تحميل الملف المرفق

‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫األزمة المالية العالمية الحالية " محاولة للفهم "‬
‫مقدمة بقلم د‪ .‬حازم الببالوي‬
‫يقف العامل مشدوها أمام ما يطلق عليه “األزمة املالية” العاملية‪ ،‬فأكرب اقتصاد يف العامل ( الوالايت املتحدة‬
‫األمريكية ) مهدد ابالنزالق إىل هاوية الكساد واإلفالس‪ ،‬ومن من؟‬
‫من أكرب وأعرق املؤسسات املالية الدولية يف أمريكا وأورواب‪ ،‬فكيف حدث ذلك؟ وملاذا هي “أزمة مالية” أكثر‬
‫منها “أزمة اقتصادية”؟ فهي أزمة يف القطاع املايل ولكنها هتدد إبغراق االقتصاد أبكمله‪ .‬فكيف وملاذا؟‬
‫كل هذه أسئلة تقلق القارئ العادي الذي يريد أن يفهم‪ .‬وقد طلب مين الكثريون أن أحاول أن أقدم تفسريا‬
‫مبسطا يساعد القارئ غري املتخصص علي فهم ما جيري أمامه من أحداث تبدو غري واضحة‪.‬‬
‫ونظرا ألنين أعتقد أن أهم أسباب عدم الفهم ترجع عادة إيل غموض “البدهيات” واملبادئ األولية لعلم‬
‫االقتصاد‪ ،‬فلذلك فال أجد غضاضة يف أن أبدأ بشرح هذه املبادئ األولية‪.‬‬
‫تتطلب البداية أن نفهم أن هناك تفرقة أساسية بني ما ميكن أن نطلق عليه “االقتصاد العيين أو احلقيقي” وبني‬
‫“االقتصاد املايل”‪ .‬فأما االقتصاد العيين “وهو ما يتعلق ابألصول العينية ‪ Real Assets‬فهو يتناول كل املوارد‬
‫احلقيقية اليت تشبع احلاجات بطريق مباشر (السلع االستهالكية) أو بطريق غري مباشر (السلع االستثمارية)‪.‬‬
‫“فاألصول العينية” هي األراضي وهي املصانع‪ ،‬وهي الطرق‪ ،‬وحمطات الكهرابء‪ ،‬وهي أيضا القوي البشرية‪.‬‬
‫وبعبارة أخري هي جمموع السلع االستهالكية اليت تشبع حاجات اإلنسان مباشرة من مأكل وملبس وترفيه ومواصالت‬
‫وتعليم وخدمات صحية‪.‬‬
‫ولكنها أيضا تتضمن األصول اليت تنتج هذه السلع (االستثمارية) من مصانع وأراض زراعية ومراكز للبحوث‬
‫والتطوير‪ ..‬إخل‪ .‬وهكذا فاالقتصاد العيين أو األصول العينية هو الثروة احلقيقية اليت يتوقف عليها بقاء البشرية وتقدمها‪.‬‬
‫وإذا كان االقتصاد العيين هو األساس يف حياة البشر وسبيل تقدمهم‪ ،‬فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن‬
‫هذا االقتصاد العيين وحده ال يكفي بل البد أن يزود أبدوات مالية تسهل عمليات التبادل من انحية‪ ،‬والعمل املشرتك‬
‫من أجل املستقبل من انحية أخري‪.‬‬
‫ومن هنا ظهرت احلاجة إيل “أدوات” أو “وسائل” تسهل التعامل يف الثروة العينية‪ .‬لعل أويل صور هذه األدوات‬
‫املالية هي ظهور فكرة “احلقوق” علي الثروة العينية‪ .‬فاألرض الزراعية هي جزء من الثروة العينية وهي اليت تنتج احملاصيل‬
‫الزراعية اليت تشبع حاجة اإلنسان من املأكل ورمبا السكن وأحياان امللبس‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫ولكنك إذا أردت أن تتصرف يف هذه األرض فإنك ال حتمل األرض علي رأسك لكي تبيعها أو تؤجرها للغري‪،‬‬
‫وإمنا كان البد للبشرية أن تكتشف مفهوما جديدا امسه “حق امللكية” علي هذه األرض‪ .‬فهذا “احلق القانوين” يعين أن‬
‫يعرتف اجلميع أبنك (املالك) الوحيد صاحب احلق يف استغالل هذه األرض والتصرف فيها‪.‬‬
‫وهكذا بدأ ظهور مفهوم جديد امسه “األصول املالية”‪ ، Financial assets‬ابعتبارها حقا علي الثروة‬
‫العينية‪.‬‬
‫وأصبح التعامل يتم علي “األصول املالية” ابعتبارها ممثال لألصول العينية‪.‬‬
‫فالبائع ينقل إيل املشرتي حق امللكية‪ ،‬واملشرتي تنقل إليه امللكية العينية من املالك القدمي مبجرد التعامل يف سند‬
‫امللكية‪ .‬وأصبح التعامل الذي يتم علي هذه األصول املالية (سندات امللكية) كافيا لكي تنتقل ملكية األصول العينية‬
‫(األرض) من مالك قدمي إيل مالك جديد‪.‬‬
‫ومل يتوقف األمر علي ظهور أصول مالية ابمللكية‪ ،‬بل اكتشفت البشرية أن التبادل عن طريق “املقايضة” ومبادلة‬
‫سلعة عينية بسلعة عينية أخري أمر معقد ومكلف‪ ،‬ومن مث ظهرت فكرة “النقود” اليت هي أصل مايل‪ ،‬مبعين أهنا مبثابة‬
‫“حق” ليس علي أصل بعينه (أرض معينة أو سلعة معينة) وإمنا هي حق علي االقتصاد العيين كله‪ .‬فمن ميلك نقودا‬
‫يستطع أن يبادهلا أبي سلعة معروضة يف االقتصاد‪.‬‬
‫أي أن “النقود” أصبحت أصال ماليا يعطي صاحبه احلق يف احلصول علي ما يشاء من االقتصاد‪ ،‬أي من السلع‬
‫واخلدمات املعروضة يف االقتصاد‪ .‬والنقود يف ذاهتا ليست سلعة‪ ،‬فهي ال تشبع احلاجات‪ ،‬فهي ال تؤكل‪ ،‬وال تشبع حاجة‬
‫امللبس أو املسكن أو غري ذلك من متاع احلياة‪ ،‬فقط االقتصاد العيين من سلع وخدمات يسمح بذلك‪.‬‬
‫ولكن النقود ابعتبارها حقا علي االقتصاد العيين تسمح إبشباع احلاجات احلقيقية مببادلتها مع األصول العينية‬
‫(السلع)‪ ،‬أي أن “النقود” هي أصل مايل أو حق علي األصول العينية‪ ،‬فهي ممثل عن االقتصاد العيين‪ ،‬ولكن وجودها‬
‫والتعامل هبا يساعد علي سهولة التبادل واملعامالت يف السلع العينية‪.‬‬
‫ومل يتوقف تطور “األصول املالية” علي ظهور حق امللكية أو ظهور النقود كحقوق مالية علي موارد عينية حمددة‬
‫أو علي االقتصاد يف جمموعه‪ ،‬بل اكتشفت البشرية أيضا أن الكفاءة االقتصادية تزداد كلما اتسع حجم املبادالت ومل يعد‬
‫مقصورا علي عدد حمدود من األفراد أو القطاعات‪ ،‬فالقابلية للتداول ‪ Negotiability‬ترفع القيمة االقتصادية‬
‫للموارد‪ .‬ومن هنا ظهرت أمهية أن تكون هذه األصول قابلة للتداول‪.‬‬
‫وبشكل عام أتخذ هذه األصول املالية عادة أحد شكلني‪ ،‬فهي إما متثل حق امللكية علي بعض املوارد (أرض‬
‫زراعية أو مصانع أو غري ذلك) أو أتخذ شكل دائنية علي مدين معني (فرد أو شركة)‪ .‬وقد تطورت أشكال األصول‬
