أحكام النقود الورقية
لفضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور
بسم هللا الرحمن الرحيم
خطبة الرسالة
إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره ،ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهده
هللا فال مضل له ،ومن يضلل فال هادي له ،وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له ،وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه أرسله رحمة للعالمين ،اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا
سيدنا
ً
محمد وعلى آله وصحبه ومن وااله.
أما بعد …
فإن خير الكالم كالم هللا ،وخير الهدي هدي محمد صلى هللا عليه وسلم ،أال وأن هللا عز وجل أناط
ِّك َال ُي ْؤ ِّم ُنو َن َحتَّى
تمام اإليمان بالتحاكم إلى شرعه العظيم ونبيه الكريم ،فقال تعالى َ { :ف َال َوَرب َ
ِّ
ِّ
ِّ
يح ِّكم ِّ
ِّ
ِّ
يما } [النساء .]65 :
يما َش َج َر َب ْي َن ُه ْم ثُ َّم َال َي ِّج ُدوا في أ َْنُفس ِّه ْم َح َرًجا م َّما َق َ
َُ ُ َ
ض ْي َت َوُي َسل ُموا تَ ْسل ً
وك ف َ
__________
()1912/2
-------------تحاكما إلى الشريعة المطهرة ،وذلك ال يكون
هذا ،وأنه قد جد في هذا العصر نوازل ووقائع تتطلب
ً
إال عن طريق علماء الشرع وفقهاء العصر الذين هم أهل الذكر في هذا األمر { َوَل ْو َرُّدوهُ ِّإَلى
الرس ِّ
ول َوِّاَلى أ ِّ
ُولي ْاأل َْم ِّر ِّم ْن ُه ْم } [النساء ]83 :كما قال ربنا في كتابه المجيد.
َّ ُ
وقد جدت في هذه النوازل واقعة النقود الورقية ،وعم بها التعامل ،وصارت من عموم البلوي ،
نقودا كالذهب والفضة تجب فيها الزكاة ويحرم بها الربا أم ال؟ وذهب
واختلف الناس في كونها ً
الجمهور إلى األول ،وذهب البعض إلى الثاني ،واني مع قوة أدلتهم ووضوحها ،ومع هذا فقد
تعرضت لقول البعض وشبه أدلتهم ،وذكرت ما عليه الجمهور من األدلة والبراهين الدافعة.
قسمت البحث إلى بابين بعد مدخل للبحث البد منه في شروح لغوية واصطالحية ولمحة تاريخية.
كان الباب األول في أحكام األوراق المالية العرفية وفيه فصالن :األول في األحكام الفقهية ،والثاني
في نقول من أقوال الفقهاء المعاصرين.
وأما الباب الثاني فاشتمل على أحكام تغير قيمة العملة في الفقه اإلسالمي ،وخالصة لما قاله
وكسادا في المذهب الحنفي ،مع
خصا
ً
العالمة ابن عابدين في أحكام تغير قيمة العملة غالء ور ً
تعرضي للمذاهب األخرى من المذاهب الثالثة ،وهو لدي الراجح المعمول عليه.
هذا ما توصلت إليه في بحثي المتواضع ،أقدمه ال أدعى فيه اإلحاطة والشمول والتمام ،بل هو
بابا يلجونه .ولعل هللا يجعلني في عملي هذا من أصحاب األجر الواحد إن
جهد فتحت به للباحثين ً
لم أكن من أصحاب األجرين .والحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات .
__________
()1913/2
-------------مدخل إلى البحث
-1معنى النقد.
-2شرح كلمة بنك نوت.
قديما وحديثًا.
-3النقود المتعامل بها ً
اصطالحا
( )1معنى النقد لغة و
ً
النقد في اللغة خالف النسيئة يقال :نقد الشيء قبضه ،والنقد الجيد الوازن من الدراهم ،ودرهم نقد
نقدا معجالً ،فالنقد
ونقود جياد .وفي حديث جابر رضي هللا عنه قال :فنقدني ثمنه ،أي أعطانيه ً
اسما بمعنى المنقود ،وهو الثمن الحال ،والفقهاء خصوه بالمضروب من الذهب
ًا
يطلق
مصدر و ً
جيدا أو غير جيد ،فال يطلقون اسم النقد على األثمان األخرى سواء كانت
والفضة معجالً أو مؤجالً ً
متخذة من المعادن أو غيرها إال على ضرب من التشبيه .وعلماء االقتصاد توسعوا في ذلك فأطلقوا
اسم النقد على كل ما كان واسطة في المبادالت وعامالً في الحصول على مقابل مرغوب فيه لسد
أثمانا رائجة واتفقت الملة
حاجة أو دفع ضرورة أو غير ذلك ،مع اتفاق الفريقين على أن ما اتخذ ً
على اعتباره يؤدي وظيفة النقد المعد للماء وهو الذهب والفضة ،إذ ليس في الشريعة ما يمنع اتخاذ
ثمنا يتعامل به مع الذهب والفضة أو بدالً عنهما ،سواء كان متفًقا عليه
أي نوع من أنواع العروض ً
ال ،إلى غير ذلك من األسماء ،إذ ال
ثمنا أو بد ً
نقدا أو عملة أو ً
بين الكل أو ال .ولهم أن يسموه ً
نزاع في التسمية.
__________
()1914/2
-------------نعم يشترط في صحة الثمن كالثمن شروط تكفلت ببيانها كتب الفروع ،واالقتصاديون ال يلتفتون إليها
في معامالتهم لعدم تقيدهم في ذلك بأحكام الدين ،فإذا اتفقت الملة على أن يأخذوا أي شيء كان
ثمنا يبيعون به ويشترون ،أو رأت الحكومة ضرب أي عملة وقدرت لها قيمة
صنفه ويعتبرونه ً
للتعامل بها ،فذلك سائغ عندهم ،وأما عند الشرعيين فال بد لها من شروط ،منها أن يكون
طاهر
ًا
منتفعا به شرًعا فال يجوز اتخاذ من جلود الميتة ،وال من الخمور والزيوت النجسة ،وال من آالت
ً
اللهو والطرب كاألعواد والمزامير ونحوها .وعلى كل حال فال بد لكل أمة من االتفاق على نقد واحد
يجري به التعامل بينهم ،ويحفظ التوازن في المبادلة بحيث يعطي به الفرد كما يأخذ ، ،فإن تبادل
المنافع ضروري في المجتمع اإلنساني ،إذ ليس كل إنسان لديه جميع ما يحتاج إليه وال في
استطاعته الحصول عليه بدون االستعانة بغيره ،وال يمكن أن يستأثر بحاجيات نفسه ومنافع غيره
بدون عوض يبذله وبدل يدفعه.
واألصل في العوض المماثلة ولو التقريبية ،وتحقيقها من العسر بمكان في المبادلة بالسلع ،فال بد
من االتفاق على بدل مقارب تتفاوت أصنافه في القيم إما بالخلقة والذات أو بالوضع والتقدير،
وأجوده وأقومه نقد الذهب والفضة لقلة وجودهما ووفرة نفقات استخراجهما ،وأسهله وأيسره اتخا ًذا
ومعاملة نقد األوراق والكواغد وقطع الجلود ونحوها (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ حسنين مخلوف .34 :
()1915/2
-------------( )2شرح معنى كلمة بنك نوت
جاء في كتاب بهجة المشتاق لمؤلفه العالمة فضيلة الشيخ الشريف أحمد الحسيني الشافعي رحمه هللا
تعالى في ص .68
بنك نوت :هو لفظ إفرنسي ،وقد نص قاموس (الروس) وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية
عينا لدى االطالع
اآلن في تعريف أوراق البنك حيث قال :ورقة البنك هي ورقة قابلة لدفع قيمتها ً
لحاملها ،وهي يتعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية.
وجاء في ص 71قوله ( :إن المعاملة بهذه األوراق ،إنما تخرج على قاعدة الحوالة ،لمن يجيز
المعاملة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة ،والحوالة كالبيع فمن يقول بصحة البيع بالمعاطاة يقول
بصحة الحوالة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة ،وهناك قول وجيه في مذهب السادة الشافعية يجيز
المعاملة بالمعاطاة) .اهـ.
هذه البنوك وكذا الصيارفة مستعدون لدفع قيمة ما معك من األوراق بأي عملة كانت ،ألي دولة
اتبعت؛ ألن منع التعامل بالذهب والفضة أقرته جميع الحكومات للمحافظة على ما عندها من الذهب
آنفا.
والفضة؛ خوًفا من تسربهما للخارج كما مر ً
لذلك كان الورق النقدي حاالً محلهما ،بل هو الذهب والفضة بعينه (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (زكاة األوراق) لألستاذ محمد نبهان الخباز .44 :
()1916/2
-------------قديما وحديثًا
( )3النقود المتعامل بها ً
قديما وحديثًا في االصطالح على النقود وال تزال مختلفة فيه حتى اآلن ،فقد اتخذ
وقد اختلفت األمم ً
مديدا ،واتخذ األقدمون من سكان جمهورية المكسيك بأمريكا
قودا من الملح ً
زمنا ً
قديما ن ً
األحباش ً
نقودا من الودع والشاي ،وكان
نقودا من صنف الكاكاو ،واتخذ األقدمون من سكان إنجلت ار ً
الشمالية ً
ألهالي الروسيا نقود من قوالب الشاي المضغوط ،ولبعض سكان األقاليم الشمالية بأفريقيا نقود من
جلود السنجاب والحيتان ،وألهالي الصين نقود من قشر شجر التوت ،واتخذ اليونان في عهد أرسطو
نقودا من الرصاص ،واتخذ الكثير
نقودا من النحاس ،والعبريون ً
نقودا من الحديد ،واليابان والصين ً
ً
نقودا من القصدير والزنك والصفيح.
من األمم ً
إال أن النقود النحاسية كانت أكثر استعماالً لعلو قيمة النحاس بالنسبة لغيره بسب كثرة نفقات
وذيوعا في أوروبا في القرون
استخراجه ،فحلت محل النقود الحديدية ،وأصبحت أكثر النقود تداوالً
ً
الوسطى ،إلى أن استكشفت بيرو في أميركا الجنوبية وجمهورية المكسيك الغنيتين بمعدن الفضة ،
ئيسيا في الممالك الغنية ،وال تزال من النقود المهمة حتى
فكثر التعامل بالنقود الفضية وصارت ً
نقدا ر ً
نقدا
نقدا برومة كان سنة 269قبل الميالد .واتخذ الذهب ً
اآلن .ويقال :إن أول استعمال للفضة ً
نفيسا في عدة بالد ،وأقدم بالد اتخذته مصر .وهو الفضة من أجود المعادن وأليقهما في صناعة
ً
ِّ
النقود ،ولذلك حظرت الشريعة استعمالهما في غير ما أُعَّدا له إال في أحوال خاصة.
__________
()1917/2
-------------أما تاريخ اتخاذ النقود من الورق فيرجع عهده إلى القرن الثالث عشر من الميالد ،حيث اتخذ
نقودا من قشر شجر التوت ،ثم تبعهم الفرس فاليابان فأهل أوربا بعد قرون عديدة ،
الصينيون إذ ذاك ً
نقدا في أكثر بالد العالم اآلن.
إلى أن فشا استعماله ً
وال يكون له في الحقيقة ذلك األثر الذي للنقود األصلية إال باعتبار ما يعادله من النقد الخلقي.
فقير من عنده
ولكثرة التعامل به وحلوله محل المعادن في المبادلة واتخاذه ماالً وثروة ،حتى ال يعد ًا
منه كمية وافرة أو ورقة واحدة ذات قيمة كبيرة ،كان من الحكمة االعتداد به كالنقد واخراج زكاته
حتى ال يحرم الفقير من الجزء الذي يستحقه من مال الغني ،وال يفتح لألغنياء باب التخلص من
الزكاة الواجبة في أموالهم بتحويلها إلى أوراق مالية ،فإنهم أشحة بالمال ،والفقراء من أجل ذلك
سيئو الحال ،وال بد من تفريج كربهم وسد عوزهم بدفع ما أوجب هللا على األغنياء في أموالهم ،
حتى ال يقعوا من جرائهم في شر عظيم وشقاء دائم (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ حسنين مخلوف .45 :
()1918/2
-------------الباب األول
أحكام األوراق المالية العرفية
الفصل األول :األحكام الفقهية عند البعض والجمهور.
الفصل الثاني :نقول من أقوال الفقهاء المعاصرين.
الفصل األول
األحكام الفقهية لألوراق المالية العرفية
نقدا.
المبحث األول :شبه حكم الورق عند من ال يعده ً
المبحث الثاني :حكم هذه األوراق عند الجمهور.
المبحث الثالث :مسالك تخريج قول الجمهور.
__________
()1919/2
-------------المبحث األول
شبهة حكم الورق المعروف بالنوط
نقدا من الفقهاء القدامى والمعاصرين
عند من ال يعده ً
ذكر األستاذ رشيد الراشد في كتابه الدرر النقية في المطالب الفقهية ص 93قوله " :قال محمد
محفوظ الترمسي في حاشيته على شرح ابن حجر على المقدمة الحضرمية على مذهب السادة
الشافعية :اختلف المتأخرون في الورق المعروف بالنوط ،فعند الشيخ سالم بن سمير والحبيب عبد
ظر إلى ما تضمنته الورقة المذكورة من النقود والتعامل بها.
هللا بن سميط :أنها من قبيل الديون ن ًا
وعند الشيخ محمد اإلنبابي والحبيب عبد هللا بن أبي بكر ،أنها كالفلوس المضروبة والتعامل بها
صحيح عند الكل ،وتجب زكاة ما تضمنته األوراق من النقود.
