التجديد فى الفكر اإلقتصادى اإلسالمى الدكتور /محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى جامعة األزهر -مصر تقديم: يأتى إعداد هذا البحث استجابة لدعوة كريمة من المجلس األعلى للشئون اإلسالمية بمصر ليكون ضمن أبحاث المؤتمر العام الثالث عشر للمجلس والذى اختير له موضوع التجديد فى الفكر اإلسالمى ،وأحسب أن الهدف من المؤتمر بشكل عام هو إبراز صالحية الشريعة اإلسالمية فى كل زمان ومكان وامكانية التعامل مع المستجدات فى كل عصر والتدليل على ذلك بتناول بحوث المؤتمر القضايا المختلفة فى الواقع المعاصر وبيان كيفية تعامل الفكر اإلسالمى معها. وفى إطار هذا الهدف العام يتناول بحثنا أحد الجوانب الهامة فى حياتنا المعاصرة وهو الجانب االقتصادى ،فمن المقرر أن الشريعة اإلسالمية أولت المعامالت المالية- موضوع االقتصاد -عناية كبيرة ،وأن الواقع المعاصر أفرز معامالت وقضايا ومشكالت جديدة ومتالحقة ،وأن الفكر االقتصادى المعاصر ووفق النظم التى أفرزها يقدم الكثير من المعلومات لدراسة هذه القضايا ،وتأتى التساؤالت التى يحاول البحث اإلجابة عليها والتى تمثل فى نفس الوقت أهدافه العامة وهى: هل يوجد اقتصاد إسالمى يقف وراءه فكر اقتصادى إسالمى متميز هل الفكر االقتصادى التقليدى (الغربى) غير كاف وحده لمواجهة القضايا المستجدةوبالتالى البد من وجود فكر اقتصادى إسالمى ما الجديد الذى يمكن للفكر االقتصادى اإلسالمى اإلتيان به لمواجهة هذه القضايا ما هى إنجازات الفكر االقتصادى اإلسالمى فى مواجهة القضايا المستجدة ما هى إيجابيات وسلبيات الفكر االقتصادى اإلسالمى فى واقعه الحالى1 ما هو المأمول من الفكر االقتصادى اإلسالمى حتى يكون معب ار عن اإلسالم وحتىينجح فى أداء دوره ولإلجابة على هذه التساؤالت نظمنا البحث على الوجه التالى: المبحث األول :الفكر االقتصادى اإلسالمى -المفاهيم األساسية والتأصيل. المبحث الثانى :واقع الفكر االقتصادى اإلسالمى فى مواجهة القضايا المعاصرة. المبحث الثالث :الفكر االقتصادى اإلسالمى بين الواقع والمأمول. نتتاول ذلك تفصيال على الوجه التالى: 2 -1المبحث األول الفكر االقتصادى اإلسالمى المفاهيم األساسية والتأصيل على الرغم من المجهودات الملموسة التى تمت فى مجال االقتصاد اإلسالمى فك ار وتطبيقا إال أنه ثمة أصوات تقلل من قيمة اإلنجازات التى تمت ،بل يصل األمر- لدى بعض المغالين -إلى إنكار أن يكون هناك اقتصاد إسالمى استنادا إلى ما أفرزته األيدلوجيات االقتصادية الغربية التى سادت العالم ومازالت من مقولة ،أن الدين واألخالق ال يمتان بصلة إلى مشاكل اإلنسان االقتصادية( .)1واستنادا أيضا إلى مقولة أن الفكر االقتصادى الوضعى المعاصر -كاف لتفسير وتنظيم النشاط االقتصادى ،ولذا فإنه يفضل أن نبدأ البحث بالتعرف على الفكر االقتصادى اإلسالمى ليتضح أن له جذو ار ممتدة إلى أصول الدين اإلسالمى من قرآن وسنة ،وأنه له وجوده الواقعى فى حياة المسلمين قديما وحديثا ،وذلك بمثابة توطئة لتأكيد ضرورة قيام هذا الفكر فى حياة المسلمين ،والتعرف على إنجازاته وقدرته على مواجهة المستجدات االقتصادية وهذا ما سنحاول بيانه فى الفقرات والنقاط التالية: :1/1التعاريف والمفاهيم األساسية: توجد بعض المصطلحات فى المجال االقتصادى يجب التعرف عليها حتى نتبين موقع الفكر االقتصادى منها ،وتتمثل هذه المصطلحات فى اآلتى: :1/1/1االقتصاد :رغم وضوح هذا المفهوم فإن كتاب االقتصاد اختلفوا فى تعريفه ليس اختالفا لفظيا وانما يمتد هذا الخالف إلى كنهه وحدوده حتى قال البعض(" :)2إن هناك تعاريف خاصة لالقتصاد تساوى تقريبا عدد مدرسيه ،واذا حاولنا أن نختار منها تعريفا يحظى بقبول عام فإنه يمكن القول :إن االقتصاد بشكل عام يدور 3 حول كيفية االختيار من بين االستخدامات البديلة للموارد االقتصادية المتاحة إلشباع الحاجات اإلنسانية. ويتفرع عن هذا المفهوم العام لالقتصاد عدة مفاهيم لها صلة بموضوعنا نتتاولها فى النقاط التالية: :2/1/1النشاط االقتصادى :ويتمثل فيما يقوم به الناس من أعمال إلنتاج السلع والخدمات ،وتجهيزها لالستهالك ،وما يرتبط بذلك من أنشطة أخرى مثل :التمويل واالستثمار واإلنفاق والتبادل ،وهذا النشاط يمارسه كل إنسان فى جميع األوقات منذ وجود اإلنسان. 1/ 1/3:الفكر االقتصادى :إن الفكر فى معناه العام هو إعمال العقل فى العلوم للوصول إلى المجهول ،وبتطبيق ذلك على االقتصاد يمكن القول :إن الفكر االقتصادى هو ما يبذله علماء االقتصاد من مجهود عقلى فى فهم وتفسير الوقائع االقتصادية وتحديد السياسات المناسبة لممارسة النشاط االقتصادى واالختيار من بينها فى ضوء القيم التى تسود فى المجتمع لتحقيق الكفاءة فى استخدام الموارد والعدالة فى توزيعها، ومن الجدير بالذكر أن أى نشاط اقتصادى بصفته نشاطا إنسانيا يحتاج إلى الفكر ،غير أن طريقة التفكير االقتصادى قديما كانت تتم بطريقة عفوية وفردية وغير منظمة وتستند إلى خبرات اإلنسان المتراكمة ،دون أن يكون له وجود منظم ومصنف ينتج عنه علم االقتصاد الذى نوضحه فى النقطة التالية. 1/ 1/4علم االقتصاد :وهو نتاج الفكر االقتصادى ويدور موضوعه حول أمرين هما: األمر االول :دراسة سلوك الناس فى ممارستهم لألنشطة االقتصادية وتحليل هذا السلوك من حيث دوافعه وأهدافه والمتغيرات المؤثرة عليه وعالقتها ببعضها ثم استتباط القواعد التى تحكم هذا السلوك وهو ما يطلق عليه فى األدب االقتصادى "دراسة ما هو كائن " أو" االقتصاد الوضعى"(.)3 4 األمر الثانى :ويقوم على استخدام المعلومات التى يمدنا بها االقتصاد الوضعى أو دراسة ما هو كائن ثم األحكام األخالقية المستمدة من الدين والمثل العليا فى المجتمع لتحديد وتأييد سياسة معينة من بين السياسات أو الطرق البديلة للممارسة األفضل للنشاط االقتصادى ،وهذا األمر يطلق عليه فى األدب االقتصادى "دراسة ما يجب أن يكون" أو النظام االقتصادى أو االقتصاد المعيارى(.)4 ويميل بعض االقتصاديين إلى قصر مجال علم االقتصاد على األمر األول "دراسة ما هو كائن " وبالتالى يكون دور االقتصاد هو تحديد السياسات البديلة دون أن يمتد هذا الدور إلى تأييد سياسة معينة تتفق مع القيم والمثل العليا ،نظ ار ألنهم يختلفون حول ما هى القيم والمثل العليا التى يجب االلتزام بها ،وحيث أن مصدر هذه القيم فى األصل هو الدين لذا جاء قولهم السابق اإلشارة إليه بأن األخالق والدين ال يمتان لالقتصاد بصلة. هذه هى المفاهيم األساسية لالقتصاد من وجهة نظر االقتصاد المعاصر ،فأين موقع الفكر االقتصادى اإلسالمى من ذلك هذا ما سنتعرف عليه فى الفقرة التالية. 