‫املالية املمثلة للملكية (األسهم) مع ظهور الشركات املسامهة‪ ،‬كما تطورت أشكال األصول املالية الدائنة (أو املديونية) مع‬
‫تطور األوراق التجارية والسندات‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫وهكذا جاء ظهور األوراق املالية من أسهم وأوراق جتارية وسندات مما زاد من حجم األصول املالية املتداولة واليت‬
‫متثل الثروة العينية لالقتصاد‪ .‬وساعد وجود هذه األصول املالية املتنوعة علي انتشار وتوسع الشركات وتداول ملكيتها‬
‫وقدرهتا علي االستدامة‪.‬‬
‫ولكن األمر مل يقتصر علي ظهور هذه األصول املالية اجلديدة (أسهم وسندات وأوراق جتارية) بل ساعد علي‬
‫انتشار تداوهلا ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه األصول ابمسها وحيث تتمتع بثقة اجلمهور مما أدي إيل زايدة تداول‬
‫هذه األسهم والسندات بني اجلمهور‪.‬‬
‫فمن انحية ظهرت البورصات اليت تتداول فيها هذه األصول املالية مما أعطي املتعاملني درجة من “الثقة” يف‬
‫سالمة هذه األصول املالية‪ ،‬ومن انحية أخري فإن املؤسسات املالية الوسيطة (البنوك بوجه خاص) حني متول األفراد فإهنا‬
‫حتل‪ ،‬يف الواقع‪ ،‬مديونية هذه البنوك اليت تتمتع بثقة كبرية لدي اجلمهور حمل مديونية عمالئها‪ .‬فالعميل يتقدم للبنك‬
‫للحصول علي تسهيل أو قرض‪ ،‬ومديونية هذا العميل للبنك تستند إيل مالءة هذا العميل والثقة فيه‪،‬‬
‫ولكن ما إن حيصل العميل علي تسهيل البنك فإنه يتصرف يف هذا التسهيل كما لو كان نقودا ألن البنوك تتمتع‬
‫بثقة عامة يف االقتصاد‪ .‬وهكذا فإن البنوك حتول املديونيات اخلاصة للعمالء إيل مديونيات عامة تتمتع بثقة كبرية لدي‬
‫اجلمهور فيقبل عليها املتعاملون ألهنم يثقون يف هذه البنوك‪.‬‬
‫وهكذا لعب القطاع املصريف ‪ -‬والقطاع املايل بصفة عامة ‪ -‬دورا هائال يف زايدة حجم األصول املالية املتداولة‬
‫وزايدة الثقة فيها‪ .‬ومن هنا بدأت بوادر أو بذور األزمات املالية وهي بدء انقطاع الصلة بني االقتصاد املايل واالقتصاد‬
‫العيين‪ .‬فالتوسع املايل إبصدار أنواع متعددة من األصول املالية املتنوعة بشكل مستقل عن االقتصاد العيين وأصبحت‬
‫لألسواق املالية حياهتا اخلاصة بعيدا عما حيدث يف االقتصاد العيين‪..‬‬
‫ومن هنا تظهر حقيقة األزمة املعاصرة ابعتبارها أزمة “مالية” ابلدرجة األويل جنمت عن التوسع الكبري يف األصول‬
‫املالية علي حنو مستقل ـ إيل حد كبري ـ عما حيدث يف “االقتصاد العيين”‪،‬‬
‫كيف؟‬
‫يرجع ذلك إيل املؤسسات املالية اليت أسرفت يف إصدار األصول املالية أبكثر من حاجة االقتصاد العيين‪ ،‬ومع هذا‬
‫التوسع الكبري يف إصدار األصول املالية‪ ،‬زاد عدد املدينني‪ ،‬وزاد ابلتايل حجم املخاطر إذا عجز أحدهم عن السداد‪،‬‬
‫وهناك ثالثة عناصر متكاملة ميكن اإلشارة إليها وتفسر هذا التوسع اجملنون يف إصدار األصول املالية‪.‬‬
‫أما العنصر األول فهو زايدة أحجام املديونية أو ما يطلق عليه اسم الرافعة املالية ‪ ، Leverage‬فما هو املقصود‬
‫بذلك؟‬
‫أشران إيل أن هناك نوعني من األصول املالية‪ ،‬أصول متثل امللكية وأصول متثل مديونية‪ ،‬أما األصول اليت متثل‬
‫امللكية فهي أساسا ملكية املوارد العينية من أراض ومصانع وشركات‪ ،‬وهي أتخذ عادة شكل أسهم‪،‬‬
‫وابلنسبة هلذا الشكل من األصول املالية فهناك ـ عادة ـ حدود ملا ميكن إصداره من أصول للملكية‪ ،‬حقا أنه ميكن‬
‫املبالغة إبصدار أسهم بقيم مالية مبالغ فيها عن القيمة احلقيقية لألصول اليت متثلها‪ ،‬ولكن يظل األمر حمدودا‪ ،‬ألنه يرتبط‬
‫‪3‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫بوجود هذه األصول العينية‪ ،‬أما ابلنسبة للشكل اآلخر لألصول املالية وهو املديونية‪ ،‬فيكاد ال توجد حدود علي التوسع‬
‫فيها‪ ،‬وقد ابلغت املؤسسات املالية يف التوسع يف هذه األصول للمديونية‪ ،‬وكانت التجارب السابقة قد فرضت ضرورة‬
‫وضع حدود علي التوسع يف االقرتاض‪،‬‬
‫ومن هنا فقد استقرت املبادئ السليمة للمحاسبة املالية علي ربط حدود التوسع يف االقرتاض بتوافر حد أدين من‬
‫األصول اململوكة‪ ،‬فاملدين جيب أن يتملك حدا أدين من الثروة حيت يستدين‪ ،‬وأن يتوقف حجم استدانته علي حجم‬
‫ملكيته لألصول العينية‪،‬‬
‫ولذلك حددت اتفاقية ابزل للرقابة علي البنوك حدود التوسع يف اإلقراض للبنوك أبال تتجاوز نسبة من رأس املال‬
‫اململوك هلذه البنوك‪ ،‬فالبنك ال يستطيع أن يقرض أكثر من نسبة حمددة ملا ميلكه من رأمسال واحتياطي وهو ما يعرف‬
‫ابلرافعة املالية‪.‬‬
‫ورغم أن البنوك املركزية تراقب البنوك التجارية يف ضرورة احرتام هذه النسب‪ ،‬فإن ما يعرف ابسم بنوك االستثمار‬
‫يف الوالايت املتحدة ال خيضع لرقابة البنك املركزي‪،‬‬
‫ومن هنا توسعت بعض هذه البنوك يف اإلقراض ألكثر من ستني ضعفا من حجم رؤوس أمواهلا كما يف حالة‬
‫‪ ،UBS‬ويقال إن الوضع ابلنسبة لبنك ‪ Lyman‬كان أكرب‪ ،‬وهذه الزايدة الكبرية يف االقرتاض تعين مزيدا من املخاطر‬
‫إذا تعرض بعض املدينني ملشكلة يف السداد كما حدث ابلنسبة لألزمة العقارية‪ ،‬كما سنشري‪.‬‬
‫ولكن ملاذا تتوسع املؤسسات املالية يف اإلقراض واالقرتاض؟‬
‫لسبب بسيط‪ ،‬اجلشع‪ ، greed‬فمزيد من اإلقراض واالقرتاض يعين مزيدا من األرابح‪ ،‬أما املخاطر النامجة عن‬
‫هذا التوسع يف اإلقراض فهي ال هتم جمالس اإلدارة يف معظم هذه البنوك‪ ،‬واليت هتتم فقط ابألرابح قصرية األجل‪ ،‬حيث‬
‫يتوقف عليها حجم مكافآت اإلدارة‪ ،‬ومن هنا ظهرت أرابح مبالغ فيها ومكافآت مالية سخية لرؤساء البنوك‪ ،‬وهكذا‬
‫أدي االهتمام ابلربح يف املدة القصرية إيل تعريض النظام املايل للمخاطر يف املدة الطويلة‪.‬‬