واذا علمت ذلك تعلم أن ما كتبه العالمة عبد الحميد الشرواني محشي التحفة في أوائل كتاب البيع
من جزمه بعدم صحة التعامل بها مطلًقا ،وجزمه بعدم وجوب الزكاة ،معلالً عدم الصحة بأن األوراق
المذكورة ال منفعة منها وأنها كحبتي بر ،هذا غير صحيح؛ ألنها ذات قيمة ومنفعة منتفع بها غاية
االنتفاع ،على أنك قد علمت أن القصد ما دلت عليه من النقود المقدرة ،فال يتم التعليل ،فتنبه لهذه
المسألة ،فإن التجار ذوي األموال يتشبثون بما صدر من المحشي المذكور رحمه هللا تعالى،
ويمتنعون من إخراج الزكاة ،وهذا جهل منهم وغرور ،والمحشي قال فيها بحسب ما بدا له من غير
نص ،فال يؤخذ بقوله ،ولالحتياط في أمثال هذه المسألة مما هو متعين؛ ألنه ينشأ منه فساد كبير،
وغرور عظيم للجهال ومن تمكن حب الدنيا بقلبه ).اهـ (. )1
__________
( )1وقد رد األستاذ محمد نبهان الخباز على هذه الشبهة بقوله :أليست هذه األوراق النقدية في
نقدا حل محل الذهب والفضة وضع للتعامل بين الناس؟ أجل إنه مال به نبيع وبه نشتري ،وبه
العالم ً
الهم ح ٌّق معلُوم ِّل َّ ِّ ِّ
نتزوج ،ونزوج به بناتنا ،وهللا تعالىيقول ِّ { :في أ ِّ
وم } ،أليست فتوى
الم ْح ُر ِّ
ْ
لسائل َو َ
َم َو ْ َ َ ْ ٌ
المحشي تنسخ ركنا من أركان اإلسالم وهو (الزكاة) باعتبار قوله :ال منفعة منها ،وأنها كحبتي بر
وليست بمال ،نجرئ الناس على بيعها المائة بمائة وخمسين ،نكون بذلك قد فتحنا باب الربا على
مصراعيه ،ونستحق الحرب من هللا ورسوله كما جاء في اآليات القرآنية.
()1920/2
-------------المبحث الثاني
زكاة النقود العرفية عند الجمهور من الفقهاء
( )1زكاة الكواغد وقطع الجلود ونحوهما
إتماما للمقومات ،كما يتعامل بالدينار والدرهم
هذه األشياء قد جرى التعامل بها في بعض الجهات
ً
بدون أن يكون لها من النقود ما يعادلها في المصارف الرسمية ،فهل حكمها حكم الفلوس النحاس
بتنزيل قيمتها الوضعية منزلة القيمة الخلقية ،فيجري فيها ما جرى في زكاة الفلوس الجدد من
الخالف ،بناء على أن زكاة النقدين معلومة أو غير معلومة ،أو بناء على إلحاقها بسلع التجارة ،
نظر إلى أنها أثمان رائجة ،أو عدم إلحاقها بها ،أو ليس حكمها حكم الفلوس فال زكاة فيها اتفاًقا،
ًا
ويفرق بينها وبين الفلوس بأن الفلوس لم تلحق بالنقدين -على القول -زكاتها إال باعتبار كونها من
معادن ذات قيمة أصلية ؛ ألن الوجوب في الزكاة العين على القول بتعليله منوط بالثمنية المالية ،أي
أثمانا مطلقة
القيمة الذاتية الخلقية ،فإنها من أجود المعادن ذات القيم المعتد بها ،ولذا جعلت ً
للحاجيات المعاشية بجميع أنواعها .فالعلة في الحقيقة لزكاتها ليست مجرد الثمنية الوضعية ،بل
الثمنية مع المالية الذاتية ،وحينئذ فال يلحق بها في وجوب الزكاة إال ما له شبه بها من هذه الجهة.
__________
()1921/2
-------------والكواغد وقطع الجلود ونحوهما ليست كذلك ،بخالف الفلوس ،فإنها وان كانت من معادن أقل من
معدن الذهب والفضة ،إال أنها ذات قيمة أصلية يعتد بها وال يخفى أن هذا الفرق إنما يظهر في
كواغد وقطع جلود قيمتها تافهة ،أقل من قيمة قطع النحاس والرصاص ،أما إذا كانت مصنوعة من
كنود وجلود جيدة بصفة تجعلها في درجة الفلوس وترفعها إلى قيمتها أو أعلى فال يظهر الفرق
أثمانا ورؤوس أموال كغيرها من المقومات ،وحيث
المذكور ،إذ أصل كل منهما عروض جعلت ً
تكون الكواغد وقطع الجلود كالفلوس يجري فيها الخالف المذكور ،ومثل ما إذا اتخذت نقود من
جواهر نفيسة غير الذهب والفضة وتعومل بها بين الناس ،فحكمها كالفلوس مع أنها ذات قيمة
عالية ،فيجري فيها الخالف المذكور ،وان كان المعتمد عند المالكية تخصيص الزكاة في األثمان
بالنقدين وأنها للثمنية الخلقية التي ال يشترك فيها مع النقدين غيرهما من المعدن والنبات ،سواء كان
فلوسا أو كواغد أو قطع جلود أو غيرها ،والكالم في زكاتها زكاة النقدين الواجبة على
جواهر أو ً
تاجر أو غيره ،وأما إذا اتخذت التجارة فال نزاع في زكاتها زكاة للعروض باعتبار قيمتها
المالك مطلًقا ًا
،كما تقدم في زكاة الفلوس النحاس سواء ،والظاهر أن القيمة تعتبر حسب التعامل بها ألن االنتفاع
منوط بها دون قيمتها الذاتية قلت أو كثرت ،وألن الوجوب في أموال التجارة معلق بالمعنى وهو
المالية والقيمة ،واألموال كلها في هذا المعنى جنس واحد ،ولذا ال تختلف أصنافها فيما يزكي وال
ومعدنا ونباتًا ،وعلى ذلك فمجرد اتخاذ الكواغد وقطع الجلود
حبوبا وحيو ًانا
ً
فيما يخرج من قيمتها ً
أثمانا رائجة يصيرها كالنوقد أو كسلع التجارة ،كما تقدم في الفلوس عند الحنفية .وفي حواشي
ً
الرهوني قال مالك في الفلوس :ال خير فيها نظرة بالذهب وال بالورق ،ولو أن الناس أجازوا بينهم
الجلود حتى تكون لها سكة وعين ،لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة ،وال يجوز فلس بفلسين .
وفي موضع آخر :ولو جرت الجلود بين الناس مجرى العين المسكوك لكرهنا بيعها بذهب وورق
نظرة .اهـ .وجرت عادة اإلمام رضي هللا عنه أن يعبر بالكراهة عما يشمل الحرمة ،وهو ظاهر في أن
الكواغد وقطع الجلود ونحوها متى جرى التعامل بها كانت كالفلوس سواء.
__________
()1922/2
-------------فتوى مفتي المالكية في زكاة الكاغد وفي فتاوى أبي عبد هللا محمد عليش مفتي المالكية ما نصه :
"ما قولكم في الكاغد الذي فيه ختم السلطان ويتعامل به كالدراهم والدنانير ،هل يزكي زكاة العين أو
العرض أوال زكاة فيه ؟ " فأجبته بما نصه " :الحمد هلل ،والصالة والسالم على سيدنا محمد رسول
هللا :ال زكاة فيه ؛ النحصارها في النعم وأصناف مخصوصة من الحبوب والثمار والذهب والفضة،
ومنها قيمة عرض المدير ،وثمن عرض المحتكر والمذكور ،وليس داخالً في شيء منها ،ويقوي
ذلك أن الفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها ال زكاة في عينها لخروجها عن ذلك،
قال في المدونة :ومن حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فال زكاة عليه إال أن يكون
مدير فيقومها كالعروض"
مدير فيقومها كالعروض .انتهى .وظاهر قوله في المدونة " :إال أن يكون ًا
ًا
أثمانا فيها ،وحينئذ فيقومها
أي كعروض التجارة أنها تقوم مطلًقا ،سواء كانت سلع تجارة أو ً
كالعروض وتزكي زكاتها ،أي باعتبار قيمتها ال باعتبار عينها .وأما إذا كانت مدخرة عنده أو
مستعملة في قضاء حوائجه المستهلكة أو المقتناة ،فال زكاة فيها ال باعتبار عينها وال باعتبار قيمتها
على المشهور.
والحاصل أن الكواغد التي يتعامل بها في بعض البالد كالدراهم والدنانير إن استعملت في التجارة
مثمنا زكيت زكاة عروضها ؛ بشرط أن يتوفر فيها شروط زكاة العرض ،وان لم تستعمل
ثمنا أو ً
ً
كذلك فال زكاة فيها ،وذلك ما يقتضيه تسويتها بالفلوس النحاس ،فإن أصلها عروض كالكواغد
أثمانا لألشياء كما يتعامل بالدينار والدرهم ،وغايته أن الفلوس قد قيل بزكاتها
جرى التعامل بها ً
كالنقدين باعتبار قيمتها وقد علمت مبناه ،وأنه إلحاقها بالنقدين أو عروض التجارة فيجري مثله في
الكواغد وقطع الجلود ؛ ألنها أثمان تعومل بها وأصلها من العروض كالنحاس والرصاص سواء .وقد
سلعا للتجارة ،وظاهره سواء
علمت قول الحنفية في ذلك ،وأن جعلها ً
أثمانا رائجة بمنزلة كونها ً
استعملها المالك في حوائجه أو التاجر في سلعته فتزكى باعتبار قيمتها الوضعية ،أي إن تحقق
ذهبا أو فضة ،مهما بلغ عددها أو وزنها فهي شبيهة
النصاب فيها ال يكون إال باعتبار قيمتها ً
بالعروض والنقدين ،وظاهر أن السؤال والجواب مفروضان في الكاغد الذي يتعامل به في غير
التجارة كالمدخر أو المستعمل في حوائجه المستهلكة أو المقتناة فإنه ال زكاة فيه على المشهور
مطلًقا ،ال زكاة عين وال زكاة عرض ،أما إذا تعومل به في التجارة فيزكي زكاة العرض بشرطه
كالفلوس الجدد كما تقدم".
__________
()1923/2
-------------هذا ،والقيمة فيما أصله العرض ونقل إلى التعامل به معاملة النقدين منظور فيها لحالته التي هو
عليها ،كقيمة العروض األصلية من جودة أو رداءة أو سكة أو صياغة أو نحو ذلك ،فما أعد
مثمنا كما في غيرها من عروض التجارة تعتبر
ثمنا كالفلوس والكواغد ،أو ً
للماء والتجارة إما بجعله ً
قيمته بالحالة التي هو عليها .ويلحق باألثمان المطلقة لما ط أر عليه من اإلعداد للنمو ويزكى زكاة
العروض أو األثمان األصلية باعتبار قيمته ال باعتبار عينه ،إذ ال تتصور الزكاة فيه باعتبار العين
عددا كما في زكاة النقدين ،إذ العروض األصلية ال تتعلق الزكاة بها من حيث ذاتها ،فإن
وزًنا أو ً
األصل فيها القنية واالنتفاع بعينها كالثياب والرقيق وآالت الحرث والدرس ،وما وجبت الزكاة فيها إال
لما ط أر عليها من اإلعداد للماء والتجارة ،فألحقت باألثمان وتعلقت الزكاة بها من هذه الجهة التي
يجب مراعاتها في تقدير نصابها والمزكي في الحقيقة عوض قيمتها الذي هو الثمن ،فالزكاة فيما
مثمنا إنما تتعلق باألثمان مطلقة أو مقيدة ،وال فرق في ذلك بين العروض األصلية
ثمنا أو ً
يتعامل به ً
فلوسا أو غيرها.
وبين ما نقل منها إلى التعامل ً
والحاصل أن الكواغد وقطع الجلود ونحوها إن قلنا إن ثمنيتها كثمنية الفلوس الجدد ،فمجرد اتخاذها
أثمانا يحلقها بعروض التجارة ،فتجب الزكاة فيها عند الحنفية ،سواء كان التعامل بها في تجارة أو
ً
غيرها .وعند المالكية ال زكاة فيها إال إذا نوى بها التجارة كالعروض ،فيزكيها التاجر دون غيره على
المشهور ،وقيل :إنها تزكي كالفلوس النحاس إلحاًقا لها بالنقدين (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ حسنين مخلوف :ص .35 – 31
()1924/2
-------------( )2زكاة الفلوس الجدد
وهي المتخذة من غير الذهب والفضة كالنحاس والرصاص والحديد ونحو ذلك ،فهذه وان لم يرد نص
بوجوب زكاتها ،بل الظواهر والورادة في زكاة األثمان المطلقة دالة على عدم وجوب الزكاة فيها،
ولكن وقع للعلماء في زكاتها خالف بعد ضربها واتخاذها للتعامل ،مبناه كما هو ظاهر على
الخالف في تعلق الوجوب بالنقدين ،هل هو معلوم فيدخله القياس ؟ أو ليس بمعلول فال يدخله ؟
وتقدمت اإلشارة إليه في المطلب األول ،وفي الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ما
نصه :أفهم اقتصاره ،أي للصنف كغيره من الصنفين على الذهب والفضة أن الفلوس الجدد ال زكاة
فيها ،وهو كذلك ،قال في الطراز المذهب :ال زكاة في أعيانها ،وظاهره ولو تعومل بها عددا
خالًفا لبعض الشيوخ .اهـ .وفي حواشي ابن تركي على العشماوية ما نصه :ال زكاة في الفلوس
النحاس المسماة بالجدد على المعتمد.اهـ.
ونقل خاتمة أبو عبد هللا محمد عليش في فتاويه عن صاحب الطراز أن المذهب عدم وجوب الزكاة
في عينها ؛ إذ ال خالف أنه ال يعتبر وزنها وال عددها ،وانما المعتبر قيمتها فلو وجبت في عينها
العتبر النصاب من عينها ومبلغها ال من قيمتها كما اعتبر في الورق والذهب والحبوب والثمار ،
فمتى انقطع تعلقها بعينها جرت على حكم جنسها من النحاس والحديد وشبهه.اهـ .فقوله :جرت على
حكم جنسها ،أي فتزكى زكاة العروض باعتبار قيمتها من الدنانير والدارهم كما يزكى النحاس
والحديد.
