوجيه اإلسالمي كما‬
‫يتضح من اآلتي‪:‬‬
‫‪ -‬في مجال تنمية الدخل‪ :‬ويظهر ذلك في الدعوة إلى العمل واستثمار األموال اللذان‬
‫يمثالن مصدر الدخل‪ ،‬ومن تكرار القول أن نؤكد على اهتمام اإلسالم بالعمل ومحاربة البطالة‪،‬‬
‫بل يصل األمر إلى حث الرسول‬
‫‪‬‬
‫على العمل ليس فقط كمصدر لدخل يكفى صاحبه وانما‬
‫َّللا عليه وسلم "أشد‬
‫َّللا اإلنسان فيقول صلى ه‬
‫لزيادة هذا الدخل واستخدام القدرات التى منحها ه‬
‫الناس عذابا يوم القيامة المكفى الفارغ" وهذا ما يشير به اإلمام جعفر في قوله لمعاذ عندما‬
‫أعتزل العمل لكفايته ويساره "يا معاذ أضعفت عن التجارة أو زهدت فيها؟ فقال معاذ ما ضعفت‬
‫عنها وال زهدت فيها عندي مال كثير وهو في يدي وليس ألحد على شئ وال أراني آكله حتى‬
‫أموت‪ ،‬فقال اإلمام ال تتركها فإنها مذهبة للعقل"(‪.)‬‬
‫(‪ )1‬د‪ .‬حممد اجلمال "موسوعة االقتصاد اإلسالمي" ‪-‬دار الكتاب املصري‪ 1980 -‬ص‪. 147‬‬
‫‪-‬‬
‫‪26‬‬
‫‪-‬‬
‫‪ -2‬وفي مجال ترشيد االنفاق‪ :‬بمعنى االنفاق على قدر الحاجة بال اسراف وال تقتير يقول‬
‫َّللا تعالى في حق المؤمنين‬
‫ه‬
‫ِين ِإذَا أ َ ْنفَقُوا لَ ْم يُس ِْرفُوا َولَ ْم َي ْقت ُ ُروا َوك َ‬
‫{والَّذ َ‬
‫َان َب ْي َن‬
‫َ‬
‫ذَ ِلكَ قَ َوا ًما}‬
‫( ‪)2‬‬
‫{و ُكلُوا َوا ْ‬
‫ش َربُوا َوال تُس ِْرفُوا ِإنَّهُ ال ي ُِحبُّ ْال ُمس ِْرفِ َ‬
‫ين}‬
‫سبحانه َ‬
‫( ‪)‬‬
‫كما يحذر وينهى عن االسراف والتبذير ففي مجال االنفاق االستهالكي يقول‬
‫وفي مجال‬
‫االنفاق التعاوني وبالرغم من الحث عليه في آيات كثيرة ينهى عن التبذير حيث يقول سبحانه‬
‫س ِك َ‬
‫ت ذَا ْالقُرْ بَى َحقَّهُ َو ْال ِم ْ‬
‫ين َوا ْب َن ال َّ‬
‫ِيرا‪ِ ‬إ َّن‬
‫{و َءا ِ‬
‫س ِبي ِل َوال تُبَذِرْ ت َ ْبذ ً‬
‫َ‬
‫َان ال َّ‬
‫ان ال َّ‬
‫ين َوك َ‬
‫ين كَانُوا ِإ ْخ َو َ‬
‫ْال ُم َبذ ِِر َ‬
‫ورا}(‪.)3‬‬
‫ش ْي َطا ُن ِل َر ِب ِه َكفُ ً‬
‫ش َي ِ‬
‫اط ِ‬
‫‪ -3‬في مجال تشجيع المدخرات‪ :‬أن العمل على تنمية الدخل وترشيد االنفاق يؤدى إلى‬
‫نتيجة رياضية طبقا للمعادلة السابقة هى زيادة المدخرات ومع ذلك فإن اإلسالم يحث وبصورة‬
‫مباشرة على تنمية المدخرات فالرسول ‪‬‬
‫يقول "رحم امرءا اكتسب طيبا وانفق قصدا وقدم فضال‬
‫ليوم فقره وحاجته"(‪ )4‬وعندما رأى الرسول ‪‬‬
‫عليك بعض مالك فهو خير لك"(‪.)5‬‬
‫جري اًر ينفق ماله وال يدخر منه شيئاً قال له‪" :‬امسك‬
‫‪ -4‬توجيه المدخرات إلى االستثمار‪ :‬من المفروض أن تتوجه المدخرات الناتجة عن‬
‫المعادلة السابقة إلى االستثمار حتى تكتمل دورة العمل المنتاج واال فإن مجرد حجز من الدخل‬
‫َّللا عز وجل‪.‬‬
‫ال يدخل في الدورة اإلنتاجية يسمى تعطيال للمال واكتنا از له حرمه ه‬
‫ب‪-‬التمويل الخارجي‪ :‬من المقرر أنه ليس هناك إنسان مكتف بنفسه وانما يحتاج إلى‬