‫ولكن التوسع يف اإلقراض ال يرجع فقط إيل جتاهل اعتبارات احلدود للرافعة املالية لكل مؤسسة‪ ،‬بل إن النظام‬
‫املايل يف الدول الصناعية قد اكتشف وسيلة جديدة لزايدة حجم اإلقراض عن طريق اخرتاع جديد امسه املشتقات املالية‬
‫‪،financial derivatives‬‬
‫وهو اخرتاع ميكن عن طريقه توليد موجات متتالية من األصول املالية بناء علي أصل واحد كما سيتضح من املثال‬
‫الذي سوف نعرضه عن تركيز اإلقراض علي قطاع أو قطاعات حمدودة‪ ،‬فماذا حدث يف هذا اجملال‪ ،‬وهو املرتبط مبا يعرف‬
‫أبزمة الديون العقارية؟‬
‫ولدت األزمة األخرية نتيجة ما أطلق عليه أزمة الرهون العقارية‪ ،‬فالعقارات يف أمريكا هي أكرب مصدر لإلقراض‬
‫واالقرتاض‪ ،‬فاحللم األمريكي لكل مواطن هو أن ميلك بيته‪ ،‬ولذلك فهو يشرتي عقاره ابلدين من البنك مقابل رهن هذا‬
‫العقار‪ ،‬واألزمة بدأت فيما عرف ابلرهون العقارية األقل جودة‪ ، subprime‬فماذا حدث؟‬
‫‪4‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫يشرتي املواطن بيته ابلدين مقابل رهن هذا العقار‪ ،‬مث ترتفع قيمة العقار‪ ،‬فيحاول صاحب العقار احلصول علي‬
‫قرض جديد نتيجة ارتفاع سعر العقار‪ ،‬وذلك مقابل رهن جديد من الدرجة الثانية‪ ،‬ومن هنا التسمية أبهنا الرهون األقل‬
‫جودة‪ ،‬ألهنا رهوانت من الدرجة الثانية‪،‬‬
‫وابلتايل فإهنا معرضة أكثر للمخاطر إذا اخنفضت قيمة العقارات‪ ،‬ولكن البنوك مل تكتف ابلتوسع يف هذه القروض‬
‫األقل جودة‪ ،‬بل استخدمت “املشتقات املالية” لتوليد مصادر جديدة للتمويل‪ ،‬وابلتايل للتوسع يف اإلقراض‪ ..‬كيف؟‬
‫عندما يتجمع لدي البنك حمفظة كبرية من الرهوانت العقارية‪ ،‬فإنه يلجأ إيل استخدام هذه “احملفظة من الرهوانت‬
‫العقارية” إلصدار أوراق مالية جديدة يقرتض هبا من املؤسسات املالية األخري بضمان هذه احملفظة‪ ،‬وهو ما يطلق عليه‬
‫التوريق‪ ، securitization‬فكأن البنك مل يكتف ابإلقراض األويل بضمان هذه العقارات‪،‬‬
‫بل أصدر موجة اثنية من األصول املالية بضمان هذه الرهون العقارية فالبنك يقدم حمفظته من الرهوانت العقارية‬
‫كضمان لالقرتاض اجلديد من السوق عن طريق إصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة ابحملفظة العقارية‪ ،‬وهكذا فإن‬
‫العقار الواحد يعطي مالكه احلق يف االقرتاض من البنك‪ ،‬ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن حمفظة أكرب‪،‬‬
‫لالقرتاض مبوجبها من جديد من املؤسسات املالية األخري‪،‬‬
‫وهذه هي املشتقات املالية‪ ،‬وتستمر العملية يف موجة بعد موجة‪ ،‬حبيث يولد العقار طبقات متتابعة من اإلقراض‬
‫أبمساء املؤسسات املالية واحدة بعد األخري‪ ،‬هكذا أدي تركز اإلقراض يف قطاع واحد “العقارات” علي زايدة املخاطر‪،‬‬
‫وساعدت األدوات املالية اجلديدة “املشتقات” علي تفاقم هذا اخلطر بزايدة أحجام اإلقراض موجة تلو املوجة‪.‬‬
‫وأييت العنصر الثالث واألخري وهو نقص أو انعدام الرقابة أو اإلشراف الكايف علي املؤسسات املالية الوسيطة‪ .‬حقا‬
‫ختضع البنوك التجارية يف معظم الدول لرقابة دقيقة من البنوك املركزية‪،‬‬
‫ولكن هذه الرقابة تضعف أو حيت تنعدم ابلنسبة ملؤسسات مالية أخري مثل بنوك االستثمار ومساسرة الرهون‬
‫العقارية أو الرقابة علي املنتجات املالية اجلديدة مثل املشتقات املالية أو الرقابة علي اهليئات املالية اليت تصدر شهادات‬
‫اجلدارة االئتمانية‪ ،‬وابلتايل تشجع املستثمرين علي اإلقبال علي األوراق املالية‪.‬‬
‫وقد تكاتفت هذه العناصر علي خلق هذه األزمة املالية‪ ،‬ومل يقتصر أثرها علي التأثري علي القطاع املايل بزايدة‬
‫حجم املخاطر نتيجة للتوسع احملموم يف األصول املالية‪ ،‬بل إنه هدد أحد أهم عناصر هذا القطاع وهو “الثقة”‪ ،‬فرغم أن‬
‫العناصر الثالثة املشار إليها ـ زايدة االقرتاض‪ ،‬وتركيز املخاطر‪ ،‬ونقص الرقابة واإلشراف ـ كافية إلحداث أزمة عميقة‪،‬‬
‫فإن األمور تصبح أكثر خطورة إذا فقدت الثقة أو ضعفت يف النظام املايل الذي يقوم علي ثقة األفراد‪ ،‬ويزداد‬
‫األمر تعقيدا نتيجة للتداخل بني املؤسسات املالية يف خمتلف الدول‪ ،‬فجميع املؤسسات املالية ـ وبال استثناء ـ تتعامل مع‬
‫بعضها البعض‪ ،‬وأي مشكلة عويصة تصيب إحدي هذه املؤسسات‪ ،‬البد أن تنعكس بشكل مضاعف علي بقية النظام‬
‫املايل العاملي “العوملة”‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫وهكذا جند أن األزمة املالية احلالية هي نتيجة للتوسع غري املنضبط يف القطاع املايل يف الوالايت املتحدة ومن ورائه‬
‫يف بقية دول العامل املتقدم‪ ،‬والسؤال‪ :‬هل ميكن التجاوز عن هذا االقتصاد املايل أبدواته املتعددة ومؤسساته الكثرية؟‬
‫لألسف ال ميكن‪.‬‬
‫األصول املالية أصبحت مثل الدورة الدموية يف اجلسم‪ ،‬فال يكفي أن يكون يف جسم اإلنسان أعضاء رئيسية مثل‬
‫القلب واملعدة والرئتني‪ ،‬بل البد من دورة ددموية تنقل الغذاء وتطلق احلركة يف جسم اإلنسان‪ ،‬وهكذا أصبح االقتصاد ال‬
‫يكتفي ابملصانع واألراضي الزراعية‪ ،‬بل إن ما حيركها هو أصول مالية مثل األسهم والسندات والنقود‪ ،‬وهناك االدخار‬
‫واالستثمار الذي يتحقق من خالل أدوات مالية‪ ،‬ولذلك فإن عالج األزمة املالية ضروري وال ميكن جتاهله‪.‬‬
‫األزمة احلالية‬
‫بداية األزمة اجلديدة انطلقت مع إعالن مؤسسة مالية عمالقة‪ ،‬هي "ليمان براذرز" عن إفالسها الوقائي‪ ،‬وهذه‬
‫كانت بداية رمزية خطرة‪ ،‬ألن هذه املؤسسة العريقة كانت من الشركات القليلة اليت جنت من مذحبة الكساد الكبري يف‬
‫عام ‪ ،1929‬وتعترب من أقدم املؤسسات املالية األمريكية‪ ،‬اليت أتسست يف القرن التاسع عشر‪ ،‬وهذا ما أ ّكـد تنبُّـؤات ألن‬