أثمانا
وفي حواشي ابن عابدين من كتب الحنفية ما نصه " :فرع في الشرنباللية" " :الفلوس إن كانت ً
سلعا للتجارة تجب الزكاة في قيمتها ،واال فال".اهـ.
رائجة أو ً
وفي فتاوي قاري الهداية :الفتوى على وجوب الزكاة في الفلوس إذا تعومل بها ،وبلغت ما يساوي
سلعا للتجارة ،
مئتي درهم أو عشرين مثقاالً من الذهب.اهـ .فأفاد أن كونها ً
أثمانا رائجة بمنزلة كونها ً
عددا ،بل في قيمتها كما سيأتي ،وال شك
فتجب فيها الزكاة ،وبالضرورة ال تجب في عينها وزًنا أو ً
أن خالف العلماء في زكاتها على هذا الوجه مع عدم وجود نص من الكتاب أو السنة بزكاتها أو
بعدم زكاتها ؛ يدل على وجود خالف في تعليل زكاة النقدين ،فإن كانت معلولة قيس عليها زكاة
ذهبا أو
الفلوس واال فال ،ولكن ال على اعتبار النصاب من عينها ،بل على اعتباره من قيمتها ً
فضة ،وذكر صاحب الطراز عن أبي حنيفة والشافعي رضي هللا عنهما وجوب الزكاة في عينها مع
تعلقها بقيمها ،وهو يؤيد قول بعض المالكية بوجوب زكاتها.
وفي حواشي الرهوني علي عبد الباقي قال عياض في تنبيهاته :اختلف لفظه (أي االمام) في
الفلوس بحسب اختالف رأيه في أصلها ،أهي كالعرض أو كالعين؟ فله هنا ،أي في باب الصرف
والتشديد ،وأنه ال يصلح فيها النظرة ،أي التأخير ،وال تجوز ،فشبهها بالعين ،وظاهره المنع جملة
كالفضة والذهب ،ثم قال :وليست كالدنانير والدراهم في جميع األشياء.
__________
()1925/2
-------------ثالث الروايات يكره فيها ،وفي السلم األول والصفر
وقال ابن عرفة :وفي كون الفلوس ربوية كالعين ُ
فلوسا جرت مجرى الذهب والورق فيما يحل
فلوسا ،فإذا ضربت ً
النحاس عرض ما لم تضرب ً
ويحرم ،وفي اإلرشاد ما نصه :والنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس .وقال في باب الزكاة
جدا.اهـ.
:ال تزكى إال في اإلدارة كالعرض .اهـ .فالخالف فيها قوي ً
تشبيها لها
وبالجملة فنصوص المالكية ظاهرة في أن التماثل بوجوب الزكاة في الفلوس إنما يقول به
ً
بالعين ،وأن التعامل بها ناقل لها عن أصلها ،ويرى أن تشبيهها بالعين في باب الزكاة التي هي من
قبيل المواساة والبر بالفقراء ،بل هي أدخل منها في باب المعروف ،أولى من تشبيهها بها في باب
آخر ومالك رضي هللا عنه شبهها فيما يشدد فيه كالصرف والبيع بالعين ،وفيما يحل كالزكاة
بالعرض ،فال تزكى ألنها ليست من أحد النقدين ،وال من أحد األصناف الداخلة في عموم قوله
تعالى ُ { :خ ْذ ِّم ْن أ ِّ ِّ
ص َدَق ًة } [التوبة .]103 :ونحو "أدوا زكاة أموالكم" ،فإنه مخصص في
ْ
َم َواله ْم َ
األثمان عنده بالذهب والفضة ،كما يؤخذ من األحاديث الواردة في ذلك ،واسم المال قد يختلف معناه
باختالف موارده.
قال ابن األثير :المال في األصل ما يملك من الذهب والفضة ،ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك
من األعيان ،وأكثر ما يطلق المال عند العرب على اإلبل؛ ألنها كانت أكثر أموالهم ،فاسم المال
نصا في الشمول ،والسنة مبينة للتنزيل ،وقد بين صلى هللا عليه وسلم مجمل القرآن في الزكاة
ليس ً
وغيرها ،وحصر عمومه المراد به الخصوص ،كما أمر هللا تعالى به قوالً وعمالً ،فبين ما تؤخذ
الزكاة من األموال ،وممن تؤخذ من الناس ،وكم يؤخذ منها ،ومتى تؤخذ من الناس ،وكم يؤخذ ومتى
تؤخذ .كما ذكره ابن رشد في مقدماته.
وبعد أن ساق أحاديث البيان في ذلك قال :فالزكاة ال تجب إال في ثالثة أشياء :في الحرث ،
والعين ،والماشية .والعين هي الذهب والفضة .والماشية االبل والبقر والغنم .والحرث ما يخرج من
األرض من الحبوب والثمار والكروم ؛ ألن السنة قد خصصت ماعدا هذه الثالثة أشياء من عموم
ط ِّه ُرُهم وتَُزِّك ِّ
قول هللا عز وجل ُ { :خ ْذ ِّم ْن أ ِّ ِّ
يه ْم ِّب َها } [التوبة .]103 :وخصص من
ْ
ص َدَق ًة تُ َ ْ َ
َم َواله ْم َ
هذه الثالثة األشياء بعضها على ما تقدم .اهـ.
__________
()1926/2
-------------والمراد بعدم زكاة الفلوس على مشهور مذهب مالك أنها ال تزكي زكاة النقود ،أي ال يزكيها المالك
باعتبار ذاتها ،وال باعتبار قيمتها ،وهذا ال ينافي أنها إذا اتخذت للتجارة والنماء فإنها تزكي زكاة
العروض كما تقدم ؛ ألنها عروض تجارة مسكوكة ،وسيأتي أن عرض التجارة عند المالكية إذا كان
فلوسا يزكى مطلًقا ،سك أو لم يسك ،متى توفرت شروطه ،وليس ضربها والتعامل بها واتخاذها
ً
أثمانا رائجة بمنزلة نية التجارة في السلع ؛ ألنها لما لم تكن عندهم للتجارة والنماء خلقة فال تصير
ً
أثمانا.
بها إال بقصد التجارة فعالً ؛ إلحاًقا لها بأصلها وهو العروض التي ليست ً
أثمانا رائجة وبين
وظاهر فرع الشرنباللية وغيرها من كتب الحنفية ،حيث سووا في الحكم بين كونها ً
سلعا للتجارة ،أن ضربها والتعامل بها بمنزلة نية التجارة ،وقد نص الحنفية على وجوب ضم
كونها ً
قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب .ووجهوه بأن الوجوب في الكل باعتبار التجارة
وان افترقت جهة اإلعداد ،ففي العروض من جهة العباد بالصنع الذي هو بمنزلة الخلقة لها .وفي
مانعا من
النقدين من جهة هللا تعالى بخلق الذهب والفضة للتجارة ،واالفتراق في الجهة ال يكون ً
الضم بعد حصول ما هو األصل وهو للنماء ،وقد علمت مشهور مذهب مالك وأنها ال تصير
ال ،واإلعداد بغير نية التجارة ال
للتجارة ،بحيث تزكى زكاة عروضها إال بنية التجارة وقصدها فع ً
خلقيا بإعداد هللا تعالى كما في الذهب والفضة .قال في
يعتبر في وجوب الزكاة ،إال إذا كان ً
المدونة :ومن حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فال زكاة.
__________
()1927/2
-------------المبحث الثاني
مسالك تخريج زكاة األوراق المالية العرفية عند الجمهور
المسلك األول
تخريج زكاة األوراق المالية على زكاة الدين :المعروف عند الفقهاء المنظور إليه في زكاة هذه
األوراق هو قيمة الديون المشغولة بها ذمة البنك المتوثق منها بالمال المخزون الذي به تتحقق مالءة
البنك ،فإذا اعتبرت قيمة األموال الواصلة إلى البنك والى من عليه ديون من المتعاملين بهذه األوراق
،كدين واحد في ذمة شخص معين ،فتخرج زكاتها على زكاة الدين ،وحكم زكاة الدين في مشهور
غائبا عنه تحت يد
مذهب مالك رضي هللا عنه أنه إذا كان ألحد على آخر دين ال يزكيه مادام ً
اما ،بشروط ثالثة :
الغريم وفي ذمته ،فإن قبضه منه زكاه لسنة فقط ،وان أقام عند المدين أعو ً
ذهبا أو فضة من قرض أو ثمن عروض بغير مدير.
األول :أن يكون الدين ً
عينا ً
عرضا فال زكاة عليه حتى يبيعه (. )1
الثاني :أن يقبضه ً
ذهبا أو فضة ،فإن قبضه ً
عينا ً
نصابا كامالً ولو في مرات ،أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب .
الثالث :أن يقبض
ً
أما التاجر المدير وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره ،فإذا نض له من
احدا ،فإنه يقوم كل عام السلعة التي للتجارة ويضم لها ما عنده من العين وما له
هما و ً
سلعة ولو در ً
نقدا حاالً مرجو الخالص ،ومنه مبلغ ما عنده من األوراق
من عدد الدين المعد للنماء ،إذا كان ً
المالية ،ويزكي الجميع دفعة واحدة كل سنة ،ويعتبر هذا الدين كأنه نقد محصل بخزانته ،أما إذا
معدا للنماء كدين القرض ،فال يضم في التقويم لسلعة ،بل يزكيه لسنة
كان الدين الذي له ليس ً
مرجوا فيها فال يزكي عدده ،بل يقومه على نفسه قيمة
عرضا أو مؤجالً
واحدة بعد قبضه ،وان كان ً
ً
عدل ،ويزكي القيمة مع ما عنده كل سنة ؛ ألن المرجو في قوة المقبوض بالنسبة للمدير.
أما غير المرجو فال يقومه بل يزكيه إن قبضه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة .وفي بداية
المجتهد البن رشد :واختلفوا في زكاة الدين ،هل يزكيه كل عام أو لعام أو يستقبل به سنة من يوم
قبضه؟ فمن قال :يستقبل بالدين حوال ،لم يوجب فيه الزكاة ،ومن قال الزكاة بعدد األحوال ،شبهه
بالمال الحاضر.
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .25-21 :
()1928/2
-------------مستندا في وقتي هذا ؛ ألنه ال
ال ،فال أعرف له
وأما من قال :الزكاة فيه لحول واحد وان أقام أحوا ً
ً
دينا أن يقول :فيه زكاة ،أو ال يقول ذلك .ولعله يقول :فيه الزكاة مع اشتراط الحول ،
يخلو مادام ً
إال أنه يقول كلما انقضى حول فلم يتمكن من أدائه سقط عنه ذلك الحق الالزم في دبر الحول ،فإن
الزكاة وجبت بشرطين :حضور عين المال ،وحلول الحلول ،فلم يبق إال حق العام األخير .وهذا
اما.اهـ.
شبهه مالك بالعروض التي للتجارة ،ال زكاة فيها إال إذا باعها ،وان أقامت عنده أعو ً
إذا علمت هذا فحكم الورقة المسئول عنها على مشهور مذهب مالك في زكاة الدين ،إذا كان
محتكر ،أنه ال يزكيها ولو أقامت عنده
ًا
تاجر
صاحبها ليس بتاجر مدير كأن كان غير تاجر أو ًا
ذهبا أو فضة ،وحينئذ يزكي ما قبضه لسنة واحدة ،كما
اما عديدة ،إال إذا استبدل بها ً
عينا ً
أعو ً
مدير زكى عددها ،أي قيمتها المضمونة بها متى
عينا ،وان كان ًا
يزكي الدين لو قبض من الغريم ً
ذهبا أو فضة .هذا ما
نض له من سلمه ،أي باع منها ولو بدرهم واحد ،ولو لم يستبدل بها ً
نقودا ً
تماما
يقتضيه حكم زكاة الدين عند المالكية ،وان كانت حالة الدين المضمون بهذه األوراق ال تتفق ً
مع االعتبارات الفقهية التي تراعي في باب الدين ؛ ألن الدين المذكور ليس في ذمة معينة حقيقة،
وال روعي في تحرير سنده أن يكون لشخص معين ،ولكن مسألة الزكاة شيء وتحرير سند الدين
وتقريره في ذمة معينة شيء آخر ؛ إذ ال نزاع في أن صاحب الورقة المذكورة مالك لنصاب حال
ذهبا أو فضة في أي وقت شاء ،ومن أي شخص كان ،وأن
عليه حول يمكنه أن يقبضه نقدا ً
مقوما أو يهبه أو يتصدق به على شخص آخر بواسطة هذه الورقة التي يعتبر وصولها
يستبدل به ً
إلى يد أخرى حوالة على الصرف الذي أصدرها أصالة ،بحيث إذا قدمت إليه أو إلى من أنابه عنه
لزمه قبولها ودفع قيمتها كمبادلة النقدين سواء.