1/2:الفكر االقتصادى اإلسالمى ونتناوله فى اآلتى: 1/2/1:المفهوم :كما سبق القول يوجد ارتباط وثيق بين الفكر االقتصادى وعلم االقتصاد ثم بينهما وبين النشاط االقتصادى ،وأن الفكر هو إعمال العقل فى المعلوم للوصول إلى المجهول ،ونظ ار ألن المعلوم فى االقتصاد بشكل عام هو سلوك اإلنسان االقتصادى ،ويزيد عليه فى الدين اإلسالمى األحكام والتوجيهات اإلسالمية فى القرآن الكريم والسنة النبوية وأنه يجب على المسلمين االلتزام فى سلوكهم الفعلى ونشاطهم االقتصادى بهذه األحكام ،ونظ ار لعدم وجود تعريف مصطلحى قديما لالقتصاد اإلسالمى ،لذلك جاء اختالف علماء االقتصاد اإلسالمى المعاصر فى تعريفه بشكل يجعل كل تعريف منها يركز على مفهوم من المفاهيم الثالثة: "النشاط -الفكر -العلم " ومع ذلك فكلهم يتفق على ربط االقتصاد باإلسالم ومن هذه التعريفات ما يلى(:)5 5 ( أ ) االقتصاد اإلسالمى :هو ذلك الفرع من المعرفة الذى يساعد على تحقيق رفاهة اإلنسان من خالل تخصيص وتوزيع الموارد النادرة بما ينسجم مع التعاليم اإلسالمية. (ب) االقتصاد اإلسالمى هو علم من العلوم االجتماعية يدرس المشكالت االقتصادية ألناس يتحلون بقيم اإلسالم. (جـ) االقتصاد اإلسالمى هو ذلك الجهد المنظم الذى يبذل فى محاولة فهم المشكلة االقتصادية وسلوك اإلنسان نحوها من منظور إسالمى. وهكذا نجد أن الجميع يتفق على تميز االقتصاد اإلسالمى بمفاهيمه الثالثة بأنه مستند إلى اإلسالم ،فهل فى اإلسالم اقتصاد هذا ما سنتعرف عليه فى النقاط التالية 1/2/ 1:تأصيل الفكر االقتصادى اإلسالمى :فى هذه الفقرة سوف نتعرف على أن للدين اإلسالمى صلة قوية باالقتصاد على عكس ما يقول به االقتصاديون المعاصرون، وأن هذه الصلة أنتجت فك ار واقتصادا إسالميا سبق الفكر االقتصادى المعاصر وامتداداته التاريخية وهذا ما سنحاول إيجازه فى اآلتى: 1/2/2/ 1:الفكر االقتصادى والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة :إذا كان الفكر هو إعمال العقل فى المعلوم للوصول إلى المجهود ،فإن المعلوم األول لدى المفكرين المسلمين الذى يجب أن يستندوا إليه هو نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الذى ال ينكر أحد أنهما يحتويان على العديد من النصوص التى تتناول مجموعة من القواعد التى ترسم وتحدد السلوك االقتصادى السليم فى شتى المجاالت ( )6سواء فى الحث على اإلنتاج والعمل والتنمية (العمران) مثل قوله تعالى (هو أنشأكم من األرض واستعمركم فيها () هود )61 :وقوله عز وجل ( فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه) (الملك )15 :أو فى مجال ترشيد االستهالك مثل ما جاء فى قوله سبحانه (وكلوا واشربوا وال تسرفوا إنه ال يحب المسرفين) (األعراف )31 :أو فى مجال تنظيم األسواق والتبادل 6 وضبطها ومنع الممارسات الضارة بالمنافسة وغير األخالقية ومنها النهى عن التطفيف فى الكيل والميزان وعن الغرور والتدليس والغش ،أو فى مجال التمويل بتحريم الربا ،إلى جانب تنظيم بعض المؤسسات االقتصادية العاملة فى مجال اإلنتاج أو التجارة مثل الشركات بأنواعها والمزارعة والمساقاة ،أو العاملة فى مجال إعادة توزيع الدخل مثل الزكاة والوقف أو العاملة فى مجال المالية العامة مثل بيت المال. ولم يقف األمر عند هذا الحد بل امتد إلى أمور أخرى تفيد فى فهم السلوك اإلنسانى فى عالقته بالموارد االقتصادية واستخداماتها مثل قوله تعالى ( كال إن اإلنسان ليطغى .أن رآه استغنى ) (العلق- 7) 6 :بل إن اإلسالم ذهب إلى أبعد من ذلك فى ربطه بين الذنوب العقيدية والعقوبات االقتصادية وبين الذنوب االقتصادية والعقوبات الدنيوية واألخروية مثل ما ورد فى قوله تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء واألرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) (األعراف)96 : وقوله تعالى ( :وضرب هللا مثال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم هللا فأذاقها هللا لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) (النحل).112 : وبنظرة إلى ما حدث لألمم السابقة نجد أن من العقوبات التى وقعها هللا عليهم بجانب كفرهم ،مخالفتهم االقتصادية وأظهر مثل على ذلك ما حدث لقوم شعيب. وكل ذلك يدل على أن الفكر االقتصادى اإلسالمى فى تفسيره وفهمه لسلوك الناس االقتصادى ،وفى تأييده لسياسات اقتصادية معينة يستتد أوال إلى ما ورد فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من نصوص عديدة متصلة بذلك وهذا ما يؤكد الصلة بين الدين واالقتصاد. 1/2/2/2:الفقه اإلسالمى والفكر االقتصادى اإلسالمى :إن الشريعة اإلسالمية هى ما شرعه هللا سبحانه وتعالى من أحكام وتوجيهات لتنظيم عالقتهم باهلل عز وجل ممثلة فى العقيدة والعبادات ،ولتنظيم عالقتهم ببعضهم ممثلة فى المعامالت وتظهر عناية اإلسالم بالمعامالت فى أن الفقه اإلسالمى وهو الذى يتناول شرح الشريعة اإلسالمية يتناول العبادات فى حوالى 25%من حجم كتب الفقه فى جميع المذاهب وعلى مدى العصور، 7 ويخصص للمعامالت %75من حجم هذه الكتب ومنها األحكام الشرعية المتصلة بالمعامالت المالية التى تمثل األساس المباشر لالقتصاد اإلسالمى ،فإذا كان الفقه يبين الحكم الشرعى للمعاملة فإن االقتصاد اإلسالمى يجب أن يلتزم فى تحليله لسلوك الناس االقتصادى بما انتهى إليه الحكم الفقهى من حل وحرمة ويجعل ذلك ضمن المعلومات التى يستند إليها فى تحليله االقتصادى ببيان اآلثار السيئة والضارة للحرمات واآلثار اإليجابية للحالل من هذه المعامالت ،إلى جانب أنه عند اختياره إلحدى السياسات البديلة يجعل من مبررات ومرتكزات االختيار مدى الحل والحرمة فى المعاملة ،والى جانب ذلك فإن الفقه اإلسالمى غنى بالصور الفقهية التى تمثل سياسات بديلة لكيفية ممارسة المعاملة وفى ظل ظروف عديدة وافتراضات متعددة بعضها جاء استقراء للواقع واآلخر جاء استشرافا للمستقبل وهذا ما يفيد كثي ار المفكر االقتصادى فى متابعته لدراسة المستجد ات. 1/2/2/3:تاريخ الفكر االقتصادى :لقد سبق القول إن بين الفكر والممارسة االقتصادية عالقة وثيقة ،وأن الفكر االقتصادى بدأ اعتمادا على التجارب والخبرات المتراكمة ،ولم يصنف كأحد فروع المعرفة وينتج عنه بالتالى ما يعرف بعلم االقتصاد إال منذ حوالى ثالثمائة سنة ،وهذا إن كان ينطبق على االقتصاد الوضعى أو المعاصر فإن الفكر االقتصادى اإلسالمى أقدم وأعمق من ذلك ،فعلى الرغم من أن االقتصاد كأحد األنشطة اإلنسانية وعلم االقتصاد كأحد العلوم االجتماعية لهما صلة وثيقة بعدد من العلوم االجتماعية األخرى ،وعلى الرغم من أن االقتصاد اإلسالمى كان ومازال له عالقة وثيقة بالعلوم اإلسالمية المختلفة من تفسير وحديث وفقه ..