‫غرسيبان‪ ،‬رئيس االحتياطي الفدرايل األمريكي السابق‪ ،‬أبن مؤسسات مالية ُكـربى جديدة ستسري على درب "ليمان‬
‫براذرز"‪.‬‬
‫جذور األزمة‬
‫لكن‪ ،‬ما أسباب هذه األزمة؟‬
‫وهل هي عابرة سببها اضطراب سوق العقار أو انفصال االقتصاد املايل عن االقتصاد احلقيقي أو اخنفاض‪ ،‬مث‬
‫"جمرد حركة تصحيحية يف األسواق املالية"‬
‫ارتفاع أسعار الفائدة أو ّ‬
‫أم أهنا معضلة بنيوية (كما ترى "فاينانشال اتميز" الرأمسالية) سببها األعمق العوملة النيو ‪ -‬ليربالية املنفلتة من عقاهلا‬
‫ُ‬
‫تتوسع يف داخل الدول بني الفقراء واألغنياء‪ ،‬والتضخم الكبري يف أسعار املواد الغذائية والطاقة؟‬
‫والفجوة اليت ال تين ّ‬
‫الراهنة متفردة‪ .‬كيف؟‬
‫األزمة ّ‬
‫مرت املراكز الرأمسالية الكربى‪ ،‬خاصة‬
‫خالل حقبة العوملة النيو ‪ -‬ليربالية اليت بدأت يف سبعينات القرن العشرين‪ّ ،‬‬
‫الوالايت املتحدة‪ ،‬بعملية "ال تصنيع" أو نزع التصنيع (‪ ،)deindustrialization‬انتقلت مبوجبها الرأمسالية الغربية‬
‫امللوثة إىل‬
‫من االعتماد على األسواق احمللية ‪ -‬القومية إىل الشكل املُـتعومل احلايل من العوملة عرب نقل الصناعات الثقيلة ّ‬
‫الصني واهلند وغريمها‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫وترافق ذلك مع "حترير" أسواق املال ونزع كل القيود املنظَمة هلا‪ ،‬مما ّأدى إىل هجرة مجاعية للرساميل إىل "اجلنّات‬
‫اآلسيوية" وأيضا إىل تقسيم عمل دويل جديد‪:‬‬
‫التكنولوجيا املتطورة والبحث والتطوير والسلع "اخلاصة" (اخلدمات املالية) يف املراكز الرأمسالية والعمليات الصناعية‬
‫التقليدية يف األطراف‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ِّ‬
‫توسـع هائل لألسواق املالية اليت‬
‫هذا التطور مل ّ‬
‫يؤد فقط إىل خلق بطالة واسعة النّطاق يف الغرب‪ ،‬بل أيضا إىل ّ‬
‫تعوملت بسرعة‪ ،‬فبات القطاع املايل يف بريطانيا‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬مسؤوال عن نصف النمو االقتصادي‪ ،‬وكذا األمر‬
‫ابلنسبة للقطاع املايل – العقاري يف أمريكا حىت عام ‪ ،2006‬وكِّـال القطاعني اعتمدا بشكل كامل على املضاربة وليس‬
‫على االقتصاد احلقيقي‪.‬‬
‫بدأت األزمة بعد تزايد حدة قلق املتعاملني يف أسواق املال بشأن الظروف اليت متر هبا أسواق االئتمان يف العامل‬
‫واليت أرجع احملللون معظمها إىل املشاكل اليت تعرضت هلا سوق اإلقراض العقاري األمريكي املعروفة ابسم "ساب برامي"‬
‫واليت متنح للرا غبني يف السكىن من دون االشرتاط أبن يكون للمقرتض سجل مايل قوي‪ ،‬واليت سامهت يف تدهور أسعار‬
‫األسهم بشكل ملحوظ خالل الفرتة املاضية‪ ،‬وقد كانت أسهم القطاع املصريف وعلى وجه التحديد بنوك يو يب إس‪،‬‬
‫وإتش إس يب سي‪ ،‬وابركليز قاطرة االهنيار يف أسعار األسهم‪ ،‬حيث كانت هي األكثر تضررا خالل األزمة‪ ،‬وهو أمر‬
‫لفت أنظار احملللني املاليني الذين فسروا ذلك أبن املستثمرين يف البورصة ال يعرفون أي البنوك معرضة ملشكالت االئتمان‬
‫العقاري ومدى خسائرها احملتملة‪ ،‬فبدأ اجلميع يف البيع بشكل هستريي‪.‬‬
‫وعلى هذا الصعيد علقت قرابة ‪ 70‬شركة رهن عقاري أمريكية عملياهتا وأعلنت إفالسها أو عرضت للبيع منذ‬
‫بداية العام املاضي ‪ 2006‬وحىت اآلن‪ ،‬وذكرت شركة "كونرتي فاينانشيال" أن مصاعب سوق الرهن العقاري أصبحت‬
‫هتدد أرابحها ووضعها املايل جداي‪ ،‬وأخريا أعلنت شركة "هوم مورجتيج إنڤستمنت" إفالسها‪ ،‬واخنفضت اإليرادات ربع‬
‫السنوية لشركة "تول بروذرز" العقارية‪ ،‬وأعلنت شركة هوم ديبو العاملة يف اجملال العقاري توقع تراجع أرابحها أيضا بسبب‬
‫تراجع سوق العقارات السكنية‪.‬‬
‫وعلى الرغم من كل اإلجراءات إال أن هذا مل يؤد إىل منع انتشار الظاهرة عامليا‪ ،‬واليت عربت عن نفسها يف تراجع‬
‫أسواق املال يف كل من اتيالند وماليزاي وهونج كونج وإندونيسيا وكوراي وسنغافورة واتيوان كان تراجع سوق الصني أقل من‬
‫نظرياهتا اآلسيوية حيث أعلنت البنوك يف الصني أهنا ال متتلك استثمارات مرتبطة مبشكالت الرهن العقاري األمريكي‪ ،‬ويف‬
‫أورواب وصف احملللون املاليون األزمة هناك أبهنا أزمة خطرية هتدد النظام املايل األورويب ولكنها ليست كارثية‪ ،‬وقد تراجعت‬
‫أسواق السويد وهولندا والنرويج وبلجيكا والنمسا والدمنارك وفنلندا واخنفض مؤشر فاينانشيال اتميز الربيطاين وداكس‬
‫األملاين وكاك ‪ 40‬الفرنسي وڤوسيت الربيطاين وميبتل اإليطايل وتوبكس األوسع نطاقا والذي سجل أدىن نقطة منذ نوفمرب‬
‫من العام املاضي ‪ 2006‬ومؤشر نيكاي الياابين الذي أقفل عند أقل معدل له منذ مثانية أشهر‪ ،‬وذلك بعد أن‬
‫‪7‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫انعكست مشاعر املستثمرين املضطربة بشكل واضح على مؤشر داو جونز الصناعي الذي اهتز بعنف لينخفض إىل‬
‫مستوايت أدىن من حاجز الـ ‪ 13000‬نقطة‪ ،‬بينما فقد مؤشر انسداك حنو ‪ 1.7‬من قيمته‪.‬‬
‫مكمن اخللل‬
‫لكن أين مكمن اخللل‪:‬‬
‫فقد شهدت القروض املوجهة لضعيفي املالءة طفرة يف أمريكا خالل األعوام األخرية ومل يكن هناك ما هو أسهل‬
‫من احلصول على قرض سكين‪.‬‬
‫فإذا كانت اجلدارة االئتمانية لطالب القرض متدنية أو كان لديه اتريخ ابإلفالس‪ ،‬فهذا ال يهم‪ .‬وإذا كان دخله‬
‫متدنيا إىل حد ال يكفي للتأهل للحصول على قرض‪ ،‬فكل ما عليه أن يفعله هو حماولة احلصول على القرض من خالل‬
‫تعبئة طلب خاص "يصرح فيه عن دخله" ( ويكتفي البنك بذلك وإن كان يتعني عليه التحقق من بيان الدخل )‪.‬‬