__________
()1929/2
-------------قبضا للدين ،فمن له على آخر
وليس مجرد وضع اليد على ورق البنك نوت واستالمه من الدين يعد ً
قابضا
عشرة جنيهات من ثمن مبيع مث ً
ال فأعطاه ورقة بهذه القيمة بعد حول أو أكثر ،ال يعد بذلك ً
للدين حتى تجب عليه زكاته اآلن ،بل يعد محاالً به على خزانة البنك ،فال يزكي هذه الورقة حتى
اما فيزكيها لسنة واحدة كما مضى .هذا ما يؤخذ من مشهور
يقبض قيمتها ً
نقدا ،ولو بقيت عنده أعو ً
مذهب مالك في تخريجها على زكاة الدين .وال يخفى أن ذلك التخريج مجحف بالفقراء غير واف
بمقصود الشارع من شرع الزكاة ،وهو سد خلة الفقير ،وال سيما في البالد التي يكون غالب أموالها
جدا بالنسبة لما يقصد
الزكاة من قبيل األثمان كمصر ،فإن ما يزكى من الماشية والحرث فيها قليل ً
منه ثمنه من المحصوالت األخرى كالقطن ونحوه ،ومذهب الحنابلة أن من له دين على مليء باذل
شيئا أخرج زكاته لما
من قرض أو دين عروض تجارة أو ثمن مبيع وحال عليه الحول ،كلما قبض ً
مضى ،وهو قريب من مذهب مالك ،فتخريجه تخريجه .والمأخوذ من مذهب الحنفية أن هذه األوراق
إذا اعتبرت كمستندات ديون ال تؤدى زكاتها إال بعد القبض ،أي استبدالها بنقود على تفصيل عندهم
في أنواع الدين .ومذهب السادة الشافعية أن الدين في بعض أحواله يزكى كل عام ،حيث قالوا :إن
موسر غير جاحد وال مماطل فيه ،فعليه تعجيل زكاته
ًا
دينا على آخر وكان حاالً ،والمدين
من له ً
كالوديعة قبضه أو لم يقبضه إذا حال عليه الحول ،وعلى هذه فالزكاة واجبة في هذه األوراق إذا حال
عليها الحول ،وان لم تستبدل النقود بها .ولما كانت زكاة األموال من أفضل أعمال البر باإلنسان ،
وقد شرعت لسد خلة المحتاجين ،وتفريج كرب البائسين ،ومنع صولة الفقراء على األغنياء ،
وانتهاب أموالهم ،ويخشى أن يحتال أرباب األموال على إسقاط زكاتها باستيفاء هذه األوراق في
أيديهم بدون استبدالها بأحد النقدين ؛ كان األرفق بالفقراء واألحوط في الدين األخذ بمذهب السادة
الشافعية في زكاة هذه األوراق ،وافتاء العامة به ،وان كانوا متعبدين على مذهب آخر ؛ ألن
العامي مذهبه في النازلة مذهب مفتيه (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .41-37 :
()1930/2
-------------( )2المسلك الثاني
تخريج زكاة األوراق المالية على زكاة الدين العرفي
مجحفا بحق الفقراء -على غير
وال يخفى أن تخريج زكاة األوراق المالية على زكاة الدين مع كونه
ً
ما ذهب إليه الشافعية -مبني على اعتبار القيمة المضمونة بهذه األوراق كدين حقيقي في ذمة
شخص مدين ،وأن هذه األوراق كمستندات ديون حقيقية ،مع أن هناك فرًقا بين هذه األوراق وما
هو مضمون بها ،وبين المدين الحقيقي وسنده المعروف عند الفقهاء ،فإن الدين ما دام في ذمة
رسما ،ولذلك قيل بعدم وجوب زكاته ؛ ألنه ليس
المدين وال ينتفع به ربه وال يجري التعامل بسنده ً
كما
ًا
ال
ما ً
حاضر ً
معدا للنماء ،بحيث ينتفع به ربه ،بخالف قيمة هذه األوراق فإنها نامية منتفع بها ً
ينتفع باألموال الحاضرة .وكيف يقال :إن هذه األوراق من قبيل مستندات الديون ،ومستند الدين ما
أُخذ على الدين للتوثق وخشية الضياع ،ال لتنمية الدين في ذمة المدين وال للتعامل به ،أو يقال :
ذهبا أو فضة ،مع أن عدم الزكاة في الدين -كما علمنا
ال تجب الزكاة فيها حتى يقبض بدلها ً
نقدا ً
ظا بعينه في خزانة المدين ،والفقهاء إنما حكموا بعدم
معدا للنماء ،وال محفو ً
-إنما هو بكونه ليس ً
نظر لهذه العلة.
زكاة الدين مادام في ذمة المدين حتى يقبضه المالك ؛ ًا
نظر إلى أنه في حكم
واستثنى الشافعية دين الموسر إذا كان حاالًّ فإنه يزكى قبل قبضه كالوديعة ؛ ًا
الحاضر المعد للنماء ،فلو فرض نماؤه كما في بدل األوراق المالية ،لما كان هناك وجه لتوقف الزكاة
على الفقير ،ولما خالف في ذلك أحد من العلماء فالحل أن هذا النوع من الدين نوع آخر مستحدث
ال ينطبق عليه حقيقة الدين وشروطه المعروفة عن الفقهاء ،وال يجري فيه الخالف الذي جرى في
زكاة الدين ،بل ينبغي أن يتفق على وجوب الزكاة فيه ؛ لما علمت أنه كالمال الحاضر ،وغايته أن
نموه واالنتفاع به بواسطة هذه األوراق المعتمد في إصدارها والتعامل بها على وجود ما يعادل قيمتها
في المصارف المالية ،فكأنه بهذا مال حاضر بين المتعاملين يتحرك وينمو بحركة هذا الرسم
المضروب ،فالنصاب المملوك هو ذلك النوع من البدل ،والرسم المضروب إنما هو لحفظه والتعامل
طا
دينا ونشترط في زكاته شرو ً
به فزكاته زكاته وقبضه قبضه ،وذلك بخالف الدين ،فإن ما نسميه ً
،يجب أن يكون
مضمونا في الذمة ،وليس ًّ
معدا للنماء والحركة ،واال وجبت فيه الزكاة كالمال
ً
الحاضر ()1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .40 :
()1931/2
-------------( )3المسلك الثالث
تخريج زكاة األوراق باعتبار المال المحفوظ بخزانة البنك
ولو قيل :إن حق المتعاملين بهذه األوراق متعلق بعين النقود المحفوظة بالبنك ،كما قد يفهم مما
مخصصا لدفع قيمة األوراق
جاء في نظامها السابق حيث قيل فيه (وعند التصفية يكون هذا المال
ً
واستعادتها) ؛ لكان له وجه ،وحينئذ يكون المال المحفوظ بالبنك بدالً عن رؤوس األموال والمقومات
الواصلة إليه من المتعاملين بتلك األوراق ،وكأن الحكومة بالنيابة عنهم تعاقدت مع البنك على هذه
الصورة ،وعلى ذلك فال تخرج زكاة هذه األوراق على زكاة الدين مطلًقا ،بل تجب الزكاة فيها اتفًقا
باعتبار ما يعادلها من النقود المحفوظة ،ال باعتبار ذاتها وال باعتبار شيء مضمون في الذمة ،
وتكون هذه األوراق كمستندات ودائع محفوظة في خزائن األمناء ،جعل التعامل بها طريًقا للتعامل
بالبدل المحفوظ بالمصارف ،ينمو بنمائها ،ويتحرك بحركتها ،ويربح ويخسر بربحها وخسارتها.
ذهبا أو فضة على خزانة البنك
واذا بطلت المعاملة بها كان للمالك الحق في الرجوع بقيمتها ً
بمقتضى التعهد السابق التعامل ،وان لم يجر به مباشرة ،إال أنه جار فيه بصورته ورسمه ،وثمنية
األوراق إنما هي باعتبار هذا المال المخزون ،بحيث لو عدم عدمت ثمنيتها وبطل التعامل بها،
وحينئذ فالزكاة في الحقيقة واجبة فيه ال في األوراق ،وانتفاع الفقير بجزئه المعتبر شرًعا كانتفاع
المالك بسائر أجزائه ،وعلى ذلك فال خالف في زكاتها بال توقف على قض ،ولكن يبعد هذا القول
أن التعهد السابق يقيد أن ما في البنك نصفه نقود ونصفه قراطيس مالية ،بل يصبح في ظروف
خاصة أن يكون أقل من ذلك ()1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .41 :
()1932/2
-------------( )4المسلك الرابع
تخريج زكاة األوراق باعتبار قيمتها الوضعية
ونظر إلى تلك األوراق في ذاتها بقطع النظر عما
ًا
ولو فرض أنه ليس في البنك شيء من العقود ،
أثمانا رائجة ؛
يعادلها وعن التزام التعهد المرقوم بها ،واعتبر جهة إصدار الحكومة لها واعتبار الملة ً
لكانت كالنقدين تجب زكاتها على القول بأن الزكاة في النقدين معلولة بمجرد الثمنية ،ولو لم تكن
خلقية ،كما تقدم في زكاة الفلوس وقطع الجلود والكواغد ،فتحصل أن األوراق المالية يصح أن تزكى
باعتبارات أربعة :
األول :باعتبار المال المضمون بها في ذمة البنك وأنه كمال حاضر مقبوض ،وان لم يكن كالدين
المعروف عند الفقهاء من كل وجه.
الثاني :زكاتها باعتبار األموال المحفوظة بخزانة البنك ،وعلى هذين االعتبارين فالزكاة واجبة فيها
اتفاًقا.
دينا في ذمة البنك ،فتزكى زكاة الدين الحال على مليء ،كما ذهب
الثالث :زكاتها باعتبار قيمتها ً
إليه السادة الشافعية.
الرابع :زكاتها باعتبار قيمتها الوضعية عند جريان الرسم بها في المعامالت واتفاق الملة على
أثمانا للمقومات ،وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس ،كزكاة الفلوس النحاس
اتخاذها ً
وقطع الجلود ونحوهما ،ولكن هذا ال يتم إال إذا تحقق الغرض المذكور في األوراق المالية ،وحينئذ
يكون التعامل بها كالتعامل بالفلوس وقطع الجلود سواء ،واال فالتعامل بها اآلن منظور فيه إلى
قيمتها المضمونة بذمة البنك والمودعة في خزانته ،وأنه حتم عليه أن يدفع تلك القيمة متى طلب
منه ذلك ،فهي كالعقود بخالف العملة المعدنية غير الذهب والفضة (. )1
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .42 :
()1933/2
-------------الفصل الثاني
نقول من أقوال الفقهاء المعاصرين تؤيد مذهب الجمهور
( )1فتوى للشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي
في شأن زكاة األوراق المالية
زكاة األوراق المالية الجاري بها التعامل اآلن
اعلم أنه قد ورد إلينا بتاريخ 11أحد عشر ربيع األول سنة 1324ألف وثلثماية وأربعة وعشرين
خطاب من أحد أهالي الفيوم ،يتضمن السؤال عن حكم زكاتها شرًعا؛ وصورته :إذا وجد
هجرية ؛
ٌ
ال ،وحال عليها الحول ،هل تجب فيها الزكاة
عند شخص ورقة ( بنك نوت ) قيمتها مائة جنيه مث ً
يجا على زكاة الدين عند السادة الشافعية ؛ ألن المزكى
أو ال؟ فأجبناه إذ ذاك بوجوب الزكاة فيها تخر ً
في الحقيقة هو المال المضمون بها ،وتفصيل الجواب :أن األوراق المالية الجاري بها التعامل اآلن
في القطر المصري معتبرة كسندات ديون على شخص معنوي ،كما هو الظاهر في التعهد المرقوم
عليها وصورته :
" أتعهد بأن أدفع لدى الطلب مبلغ كذا لحامله .تحرر هذا السند بمقتضى الدكريتو المؤرخ في 25
يونيو سنة .1898
عن البنك األهلي المصري
اإلمضاء
__________
()1934/2
-------------ونص المادة الثانية من الدكريتو المذكور للبنك األهلي المصري :االمتياز بإصدار أوراق مالية تدفع
قيمتها لحاملها عند تقديمها ،وذلك حسب القيود والشروط المدونة في النظامات المذكورة ،وال يمنح
هذا االمتياز لبنك آخر طول مدة بقاء هذه الشركة ،ومما جاء في النظامات المشار إليها أن من
أعمال البنك إنشاء أوراق مالية تدفع قيمتها لحاملها أو إلى المحول إليه ،وأنه يجب أن يكون
مخزونا في البنك ذهب يعادل نصف قيمتها ،والنصف الثاني يكون ملكه من القراطيس المالية التي
ً
تعينها الحكومة بدون أن يكون هذا الحق المحول للحكومة المصرية متر ًتبا على أقل مسئولية ،واذا
لم يكن في البنك من القراطيس المالية ما يوازي قيمة نصف ثمن أوراقه ،فيجب أن يخزن البنك
عينا يوازي كمية الناقص ،حتى تكون األوراق التي يضعها هذا البنك وتتداول بين الناس
ذهبا ً
ً
تماما في البنك ،أما كمية األوراق التي توضع للمداولة والتعامل ،
ً
مخزونا ما يساوي قيمتها ً
فالحكومة تتفق مع إدارة البنك على مقدارها والمال المخزون في البنك من ذهب وقراطيس يكون
صا لدفع قيمة األوراق
ضمانة ألوراق البنك المتداولة ،وعند التصفية يكون هذا المال مخص ً
واستعادتها .اهـ (. )1
( )2مقولة األستاذ خالف
قال العالمة الشيخ عبد الوهاب خالف :إن األوراق النقدية ،أي أوراق البنكنوت هي عملة نقدية،
وليست سندات ديون ،وان كانت في الصورة سندات ديون ،فالورقة هي جنيه أو خمسة أو عشرة أو
خمسون أو مائة تجب فيها الزكاة شرًعا ،على أنها نقود؛ ألن الناس يتبادلون التعامل بها على هذا.
رصيدا في
وال فرق في وجوب الزكاة بين أن تكون األموال النقدية في يد مالكها ،أو بحفظها
ً
مصرف من المصارف ،أو يدخرها في صندوق ادخار ()2
وقال مؤلف كتاب التاج الجامع لألصول في أحاديث الرسول صلى هللا عليه وسلم " :بقي الكالم
على األوراق المالية (البنكنوت) فعليها الزكاة؛ ألنها يتعامل بها كالنقدين (الذهب والفضة) ،وتقوم
مقامها ،وتصرف بها" (. )3
__________
( )1ينظر رسالة (التبيان في زكاة األثمان) للشيخ مخلوف .35 :
( )2انظر لواء اإلسالم ،العدد الخامس لسنتها الرابعة ،لغرة المحرم عام 1370هـ ص .339
( )3انظر كتاب التاج الثاني 22 :لمؤلفه الشيخ منصور ناصيف الشافعي المصري.