وأن علماء المسلمين القدامى كانوا موسوعيين يكتبون فى علوم شتى ،أقول على الرغم من كل ذلك ،فإن بعضهم خص االقتصاد بمؤلفات منفصلة مما يؤكد قدم وسبق الفكر االقتصادى اإلسالمى على غيره، ومن أمثلة ذلك أبو يوسف محمد بن الحسن بكتابيه عن الخراج والكسب عام (ت 82 1هـ – 798م )والماوردى فى األحكام السلطانية (ت 450هـ1058 -م) وابن تيمية فى الحسبة (ت 728هـ 1382-م) وابن خلدون فى المقدمة (ت 8 08هـ 1406 -م) 8 والمقريزى فى إغاثة األمة فى كشف الغمة (ت 845هـ1442 -م ،وهذا قليل من كثير يؤكد سبق الفكر االقتصادى اإلسالمى ،الفكر االقتصادى الوضعى الذى لم تبدأ الكتابة فيه إال على يد آدم سميث فى القرن الثامن عشر ،ولم يكن الفكر االقتصادى التقليدى حينئذ خالصا نتج عنه علم اقتصاد مستقل بذاته إال فى العقد األخير من القرن التاسع عشر وتحديدا عام 1 890م بعد نشر الفرد مارشال كتابه (مبادىء االقتصاد). هذا هو االقتصاد اإلسالمى فى مفهومه وأصوله وتاريخه فأين واقعه المعاصر هذا ما سنتعرف عليه فى المبحث التالى: -2المبحث الثانى واقع الفكر اإلقتصادى اإلسالمى فى مواجهة القضايا المعاصرة تأتى الدراسة فى هذا المبحث لتفند وتظهر ما يلى: ما يذهب إليه البعض من إنكار وعدم الحاجة إلى الفكر االقتصادى ألنه مع تسليمهم بأن القرآن الكريم والسنة النبوية يحتويان على مجموعة كبيرة من القيم األخالقية فى مجال االقتصاد ،فإن طبيعة علم االقتصاد المعاصر تقوم على الموضوعية التى تعنى فصل األحكام القيمية عن االقتصاد ،إلى جانب أن االقتصاد المعاصر كاف وحده لحل المشكالت المعاصرة بكفاءة دون حاجة إلى فكر آخر ،هذا إلى جانب أن ما ورد فى التراث العلمى للمسلمين من أفكار اقتصادية ال يصلح اآلن لمواجهة المشكالت المعاصرة ،وأن تاريخ الفكر االقتصادى اإلسالمى مع اعترافهم بوجوده وسبقه فإنه توقف وحل محله الفكر التقليدى. أنه توجد عالقة وثيقة بين الفكر والواقع كما أوضح ذلك عالم االقتصاد الشهيركينز( )7واذا كانت اقتصاديات البالد اإلسالمية اآلن فى أغلبها ال ترتبط بالدين ممارسة أو مؤسسات !نما تسير على أساس من الفكر الغربي ومحاكاة للنظم االقتصادية بها من رأسمالية واشتراكية ،فكيف يمكن وجود فكر اقتصادى إسالمى وهذا ما نحاول أن نرد 9 عليه لتظهر ضرورة وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى وأنه موجود بالفعل فى واقعنا المعاصر وله إنجازات عديدة ونتناول ذلك كله فى الفقرات التالية. 2/ 1:ضرورة وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى :تنبثق هذه الضرورة من عدة أسباب، أهمها ما يلى: 2/ 1/ 1:إن المشكلة االقتصادية األساسية التى يعمل الفكر االقتصادى على حلها هى كيفية التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات المتعددة ،والرأسمالية خلصت إلى أن اآللية التى تحقق ذلك هى أسعار السوق ،فاألفراد أحرار فى تحديد ما ينتجون كما ونوعا لتحقيق أقصى ربح ممكن فى ضوء ما تسمح به أسعار السوق ،وأحرار فيما يستهلكون كمأ ونوعا فى حدود ما تسمح به قدراتهم على حسب أسعار السوق ،والشيوعية بدلت آلية السوق بتدخل الدولة لتحديد ماذا ينتج وبأى كمية وبأى سعر ولمن ينتج وكال النظامين أدى إلى مشكالت عديدة ،األمر الذى يتطلب إدخال آلية أخرى لضمان االستفادة المثلى من الموارد المتاحة فى المجتمع وبأن تؤدى هذه اآللية إلى ترشيد السلوك االقتصادى للناس بالمحافظة على الموارد وتوجيهها لإلشباع المفيد للمجتمع فى عدالة وتوازن ،وهذه اآللية ال يمكن أن تستمد من سلوك الناس الواقعى كما يعبر عنه جهاز األسعار فى السوق من حيث العرض والطلب بل البد من آلية تبدأ من ترشيد رغبات الناس غير المحدودة وقصرها على ما يفيد اإلنسان والكون وفى حدود االعتدال والقوامة ،ثم آلية ال تسمح باستخدام الموارد فى المظاهر والترف أو تبديدها ،وآلية أخرى لحسن توزيع الموارد على أبناء المجتمع وهنا البد من قيم ومثل أخالقية تضبط سلوك الناس تجاه الموارد وكما يقول بعض المؤرخين بعد دراستهم الواسعة والمتعمقة لمختلف الحضارات أنه "ال يوجد مثال يعتد به فى التاريخ السابق لعصرنا لمجتمع نجح فى المحافظة على الحياة األخالقية بدون مساعدة الدين" ()8 وهكذا يظهر أنه البد لالقتصاد من الدين األمر الذى يؤكد ضرورة وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى. 2/ 1/2:إن أحكام الدين اإلسالمى وتوجيهاته فى مجال االقتصاد ترد على أنها أحكام 10 الزمة وأن مخالفتها تعد مخالفة للدين ونقصا إلسالم المسلم يقتضى التوبة بالرجوع عن السلوك االقتصادى المخالف للشريعة ،وبالتالى فإنه من الضرورى على المسلمين اتباع أحكام الدين فى االقتصاد ،والفكر االقتصادى يعمل على شرح وتفسير هذه األحكام باعتبارها المتغير المؤثر الذى يضبط سلوك المسلم. 2/1/3 :إن ما نتج عن الفكر االقتصادى التقليدى من نظم اقتصادية مختلفة مثل الرأسمالية والشيوعية لم يؤديا إلى إصالح اقتصاد العالم ودليل ذلك حسب ما هو واقع وما يورده كتاب االقتصاد ما يلى: 2/1/3/1:انهيار الشيوعية وما بنيت عليه من أفكار. 2/ 1/3/2:ما يعرف فى األدب االقتصادى بفشل السوق إشارة إلى فشل نظام رأسمالية السوق الحرة فى تحقيق الكفاءة والعدالة المقصود الرئيسى للنظم االقتصادية. 