‫وإ ذا كان طالب القرض يشعر ابلتوتر من أن اجلهة املقرضة ميكن أن تستعلم عن "الدخل املصرح" فكل ما عليه‬
‫هو زايرة موقع شركة معينة على اإلنرتنت ومقابل رسوم مقدارها ‪ 55‬دوالرا سيساعدك املأمورون العاملون يف هذه الشركة‬
‫الصغرية ( مقرها والية كاليفورنيا ) يف احلصول على قرض بتوظيفك على أنك "مقاول مستقل"‪ .‬وسيعطونك إشعارات‬
‫ابلرواتب لتكون "دليال" على الدخل‪ ،‬وإذا دفعت رمسا إضافيا مقداره ‪ 25‬دوالرا فإهنم يضعون مأموري اهلاتف الذين‬
‫يردون على املكاملات وجييبون أجوبة تعطي عنك صورة براقة إذا احتاج البنك إىل االستفسار عن وضعك‪.‬‬
‫لعل أكثر جانب سقيم ابلنسبة لسوق القروض لضعيفي املالءة يف السنوات األخرية هو أن اجلهات املقرضة بلغت‬
‫من السخاء يف تزويد القروض للمقرتضني الفقراء حدا جعل القلة القليلة منها فقط هي اليت تقوم ابالستفسارات إن‬
‫فعلت ذلك أصال‪.‬‬
‫‪ 3‬أسباب رئيسة وراء تراجع البورصات العاملية‬
‫زادت األمور توترا بعد فشل بنكي االحتياطي الفيدرايل األمريكي‪ ،‬والبنك املركزي األورويب يف التخفيف من حدة‬
‫تراجع املؤشرات على الرغم من ضخ حنو ‪ 121.6‬مليار دوالر لطمأنة املستثمرين ووقف نزيف الرتاجع‪ ،‬حيث إنه‬
‫خالل يوم واحد من التعامل فقد مؤشر داو جونز قرابة ‪ 400‬نقطة يف حني تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز بواقع‬
‫‪ 150‬نقطة‪.‬‬
‫ العامل األول‪ ..‬توسع املؤسسات املالية يف منح االئتماانت عالية املخاطر للشركات واملؤسسات العاملة يف جمال‬‫الرهن العقاري‪ ،‬واليت ال تتوافر لديها الضماانت املالية الكافية لسداد التزاماهتا جتاه اجلهات املقرضة ووصل األمر إىل حد‬
‫معاانة هذه اجلهات من عدم توافر السيولة الالزمة لتمويل أنشطتها‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫• العامل الثاين يكمن يف عدم قدرة مؤسسات التمويل العقاري على القيام بعمليات االستحواذ اليت أعلنت عنها‬
‫احلكومة األمريكية أخريا‪ ،‬وذلك بسبب عدم توافر التمويل الالزم للقيام هبذه العمليات‪ ،‬وهو ما أعطى مؤشرا سلبيا ألداء‬
‫االقتصاد األمريكي‪.‬‬
‫• العامل الثالث الذي كان له ابلغ األثر يف تراجع البورصات األمريكية هو عجز احلكومة عن توفري فرص العمل‬
‫اليت كانت قد أعلنت عنها يف وقت سابق‪ ،‬مما ولد شعورا لدى املستثمرين أبن أكرب اقتصاد على مستوى العامل مير أبزمة‬
‫حقيقية‪ ،‬ومن املعروف أن أسواق املال ابلغة احلساسية ملثل هذه املؤشرات فكان الرتاجع احلاد يف كافة مؤشرات‬
‫البورصات األمريكية‪.‬‬
‫ومن املعروف أن السوق األمريكية ترتبط ارتباطا عضواي ابالقتصاد األورويب واآلسيوي‪ ،‬مبعىن أن الشركات الصناعية‬
‫يف هذه الدول تعتمد بنسبة تتعدى ‪ 70%‬على ترويج منتجاهتا داخل السوق األمريكية‪ ،‬ويف حالة تراجع نشاط‬
‫االقتصاد األمريكي تعاين هذه الشركات من اخنفاض حجم مبيعاهتا وتراجع رحبيتها‪ ،‬وعندما تظهر مؤشرات على هذا‬
‫الرتاجع مثلما حدث خالل األسابيع املاضية تبدأ البورصات العاملية يف االحندار والتقهقر‪ ،‬نظرا ألن صناديق االستثمار‬
‫ومؤسسات رأس املال تبدأ يف التخلص عما حبوذهتا من أسهم‪ ،‬وتزداد عمليات البيع يف كافة أسواق املال مما يؤدي إىل‬
‫تراجع القيمة السوقية لألسهم واخنفاض أسعارها على املستوى العاملي‪ ،‬أخذا يف االعتبار أن مؤسسات املال العاملية سواء‬
‫كانت أمريكية أو أوروبية حترص على تنويع حمافظها املالية عن طريق االستثمار يف كافة بورصات األوراق املالية مبا فيها‬
‫البورصات الناشئة‪ ،‬وذلك لتقليل درجة املخاطر املرتتبة على تراجع األسهم يف أي من البورصات العاملية‪.‬‬
‫والعاصفة مل هتدأ بعد تواصل اقتالع مؤسسات أخرى يف مقدمتها “اجملموعة األمريكية العاملية” اليت تعد واحدة‬
‫من أكرب شركات التأمني يف العامل اليت بدأت ترتنح مع خسارة أسهمها لنحو ‪ 61‬يف املائة من قيمتها‪.‬‬
‫كما أن أعراض العدوى بدأت تصيب عددا من املؤسسات األخرى حيث خسر بنك “واشنطن ميوتوال” ‪27‬‬
‫يف املائة من قيمة أسهمه ونزلت قيمة أسهم جنرال إليكرتيك بنسبة ‪ 8‬يف املائة ومتلك اخلوف ابقي البنوك اليت بدأت‬
‫تضيق اخلناق على عمليات اإلقراض مما يهدد احملرك الرئيسي لالقتصاد األمريكي املتمثل يف االئتمان فيما بلغ الدوالر‬
‫أضعف حاالته أمام الني الياابين منذ حنو ‪ 10‬سنوات‪.‬‬
‫وتراجعت أسهم سييت جروب‪ ،‬أكرب بنوك أمريكا‪ ،‬بنسبة ‪ 15‬يف املائة ليصل سعر السهم إىل ‪ 15 .24‬دوالر يف‬
‫أقل مستوى له منذ عام ‪ ،2002‬وتاله بنك أوف أمريكا بنسبة ‪ 21‬يف املائة ليصل إىل ‪ 26 .55‬دوالر‪ ،‬وهو أقل‬
‫سعر له منذ يوليو‪/‬متوز ‪ 1982‬بعد أن قبل شراء مرييل لينش مقابل ‪ 50‬مليار دوالر‪ ،‬وخسرت أسهم أمريكان‬
‫إكسربيس‪ ،‬أكرب شركات بطاقات االئتمان األمريكية‪ 8 .9 ،‬يف املائة من قيمتها ليصل سعر الواحد منها إىل ‪35 .48‬‬
‫دوالر‪.‬‬
‫كما هبطت أسهم غولدمان ساكس بنسبة ‪ 12‬يف املائة وتراجعت أسهم جي يب مورغان تشيس آند كومباين‬
‫بنسبة ‪ 10‬يف املائة‪ .‬أما م ورغان ستانلي‪ ،‬أكرب شركات التعامل يف األوراق املالية للخزانة األمريكية‪ ،‬فقد هبطت أسهمها‬
‫بنسبة ‪ 14‬يف املائة‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫اختفاء ‪ 11‬بنكا‬
‫وقد أدت األزمة حىت اآلن إىل اختفاء ‪ 11‬بنكا من الساحة‪ ،‬من بينها بنك إندي ماك الذي يستحوذ على‬
‫أصول بقيمة ‪ 32‬مليار دوالر وودائع تصل إىل ‪ 19‬مليار دوالر‪.‬‬
‫وتوقع كريستوفر والني‪ ،‬العضو املنتدب لشركة أحباث “حتليالت املخاطر املؤسسية” أن يتم إغالق ما يقرب من‬
‫‪ 110‬بنوك تصل قيمة أصوهلا إىل حوايل ‪ 850‬مليار دوالر وذلك حبلول منتصف العام القادم‪.‬‬