()1935/2
-------------وجاء في كتاب الدين الخاص للعالمة الشيخ محمود خطاب السبكي أنه قال :قال الشافعية :الورق
دينا
النقدي وهو المسمى (بالبنكنوت) التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته ،فيملك قيمته ً
على البنك ،والبنك مدين مليء ،مقر مستعد للدفع حاضر ،ومتى كان المدين بهذه األوصاف وجبت
زكاة الدين في الحال ،وعدم اإليجاب والقبول اللفظيين في الحوالة ال يبطلها ،حيث جرى العرف
بذلك ،على أن بعض أئمة الشافعية قال :المراد باإليجاب والقبول كل ما يشعر بالرضا من قبول أو
فعل ،والرضا هنا متحقق (. )1
وقال أستاذنا العالمة الشيخ محمد أبو زهرة رحمة هللا " :إن النبي صلى هللا عليه وسلم قدر النصاب
دينار في عصره عليه الصالة والسالم ،وقد بين
بمائتي درهم على أساس قيمتها ،أي عشرون ًا
ال من الذهب ،فتجعل هذه
الصحابة رضوان هللا تبارك وتعالى عليهم هذه القيمة بعشرين ًا
دينار أو مثقا ً
القيمة أساس التقدير في كل العصور ،وبذلك يتوحد النصاب في كل األقطار اإلسالمية ،واآلن نجد
أكثر التعامل باألوراق النقدية ،فهل تكون هي وعاء الزكاة؟ لقد أخذ بعض الناس من ظاهر ما يكتب
دينا ،وأجروا عليها أحكام الدين ،ولكن الحقيقة أن
عليها ،من أنها سند يجب الوفاء به ،باعتبارها ً
نقودا حالة محل الذهب ،وقيمتها فيما تدل عليه من قيمة ذهبية في
األوراق النقدية تعد اآلن ً
ال ألمر
األسواق -أسواق الذهب العامة -ولو لم تجب فيها الزكاة لكان ذلك إلغاء لزكاة النقد ،واهما ً
الشارع ٍ
اإلسالمي في الزكاة.
__________
( )1انظر كتاب الدين الخالص .148/8 :
()1936/2
-------------واذا كانت وعاء للزكاة كما هو المنطق واألمر الذي يتفق مع مقاصد الشارع اإلسالمي ،والغاية من
فرضية الزكاة ،فإننا نقدر النصاب فيها على أساس القيمة الذهبية ،وما يتحقق فيه نصاب الزكاة
ذهبيا (. )1
على أساس أن يكون مجموع األوراق مشتمالً على ما قيمته عشرون ًا
دينار ً
وقال كذلك أستاذنا العالمة الجليل الشيخ محمد أبو زهرة رحمه هللا تعالى ما نصه " :وأما األوراق
النقدية ،والعملة التي تكون من غير الذهب والفضة ،كالعملة المتخذة من النيكل وغيره ،فإننا نرى أن
الزكاة تجب فيها ،وان لم يرد نص عليها ،وألنها لم تكن معروفة في عصر النبي صلى هللا عليه
وسلم؛ وذلك ألن القياس الفقهي يجري فيها بشروط إنتاجه كاملة ،فإن هذه النقود يجري التعامل بها
مقياسا دقيًقا لقيم األشياء في الدولة ،وتكون في الدولة كالذهب ،وان كان
في داخل الدولة ،فهي تعد
ً
ال ،إذ يسير حكمه في الميزان في كل األقطار واألمصار.
قياسا ،وأوسع شمو ً
هو أدق ً
وفوق ذلك فإن هذه النقود تعد نامية بالقوة؛ ألنها تتخذ طريًقا لالتجار والتبادل في داخل المملكة
الواحدة ،فكانت بهذا االعتبار نامية بالقوة ،وال فرق بينها وبين القضية في ذلك ،بل هما في هذا
سواء ،واذا تحقق فيها الوصف المؤثر المنتج وهو النماء ،فقد تحقق موجب الزكاة ،فتجب.
ثم قال حفظه هللا تعالى :هذه أحكام النقود بكل ألوانها وأنواعها ما دامت في حوزة صاحبها ،
ويستوي في ذلك أن تكون في خزائن بيته ،أو أن تكون في المصارف المالية مودعة فيها أمانة؛ ألن
دينا،
يد المصارف عليها يد نائبة عن يده فهما سواء ،وكذلك إذا كانت
رصيدا تجارًيا؛ ألنها تكون ً
ً
واجب الوفاء ،ممكن األداء في أي وقت شاء ،بل إن شئت فقل :إنها ودائع وان كانت غير معينة
بالتعيين ؛ ألنها تحت تصرف صاحبها في أي وقت يطلبها ،وال مظنة مطلًقا لإلرجاء )2( ".اهـ.
__________
( )1انظر كتاب (في المجتمع اإلسالمي) .92 :
( )2انظر مجلة لواء اإلسالم للسنة الرابعة والعدد الثامن لشهر ربيع الثاني عام – 1370ص .600
()1937/2
-------------( )5فتوى العالم المفتي الشيخ محمد سعيد العرفي
مفتي محافظة الفرات ،رحمه هللا تعالى
"أما ما ذكرتم عن الورق السوري ،فقد أصبح بعد منع التعامل بالذهب هو العملة المرعية ،وبعبارة
أصرح هو الذهب والفضة ،فال يجوز بيعه نسيئة إال هكذا بهكذا – أي بغير أجل – واال كان ربا ،
واذا كان المتقدمون لم يبحثوا هذه الجهة فلم يذكر التاريخ أن التعامل بالذهب ممنوع إال في عصرنا
قطعا ،وما
هذا ،إذن أصبح هذا – أي الورق السوري – هو الذهب بعينه ،فيجب أن يأخذ حكمه ً
ترويجا للربا بإيجاد وسيلة ،كما كانوا يحتالون عليه ،وسموها حيلة شرعية،
حصول االختالف إال
ً
بال خجل ممن يعلم السر وأخفى.
وأما بيع الليرة الذهبية بالورق إلى أجل فإنه ال يجوز ألسباب كثيرة ،منها :أنه عرض نفسه لخطر
التبعة؛ ألنه مسئول أمام القانون ،فاالختالف في الجواز إباحة لتعريض الضعيف إلى الوقوع
بالتهلكة يستفيد منها أرباب الثروة ،أكابر مجرميها ليمكروا فيها ،وما يمكرون إال بأنفسهم وما
يشعرون.
إن الوقوف على إيجاد نص موهوم لزمن غير هذا الزمن لم يحصل فيه هذا المنع بالتعامل ،ما هو
ظنا منه أن هذا يحل له ونسى قول رسول هللا صلى هللا عليه
إال استحالل للربا عن طريق الشرعً ،
وسلم (( :إن أحدكم ربما يكون ألحن من أحيه بحجته ،فأقضي له ،فمن قضيت له بحق أخيه فال
يأخذه ،فإنما يأخذ قطعة من نار )) رواه البخاري .
ولذلك فإنك إذا فحصت المجوز تجده إما من أرباب الثروة أو من أذنابهم ،ممن يرجو صدقاتهم التي
هي أوساخ الناس ،يبيع دينه بدين غيره؛ أمالً في استفادة موهومة.
إلى أن قال رحمه هللا تعالى " :وقانا هللا شر الربا والذي ابتليت به البالد اإلسالمية ،فال حول وال قوة
نفعا فهو ربا ،ونسوا قول هللا تعالى { :
إال باهلل؛ ألنهم نسوا اتفاق األمة :على أن كل قرض جر ً
َّللاِّ ورس ِّ ِّ
ِّ ٍ ِّ
ِّ
ظَل ُمو َن } [
ظِّل ُمو َن َوَال تُ ْ
َم َو ِّال ُك ْم َال تَ ْ
وله َوِّا ْن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُء ُ
وس أ ْ
َفإ ْن َل ْم تَْف َعُلوا َف ْأ َذ ُنوا ب َح ْرب م َن َّ َ َ ُ
البقرة .]279 :
وبالختام أرجو أن ال تنسوني من دعواتكم الصالحة ،جعل هللا تجارة الجميع رابحة ،وزودكم بالتقوى،
فإنها خير زاد وأفضله ،وأخذ بيدكم إلى سواء السبيل ،والسالم عليكم ورحمة هللا وبركاته".
__________
()1938/2
-------------دير الزور في /11ربيع األول سنة . )1( 1365
مفتي محافظة الفرات
اإلمضاء
( )6مقولة األستاذ السعدي
قد بحث هذا الموضوع فضيلة األستاذ العالمة الكبير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في
رسالته المسماة "األوراق البنكية" المطبوعة في مكة المكرمة عام 1378هـ .وتعرض فضيلته فيها
آلراء بعض العلماء في األوراق المذكورة ،فقال في الصفحة الرابعة من الرسالة :
"إن األنواط ( )2حكمها حكم فلوس المعدن تجب فيها الزكاة وغيرها من العبادات المالية ،وتتمول في
جميع المعامالت ،فال يجري فيها ربا الفضل ،فيجوز بيع بعضها ببعض ( )3بالنقد متماثالً ()4
ومتفاضالً ،إذا لم يكن في ذلك أجل ،وهذا حاصل حكمها على وجه اإليجاز" .اهـ.
ثم قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي " :وأما منعي لبيع بعضها ببعض ( )5أو مع أحد النقدين
مؤجالً ،فهو لسد باب الربا النسيئة ،ومن أصول الشريعة سد أبواب الربا الصريح بكل طريق" .اهـ
( . )6
( )7شهادة عالم كبير في تقريظه
"بهجة المشتاق"
للسيد أحمد الحسيني
جاء في تفريظ العالمة الكبير صاحب الفضيلة الشيخ سعيد بن على الموجي أحد كبار علماء
الشافعية باألزهر الشريف ،على كتاب بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة األوراق في ص 211قوله
:
__________
( )1هذه الفتوى خطية بخط صاحبها وخاتمه موجودة في خ ازنة األستاذ محمد نبهان الخباز أدرجها
في رسالته القيمة.
( )2أي ورق البنكنوت.
( )3يعني بيع األوراق النقدية إذا اختلف مصدرها.
( )4إذا كان المصدر أو السند لها واحدا في قطر واحد ،وبالسعر الذي أخذته بين باقي العمالت
المختلفة في المصدر أو القطر.
( )5يعني األنواط أو األوراق النقدية (بنكنوت).
( )6ينظر رسالة (زكاة األوراق) لألستاذ محمد نبهان الخباز .40 :
()1939/2
-------------محكما ،وفي كل
حكما
ً
" وبعد فإن هلل العزيز سلطانه ،العزيز بيانه ،الحكيم برهانه ،في كل حادثة ً
وكمونا،
وبطونا ،وجالء
ظهور
ًا
تبعا لمحله
ًا
مبرما ،إما
جليا ،واما مشك ً
ً
ً
ال ً
ظاهر ً
خفياً ،
نازلة قضاء ً
وأن الفقهاء من العلماء األعالم ،أنصار ملة اإلسالم ،الذين هم هم ،وقليل ما هم ،رضي هللا عنهم
قد عنوا بأحكام قواعد الدين ومعاقده ،وهدوا إلى استنباط أحكام جزئيات موضوعاتها مفترضين بأنوار
أذنه وشواهده ،ولم يفرطوا في شيء من ذلك حتى جمعوا بين نوافره وشوارده ،وان مما خفي حكمه
حادثة أوراق البنك نوت ،التي راجت رواج النقدين في أنحاء المعمورة وأطرافها ،فضالً عن أواسطها
وعواصمها ،حتى لم يبق سوقة وال ملك ،إال وقعت في يده ،وحلت محل نقده ،بل استأثر بها أكثر
الموسرين الماليين لخفتهما ،وقلة مؤنتها ،ولقد ولع الناس بالسؤال عنها ،والبحث عن حكم هللا فيها،
هل تزكى زكاة النقد الذهب والفضة؟ ونزع من سئلوا عنها في الجواب عنه ،فكانوا ما بين غريب
غير نسيب ،يرجم بالغيب وال يصيب ،وبين غريب نسيب ،حقيق التحقيق أصيل ،غير دخيل ،غير
أنه أضل السبيل ،ولم يوفق لجواب يحل المسألة المشكلة كفيل.
وبالجملة قد وقعوا في بيداء تيها ،وخبطوا خبط عشواء ،إلى أن قيض هللا عز وجل شأنه ،وعال
سلطانه ،وتمت كلمته ،وبلغت حجته ،من عترة نبيه الكريم ،وأسرة رسوله العظيم ،وذلك الموفق وهو
الذي جنب الكسل وحبب إليه العمل :
__________
()1940/2
-------------السيد السند الهمام األمجد العالم الحبر اإلمام األوحد
بدعا والعيان الشاهد
ومن الذي لو قلت فيه :مجدد ما كان ً
إن المجدد في الكثير من اسمه في القائمين محمد أو أحمد
هو أبو الحسين أحمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد الحسيني ،أدام هللا بهجته ،وحفظ مهجته ،فصرف
وجانبا من رعايته وكان مطمح نظره ،ومطرح فكره ،انبعاث همته
في ذلك الشأن طرًفا من عنايته،
ً
إلى مراجعة القوانين الموضوعة في ذلك الشأن ،والبحث عن جميع أوراق ممالك المعمورة ووالياتها
في عواصمها ( )1ومستتباتها والمسماة (بالبنك نوت) وجمع أصنافها ،حتى اجتمع له منها ما لم
يظفر به غيره ،ممن عني بهذا الشأن ،والى ترجمة ما كتب في وجوهها بلغاتها الكثيرة كلها ،
وتوصل بذلك كله إلى أن تبين أنها صكاك ديون ،ومستندات لذويها وأصحابها ومن هي في يده،
يرجعون بها إلى (البنك نوت) ما تضمنته من الديون المضمونة ،والى تبين أن الزكاة واجبة فيما
كتابا أبدع فيه
تضمنته من تلك الديون بشرطه المتعارف بين علماء المذاهب ،ولقد أودع ذلك كله ً
كل اإلبداع ،ووضع الغرض الذي رمي إليه فيه على طرف التمام وجعل الذراع ،وسماه "بهجة
المشتاق في بيان حكم زكاة أموال األوراق" ،وما أحراه أن يسمى :أنوار اآلفاق ليطابق االسم مسماه
،فقد انكشف بهذا المسعى حكم المسألة المعني وقد أسمعني حفظه هللا بعضه فأحطت بمعناه،
ووقفت على مغزاه ،فإذا هو كتاب في بابه جليل ،وبحل المسألة المشكلة كفيل ،أقوم قيالً ،وأقوى
ال ،انحلت به العقدة ،وصار في ذلك وحده ،وهو
ال ،وأكثر تفضي ً
ال ،وأحسن تفصي ً
ال ،وأكثر تحصي ً
دلي ً
العمدة ،والناس عالة عليه بعده ،يقتفون هديه ،ويشكرون له سعيه …) .اهـ.