2/1/3/3:اضطرار النظم التقليدية مثل الرأسمالية الخروج عن مقتضى األيدلوجية التى تقوم عليها وهى الحرية االقتصادية المطلقة والتحول نحو الحرية المنضبطة بإقرار تدخل الدولة وتقييد السوق الحرة ببعض الضوابط مثل التشريعات المناهضة للسياسات االحتكارية والتى تسير نحو األخذ بما سبق أن قال به اإلسالم فى ضبط االقتصاد ().9 2/ 1/3/4:إن واقع تطبيق النظم االقتصادية الغربية أسفر عن مشكالت كبيرة تعانى منها جميع الدول وتؤرق المجتمع الدولى ومن أهمها زيادة نطاق الفقر واتساع الفجوة بين األغنياء والفقراء وتلوث البيئة واستنزاف الموارد وانتشار الفساد االقتصادى ،والممارسات غير األخالقية ،والكل يؤكد أن سبب هذه المشكالت هو األيدلوجيات التى استقيت منها المفاهيم االقتصادية األساسية والتى تركز على الحرية المطلقة التى وان حققت الكفاءة إلى حد ما إال أنها فشلت فى تحقيق العدالة ورفاهية المجتمعات ،وذلك بسبب إبعاد القيم الدينية عن علم االقتصاد ،كما يؤكد أحدهم "إن إبعاد األخالق عن االقتصاد قد أفقر علم االقتصاد" ()10 2/ 1/3/5:لقد جرب العالم اإلسالمى النظم االقتصادية الغربية وهى الرأسمالية واالشتراكية ولم يجن من وراء ذلك سوى المزيد من التخلف االقتصادى والتبعية لدول 11 الغرب وحالة التناقض التى تعيشها بلدان العالم اإلسالمى بين عقيدتهم وبين نظم وافدة مستمدة من عقائد وأيدلوجيات مخالفة فى نظرتها للحياة والكون واألهداف االقتصادية عن نظرة اإلسالم ،مما يقتضى العمل على إعادة التوازن إلى حياة المسلمين بين العقيدة والسلوك ،وهذا ما يتطلب فك ار اقتصاديا إسالميا يبين لهم هذا الطريق المنشود. 2/1/3/6:ولماذا نذهب بعيدا وها هم علماء االقتصاد الغربيون يصرحون بعدم مصداقية علم االقتصاد الوضعى وأنه البد من وجود نموذج جديد بدال عنه ،فيقول أحدهم" :هناك أعداد متنامية من الناس الذين يشكون بأن كل شيء على ما يرام فى البيت الذى بناه على االقتصاد" ويؤكد آخر"على أن هناك حاجة إليجاد نموذج جديد ( )11وأين هذا النموذج الجديد سوى االقتصاد اإلسالمى الذى تتقارب إليه النماذج الغربية فى محاولتها لعالج تشوهاتها كما حدث فعال فى الرأسمالية بظهور دولة الرفاهية ،وفى التوسع نحو أسلوب المشاركة فى صورة االستثمار األجنبى المباشر وغير المباشر بدال من اإلقراض بفوائد ربوية ،وفى إقرار ضوابط السوق التى قررتها الشريعة اإلسالمية بديال من الحرية المنفلتة ،وفى المناداة بضرورة إدخال األخالق كعنصر هام فى الممارسات االقتصادية بعدما زاد الفساد االقتصادى على نطاق واسع. كل ذلك يؤكد ضرورة وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى الذى بدأ العودة بالظهور فى عالم المسلمين اليوم وحقق إنجازات ملموسة فى الواقع التطبيقى رغم حداثة دخوله فى الحياة المعاصرة بعد غياب كبير ،فما هى هذه اإلنجازات هذا ما سنحاول التعرف عليه فى الفقرة التالية. 2/2:أهم إنجازات الفكر االقتصادى اإلسالمى فى الحياة المعاصرة :رغم أن أصول الفكر االقتصادى اإلسالمى وهى :القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مازالت قائمة فى حياة المسلمين ،وأن التراث الفقهى بين أيدى المسلمين ويتعالى بناؤه بالدراسات الفقهية المستمرة فى كل العصور وحتى اآلن ،وأن تاريخ الفكر االقتصادى اإلسالمى ضارب بجذوره فى أعماق التاريخ وشهد فترات ازدهار واضحة ،إال أن فترة التغريب التى عاشها المسلمون بعيدا عن تنظيم حياتهم االقتصادية من المنظور اإلسالمى طالت حتى قدر 12 هللا سبحانه وتعالى أن تحدث صحوة إسالمية معاصرة منذ حوالى ثالثين سنة مضت امتدت إلى المجال االقتصادى فى صورة علمية وعملية ،وفى خالل هذه المدة الوجيزة ظهرت إنجازات للفكر االقتصادى اإلسالمى تمثل قدرة هذا الفكر على مالحقة المستجدات من قضايا ومشكالت اقتصادية معاصرة ،ونشير فى هذه الفقرة إلى أهم هذه اإلنجازات على الوجه التالى: 2/2/ 1:فى مجال التأصيل اإلسالمى لالقتصاد :ويعتبر من المجاالت المبكرة التى بدأ فيها بحث موضوعات عديدة تمثل فروع االقتصاد حسب التصنيف المعاصر لها مثل: مبادئ وأصول االقتصاد اإلسالمى -النقود والبنوك -اإلنتاج -السوق -المالية العامة- التنمية والتخطيط -التمويل().12 2/2/2:فى مجال التأريخ :وجدت بحوث ودراسات عديدة تناولت تاريخ الفكر االقتصادى اإلسالمى سواء فى صورة مجمعة ،أو فى صورة دراسات منفردة إلسهامات علماء المسلمين فى تاريخ الفكر االقتصادى اإلسالمى مثل ابن خلدون -والمقريزى- والشاطبى -والدمشقى -والماوردى ،وتمت هذه الدراسات وفق منهج يبرز أهم اآلثار االقتصادية التى قال بها هؤالء العلماء ومقارنتها بتاريخ الفكر االقتصادى التقليدى. كما تم تناول التاريخ االقتصادى للمسلمين بالتعرف على أهم األنشطة االقتصادية فى عصور مختلفة واألسلوب الذى تتم به وتقويمها إسالميا(13). 2/2/3:فى مجال مساندة المؤسسات االقتصادية والمالية اإلسالمية المعاصرة: لقد شهدت الفترة األخيرة إنشاء العديد من هذه المؤسسات والتى تعمل وفق أحكام وتوجيهات اإلسالم وتؤدى دورها باستخدام أحدث األساليب بكفاءة وفعالية تزيد إن لم تتكافأ مع نظيرها التقليدى ومن هذه المؤسسات ما يلى: 2/2/3/1:البنوك اإلسالمية :التى بدأ إنشاؤها فى بداية السبعينات من القرن العشرين وتواصل إنشاء المزيد منها وتوسيع حجم أعمالها حيث وصل عددها إلى حوالى 200 بنك تعمل فى جميع قارات العالم وبلغ حجم أصولها حوالى 100مليار دوالر. 2/2/3/2:شركات التأمين اإلسالمى :والتى أنشئت منذ حوالى عشرين سنة ووصل 13 عددها اآلن إلى حوالى ست وستين شركة وتقوم بأداء جميع األعمال التأمينية وفق منظور إسالمى متميز عن شركات التأمين التجارى بالجمع بين فكرة التكافل االجتماعى فى اإلسالم وفكرة عقد المضاربة اإلسالمية. 2/2/3/3:صناديق االستثمار اإلسالمية :والتى أنشىء العديد منها سواء بواسطة البنوك اإلسالمية أو فى صورة صناديق مغلقة على هيئة شركات ومارست أعمالها على المستوى المحلى والعالمى بكفاءة مثل صناديق األمين والتوفيق بالسعودية أو صندوق المضاربة بشركة الراجحى بالسعودية ،أو بالبنك اإلسالمى الدولى للتنمية وصندوق المستثمر الدولى. 