‫ويصل العدد اإلمجايل ملؤسسات املال الواقعة حتت مظلة التأمني الفيدرايل إىل ‪ 1800‬مؤسسة تستحوذ كلها‬
‫على ما يقرب من ‪ 13‬تريليون دوالر من األصول واملمتلكات ‪.‬‬
‫يذكر أن إمجايل الدين احلكومي الداخلي واخلارجي يف الوالايت املتحدة قد بلغ حىت اآلن أكثر من ‪ 11‬تريليون‬
‫دوالر‪ .‬وأتيت الصني يف مقدمة الدول الدائنة للوالايت املتحدة حيث قدمت ما يقرب من ‪ 450‬مليار دوالر وتليها‬
‫بريطانيا مث الياابن مث السعودية‪.‬‬
‫كما أن العجز يف املوازنة األمريكية بلغ ‪ 450‬مليار دوالر بينما زاد العجز التجاري عن ‪ 65‬مليار دوالر‪.‬‬
‫يذكر أيضا أن القيمة السوقية لـ‪ 8‬مؤسسات مالية عاملية تراجعت بنحو ‪ 574‬مليار دوالر خالل فرتة عام واحد‬
‫فقط كانعكاس للتدهور الذي تشهده األسواق العاملية والذي أتثر به القطاع املصريف واملايل بشكل أكرب‪.‬‬
‫على أية حال فان األزمة الراهنة هي يف الواقع جزء من أزمات أكرب ضربت النظام املايل األمريكي يف السنوات‬
‫األخرية وكانت فد بدأت ابنفجار فقاعة “الدوت كوم” إىل ذوابن قطاع العقارات‪ ،‬وانتهاء‪ ،‬اآلن‪ ،‬إبفالس مصارف‬
‫كربى كانت معتمدة على هذين القطاعني‪.‬‬
‫عالقة أزمة االئتمان العاملي بصناديق التحوط‬
‫لقد كشفت هذه األزمة شيئا جديدا عن طبيعة االقتصاد الرأمسايل‪ ،‬األمريكي حتديدا‪ ،‬وهو السعي جلين األرابح‬
‫اهلائلة والسريعة من خالل اجملازفة‪ ،‬ليس على أساس إنتاج حقيقي‪.‬‬
‫بعد األزمة املالية الكبرية اليت جتلت يف اهنيار مؤشر التكنولوجيا املتطورة "انسداك" عام ‪ ،2000‬على خلفية‬
‫التالعب يف سجل حساابت الشركات وتوقعات ومهية ابلنسبة لقدرة االنرتنت على إحداث منو اقتصادي غري حمدود‪،‬‬
‫فقد وجد رأس املال جماال آخر لزايدة أرابحه‪ ،‬هو جمال االئتمان والقروض‪.‬‬
‫غري أن الفارق بني اجملالني نوعي وخطري‪.‬‬
‫ففي حني اعتمد جمال االنرتنت على منتجات حقيقية ووعد بثورة اقتصادية‪ ،‬يعتمد جمال االئتمان على املقامرة يف‬
‫أسواق املال متاما كما حيدث يف الكازينو‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫هذا الكازينو عبارة عن مؤسسات مالية خنبوية تُعرف ابسم "صناديق التحوط)‪ ،" (Hedge Funds‬وهي‬
‫ليست مفتوحة لعامة الشعب‪ ،‬بل لألثرايء فقط‪ .‬كل صندوق ميكن أن يستوعب ‪ 500‬مستثمر كأقصى حد‪ ،‬يدفع كل‬
‫منهم رسوم اشرتاك بقيمة مليون دوالر كأدىن حد‪ .‬ويصل اجر مدير الصندوق إىل ‪ %2-1‬من قيمة األصول‬
‫)‪(assets‬و‪ %20‬من األرابح‪ .‬واالهم أن صندوق التحوط غري مسجل‪ ،‬وال خيضع للرقابة مثل صناديق االستثمار‬
‫العادية‪.‬‬
‫السيولة النقدية اهلائلة واملكسب السريع‪ ،‬قادا النتشار ظاهرة صناديق التحوط يف أحناء العامل‪ ،‬حىت ابتت توصف‬
‫أبهنا مالكة الكون‪ ،‬إذ تسيطر على ثلث مداوالت األسهم‪ ،‬وحبوزهتا أصول بقيمة ‪ 2‬تريليون دوالر (تريليون يساوي ألف‬
‫مليار)‪ .‬يف عام ‪ 2006‬وصلت أجور بعض مدراء صناديق التحوط الرئيسية إىل مليار دوالر‪.‬‬
‫تعمل هذه الصناديق على أساس االقرتاض من مؤسسات مالية كالبنوك أبسعار فائدة منخفضة‪ ،‬مث تستثمر هذه‬
‫األموال مقابل فوائد مرتفعة وتربح من الفرقية بني القيمتني‪ ،‬وهو ما يسمى "الرفع املايل"‪.‬‬
‫حول هذه الطريقة وأتثريها على عوملة األزمة‪ ،‬يكتب اخلبري االقتصادي كينيث روجوف يف موقع "االقتصادية"‬
‫االلكرتوين (‪:)9/13‬‬
‫"إن صناديق التحوط اقرتضت مئات مليارات الدوالرات أبسعار فائدة منخفضة للغاية من الياابن‪ ،‬مث استثمرت‬
‫أرابحها يف بلدان مثل الربازيل وتركيا‪ ،‬حيث أسعار الفائدة مرتفعة‪ .‬وطاملا ظل الني ضعيفا فان هذه االسرتاتيجية‬
‫االستثمارية ستظل تعمل وكأهنا ماكينة نقود‪ .‬ولكن إذا ما ارتفع سعر الني بصورة حادة‪ ،‬كما قد حيدث بسهولة نظرا‬
‫للفائض اهلائل لد ى الياابن يف حساهبا اجلاري‪ ،‬فلسوف تتحمل بعض صناديق التحوط خسائر مالية فادحة وتنهار‬
‫التجارة احململة على الني بصورة عنيفة ‪".‬‬
‫تدر أرابحا خيالية‪.‬‬
‫استثمرت صناديق التحوط مبا صار يعرف ب"األدوات املالية" اليت ّ‬
‫فما هي هذه األدوات وما عالقتها أبزمة االئتمان العقاري اليت هتدد العامل؟‬
‫يُقصد ابألدوات املالية ما يسمى ب"مشتقات االئتمان"‪ ،‬وهي عملية حتويل القروض املختلفة‪ ،‬مثل قرض الرهن‬
‫العقاري وغريه‪ ،‬إىل سندات ميكن تداوهلا يف األسواق املالية‪.‬‬
‫إحدى هذه "األدوات املالية" كان التداول بسندات معتمدة على القروض املمنوحة يف سوق القروض العقارية‬
‫الثانوية ‪ (subprime).‬خالفا لسوق القروض الرئيسية‪ ،‬تقوم شركات القروض يف السوق الثانوية مبنح قروض‬
‫مسهلة لزابئن ال يتمتعون بتاريخ ائتماين جيد‪ ،‬مبعىن أهنم حيصلون على قروض دون دفع أي سلفة‬
‫إسكان (ماشكانتا) َّ‬
‫ودون إثبااتت موثّقة حول أحجام وقيم أجورهم وممتلكاهتم‪.‬‬
‫املهم تشجيعهم على االقرتاض جلباية أرابح من الفوائد‪.‬‬
‫ووصلت قيمة سندات هذه السوق منذ عام ‪ 2000‬إىل ‪ 1,8‬تريليون دوالر‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫وقد قام صندوقا التحوط التابعان لشركة "بري‪-‬سترينز"‪ ،‬البنك االستثماري النيويوركي‪ ،‬جبمع مئات ماليني‬
‫الدوالرات من مستثمرين أثرايء‪ ،‬واقرتضا أضعاف املبلغ من البنوك الكبرية يف وول سرتيت‪ ،‬وبدآ التداول بسندات سوق‬
‫القروض العقارية الثانوية‪ ،‬حىت أعلنا إفالسهما ‪.‬‬
‫ومل تتوقف اجملازفة عند حد االستثمار يف سندات قروض أُعطيت بال ضماانت‪ ،‬بل حدث ما هو اخطر‪.‬‬
‫احد "املشتقات االئتمانية" األخرى‪ ،‬اليت من شأهنا أن تفسر حجم خطورة املقامرة اليت دخلت فيها صناديق‬