__________
( )1ينظر رسالة (زكاة األوراق) لألستاذ محمد نبهان الخباز .45 :
()1941/2
-------------( )8مقولة األستاذ محمد بنهان الخباز
في رسالة في حكم األوراق
نقدا كالذهب والفضة؛ ألن اعتباره
"بحث أكابر العلماء األعالم في قضية الورق النقدي واعتباره ً
فرضا من فروض اإلسالم وهو الزكاة ،وقد
عروض تجارة تباع وتشترى كما يزعم البعض ،يعطل ً
ق
حرصا على أمنها
منعت أكثر دول العالم التعامل بالذهب ،واستعاضت عنه بالور البنكنوت؛ ً
وصونا له من التهريب ،فينتفع به األعداء بإضعاف قوة النقد المتداول ،كما يعرض الحياة
وسالمتها،
ً
االقتصادية واالجتماعية لمضاعفات خطيرة ،وهزات عنيفة في الحياة المعاشية.
وعليه فالورق النقدي قد أصبح هو العملة المرعية بعد منع التعامل بالذهب والفضة ،وأنه قد أخذ
تماما ،فال يجوز بيعه وال شراؤه نسيئة -أي إلى أجل إال ًيدا بيد -كعقد الصرف
حكم الذهب والفضة ً
ال ؛ الصرافة ،روى عبادة بن الصامت رضي هللا عنه قال :قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم :
مث ً
(( الذهب بالذهب ،والفضة بالفضة ،والبر ،والشعير بالشعير ،والتمر بالتمر ،والملح بالملح ،مثالً
بمثل ،سواء بسواءً ،يدا بيد ،فإذا اختلفت هذه األصناف فبيعوا كيف شئتم ،إذا كان ًيدا بيد )) رواه
اإلمام مسلم في صحيحه (. )1
__________
( )1رسالة (زكاة األوراق) لألستاذ محمد نبهان الخباز .25 :
()1942/2
-------------( )9خالصة
لما ذهب إليه األخ األستاذ محمد نبهان الخباز السوري حفظه هللا في رسالته القيمة.
"يتضح لنا مما جاء في بيان هذه الرسالة األحكام التالية :
(أ) أن النقد الورقي السوري هو العملة المرعية.
(ب) وأنه هو الذهب والفضة وأحكامه تجري كأحكامها.
(جـ) وأنه ال يجوز اعتباره عروض تجارة تباع وتشترى نسيئة إال هاء بهاء كالصرافة مثالً ،واال
انقلب إلى ربا إن كان ألجل.
نفعا فهو ربا.
(د) وأن كل قرض جر ً
عيا ،أو تتناقض مع
اما فهي باطلة ،وخاصة الحيلة التي تهدم أصالً شر ً
(هـ) وأن كل حيلة تحلل حر ً
مصلحة دينية ،أو تؤدي إلى التالعب بدين هللا واالستهزاء بشرعه الحنيف هي محرمة باتفاق جمهور
العلماء. )1( " .
__________
( )1المرجع السابق .39
()1943/2
--------------
الباب الثاني
أحكام تغير العملة بإطالق
في الفقه اإلسالمي
السيد محمد أمين عابدين
تقرير العالمة ابن عابدين الكبير صاحب حاشية رد المحتار على الدر المتوفي 1252هـ .في
أحكام تغير قيمة العملة في المذهب الحنفي.
قال رحمه هللا في رسالته "تنبيه الرقود على مسائل النقود" في مجموع رسائله :
ثوبا بدراهم نقد البلدة ،
"قال في الولوالجية في الفصل الخامس من كتاب البيوع :رجل اشترى ً
ال فسد
فانتقدها حتى تغيرت ،فهذا على وجهين :إن كانت تلك الدارهم ال تروج اليوم في السوق أص ً
البيع ألنه هلك الثمن ،وان كانت تروج لكن انتقص قيمتها ال يفسد ألنه لم يهلك وليس له إال ذلك ،
وان انقطع بحيث ال يقدرعليها ،فعليه قيمتها في آخر يوم انقطع من الذهب والفضة هو المختار،
شيئا بالفلوس ثم كسدت قبل القبض بطل الشراء
ونظير هذا ما نص في كتاب الصرف :إذا اشترى ً
؛ يعني فسد ولو رجعت ( )1ال يفسد" .اهـ.
شيئا بنقد معلوم
وفي جواهر الفتاوى قال القاضي اإلمام الزاهدي أبو نصر الحسين بن علي :إذا باع ً
قائما في يد المشتري يجب
ثم كسد النقد قبل قبض الثمن فإنه يفسد البيع ،ثم ينتظر إن كان المبيع ً
رده عليه ،وان كان خرج من ملكه بوجه من الوجوه ،أو اتصل بزيادة بصنع من المشتري ،أو
ثوبا فخاطه ،أو دخل في حيز االستهالك وتبدل الجنس ،
أحدث فيه صنعة منقوصة مثل أن كان ً
سمسما فعصره ،أو وسمة فضربها نيالً ؛ فإنه يجب عليه رد مثله
مثل أن كان حنطة فطحنها ،أو
ً
موجودا
إن كان من ذوات القيم كالثوب والحيوان ،فإنه يجب قيمة المبيع يوم القبض من نقد كان
ً
وقت البيع لم يكسد ،ولو كان مكان البيع إجارة فإنه تبطل اإلجارة ،ويجب على المستأجر أجر
مهر يجب رد مثله .هذا كله قول أبي حنيفة ،وقال أبو يوسف :يجب
قرضا أو ًا
المثل ،وان كان ً
عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد اآلخر يوم التعامل .وقال محمد :يجب آخر ما
انقطع من أيدي الناس .قال القاضي :الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف ،وفيما
شيئا بدراهم
سوى ذلك على قول أبي حنيفة .انتهى .وفي الفصل الخامس من التتارخانية :إذا اشترى ً
من نقد البلد ،ولم ينقد الدراهم حتى تغيرت ،فإن كانت تلك الدراهم ال تروج اليوم في السوق فسد
البيع ،وان كانت تروج لكن انتقصت قيمتها ال يفسد البيع .وقال في الخانية :لم يكن له إال ذلك.
أيضا ،وان انقطعت تلك الدراهم اليوم
وعن أبي يوسف :أن له أن يفسخ البيع في نقصان القيمة ً
كان عليه قيمة الدراهم قبل االنقطاع عند محمد ،وعليه الفتوى.
__________
( )1قوله :ولو رجعت أي نقص ثمنها.
()1944/2
-------------وفي عيون المسائل :عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان ال يروج في جميع البلدان ؛ ألنه حينئذ
هالكا ،ويبقى المبيع بال ثمن ،فأما إذا كان ال يروج في هذه البلدة فقط فال يفسد البيع ؛ ألنه
يصير ً
ال يملك ولكنه تعيب ،وكان للبائع الخيار إن شاء قال :أعطني مثل الذي وقع عليه البيع ،وان
شاء أخذ قيمة ذلك دنانير .انتهى .وتمامه فيها ،وكذا في الفصل الرابع من الذخيرة البرهانية ،
والحاصل :أنها إما أن ال تروج ،واما أن تزيد قيمتها أو تنقص ،فإن كانت كاسدة ال تروج يفسد
البيع ،وان انقطعت فعليه قيمتها قبل االنقطاع ،وان زادت فالبيع على حاله وال يتحيز المشتري كما
سيأتي ،وكذا إن انتقصت ال يفسد البيع ،وللبائع غيرها .وما ذكرناه من التفرقة بين الكساد واالنقطاع
هو المفهوم مما قدمناه.
وذكر العالمة شيخ اإلسالم محمد بن عبد هللا الغزي التمرتاشي في رسالة سماها "بذل المجهود في
مسألة تغير النقود " :اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس ،وكان كل منهما
نافًقا حتى جاز البيع لقيام االصطالح على الثمنية ،ولعدم الحاجة إلى اإلشارة اللتحاقها بالثمن ،
ولم يسلمها المشترى للبائع ،ثم كسدت ؛ بطل البيع (و) االنقطاع عن أيدى الناس كالكساد ( ،و)
حكم الدراهم كذلك ،فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت ؛ بطل البيع ،ويجب على المشتري
مقبوضا فال
مثليا ،واال بقيمته ،وان لم يكن
قائما ،ومثله إن كان ً
ً
مالكا ،وكان ً
رد المبيع إن كان ً
حكم لهذا البيع أصالً ،وهذا عند اإلمام األعظم وقال :ال يبطل البيع ألن المتعذر إنما هو التسليم
شيئا بالرطبة ثم انقطع
بعد الكساد ،وذلك ال يوجب الفساد الحتمال الزوال بالرواج ،كما لو اشترى ً
،واذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته ،لكن عند أبي يوسف يوم البيع ،وعند محمد يوم الكساد،
وهو آخر ما تعامل الناس بها.
__________
()1945/2
-------------وفي الذخيرة :الفتوى على قول أبي يوسف .وفي المحيط والتتمة والحقائق :بقول محمد يفتى رفًقا
بالناس .وألبي حنيفة أن الثمنية باالصطالح ،فيبطل الزوال الموجب ،فيبقى البيع بال ثمن ،والعقد
غالبا في العام
إنما يتناول عينها بصفة الثمنية ،وقد انعدمت بخالف انقطاع الرطب ،فإنه يعود ً
القابل ،بخالف النحاس فإنه بالكساد رجع إلى أصله .والكساد لغة -كما في المصباح -من كسد
الشيء يكسد ،من باب قتل :لم ينفق لقلة الرغبات ،فهو كاسد وكسيد ،يتعدى بالهمزة فيقال :
أكسده هللا ،وكسدت السوق فهي كاسدة بغيرها في الصحاح ،وبالهاء في التهذيب.
ويقال :أصل الكساد والفساد .وعند الفقهاء أن نترك المعاملة بها في جميع البالد ،وان كانت تروج
في بعض البالد ال يبطل ،لكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم ،فيتخير البائع إن شاء أخذه وان شاء
أخذ قيمته .وحد االنقطاع أن ال يوجد في السوق وان كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت ،هكذا.
واالنقطاع كالكساد كما في كثير من الكتب ،لكن قال في المضمرات :فإن انقطع ذلك فعليه من
الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع هو المختار .ثم قال في الذخيرة :االنقطاع أن ال يوجد في
السوق وان كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت .وقيل :إذا كان يوجد في أيدي الصيارفة فليس
بمنقطع ،واألول أصح .انتهى .هذه عبارة الغزي في رسالته.
وفي الذخيرة البرهانية بعد كالم طويل :هذا إذا كسدت الدراهم أو الفلوس قبل القبض ،فأما إذا
غلت فإن ازدادت قيمتها فالبيع على حاله وال يتخير المشترى ،واذا انتقصت قيمتها ورخصت فالبيع
على حاله ويطالبه بالدراهم بذلك العيار الذي كان وقت البيع .وفي المنتقى :إذا غلت الفلوس قبل
القبض أو رخصت قال أبو يوسف :قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء ،وليس له غيرها .ثم رجع
أبو يوسف وقال عليه :قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض ،والذي ذكرناه من
الجواب في الكساد فهو الجواب في االنقطاع .انتهى.
و(قوله) :يوم وقع البيع ، ،أي في صورة البيع ( .وقوله) :ويوم وقع القبض ،أي في صورة
القبض ،كما نبه عليه في النهر ،وبه علم أن في االنقطاع قولين :
األول :فساد البيع كما في صورة الكساد .
والثاني :أنه يجب قيمة المنقطع في آخر يوم انقطع ،وهو المختار كما مر عن المضمرات.
__________
()1946/2
-------------أيضا :
وكذا في الرخص والغال قوالن ً
األول :ليس له غيرها.
والثاني :له قيمتها يوم البيع وعليه الفتوى كما يأتي.
وقال العالمة الغزي عقب ما قدمناه عنه :هذا إذا كسدت أو انقطعت ،أما إذا غلت قيمتها أو
انقطعت ،فالبيع على حاله ،وال يتخير المشتري ،ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع،
كذا في فتح القدير ،وفي الب اززية معزًيا إلى المنتقى :غلت الفلوس أو رخصت ،فعند اإلمام األول
ثانيا : -عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع
والثاني -أوالً : -ليس عليه غيرها ،وقال الثاني ً -
والقبض .وعليه الفتوى ،وهكذا في الذخيرة .والخالصة بالعزو إلى المنتقى ،وقد نقله شيخنا في
بحره وأقره ،فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء
؛ ألن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما ،وال يجوز
لهما األخذ بمقابلة ؛ ألنه مرجوح بالنسبة إليه .وفي فتاوى قاضي خان :يلزمه المثل ،وهكذا ذكر
اإلسبجابي قال :وال ينظر إلى القيمة .وفي الب اززية :واإلجارة كالبيع والدين على هذا ،وفي النكاح
يلزمه قيمة تلك الدراهم .وفي مجمع الفتاوى معزًيا إلى المحيط :رخص العد إلى قال الشيخ اإلمام
األجل األستاذ :ال يعتبر هذا ويطالبه بما وقع عليه العقد والدين على هذا ،ولو كان يروج لكن
انتقص قيمته ال يفسد ،وليس له إال ذلك ،وبه كان يفتي اإلمام ،وفتوى اإلمام ظهير الدين على
أنه يطالب بالدراهم التي يوم البيع يعني بذلك العيار ،وال يرجع عليه بالتفاوت والدين على هذا
واالنقطاع والكساد سواء.