2/2/3/4:المؤسسات المعاصرة للزكاة :التى أنشئت فى بعض البالد اإلسالمية لتطبيق فريضة الزكاة إما على أساس اإلدارة الحكومية واإلشراف الحكومى مثل مصلحة الزكاة والدخل فى السعودية ،أو على أساس اإلدارة الشعبية واإلشراف الحكومى مثل بيت الزكاة الكويتى ،أو على أساس إدارة حكومية واشراف شعبى مثل مصلحة الزكاة فى السودان، أو على أساس إدارة واشراف شعبى مثل صناديق ولجان الزكاة فى بعض البنوك اإلسالمية والجمعيات الخيرية بمصر. 2/2/3/5:إلى جانب ذلك توجد بعض المؤسسات االقتصادية األخرى مثل الشركات الصناعية والتجارية والزراعية التى تلتزم فى أعمالها بأحكام وتوجيهات اإلسالم. وصلة ذلك بموضوعنا أن إنشاء وادارة واستمرار وجود هذه المؤسسات يحتاج إلى فكر اقتصادى إسالمى مميز لمساعدتها ومساندتها وحل مشكالتها ،وهو ما تم فى صورة دراسات وبحوث عديدة ولقاءات علمية مستمرة وفتاوى اقتصادية ويمثل كل ذلك نتاجا علميا تذخر به المكتبات ،كما أن وجود هذه المؤسسات ومساندة الفكر االقتصادى اإلسالمى لها يدحض حجة من يقول بأن االقتصاد اإلسالمى مجرد كالم نظرى ال يمكن أن يوجد فى التطبيق ،ومن وجه آخر يؤكد سالمة الفكر االقتصادى اإلسالمى لخضوعه للتجربة والتطبيق العملى فى صورة هذه المؤسسات التى استطاعت أن تؤدى دورها بأساليب إسالمية استوعبت مستجدات العصر. 14 2/2/4:فى مجال القضايا والمشكالت االقتصادية المعاصرة :للفكر االقتصادى اإلسالمى إسهامات بارزة فى القضايا االقتصادية المعاصرة سواء من حيث التأصيل اإلسالمى لها أو اإلسهام بتقديم مقترحات عملية لحلها أو تنظيم العمل بها وفق قيم اإلسالم وأحكامه ،ومن أمثلة ذلك ما يلى: 2/2/4/ 1:على مستوى القضايا والمشكالت المرتبطة باالقتصاد الكلى ،تم تناول قضايا ومشكالت عديدة مثل :العالج اإلسالمى للفقر ،وحماية البيئة من التلوث ،وكيفية مواجهة الفساد االقتصادى واإلدارى ،ومشكلة البطالة والتضخم ثم قضايا البورصة وأسواق المال والمعامالت الحديثة فيها مثل االختيارات والمؤشرات والعقود المستقبلية، وكذلك قضايا االستثمار األجنبى والقروض الدولية ،ودور الدولة فى النشاط االقتصادى، والموازنة العامة للدولة ،وموارد الدولة واإلنفاق العام ،والتكامل االقتصادى. 2/2/4/2:على مستوى القضايا الجزئية تم تناول العديد منها مثل :تنظيم المنافسة ومنع االحتكار ،والتأجير التمويلى ،وعقود الـ B.O.Tوالتجارة اإللكترونية ،وبطاقات االئتمان، والصرف األجنبى ،والتمويل العقارى ،والبيع بالتقسيط ،والركود ،وأزمة االئتمان المصرفى. 2/2/5:على مستوى االبتكارات لألساليب المالية واالقتصادية التى ليس لها نظير فى االقتصاد التقليدى ،والذى استطاع الفكر االقتصادى اإلسالمى إنجازها اعتمادا على ما ورد فى الفقه اإلسالمى من عقود المعامالت ومنها مايلى: 2/2/5/ 1:كيفية التطبيق المعاصر لعقود السلم واالستصناع والمرابحة فى النظام المصرفى اإلسالمى المعاصر. 2/2/5/2:االستناد إلى عقد المضاربة فى تنظيم العالقة بين البنك والمودعين وفى تنظيم وثائق صناديق االستثمار. 2/2/5/3:ابتكار أدوات مالية إسالمية مثل سندات المقارضة وصكوك اإليجارة. 2/2/5/4:وثائق التأمين مع المشاركة فى األرباح. 2/2/5/5:إصدار هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية اإلسالمية للعديد من 15 معايير المحاسبة اإلسالمية. 2/2/5/6:سندات أو صكوك الوقف. 2/2/6:لقد كان من متطلبات وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى ضرورة وجود جهات ومؤسسات علمية إلنجاز ما سبق وهو ما تم بعدة صور منها: 2/2/6/1:إنشاء العديد من المؤسسات العلمية والبحثية فى مجال االقتصاد اإلسالمى على المستوى الدولى تساهم بدور بارز فى الفكر االقتصادى اإلسالمى منها على سبيل المثال: مركز أبحاث االقتصاد اإلسالمى التابع لجامعة الملك عبد العزيز بجدة (تأسس عام1977م) المعهد اإلسالمى للبحوث والتدريب التابع للبنك اإلسالمى للتنمية بجدة (تأسس عام1983م). مركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى التابع لجامعة األزهر (تأسس عام 1978م) .جمعية علماء االجتماع المسلمين بالواليات المتحدة األمريكية (تأسست عام 1972م).المؤسسة اإلسالمية فى مدينة ليستر بإنجلت ار ( تأسست عام 1973م).مكتب أبحاث االقتصاد اإلسالمى ببنجالديش (تأسس عام 1970م)المعهد الدولى لالقتصاد اإلسالمى بإسالم آباد -باكستان (تأسس عام 1983م).الجمعية الدولية لالقتصاد اإلسالمى (تأسست عام 1984م).2/2/6/2:إنشاء العديد من األقسام والكليات المتخصصة فى االقتصاد اإلسالمى مثل: قسم االقتصاد اإلسالمى بكلية الشريعة ،بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.دبلوم االقتصاد اإلسالمى بكلية التجارة ،جامعة األزهر.المعهد الدولى لالقتصاد اإلسالمى بإسالم آباد ،بباكستانقسم الدراسات اإلسالمية ،بجامعة هارفارد بالواليات المتحدة األمريكية.كلية االقتصاد التابعة للجامعة اإلسالمية فى ماليزيا.2/2/6/3:إنجاز العديد من الرسائل الجامعية -ماجستير ودكتو اره -فى مجال االقتصاد 16 اإلسالمى يبلغ عددها حوالى 440رسالة إلى جانب العديد من الكتب واألبحاث بلغت حوالى 674كتابا ،ثم البحوث التى بلغت حوالى 1253بحثا(14). 2/2/ 6/4:عقد العديد من اللقاءات العلمية فى صورة ندوات ومؤتمرات وحلقات علمية مستمرة على مدار العام مما ال تقع تحت حصر سواء فى عددها أو الموضوعات التى تناولتها أو األبحاث المقدمة إليها. وهكذا اتضح أن الفكر اإلسالمى موجود وأنه أختبر بنجاح فى التطبيق ،وأن نتاجه غزير وله مؤسساته وكوادره المتعددة ،وأنه يستوعب كافة القضايا والمشكالت االقتصادية المعاصرة والمستجدة تأصيال وابتكارا ،فهل استطاع الفكر االقتصادى اإلسالمى أن يؤدى دوره كامال هذا ما سنتعرف عليه فى المبحث التالى. 3المبحث الثالثالفكراالقتصادى اإلسالمى بين الواقع والمأمول إن التجديد فى الفكر االقتصادى اإلسالمى -موضوع هذا البحث -يجب أن ينظر إليه ليس فى ضوء ما أنجز فقط ،إنما فى ضوء اعتبارات أخرى منها أن العلم تراكمى، والمستجدات االقتصادية مستمرة ومتالحقة ،وأن التحدى أمام الفكر اإلسالمى بشكل عام كبير ،وهذا يتطلب إلقاء نظرة تقويمية على واقع الفكر االقتصادى اإلسالمى والمطلوب منه وهو ما نحاول بيانه فى هذا المبحث وفق مايلى. 3/ 1:نظرة تقويمية على واقع الفكر االقتصادى اإلسالمى وفيها نلقى الضوء على أهم اإليجابيات والسلبيات والتى تتلخص فيما يلى: 3/ 1/ 1:اإليجابيات :ومن أهمها ما يلى: 3/ 1/ 1/ 1:غ ازرة اإلنتاج العلمى للفكر االقتصادى اإلسالمى فى فترة قصيرة. 