‫التحوط‪ ،‬هو الرهان حىت على انقباض سوق االئتمان‪ ،‬وعلى تراجع قيمة األوراق املالية املدعومة أبصول واملعروفة ابسم‬
‫"التزامات الدين املضمونة"‪ ،‬ومن ضمنها القروض السكنية يف السوق الثانوية‪.‬‬
‫وقد نشرت "االقتصادية" أن احد مدراء صناديق التحوط راهن على خسارة مؤشر أي‪ .‬يب ‪.‬اكس‪ .‬للسندات‬
‫القائمة على قروض الرهن العقاري يف السوق الثانوية‪ ،‬واستطاع حتقيق الربح حني اهنارت أسعار السندات املذكورة‪.‬‬
‫كيف حقق ذلك؟‬
‫يشري املصدر إىل أن هذا املدير اشرتى عقود أتمني حلماية ‪ 30‬سندا ضد احتمال العجز عن سداد القروض‪،‬‬
‫ودفع فعليا ‪ %0.6‬من قيمة السندات يف السنة‪.‬‬
‫يزيد املصدر انه "يف حال مت اسرتجاع القروض يكون قد خسر مبلغ التأمني الذي دفعه فقط‪ ،‬وقيمته ‪ %0.6‬يف‬
‫السنة‪ ،‬أما العائد احملتمل إذا عجزت املؤسسات عن تسديد قيمة مجيع السندات فسيكون ‪.%100‬‬
‫وهو يتوقع اآلن على خلفية أزمة االئتمان أن يربح بنسبة ‪ %100‬على حنو ‪ 20‬سندا"‪ .‬وتشري قصة هذا املدير‬
‫إىل أن هناك من يربح ‪ %100‬على استثماراته‪ ،‬بينما ال توفر البنوك العادية للمستثمر العادي فائدة أكثر من ‪%.4‬‬
‫يف حني قاد اهنيار بورصة األسهم يف جمال التكنولوجيا املتطورة عام ‪ ،2000‬إىل موجة استياء وعدم ثقة اجلمهور‬
‫هبذه الشركات‪ ،‬فان األزمة الراهنة يف سوق االئتمان تؤدي إىل انعدام الثقة بني البنوك نفسها‪.‬‬
‫ال احد من البنوك يستعجل إلقراض البنك اآلخر‪ ،‬ألنه ال يعرف ما وضعه املايل احلقيقي‪ ،‬علما أن بنوكا مهمة‬
‫عديدة شاركت بدرجات خمتلفة يف االستثمار يف سوق الرهن العقاري الثانوي من خالل صناديق التحوط اخلاصة هبا‪،‬‬
‫واليت كما أسلفنا ال ختضع ألية رقابة وال ميكن معرفة القيمة احلقيقية الستثماراهتا‪ ،‬خاصة على ضوء األزمة ‪.‬‬
‫املنطق وراء رفض اإلدارة األمريكية فرض الرقابة على صناديق التحوط اليت احتلت البورصة وابتت هتدد السوق‬
‫ضختها هذه الصناديق للبورصة مسحت ابنتعاشها‪.‬‬
‫العاملية‪ ،‬هو أن املبالغ اليت ّ‬
‫ولكن احلقيقة أن هذه الصناديق بدأت تلعب وتقامر ابالئتمان نفسه الذي يش ّكل ركنا أساسيا يف االقتصاد‬
‫األمريكي‪ ،‬وحولت الرهان على الديون بكل أشكاهلا إىل مصدر أساسي للربح‪.‬‬
‫حمركا أساسيا للنمو‬
‫ومل أيت هذا الرهان من فراغ‪ ،‬بل من الواقع األمريكي الغريب الذي يرى يف االئتمان ّ‬
‫االقتصادي‪.‬‬
‫العائلة األمريكية مضطرة لالقرتاض ابستمرار لرفع مستوى معيشتها‪ ،‬ويتم تشجيعها طول الوقت على االستهالك‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫خالل األزمة األخرية مثال‪ ،‬رهنت عا ئالت بيوهتا بعد أن ارتفعت قيمتها بسبب الفقاعة‪ ،‬لدى شركات الرهن‬
‫العقاري‪ ،‬وحصلت ابملقابل على مبالغ تسمح هلا بدفع رسوم تعليم أبنائها يف اجلامعة‪ ،‬شراء سيارة جديدة‪ ،‬شراء أدوات‬
‫منزلية مثل الشاشات التلفزيونية احلديثة‪.‬‬
‫الطبقة الوسطى األمريكية مديونة لشركات االئتمان املختلفة اليت تفرعت يف شىت اجملاالت من العالج الصحي‪،‬‬
‫التعليم العايل‪ ،‬السيارات‪ ،‬املشاريع االقتصادية الصغرية وحىت حاجات االستهالك اليومي ‪.‬‬
‫من وراء هذه السياسة يقف أصحاب رؤوس األموال‪ ،‬كالكواسر حتوم يف اجلو وتراهن اترة لصاحل شركات‬
‫االئتمان‪ ،‬واترة أخرى تراهن على عجزها عن جباية استحقاقاهتا‪.‬‬
‫مرة تغري املواطن األمريكي ابستثمار توفرياته يف البورصة‪ ،‬كما كان احلال يف التسعينات‪ ،‬وعندما فقد كل ما‬
‫ميتلكه‪ ،‬تدفعه ألخذ قرض دون ضماانت على أن يدفع مقابله فوائد عالية‪.‬‬
‫يف املرة األوىل سرق رأس املال من املواطن كل ماله‪ ،‬ويف املرة الثانية يُقرضه من ماله املسروق‪ ،‬وجييب منه فائدة‬
‫عالية‪ ،‬حىت يعجز عن السداد فيصادر منه بيته‪.‬‬
‫يف كلتا احلالتني يستفيد رأس املال الذي يعيش من املقامرة على حساب اإلنسان البسيط‪.‬‬
‫األزمة الراهنة ليست سوى امتداد طبيعي لالزمة اليت سبقتها‪ ،‬فالنظام الرأمسايل مل خيرج من حمنته بل ال يزال يغرق‬
‫فيها‪ .‬أهنا أزمة أخالقية‪ ،‬اجتماعية وسياسية يف آن واحد‪.‬‬
‫أن من يسيطر على العامل اقتصاداي ال يرى فائدة يف االستثمار يف االقتصاد احلقيقي الذي خيلق ثروة حقيقية ومينح‬
‫العامل أساسا ماداي للحياة‪ .‬أن االستثمار احلقيقي يستوجب احرتام حقوق العامل وتوفري اجر حمرتم له‪ ،‬وهذا ال يضمن‬
‫لألثرايء أرابح ‪ 100‬يف املائة كما يريدون‪ .‬أن هذا النظام ميتص دماء البشرية‪ ،‬يسلب من العامل توفرياته الضئيلة اليت‬
‫ميكن أن تضمن له مستقبله‪ ،‬مث أيخذ منه بيته‪ ،‬مكان عمله وكرامته‪.‬‬
‫خطة اإلنقاذ األمريكية‬
‫وزارة اخلزانة األمريكية كشفت تفاصيل اخلطة احلكومية إلنقاذ القطاع املصريف يف الوالايت املتحدة وذلك بعد‬
‫اإلعالن عن رصد ‪ 700‬مليار دوالر لتنفيذها‪.‬‬
‫وجاء يف بيان لوزارة اخلزانة إن اخلطة تتيح لوزير اخلزانة هنري بولسون ابلتنسيق مع رئيس االحتياط الفيدرايل (‬
‫البنك املركزي األمريكي) احلصول على الصالحية اليت ختوله شراء أصول بنوك وشركات ومؤسسات مالية أخرى طاملا كان‬
‫ذلك ضروراي لتثبيت األسواق املالية‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫لكن اخلطة اليت وصفها بوش أبهنا “ضخمة ألن املشكلة هائلة” سرتفع سقف الدين األمريكي العام من مستوى‬
‫‪ 10.6‬إىل ‪ 11.3‬تريليون دوالر وهو ما من شأنه أن يزيد الضغوط بشكل كبري على جممل االقتصاد األمريكي الذي‬
‫يعاين بشدة من نزيف السيولة بسبب احلرب يف العراق وأفغانستان‪.‬‬
‫ويف حماولة الحتواء االضطراابت يف أسواق املال‪ ،‬أعلنت وزارة اخلزانة األمريكية أيضا أهنا ستدعم بـ ‪ 50‬مليار‬