__________
()1947/2
-------------فإن قلت :يشكل على هذا ما ذكر في مجمع الفتاوى من قوله :ولو غلت أو رخصت فعليه رد
المثل باالتفاق .انتهى.
ثانيا :الواجب عليه
قلت :ال يشكل؛ ألن أبا يوسف كان يقول أو ً
ال بمقالة اإلمام ثم رجع عنها ،وقال ً
قيمتها كما نقلناه فيما سبق عن الب اززية وصاحب الخالصة والذخيرة ،فحكاية االتفاق بناء على
كثير من المعتبرات من كتب
ال ،كما ال يخفى ،وهللا تعالى أعلم .وقد تتبعت ًا
موافقته لإلمام أو ً
مشايخنا المعتمدة فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة رضي هللا تعالى عنه ،بل قالوا :به
كان يفتي القاضي اإلمام .وأما قول أبي يوسف فقد جعلوا الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فليكن
المعول عليه .انتهى كالم الغزي رحمه هللا تعالى .ثم أطال بعده في كيفية اإلفتاء والحكم حيث كان
لإلمام قول وخالفه صاحباه أو وافقه أحدهما إلى آخر الزمان وأيد قول أبي يوسف الثاني كما ذكره
هنا .ومشى العالمة الغزي في متنه تنوير األبصار في مسألة الكساد على قول اإلمام في القرض
والبيع ،فقال في فصل القرض :استقرض من الفلوس الرائجة والعدالي فكسدت ،فعليه مثلها كاسدة
ال قيمتها .انتهى.
شيئا به أي بغالب الغش وهو نافق أو
وقال في الصرف هو وشارحه الشيخ عالء الدين :اشترى ً
بفلوس نافقة ،فكسد ذلك قبل التسليم للبائع ؛ بطل البيع ،كما لو انقطعت عن أيدي الناس فإنه
كالكساد ،وكذا حكم الدراهم لو كسدت أو انقطعت بطل .وصححاه بقيمة البيع وبه يفتى ؛ رفًقا
بالناس .بحر وحقائق .انتهى.
وقوله :بقيمة المبيع صوابه بقيمة الكاسد ،كما نبه عليه بعضهم ويعلم مما مر ،ولم يتعرض
لمسألة الغالء والرخص.
ثم اعلم أن الظاهر من كالمهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها ،كما
يظهر بالتأمل ،ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس ،وفي بعضها ذكر العدالي
معها ،فإن العدالي كما في البحر عن البناية بفتح العين المهملة وتخفيف الدال وكسر الالم :
الدارهم المنسوبة إلى العدل ،وكأنه اسم ملك ينسب إليه ضربهم ،فيه غش .وكذا رأيت التقييد
بالغالبة الغش في غاية البيان ،وتقدم مثله في شرح التنوير .اهـ .ويدل عليه تعليلهم لقول أبي حنيفة
ثمنا
بعد حكايتهم الخالف بأن الثمنية بطلت بالكاسد ؛ ألن الدراهم التي غلب غشها إنما جعلت ً
ثمنا ،فبقي البيع بال ثمن
باالصطالح ،فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل االصطالح ،فلم تبق ً
أيضا تعبيرهم بالغالء والرخص ،فإنه إنما يظهر إذا كانت غالبة الغش تعوم
فبطل ،ويدل عليه ً
بغيرها ،وكذا اختالفهم في أن الواجب رد المثل أو القيمة ،فإنه حيث كانت ال غش فيها لم يظهر
لالختالف معنى ،بل كان الواجب رد المثل بال نزاع أصالً.
__________
()1948/2
-------------وهذا كالصريح فيما قلنا ،وفي الهداية عند الكالم على الدراهم التي غلب غشا :واذا اشترى بها
سلعة ثم كسدت وترك الناس المعاملة بها ؛ بطل البيع عند أبي حنيفة ،وقال أبو يوسف :عليه
قيمتها يوم البيع ،وقال محمد :قيمتها آخر ما يتعامل الناس .ثم قال في الهداية :واذا باع بالفلوس
النافقة ثم كسدت بطل البيع عن أبي حنيفة خالًفا لهما ،وهو نظير االختالف الذي بيناه ،ولو
فلوسا فكسدت ؛ عليه مثلها.اهـ.
استقرض ً
از عن الرخص والغالء ؛ ألن اإلمام اإلسبجابي في شرح
قال في غاية البيان :قيد بالكساد احترًا
الطحاوي قال :وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت ،فعليه مثل ما قبض
من العدد .وقال أبو الحسن :لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه
مثلها .قال أبو يوسف :عليه قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أصنافها
،يعني التجارية والطبرية واليزيدية .وقال محمد :قيمتها في آخر نفاقها .قال القدوري :واذا ثبت من
قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا ،فالدراهم التجارية فلوس على صفة مخصوصة ،
والطبرية واليزيدية هي التي غلب الغش عليها ،فتجري مجرى الفلوس ،فلذلك قاسها أبو يوسف
مخلصا.
على الفلوس .انتهى ما في غاية البيان
ً
__________
()1949/2
-------------أيضا كما قدمناه عن الذخيرة من قوله :يوم وقع البيع .فهذا
وما ذكره في القرض جار في البيع ً
الذي ذكرنا صريح فيما قلنا من أن الكالم في الدراهم الغالبة الغش والفلوس .وعليه يحمل ما قدمناه
من إطالق الولوالجية وجواهر الفتاوى .وما نقلنا عن اإلسبجابي من دعوى اإلجماع مخالف لما
قدمناه عن الذخيرة عن المنتقى .وعلمت الفرق بينها في كالم الغزي ،وسيأتي توفيق آخر .ولم
يظهر حكم النقود الخالصة أو المغلوبة الغش ،وكأنهم لم يتعرضوا لها لندوة انقطاعها أو كسادها ،
لكن يكثر في زماننا غالؤها ورخصها فيحتاج إلى بيان الحكم فيها ،ولم أر من نبه عليها من
الشراح وهللا تعالى أعلم .نعم يفهم من التقييد أن الخالصة أو المغلوبة الغش ليس حكمها كذلك.
ورأيت في حاشية الشيخ خير الدين الرملي على البحر عند قوله :وحكم الدراهم كذلك ،أقول :يريد
به الدراهم التي لم يغلب عليها الغش كما هو ظاهر ،فعلى هذا ال يختص هذا الحكم بغالب الغش وال
بالفلوس في التنصيص عليها دون الدراهم الجيدة لغلبة الكساد .فيهما دونهما ،تأمل .ثم نقل التعليل
في المسألة لقول اإلمام عن فتح القدير بنحو ما قدمناه .ثم قال :أقول وربما يفهم من هذا أن حكمها
خالف حكم الفلوس والدراهم المغلوبة بالغش ،وال يبطل البيع بعدم رواجها ألنها أثمان بأصل خلقتها
،وليس كذلك .بقي الكالم فيما إذا نقصت قيمتها فهل للمستقرض رد مثلها وكذا المشترى أو قيمتها؟
ال شك أن عند أبي حنيفة يجب رد مثلها ،وأما على قولهما فقياس ما ذكروا في الفلوس أنه يجب
قيمتها من الذهب يوم القبض عند أبي يوسف ويوم الكساد عند محمد .والمحل محتاج إلى التحرير
.اهـ .
__________
()1950/2
-------------وفي حملة الدراهم في كالم البحر على التي لم يغلب غشها نظر ظاهر ؛ إذ ليس المراد إال الغالبة
الغش ،كما قدمناه ،وصرح به شراح الهداية وغيرهم.
والذي يغلب على الظن ويميل إليه القلب أن الدراهم المغلوبة الغش أو الخالصة إذا غلت أو رخصت
قطعا ،وال يجب إال ما وقع عليه العقد من النوع المذكور فيه ،فإنها أثمان عرًفا وخلقة
ال يفسد البيع ً
،والغش المغلوب كالعدم ،وال يجري في ذلك خالف أبي يوسف ،على أنه ذكر بعض الفضالء أن
خالف أبي يوسف في مسألة ما إذا غلت أو رخصت إنما هو في الفلوس فقط ،وأما الدراهم التي
غلب غشها فال خالف له فيها.
وبهذا يحصل التوفيق بين حكاية الخالف تارة واإلجماع تارة أخرى .وهذا أحسن مما قدمناه عن
الغزي ،ويدل عليه عباراتهم ،فحيث كان الواجب ما وقع عليه العقد في الدراهم التي غلب غشها
إجماعها ،فما في الخالصة ونحوها أولى .وهذا ما نقله السيد محمد أبو السعود في حاشية منالً
ً
مسكين عن شيخه ونص عبارته :قيد بالكساد؛ ألنها لو نقصت قيمتها قبل القبض فالبيع على حالة
باإلجماع وال يتخير البائع ،وكذا لو غلت وازدادت وال يتخير المشري .وفي الخالصة والب اززية :
ال : -ليس عليه غيرها ،وقال الثاني -
غلبت الفلوس أو رخصت ،فعند اإلمام األول والثاني -أو ً
ثانيا : -عليه قيمتها يوم البيع والقبض ،وعليه الفتوى .انتهى .أي يوم البيع في البيع ويوم القبض
ً
في القرض .كذا في النهر.
__________
()1951/2
-------------واعلم أن الضمير في قوله :قيد بالكساد ؛ ألنها ...إلخ ،للدراهم التي غلب غشها ،وحينئذ فما ذكره
مما يقتضي لزوم المثل باإلجماع بعد الغالء والرخص حيث قال :فالبيع على حالة باإلجماع ،وال
يتخير البائع ...إلخ .ال ينافي حكاية الخالف عن الخالصة والب اززية فيما إذا غلت الفلوس أو
رخصت هل يلزمه القيمة أو ليس عليه غيرها .هذا حاصل ما أشار إليه شيخنا من التوفيق .قال
شيخنا :واذا علم الحكم في الثمن الذي غلب غشه إذا نقصت قيمته قبل القبض ،كان الحكم
معلوما باألولى في الثمن الذي غلب جيده على غشه ،إذا نقصت قيمته ال يتخير البائع باإلجماع
ً
فال يكون له سواء ،وكذا لو غلت قيمته ال يتخير المشتري باإلجماع ،قال :واياك أن تفهم أن
خالف أبي يوسف ٍ
جار حتى في الذهب والفضة ،كالشريفي البندقي والمحمدي والكلب والريال ،
فإنه ال يلزم لمن وجب له نوع منها سواه باإلجماع ،فإن ذلك الفهم خطأ صريح ناشئ عن عدم
التفرقة بين الفلوس والنقود .انتهى ما في الحاشية ،وهو كالم حسن وجيه ال يخفى على فقيه نبيه،
وبه ظهر أن ما ذكره الشيخ خير الدين غير محرر ،فتدبر .وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق
ثوبا بعشرين رياالً مثالً واستقرض ذلك
في زماننا ،فإذا تبايعا بنوع منهما ثم غال أو رخص بأن باع ً
إجماعا إذا
يجب رده بعينه غال أو رخص ،وأما الكساد واالنقطاع فالذي يظهر أن البيع ال يفسد
ً
نوعا منه ؛ وذلك ألنهم ذكروا في الدراهم التي غلب غشها ثالثة أقوال :
سميا ً
__________
()1952/2
--------------
األول :قول أبي حنيفة بالبطالن.
والثاني :قول الصاحبين بعدمه هو وقول الشافعي واحد .لكن قال أبو يوسف :عليه قيمتها يوم
البيع .وقال محمد :يوم االنقطاع .وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف ،وفي التتمة والمختار
والحقائق بقول محمد يفتى رفًقا بالناس .كذا في فتح القدير .وعلل ألبي حنيفة بأن الثمن يهلك
بالكساد ؛ ألن الفلوس والدراهم الغالبة الغش أثمان باالصطالح ال بالخلقة ،واذا انتفى االصطالح
شيئا فانقطع
انتفت المالية ،وعلل للصاحبين بأن الكساد ال يوجب الفاسد ،كما إذا اشترى بالرطب ً
في أوانه ال يبطل اتفاًقا ،وتجب القيمة أو ينتظر زمان الرطب في السنة الثانية ،فكذا هنا .اهـ .ففي
مسألتنا الكساد ال يوجد الفساد اتفاًقا ،أما على قول الصاحبين فظاهر ،وأما على قول اإلمام فألنه
قال بالفساد لبطالن الثمنية بانتفاء االصطالح عليهما ،فعاد الثمن إلى أصل خلقته من عدم الثمنية
اصطالحا .هذا ما ظهر لي ولم أره منقوالً ،فتأمله.
،ولم توجد العلة هنا ألنها أثمان خلقة و
ً
تنبيه :إذا اشترى بنوع مسمى من األثمان فاألمر ظاهر .وأما إذا أطلق كأن قال :بمئة ريال أو مئة
ذهب ،فإن لم يكن األنواع واحد من هذا الجنس ينصرف إليه ،وصار المسمى ،فإن كان منه
الوماع ،فإن كان أحدهما أروج من اآلخر وغلب تعامالً ينصرف إليه ألنه المتعارف ،فينصرف
اجا فإن اختلف مالية فسد البيع ما لم يبين في
المطلق إليه وصار كالمسمى ً
أيضا ،وان اتفقت رو ً
المجلس ويرضى اآلخر.
__________
()1953/2
-------------معا ،أو
قال في البحر :فالحاصل أن المسألة رباعية ألنها :إما أن تستوى في الرواج والمالية ً
تختلف فيهما ،أو تسوى في أحدهما دون اآلخر ،والفساد في صورة واحدة وهو االستواء في الرواج
واالختالف في المالية ،والصحة في ثالث صور :فيما إذا كان مختلفة في الرواج والمالية ،
فينصرف إلى األروج .وفيما إذا كانت مختلفة في الرواج مستوية في المائة ،فينصرف إلى األروج
أيضا .وفيما إذا استوت فيهما ،وانما االختالف في االسم كالمصري فيتخير في دفع أيهما شاء ،
ً
فلو طلب البائع أحدهما للمشتري أن يدفع غيره ألن امتناع البائع من قبول ما دفعه المشتري وال
فضل تعنت .ولذا قلنا :إن النقد ال يتعين في المعاوضات .اهـ.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه ،وهو أنهم اعتبروا العرف هنا حيث أطلقت الدراهم وبعضها أروج
،فصرفوه إلى المتعارف ولم يفسدوا البيع ،وهو تخصيص بالعرف القولي ،وهو من أفراد ترك
الحقيقة.