3/ 1/ 1/2:التغطية بالبحث ألغلب القضايا االقتصادية العلمية والعملية المستجدة. 3/ 1/ 1/3:مساندة المؤسسات المالية واالقتصادية اإلسالمية التى وجدت على أرض 17 الواقع مثل البنوك اإلسالمية وشركات التأمين اإلسالمى. 3/ 1/ 1/4:شرح ماهية النظام االقتصادى اإلسالمى فى صورته المثالية ومقارنته بالنظم االقتصادية المعاصرة من رأسمالية واشتراكية. 3/ 1/ 1/5:إبراز تاريخ الفكر االقتصادى اإلسالمى وبيان سبقه وتفوقه على الفكر االقتصادى التقليدى. 3/ 1/ 1/6:دراسة بعض نواحى التاريخ االقتصادى خاصة فى صدر الدولة اإلسالمية للتاكيد على أن النظام االقتصادى اإلسالمى طبق بالفعل وحقق نتائج إيجابية ساهمت بدور إيجابى فى مسيرة الحضارة اإلسالمية التى قادت العالم حوالى ألف عام. 3/ 1/ 1/ 7:بشكل عام فإن وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى يساهم إلى حد كبير فى تدعيم التمسك بالدين اإلسالمى وتأكيد صالحية الشريعة اإلسالمية لكل زمان ومكان. 3/ 1/2:السلبيات ،ومن أهمها ما يلى: 3/ 1/2/1:محاكاة الفكر االقتصادى التقليدى فى بناء التحليل االقتصادى على مفاهيم مستمدة من النظرة الدنيوية الغربية للحياة واألنانية المفرطة وابعاد األخالق والدين عن االقتصاد ،ومن أهم هذه المفاهيم مفهوم اإلنسان االقتصادى الذى يسعى لتحقيق مصلحته دون نظر إلى أثر ذلك على اآلخرين ،ومفهوم التناسق المزعوم الذى يحققه السوق بين المصالح الخاصة والعامة من خالل اليد الخفية ،ومفهوم السعادة اإلنسانية المبنية على اللذة الحسية ،والوضعية التى تعنى ضرورة استقالل االقتصاد عن األحكام القيمة المستمدة من الدين واألخالق إلى جانب قصر الهدف النظرى للفكر االقتصادى على وصف وتفسير الواقع من أجل إمكانية التنبؤ بما يحدث فى المستقبل. ولقد ثبت بالتحليل المنطقى والواقع الفعلى خطأ هذه النظرة الغربية للحياة وبالتالى التشكك فى المفاهيم األساسية والتى يقوم عليها االقتصاد الغربى التقليدى ،فكيف للفكر االقتصادى اإلسالمى أن تكون له شخصيته المتميزة وهو يقوم على نفس منطق النظام الذى يسعى للحلول محله. 3/ 1/2/2:إن الفقه اإلسالمى يعتبر ضروريا للفكر االقتصادى اإلسالمى ،ولكنه يمثل 18 نقطة انطالق وليس بديال عنه ومع ذلك فإن بعض الدراسات والبحوث االقتصادية توقفت عند مرحلة الفقه ولم تحاول أن تستخلص القواعد الفقهية وتبنى عليها تحليال اقتصاديا مما أدى إلى قول البعض بأن االقتصاد اإلسالمى هو فقه المعامالت. 3/ 1/2/3:رغم تنوع الموضوعات التى تناولها الفكر االقتصادى اإلسالمى إال أن التركيز كان على موضوعين هما :الربا والزكاة وما يتصل بهما. 3/1/2/4:التركيز على تتبع ما يستجد من قضايا تطبيقية أو يظهر من اتجاهات فكرية فى االقتصاد المعاصر والبحث عن التأصيل اإلسالمى لها قبوال أو رفضا األمر الذى يظهر الفكر االقتصادى اإلسالمى بأنه متغير تابع للفكر االقتصادى الغربى. 3/ 1/2/5:االكتفاء ببيان النظام االقتصادى اإلسالمى األمثل دون ربط ذلك بالواقع ومعرفة االنحرافات بينها وأسبابها ومقترحات عالجها. 3/ 1/2/6:الندرة فى الكتابات التى تربط بين الجوانب المختلفة للنظام االقتصادى اإلسالمى. 3/2:المأمول من الفكر االقتصادى اإلسالمى: إذا أردنا للفكر االقتصادى اإلسالمى االزدهار ،واإلفادة منه فى تحقيق التقدم االقتصادى للدول اإلسالمية بعد ما أسفر تطبيق النظم االقتصادية الغربية بها عن تخلف وتبعية، واذا أردنا القدرة على مواكبة المستجدات المتالحقة بشكل مميز يبرز خصائصه ويظهر حقيقة اإلسالم ونظرته للحياة ،وسعيا نحو تالفى السلبيات السابق ذكرها فإن األمر يتطلب ما يلى: 3/2/ 1:المرتكزات األساسية :إن اإلسالم نظام متكامل يتكون من شعب ثالث هى العقيدة والشريعة واألخالق ،وبالتالى يجب على الفكر االقتصادى اإلسالمى أن يرتكز على هذه الشعب الثالث سواء فى التحليل االقتصادى أو وضع النظام االقتصادى األمثل ،ومن أهم ما تشتمل عليه هذه الشعب ويتصل باالقتصاد ما يلى: 3/2/ 1/1:إن المال مال هللا وأن البشر مستخلفون فيه يرزقهم هللا به لنفعهم وأداء حقوق هللا فى المال وحق هللا فى التصور اإلسالمى هو حق المجتمع الذى قرره رب العزة فى 19 تكاليف إيجابية وسلبية وعدم تبديد الموارد وضياعها. 3/2/ 1/2:اإليمان بأن هللا عز وجل سوف يحاسب اإلنسان على التصرفات فى األموال ويجازيهم على ذلك فى الدنيا بالبركة والمحق ،وفى اآلخرة بالعذاب مصداقا لقوله تعالى (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( (التكاثر )8 :وقول الرسول -صلى هللا عليه وسلم" -ال تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع " ومنها" :عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه" وهذه المسألة يقين وعقيدة تحكم سلوك المسلم يجب أخذها فى االعتبار فى التحليل االقتصادى لسلوك المسلم المستهلك والمنتج. 3/2/2:األهداف :يجب أن يكون الهدف من االقتصاد اإلسالمى هو تحقيق الرفاهية اإلنسانية وليس مجرد التوقف عند حد دراسة ما هو كائن يوصف وتفسير السلوك االقتصادى الواقعى ،ويجب ربط تحقيق هذا الهدف بمقاصد الشريعة اإلسالمية ،وبالنظر للحاجات المادية والروحية وبالتوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة ،وهذا يتطلب من الفكر االقتصادى اإلسالمى وضع النظام االقتصادى األمثل وليس مجرد دراسة السلوك القائم. 3/2/3:المعايير :إذا كان االقتصاد يدور فى مجمله حول اتخاذ الق اررات باالختيار بين السياسات البديلة ،فإنه يجب أن يستند هذا االختيار إلى توافق القرار مع المعايير اإلسالمية االقتصادية وهى ما ذكرهما هللا سبحانه وتعالى فى قوله( :وابتغ فيما آتاك هللا الدار اآلخرة وال تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن هللا إليك وال تبغ الفساد فى األرض إن هللا ال يحب المفسدين) (القصص: 77). وبالتالى فإنه يجب على الفكر االقتصادى اإلسالمى فى تحليل السلوك االقتصادى أو تقويمه الختيار السلوك المتوافق إسالميا أن يستند إلى هذه المعايير التى نعبر عنها بلغة اقتصادية فى اآلتى: (أ) ( وابتغ فيما آتاك هللا الدار اآلخرة ) :أى االلت ازم بطاعة هللا وعدم عصيانه حتى تنال ثواب هللا وتتجنب عقابه فى اآلخرة ،ومن شأن االلتزام بذلك الحد من الممارسات غير األخالقية التى تتدرج تحت ما حرمه هللا ،والتى زادت فى االقتصاديات المعاصرة. 