‫اآلخرين وهذا شأن المستثمرين والمنتجين حيث يحتاجون لتمويل أعمالهم إلى اموال ومدخرات‬
‫اآلخرين في صورة اقتراض أو مشاركة أو تسهيالت أئتمانية ولقد نظم اإلسالم في سبق وتفوق‬
‫واضح العالقة بين الدائن والمدين بدءا من قرار منح األئتمان أو الدين وحتى تحصيله وبصورة‬
‫تضمن حصول كل صاحب حق على حقه فحرم الربا وأباح القرض الحسن والمشاركة وقرر‬
‫الضمانات من رهن وكفيل وتوثيق واشهاد وال يتسع المجال كما ال يحتاج األمر لوضوحه إلى‬
‫زيادة تبيان(‪.)6‬‬
‫(‪ )1‬سورة الفرقان‪ -‬اآلية ‪. 67‬‬
‫(‪ )2‬سورة األعراف‪ -‬اآلية ‪. 31‬‬
‫(‪ )3‬سورة اإلسراء‪ -‬اآلية ‪. 27 - 26‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه البخارى يف اجلامع الصغري‪.‬‬
‫(‪ )5‬رايض الصاحلني للنووى‪.‬‬
‫(‪ )6‬رسالتنا للدكتوراه‪ -‬مرجع سابق ص‪ 75‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫‪27‬‬
‫‪-‬‬
‫كما أن للمفكرين المسلمين قواعد وأسس واضحة لتنظيم اقتراض الدولة أو الدين العام‪ ،‬ومن‬
‫أهمها عدم اللجوء إلى الدين إال في حالة الضرورة وأن يكون هناك إيراد تنتظر لسداد الدين‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬العمل‪:‬‬
‫يعتبر العمل العنصر األهم في العملية اإلنتاجية ونحن لن نسهب في بيان أهمية العمل في‬
‫اإلسالم ألن ذلك مقرر ومعروف وانما ما يهم في هذا المجال هو بيان التوجيهات اإلسالمية‬
‫العداد وتاهيل العمال هذا التأهيل الذي يتناول التأهيل العلمي والعملي والديني‪.‬‬
‫أ‪ -‬أما التأهيل العلمي‪ :‬مما الشك فيه أن أى عملية إنتاجية ولو بسيطة تحتاج إلى تأهيل‬
‫علمي يتلقاه اإلنسان في المدارس والمعاهد والجامعات قبل دخوله ميدان اإلنتاج واإلسالم يمجد‬
‫العلم والعلماء فيقول سبحانه وتعالى {يَرْ َف ِع َّ‬
‫ِين َءا َمنُوا ِم ْن ُك ْم َوالَّذ َ‬
‫اَّللُ الَّذ َ‬
‫ِين أُوتُوا‬
‫{ر ِب ِه قُ ْل َه ْل‬
‫ْال ِع ْل َم د ََر َجاتٍ}(‪ ،)‬ويقول سبحانه في بيان الفرق بين اإلنسان المتعلم وغيره َ‬
‫ِين ال َي ْعلَ ُم َ‬
‫ون َوالَّذ َ‬
‫ِين َي ْعلَ ُم َ‬
‫ست َ ِوي الَّذ َ‬
‫َي ْ‬
‫ب}(‪ ،)2‬كما يقول‬
‫ون ِإنَّ َما َيتَذَ َّك ُر أُولُو األ َ ْل َبا ِ‬
‫َّللا حتى يرجع"(‪.)3‬‬
‫الرسول ‪" ‬من خرج في طلب العلم فهو في سبيل ه‬
‫هذا مع ضرورة االشارة إلى أن العلم في نظر اإلسالم يتسع ليشمل كل أدراك يفيد‬
‫اإلنسان‬
‫( ‪)4‬‬
‫ومع ضرورة أن العلم المقصود هو العلم الذي ينفع في مجاالت الحياة‪ ،‬وهذا العلم هو‬
‫أساس البناء التكنولوجي الذي أصبح الزما للعلمية اإلنتاجية‪.‬‬
‫ب‪ -‬من حيث التأهيل العملي‪ :‬والذي يكتسبه اإلنسان من خبرته في مجال العمل فأنه‬
‫يكفي ذلك قول الرسول ‪‬‬
‫َّللا يحب العبد المحترف"‬
‫"أن ه‬