قال المحقق ابن الهمام في تحرير األصول :العرف العملي مخصص عند الحنفية خالًفا للشافعية ،
كحرمة الطعام وعادتهم أكل البر انصرف إليه ،وهو -أي قول الحنفية -أوجه .أما التخصيص
بالعرف القولي فاتفقا كالدابة عل الحمار ،والدراهم على النقد الغالب .انتهى.
قال شارحه ابن أمير حاج :العرف القولي هو أن يتعارف قوم إطالق لفظ لمعنى بحيث ال يتبادر
عند سماعه إال ذلك المعنى .اهـ.
وقد شاع في عرف أهل زماننا أنهم يتبايعون بالقرون ،وهي عبارة عن قطع معلومة من الفضة،
ومنها كبار كل واحد باثنين ،ومنها أنصاف وأرباع ،والقرش الواحد عبارة عن أربعين مصرية ،ولكن
اآلن غلبت تلك القطع وزادت قيمتها ،فصار القرش الواحد بخمسين مصرية ،والكبير بمائة مصرية
،وبقي عرفهم على إطالق القرش ويريدون به أربعين مصرية ،كما كان في األصل ،ولكن ال
يردون عين المصاري ،بل يطلقون القروش وقت العقد ويدفعون بمقدار ما سموه في العقد تارة من
بيانا لمقدار الثمن من النقود
ذهبا أو فضة ،فصار القرش عندهم ً
المصاري ،وتارة من غيرها ً
ال ،
ثوبا مث ً
الرائجة المختلفة المالية ،ال لبيان نوعه وال لبيان جنسه ،فيشتري أحدهم بمائة قرش ً
فيدفع مصارى كل قرش بأربعين ،أو يدفع من القروش الصحاح أو من الريال أو من الذهب على
اختالف أنواعه بقيمته المعلومة من المصاري .هكذا شاع عرفهم ،وال يفهم أحد منهم أنه إذا اشترى
قوليا فيخصص كما نقلناه عن
بالقروش أن الواجب عليه دفع عينها ،فقد صار ذلك عندهم عرًفا ً
التحرير.
__________
()1954/2
-------------وقد رأيت بفضل هللا تعالى في القنية نظير هذا ،حيث قال في باب المتعارف بين البحر كالشروط
شيئا بعشرة دنانير ،وجرت العادة في ذلك البلد أنهم يعطون كل
برمز عالء الدين الترجماني باع ً
خمسة أسداس مكان الدينار ،فاشتهرت بينهم ،فالعقد ينصرف إلى ما يتعارف الناس فيما بينهم في
تلك التجارة .ثم رمز لفتاوى أبي الفضل الكرماني جرت العادة فيما بين أهل خوارزم أنهم يشترون
سلعة بدينار ،ثم ينقدون ثلثي دينار محمودية ،أو ثلثي دينار وطسوج نيابورية ،قال :يجري على
دينا عليهم له.
المواضعة وال تبقى الزيادة ً
وهذا نص فقهي في مسألتنا ،وهلل الحمد والمنة ،وحينئذ فقد صار ما تعورف في زماننا نظير مسألة
ما إذا تساوت النقود في الرواج والمالية ،فيتخير المشتري في ما شاء من النقود الرائجة ،وان امتنع
البائع ألنه يكون متعنتا كما مر.
ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود األمر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقض ،
واختلف اإلفتاء فيه ،والذي استقر عليه الحال اآلن دفع النوع الذي وقع عليه العقد أو كان مع ًينا ،
كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال أفرنجي أو مائة ذهب عتيق ،أو دفع نوع كان بالقيمة التي كانت
نوعا ،والخيار فيه للدافع ،كما كان الخيار له وقت العقد ،ولكن
وقت العقد ،إذا لم يعين المتبائعان ً
قرضا بناء على ما قدمناه.
بيعا أو ً
األول ظاهر سواء كان ً
__________
()1955/2
-------------وأما الثاني فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين ،فإن ما ورد األمر برخصه متفاوت ،فبعض
خصا وأضر للبائع فيدفعه له ،بل
األنواع جعله أرخص من بعض ،فيختار المشتري ما هو أكثر ر ً
قرشا
رخصا ،فقد ينقص نوع من النقود ً
خصا على حساب ما هو أكثر ً
تارة يدفع له ما هو أقل ر ً
قرشا
قرشا للبائع يحسب عليه ً
ونوع آخر قرشين ،فال يدفع إال ما نقص قرشين واذا دفع ما نقص ً
نظر إلى نقص النوع اآلخر .وهذا مما ال شك في عدم جوازه.
آخر ًا
وقد كنت تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل زمانه وأفقههم وأورعهم ،فجزم بعدم تخيير المشتري
في مثل هذا لما علمت من لضرر ،وأنه يفتي بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقي التصرف يصح
اصطالحهما ،بحيث ال يكون الضرر على شخص واحد ،فإنه وان كان الخيار للمشتري في دفع
ما شاء وقت العقد وان امتنع البائع ،لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت األنواع ،فإذا امتنع البائع عما
أراده المشتري يظهر تعنته .أما في هذه الصورة فال ؛ ألنه ظهر أنه يمتنع عن قصد اض ارره ،وال
سيما إذا كان المال مال أيتام أو وقف ،فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به اختيار األنفع له ،
خصوصا والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها ،فإن المنصوص
فالصلح حينئذ أحوط ،
ً
عليها إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش ،كما علمته مما قدمناه ،فينبغي أن ينظر في تلك
نقصا ،ال األقل وال األكثر ؛ كيال يتناهى الضرر على البائع
النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها ً
أو على المشتري.
وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطي بالسعر الدارج وقت الدفع ،ولم ينظر إلى ما
كان وقت العقد أصالً ،وال يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري ،ال يقال ما ذكرته من أن
األولى للصلح في مثل هذه الحالة مخالف لما قدمته عن حاشية أبي السعود ،من لزوم ما كان وقت
العقد بدون تخيير باإلجماع إذا كانت فضة خالصة أو غالبة ال ،فالقول ذاك فيما إذا وقع العقد
على نوع مخصوص كالريال مثالً .وهذا ظاهر كما قدمناه وال كالم لنا فيه ،وانما الشبهة فيما تعارفه
الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة ،فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غال أو
رخص.
آنفا ،أن القروش في زماننا بيان لمقدار الثمن ال لبيان
ووجه ما أفتى به بعض المفتين كما قدمناه ً
نوعه وال جنسه ،فإذا باع شخص سلعة بمائة قرش مثالً ،ودفع له المشتري بعد الرخص ما صارت
قرشا من الريال أو الذهب مثالً ،لم يحصل للبائع ذلك المقدار الذي قدره ورضي به
قيمته تسعين ً
اضيا وقت العقد يأخذ غير القروش بالقيمة من أي نوع كان
ً
ثمنا لسلعته ،لكن قد يقال :لما كان ر ً
صار كأن العقد وقع على األنواع كلها ،فإذا رخصت كان عليه أن يأخذ بذلك العيار الذي كان
اضيا به.
ر ً
__________
()1956/2
-------------وانما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد األضرار ،كما قلنا ،وفي الحديث (( :ال ضرر وال
ال ما
ضرار )) ولو تساوى رخصها لما قلنا إال بلزوم العيار الذي كان وقت العقد ،كأن صار مث ً
كان قيمته مائة قرش من الريال يساوي تسعين ،وكذا سائر األنواع ،أما إذا صار ما كان قيمته
مائة من نوع يساوي تسعين ومن نوع آخر خمسة وتسعين ومن آخر ثمانية وتسعين ،فإن ألزمنا
البائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به ،وأن ألزمنا المشتري بدفعه بتسعين
اختص الضرر به ،فينبغي وقوع الصلح على األوسط .وهللا تعالى أعلم". )1( .
مصادر البحث ومراجعة
-1حاشية رد المحتار على الدر العالمة ابن عابدين.
-2مجموع رسائل العابدينية العالمة ابن عابدين.
-3ابن عابدين وأثره في الفقه (دراسة مقارنة بالقانون) الدكتور الفرفور.
-4تنقيح الفتاوى الحامدية العالمة ابن عابدين.
-5التبيان في زكاة األثمان الشيخ محمد حسنين مخلوف.
-6رسالة في زكاة األوراق األستاذ محمد نبهان الخباز.
-7بهجة المشتاق في زكاة األوراق السيد أحمد الحسيني.
-8في المجتمع اإلسالمي أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة.
-9الدين الخالص الشيخ محمود السبكي.
-10المجموع شرح المهذب اإلمام النووي
__________
( )1انظر مجموع الرسائل العابدينية 56/2 :إلى .67
()1957/2
-------------وأما الثاني فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين ،فإن ما ورد األمر برخصه متفاوت ،فبعض
خصا وأضر للبائع فيدفعه له ،بل
األنواع جعله أرخص من بعض ،فيختار المشتري ما هو أكثر ر ً
قرشا
رخصا ،فقد ينقص نوع من النقود ً
خصا على حساب ما هو أكثر ً
تارة يدفع له ما هو أقل ر ً
قرشا
قرشا للبائع يحسب عليه ً
ونوع آخر قرشين ،فال يدفع إال ما نقص قرشين واذا دفع ما نقص ً
نظر إلى نقص النوع اآلخر .وهذا مما ال شك في عدم جوازه.
آخر ًا
وقد كنت تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل زمانه وأفقههم وأورعهم ،فجزم بعدم تخيير المشتري
في مثل هذا لما علمت من لضرر ،وأنه يفتي بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقي التصرف يصح
اصطالحهما ،بحيث ال يكون الضرر على شخص واحد ،فإنه وان كان الخيار للمشتري في دفع
ما شاء وقت العقد وان امتنع البائع ،لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت األنواع ،فإذا امتنع البائع عما
أراده المشتري يظهر تعنته .أما في هذه الصورة فال ؛ ألنه ظهر أنه يمتنع عن قصد اض ارره ،وال
سيما إذا كان المال مال أيتام أو وقف ،فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به اختيار األنفع له ،
خصوصا والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها ،فإن المنصوص
فالصلح حينئذ أحوط ،
ً
عليها إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش ،كما علمته مما قدمناه ،فينبغي أن ينظر في تلك
نقصا ،ال األقل وال األكثر ؛ كيال يتناهى الضرر على البائع
النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها ً
أو على المشتري.
وقد بلغني أن بعض المفتين في زماننا أفتى بأن تعطي بالسعر الدارج وقت الدفع ،ولم ينظر إلى ما
كان وقت العقد أصالً ،وال يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري ،ال يقال ما ذكرته من أن
األولى للصلح في مثل هذه الحالة مخالف لما قدمته عن حاشية أبي السعود ،من لزوم ما كان وقت
العقد بدون تخيير باإلجماع إذا كانت فضة خالصة أو غالبة ال ،فالقول ذاك فيما إذا وقع العقد
على نوع مخصوص كالريال مثالً .وهذا ظاهر كما قدمناه وال كالم لنا فيه ،وانما الشبهة فيما تعارفه
الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة ،فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غال أو
رخص.
آنفا ،أن القروش في زماننا بيان لمقدار الثمن ال لبيان
ووجه ما أفتى به بعض المفتين كما قدمناه ً
نوعه وال جنسه ،فإذا باع شخص سلعة بمائة قرش مثالً ،ودفع له المشتري بعد الرخص ما صارت
قرشا من الريال أو الذهب مثالً ،لم يحصل للبائع ذلك المقدار الذي قدره ورضي به
قيمته تسعين ً
اضيا وقت العقد يأخذ غير القروش بالقيمة من أي نوع كان
ً
ثمنا لسلعته ،لكن قد يقال :لما كان ر ً
صار كأن العقد وقع على األنواع كلها ،فإذا رخصت كان عليه أن يأخذ بذلك العيار الذي كان
اضيا به.
ر ً
__________
()1958/2
-------------وانما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد األضرار ،كما قلنا ،وفي الحديث (( :ال ضرر وال
ال ما
ضرار )) ولو تساوى رخصها لما قلنا إال بلزوم العيار الذي كان وقت العقد ،كأن صار مث ً
كان قيمته مائة قرش من الريال يساوي تسعين ،وكذا سائر األنواع ،أما إذا صار ما كان قيمته
مائة من نوع يساوي تسعين ومن نوع آخر خمسة وتسعين ومن آخر ثمانية وتسعين ،فإن ألزمنا
البائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به ،وأن ألزمنا المشتري بدفعه بتسعين
اختص الضرر به ،فينبغي وقوع الصلح على األوسط .وهللا تعالى أعلم". )1( .
مصادر البحث ومراجعة
-1حاشية رد المحتار على الدر العالمة ابن عابدين.
-2مجموع رسائل العابدينية العالمة ابن عابدين.
-3ابن عابدين وأثره في الفقه (دراسة مقارنة بالقانون) الدكتور الفرفور.
-4تنقيح الفتاوى الحامدية العالمة ابن عابدين.
-5التبيان في زكاة األثمان الشيخ محمد حسنين مخلوف.
-6رسالة في زكاة األوراق األستاذ محمد نبهان الخباز.
-7بهجة المشتاق في زكاة األوراق السيد أحمد الحسيني.
-8في المجتمع اإلسالمي أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة.
-9الدين الخالص الشيخ محمود السبكي.
-10المجموع شرح المهذب اإلمام النووي
__________
( )1انظر مجموع الرسائل العابدينية 56/2 :إلى .67
© Copyright 2026 Paperzz