20 (ب) ( وال تنس نصيبك من الدنيا ) :وهذا من شأنه أن يعمل على تحقيق أفضل إشباع من الموارد المتاحة بما يحقق الكفاءة. (جـ ( )وأحسن كما أحسن هللا إليك ) :وهذا من شأنه مراعاة البعد االجتماعى وتحقيق التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. (د) ( وال تبغ الفساد فى األرض) :وهذا من شأنه المحافظة على الموارد واستخدامها فيما يشبع الحاجات ويحد من تلوث البيئة واستنزاف الموارد والفساد االقتصادى. 3/2/4:المنهج والخطوات :ويتم وفق ما يلى(15): 4/2/4/ 1:دراسة السلوك االقتصادى الفعلى كما يحدث فى الواقع ليس كما يحدث فى االقتصاد الغربى والذى يتم فى ضوء المفاهيم واالفتراضات المستقاة من نظرته للحياة والكون وانما يلزم إعادة صياغة هذه المفاهيم وفق منظور إسالمى كما سنبينه فى فقرة الحقة مع ربط هذه الدراسة باألهداف من االقتصاد اإلسالمى السابق ذكرها. 3/2/ 4/2:تحديد السلوك االقتصادى اإلسالمى المثالى :ويتطلب هذا التحديد أن يتفق السلوك مع المرتكزات األساسية والهدف المنشود من االقتصاد اإلسالمى وتحقيق مقاصد الشريعة استقاء من الكتاب والسنة ثم اجتهادات علماء المسلمين بعد التدليل عليها عقال، وما ثبت عند تطبيق االقتصاد اإلسالمى فى عصر الحضارة اإلسالمية الزاهرة. 3/2/4/3:المقارنة بين السلوك الفعلى والسلوك المثالى وتحديد أوجه االختالف بينهما وتفسير أسباب هذا االختالف. 3/2/4/4:اقتراح اإلجراءات الالزمة للتقريب بين السلوك الفعلى والسلوك المثالى. والى هذا الحد نتوقف لنشير فى عجالة إلى أنه توجد انحرافات للسلوك الواقعى االقتصادى للمسلمين اآلن عن السلوك المثالى الذى كرره اإلسالم وعالج هذا االنحراف يكون بيان ما فى السلوك المثالى من إصالح لحال اقتصاديات العالم اإلسالمى التى ترزح تحت عبء التخلف والتبعية األمر الذى يلقى عبئا على الفكر االقتصادى اإلسالمى فى توعية المسلمين بإصالح سلوكهم االقتصادى وفق النظام اإلسالمى ،وال يكفى فى هذه التوعية مجرد الوعظ وانما بالتحليل العلمى العقالنى والتحليل المنطقى لما 21 فى النظام االقتصادى اإلسالمى المثالى من مزايا وقدرة على تحقيق التقدم. 3/2/5:إعادة صياغة المفاهيم والفرضيات االقتصادية من منظور إسالمى :حيث أنه من تراكم الخبرات العملية والعلمية فى المجال االقتصادى وجدت عدة مفاهيم وفرضيات يعتمد عليها الفكر االقتصادى فى الدراسة والبحث وهى فى حد ذاتها مقبولة إسالميا ولكن نظ ار الختالف نظرة اإلسالم للحياة عن النظرة الغربية يلزم إعادة صياغتها وفق المفهوم اإلسالمى ،ومن أهم هذه المفاهيم والفرضيات ما يلى: 3/2/5/1:فرضية الرشد االقتصادى :وهى تقوم فى الفكر الغربى على أن اإلنسان بطبيعته رشيد ويعرف مصلحته وبالتالى يجب ترك الحرية له فى جميع تصرفاته االقتصادية ،والموقف اإلسالمى من هذه القضية أن الرشيد فى عرف الفقهاء هو المصلح لماله ويزيد الشافعية على ذلك أنه المصلح لماله ودينه ،وأن اإلنسان إذا كان رشيدا تترك له حرية التصرف فى المال ،ولكن ليس كمسلمة وانما البد من اختبار رشده والتأكد منه قبل ذلك كما يقول سبحانه وتعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) (النساء )6 :كما أنه يشترط فى العاقدين فى أى عقد األهلية والرشد ،ولذا فإنه قد يكون اإلنسان غير رشيد وبالتالى يحجر عليه أو يعين وصى عليه. 3/2/5/2:فرضية الحافز الذاتى أو المصلحة الشخصية :وتقوم على أن كل فرد يتصرف اقتصاديا وفق ما يحقق مصلحته الخاصة ،ومع أن هذه الفرضية مقبولة إسالميا إال أن تركها على إطالقها فى ظل األنانية المفرطة قد تؤدى إلى عواقب وخيمة تتمثل فى التأثير السلبى على مصالح المجتمع ،ولذا فإن النظرة اإلسالمية لهذه الفرضية تعمل على تقليم أظافر األنانية المفرطة عن طريق اإليمان بأن مصلحة اإلنسان الذاتية تمتد خارج حدود الدنيا إلى اآلخرة وأن هناك مساءلة لإلنسان تجعل حدود ما يصبو إليه من منفعة ترتبط بالقواعد األخالقية التى تمنعه من الجور على اآلخرين. 3/2/5/3:فرضية التناسق والتناغم بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة دون حاجة إلى تدخل لترتيب األولويات بينهما :وأن سعى كل إنسان لتحقيق مصلحته يحمل فى 22 طياته تحقيقا لمصالح المجموع وتقرير هذه الفرضية من حيث هى سبق بها علماء اإلسالم علماء االقتصاد المعاصرين حيث يقول الشاطبى فى الموافقات" :فصار يسعى فى نفع نفسه ينفع غيره فحصل االنتفاع للمجموع بالمجموع وان كان كل أحد إنما يسعى فى نفع نفسه "( )16غير أن األخذ بهذه الفرضية وفى ظل األنانية المفرطة أدى إلى ممارسات فيها نفع شخصى وضرر بالمجتمع مثل تلوث البيئة والفساد االقتصادى وزيادة الفقراء .ولذا فإن اإلسالم يضبط هذه الفرضية بوضع قواعد حاكمة منها أنه عند التعارض تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ،وأن للمصلحة الخاصة حدودا ال تتعداها إذا أدى تحقيقها إلى إضرار بمصالح اآلخرين. 3/2/5/4:مفهوم آلية السوق ممثلة فى تفاعل العرض والطلب وأنها كافية لكى يسير االقتصاد نحو تحقيق أهدافه المنشودة من الكفاءة والعدالة ،وبالتالى يجب ترك السوق حرة دون تدخل خارجى ،ولهذه الفرضية أصل فى اإلسالم يستند إلى التراضى المذكور فى قوله تعالى ( :إال أن تكون تجارة عن تراض منكم ) (النساء )29 :وقول الرسول - صلى هللا عليه وسلم ":-إنما البيع عن تراض" ولكن نظ ار ألن الواقع أثبت فشل آلية السوق نظ ار لوجود ممارسات احتكارية وأساليب تنافسية ضارة وغير سليمة ،بدأ النظام الرأسمالى القائم على حرية السوق -حتى سمى بنظام رأسمالية السوق الحرة -فى إصدار التشريعات المناهضة للسياسات االحتكارية( )17والتى تمثل ضوابط أو قيود خارجية لتنظيم السوق دون ترك األمر كله آللية السوق ،وهذا ما سبق به اإلسالم فى ما يعرف فى الفقه بالبيوع المنهى عنها شرعا والتى تمثل ضوابط يجب االلتزام بها. 3/2/5/5:مفهوم الوضعية :والتى تعنى أخذ سلوك األفراد واختياراتهم على عالتها دون النظر إلى مدى انسجامها مع القيم المعيارية فى المجتمع والحكم عليها بأنها حسنة أو سيئة ،وهذا المفهوم يتعارض مع كون األخالق إحدى شعب اإلسالم ويجب إخضاع كل سلوك واقعى اقتصادى للحكم عليه فى ضوء السلوك المثالى كما سبق القول. 