‫( ‪)5‬‬
‫أى الذي حرفة أو مهنة اكتسبها من‬
‫ممارسة العمل ولمدة طويلة‪.‬‬
‫ج‪ -‬من حيث التأهيل الديني‪ :‬ويعني به االعداد الوجداني لإلنسان على هدى اإلسالم‬
‫َّللا عز وجل‬
‫بحيث يتكون لديه من ذاته الضمير الديني الذي يجعله يراقب نفسه رعاية لرقابة ه‬
‫عليه ويأتي أثر ذلك على اإلنتاج في اآلتي(‪:)6‬‬
‫(‪ )1‬سورة اجملادلة‪ -‬اآلية ‪. 11‬‬
‫(‪ )2‬سورة الزمر ‪ -‬اآلية ‪. 9‬‬
‫(‪ )3‬الغزايل ‪-‬أحياء علوم الدين‪ -‬ج‪ 2‬ص‪. 245‬‬
‫(‪ )4‬الشيخ حممود شلتوت (من توجيهات اإلسالم) دار القلم ص‪. 136‬‬
‫(‪ )5‬املناوى ‪-‬التيسري لشرح اجلامع الكبري‪ -‬املكتب اإلسالمي‪ -‬بريوت ج‪ 1‬ص‪270‬‬
‫(‪ )6‬رسالتنا للدكتوراه ‪ -‬مرجع سابق ص‪ 281‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫‪28‬‬
‫‪-‬‬
‫‪ -‬أن ال يتقدم لعمل ال يحسنه واال كان غاشا مدلسا لتعاقده على تقديم منفعة ال يمكنه‬
‫تسليمها‪.‬‬
‫َّللا يراقبه حتى ولو أخطأت رقابة البشر أو‬
‫‪ -2‬المحافظة على وقت العمل لعلمه أن ه‬
‫قصرت‪.‬‬
‫َّللا سائله عن عمره فيما أفناه‪.‬‬
‫‪ -3‬عدم التباطؤ والكسل في أداء العمل لعلمه أن ه‬
‫‪ -4‬الوفاء بموجبات عقد العمل امتثاال ألمر هَّللا عز وجل في قوله تعالى {يَاأَيُّ َها الَّذ َ‬
‫ِين‬
‫َءا َمنُوا أَوْ فُوا بِ ْ‬
‫العُقُودِ} وألن أى التزام يتحمله اإلنسان سواء كان مصدره عقد قانوني أو‬
‫َّللا عز وجل‪.‬‬
‫التزام يصبح مسئوال عنه دينيا أمام ه‬
‫‪ -5‬اتقان العمل‪ :‬بمعنى إحكام العمل وما يتطلبه من مراعاة الجودة والتحسين المستمر‬
‫لألداء فهو يرتبط بتقليل الوقت الضائع وتخفيض المواد التالفة واتباع األساليب الجيدة في العمل‬
‫وذلك يمثل االتقان في حده األدنى أو القريب أما حده األعلى فإنه يتسع لألبتكار والتجديد وتقديم‬
‫الطرق المثلى في العمل‬
‫ولذا كان تعبير الرسول ‪‬‬
‫احدكم إذا عمل عمال أن يتقنه"‬
‫( ‪)‬‬
‫َّللا يحب‬
‫في الحث على االتقان بقوله "إن ه‬
‫َّللا عز‬
‫وكلما زاد االتقان زادت درجة الحب وزاد العبد قربا من ه‬
‫وجل‪ ،‬وبالتالي فإن أمام العامل المسلم متسعا ألعطاء كل طاقته للعمل لينال أعلى درجات الحب‬
‫َّللا‪.‬‬
‫والقرب من ه‬
‫وهكذا ننتهى إلى تحديد اإلطار العام للمنهج اإلسالمي في اإلنتاج وال أدعي أنني استطعت‬
‫أن أوفي الموضوع حقه فإن مشكلة اإلنتاج من المشكالت الكبيرة وما قرره اإلسالم بشأنها أكبر‬
‫َّللا وتوفيقه‬
‫وقدرتي أقل من أن أعرض اإلسالم في ثوبه الكامل فإن كنت قد أصبت فهذا بفضل ه‬
‫وان كنت غير ذلك فال أبرئ نفسي ألن ما قدمته مجهود بشري يحتمل الخطأ ويشوبه النقصان‬
‫َّللا واعالء كلمة اإلسالم‪.‬‬
‫وحسبى صدق النية في أنني أريد وجه ه‬
‫(‪ )1‬املناوى ‪-‬التيسري بشرح اجلامع الصغري‪ -‬ج‪ 1‬ص‪. 269‬‬
‫‪-‬‬
‫‪29‬‬
‫‪-‬‬