3/3:معالجة المشكالت الحاضرة فى أطرها الواقعية ،حتى ال يصبح الفكر االقتصادى اإلسالمى غارقا فى المثاليات بعيدا عن واقع الناس ال يجب االنتظار حتى يطبق النظام 23 االقتصادى اإلسالمى فى صورته المثالية ،وانما يجب أن يعايش المشكالت المعاصرة فى إطارها الواقعى والبحث عن حلول إسالمية لها ،إلى جانب استمرار تقويم المؤسسات االقتصادية اإلسالمية لمعرفة متى توافقها مع النموذج اإلسالمى المثالى ،وهذا من شأنه أن يظل الفكر االقتصادى اإلسالمى مزده ار يلبى احتياجات الناس ويالحق المستجدات المعاصرة وهو قادر على ذلك بإذن هللا. وهللا ولى التوفيق نتائج البحث وتتلخص فيما يلى: أوال :أظهر البحث تميز الفكر االقتصادى اإلسالمى فى مفهومه باالستناد إلى اإلسالم الذى له نظرة متميزة للحياة والمال قائمة على اإليمان باهلل عز وجل ،واألخوة بين البشر، والمساءلة أمام هللا سبحانه دنيا وآخرة مع االلتزام باألخالق اإلسالمية وتحقيق مقاصد الشريعة ،وأن علماء المسلمين األقدمون سبقوا الفكر الغربي فى إنجاز العديد من المؤلفات التى تتناول الفكر االقتصادى اإلسالمى. ثانيا :ضرورة وجود الفكر االقتصادى اإلسالمى فى العصر الحاضر لما ثبت من قصور الفكر االقتصادى الغربي وما أسفر عن تطبيقه من مشكالت حادة على المستوى الدولى ،والتشكيك فى المفاهيم والفروض التى يقوم عليها والمستمدة من نظرته للحياة التى تختلف عن النظرة اإلسالمية سواء فى تكريسها األنانية المفرطة واهمالها الحاجات الروحية وبعدها عن األخالق وقصورها عن تحقيق التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة. ثالثا :أنه على الرغم من قصر المدة التى بدأ الفكر االقتصادى اإلسالمى التواجد فيها فى العصر الحديث ،إال أنه حقق إنجازات ملموسة سواء فى مجال التأصيل اإلسالمى لالقتصاد أو التأريخ ،أو فى مجال القضايا والمشكالت االقتصادية المعاصرة ،ولم يقتصر نتاج الفكر االقتصادى اإلسالمى على كونه كما نظريا بل تم التأكد من صحته بالتطبيق فى الواقع فى صورة مساندة المؤسسات االقتصادية والمالية اإلسالمية المعاصرة ،وتمثلت هذه المساندة فى وضع أسس إنشائها وادارتها وحل المشكالت التى 24 تواجهها وتقويمها. رابعا :ومن جانب آخر فإنه نشطت فى الوقت الحاضر عدة مؤسسات علمية وبحثية فى مجال االقتصاد اإلسالمى وانشاء أقسام ودبلومات ومعاهد مخصصة له إنجاز العديد من الرسائل العلمية والبحوث. خامسا :ال يمكن القول إن الفكر االقتصادى اإلسالمى قد حقق كل المطلوب منه حيث توجد بعض السلبيات فيما أنجز ،وبعض اآلمال التى يقصر عن تلبيتها والتى تتطلب وجود منهج متميزله حتى ال يظل أسي ار وتابعا للفكر الغربي ،وبينا مالمح هذا المنهج سواء من حيث مرتكزاته وأهدافه ومعاييره وخطواته ،ثم إعادة صياغة المفاهيم والفرضيات االقتصادية من منظور إسالمى والتوجه نحو المشكالت االقتصادية التى تواجه العالم اإلسالمى وتقديم الحلول لها حتى ال يظل الفكر االقتصادى اإلسالمى يدور فى نطاق المثالية بعيدا عن واقع الناس. 25 الهوامش )(1من تصدير لكتاب "اإلسالم والتحدى االقتصادى " تأليف د .محمد عمر شب ار- والتصدير للدكتور خورشيد أحمد ،والكتاب ترجمة د .محمد زهير السمهورى -نشر المعهد العالمى للفكر اإلسالمى 1996م -ص.18 )(2جى هولتى ولسون -االقتصاد الجزئى -ترجمة د .كامل سلمان العانى ،نشر دار المريخ بالسعودية 1987م -ص15. )(3-4جيمس جوارنتى وريتشارد ستروب -االقتصاد الجزئى -ترجمة د .محمد عبد الصبور محمد على -نشر دار المريخ بالسعودية1 987 -م -ص .27 )(5رجاء انظر هذه التعريفات وغيرها فى: د .محمد عمر شب ار "ما هو االقتصاد اإلسالمى" المعهد اإلسالمى للبحوث والتدريب 1 996م -ص .40 )(6د .سعيد النجار -من كلمته فى الحوار االقتصادى الذى عقد وطبع ونشر بمركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى .جامعة األزهر ،والذى رغم عدم اعترافه بوجود اقتصاد إسالمى يعترف بذلك. )(7جيمس جوارنتى -ريتشارد ستروب -مرجع سابق ص .13 )(8نقال عن :د .محمد عمر شب ار " اإلسالم والتحدى االقتصادى" ،مرجع سابق ص .277 - 275 )(9انطر بحثنا: قراءة إسالمية فى مشروع قانون تنظيم المنافسة ومنع االحتكار.التفسير االقتصادى للبيوع المنهى عنها شرعا .نشر مركز صالح كامل لالقتصاداإلسالمى جامعة األزهر. (10) Amartya sen “ on Ethics and economic” 1987, p. 78 )(11نقال عن د .محمد عمر شبرا" ،ما هو االقتصاد اإلسالمى" مرجع سابق ص -26 .27 26 )(12من أمثلة ذلك :االقتصاد اإلسالمى للدكتور محمد شوقى الفنجرى واالقتصاد اإلسالمى للدكتور منذر قحف ،وفقه اقتصاد السوق لألستاذ يوسف كمال ،واالقتصاد المالى اإلسالمى للدكتور عبد الكريم صادق بركات ،والنقود والمصارف فى النظام اإلسالمى للدكتور عوف الكفراوى والمنهج اإلسالمى فى التنمية االقتصادية للدكتور عبد الحميد الغزالى ،والتنمية والتخطيط فى االقتصاد اإلسالمى للدكتور محمد عفر. )(13من أمثلة ذلك :تراث المسلمين االقتصادى للدكتور رفعت العوضى ،وسلسلة أعالم االقتصاد اإلسالمى للدكتور شوقى دنيا ،واسهامات اإلمام الماوردى فى النظام المالى اإلسالمى للدكتور شوقى الساهى ،والتكامل االقتصادى فى اإلسالم للدكتور على عبد الواحد وافى ،وأبحاث المؤتمر الدولى حول "التاريخ االقتصادى للمسلمين" الذى عقد بمركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى فى مارس 1 998م. )(14كشاف المؤلفات االقتصادى -طبع ونشر مركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى بجامعة األزهر عام 1998م مع مالحظة إن ما ورد بهذا الكشاف يقتصر على ما أمكن حصره من محتويات مكتبة المركز وأعماله ،وأنه أعد من ثالث سنوات ظهرت خاللها مؤلفات أخرى. )(15الدكتور محمد عمر شبرا :ما هو االقتصاد اإلسالمى -مرجع سابق ص -43 .53 )(16الموافقات للشاطبى -المكتبة التجارية بالقاهرة .179/2 )(17رجاء انظر :بحثنا :قراءة إسالمية فى مشروع قانون تنظيم المنافسة ومنع االحتكار .نشر مركز صالح كامل لالقتصاد اإلسالمى 2001 ،م. 27
© Copyright 2026 Paperzz