‫دوالر صناديق االستثمار اليت تتعامل يف سوق النقد واخنفضت قيمة أسهمها عن دوالر واحد‪.‬‬
‫وقال وزير اخلزانة األمريكية هنري بولسون أن التدخل غري املسبوق والشامل للحكومة‪ ،‬يعترب الوسيلة الوحيدة‬
‫للحيلولة دون اهنيار االقتصاد األمريكي بشكل أكرب‪ ،‬موضحا أن خطة وزارته تركز على إنشاء وكالة حكومية جديدة من‬
‫شأهنا ابتالع كافة األصول اليت هتوي ابملؤسسات املالية األمريكية‪ .‬وتعليقا على التدخالت احلكومية األمريكية‪ ،‬قال‬
‫رئيس جملس االحتياطي االحتادي بن براننكي إهنا ضرورية لضمان أال تؤدي الديون املعدومة إىل اهنيار النظام املايل‬
‫واالقتصاد‪.‬‬
‫ومل تكن اخلسائر اليت تكبدهتا األسهم يف بورصات نيويورك يوم “االثنني األسود” بتاريخ ‪ 2008/9/15‬سوى‬
‫غيض من فيض كما يقال حيث حيوم شبح اإلفالس حول عدد من املؤسسات اليت تشكل ركنا مهما من أركان النظام‬
‫املايل األمريكي‪ .‬وقدرت خسائر وول سرتيت يف ذلك اليوم حبوايل ‪ 600‬مليار دوالر‪ ،‬وهي األسوأ منذ اخلسائر اليت‬
‫تكبدهتا غداة هجمات ‪ 11‬سبتمرب‪/‬أيلول ‪.2001‬‬
‫أتثري أزمة االئتمان العاملي على العامل العريب‬
‫بقيت أسواق األسهم العربية مبنأى عما حيدث يف األسواق العاملية‪ ،‬وشهدت خالل األسابيع القليلة املاضية من‬
‫شهر ‪ 2007 /9‬تقلبات شبه طبيعية والسبب يف ذلك يعود إىل أن غالبية الالعبني يف هذه األسواق هم من املستثمرين‬
‫األفراد الذين ليس هلم تواجد يذكر على الساحة العاملية‪ ،‬إضافة إىل قلة الرتابط بني أسواقنا واألسواق الدولية‪.‬‬
‫أما املستثمرين من بنوك ومؤسسات وشركات عاملية والذين استثمروا يف السندات املغطاة أبصول عقارية أو يف‬
‫صناديق التحوط اليت أتثرت بشكل مباشر ابألزمة املالية الراهنة فهؤالء سيتعرضون خلسائر يصعب اآلن تقديرها‪.‬‬
‫إن إنكشاف املصارف العربية على أزمة الرهن العقاري األمريكي وأدواته املالية يعترب حمدودا‪ .‬فمعظم البنوك العربية‬
‫ال تستثمر سوى القليل يف مثل هذه األدوات‪ ،‬أما البنوك اليت هلا حيازة يف صناديق حتوط تستثمر يف سندات مغطاة‬
‫أبصول عقارية فخسارهتا ستكون بقدر حيازهتا ملثل تلك األصول‪ .‬وحسب استطالع أجرته شركة التصنيف االئتماين‬
‫“ستاندرد آند بورز” أخريا فإن جمموع استثمارات بنوك املنطقة يف سندات الرهن العقاري ذات التصنيف االئتماين‬
‫املنخفض ال يزيد على ‪ 1%‬من جمموع أصول هذه البنوك‪.‬‬
‫إن التقلبات احلاصلة يف أسواق املال العاملية سيكون هلا بعض األثر على البورصات العربية‪ ،‬خصوصا أسواق‬
‫األسهم اليت تسمح للمحافظ العاملية االستثمار فيها‪ .‬ففي فرتات األزمات يتجه املستثمر إىل ختفيض نسبة املخاطرة لديه‬
‫ويتحول من األسواق الناشئة إىل استثمارات أكثر سيولة وأماان مثل السندات احلكومية‪ .‬وعلى الرغم من صغر حجم‬
‫‪14‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫تدفقات حمافظ االستثمار العاملية إىل أسواقنا احمللية إال أهنا سامهت أخريا يف حتديد التوجه العام للبورصات العربية‪ .‬ويشار‬
‫إىل أن أكرب أسواق األسهم اإلقليمية من حيث القيمة السوقية‪ ،‬أال وهو سوق األسهم السعودية‪ ،‬ال يسمح لألجانب‬
‫ابمتالك األسهم إال بشكل غري مباشر عن طريق صناديق االستثمار اليت تديرها البنوك احمللية‪ ،‬يف حني أن أسواق كل من‬
‫اإلمارات والكويت ومصر وقطر واألردن تشهد وبشكل متصاعد زايدة يف حجم االستثمارات األجنبية يف بورصاهتا‪.‬‬
‫إن أكرب املخاطر اليت قد تنجم عن األزمة املالية احلالية هو احتمال حصول تباطؤ اقتصادي عاملي‪ .‬فاهلبوط الذي‬
‫ُسجل أخريا يف أسعار العقارات السكنية يف أمريكا وغريها من األصول والذي صاحبه ضغوط إضافية على عملية‬
‫التسليف سيكون له أثر سليب على املستهلك األمريكي املثقل أصال أبعباء الديون‪ ،‬مما قد يؤدي الحقا إىل ظهور أزمة يف‬
‫قطاع التسليف عن طريق بطاقات االئتمان وارتفاع يف معدالت ختلف الشركات عن سداد ديوهنا‪ .‬وهذه كلها بوادر‬
‫لعملية تباطؤ اقتصادي قد تطول أو تقصر حبسب السياسة املالية والنقدية للوالايت املتحدة‪ .‬وسيشعر القائمون على‬
‫السياسة النقدية يف دول املنطقة أهنم مضطرون جملاراة السياسة النقدية التوسعية اليت أخذت الوالايت املتحدة ابتباعها‬
‫أخريا‪ ،‬وهذا سيؤدي إىل اخنفاض أسعار الفائدة احمللية وأسعار صرف العمالت العربية املرتبطة ابلدوالر وسيزيد من‬
‫الضغوط التضخمية اليت ظهرت مؤخرا يف عدد من دول املنطقة‪.‬‬
‫أزمة االئتمان العاملي واملصارف اإلسالمية‬
‫االقتصاد اإلسالمي يعتمد يف بنيانه على اإلنسان يف حاجاته وميوله‪ ،‬ويقوم على أن هذه احلاجات وامليول‬
‫جيب إشباعها يف إطار حيافظ على إنسانيته وينميها ‪.‬‬
‫والفصل بني عملية التوزيع وشكل اإلنتاج‪ ،‬يف االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬ال ميكن أن يكون فصال ماداي‪ ،‬فالتداول‬
‫يف مفهوم االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬جزء من عمليات اإلنتاج‪ ،‬الن نقل الثروة من مكان إىل آخر‪ ،‬يقرب املنتج من‬
‫املستهلك‪ ،‬مما يعين يف كثري من األحيان منفعة جديدة‪ ،‬ويعترب ابلتايل تطويرا للمادة إىل شكل أفضل ابلنسبة إىل‬
‫حاجة اإلنسان ‪.‬‬
‫ولكن االقتصاد العاملي مبين على وهم مستندات مالية ال مقابل هلا‪ ،‬وقيمتها مرتبطة سياسيا حبجم الطلب‪،‬‬
‫يف سيل من املضارابت من دون تسلم فعلي للمواد‪.‬‬
‫هذه الشكلية من التعامل يدحضها النظام املايل اإلسالمي مبعناه املادي‪ ،‬حيث أن يف رأي كثري من الفقهاء‪،‬‬
‫أن التاجر إذا اشرتى حنطة مثال ومل يستلمها‪ ،‬ال يسمح له أن يربح فيها عن طريق بيعها بثمن اكرب‪ ،‬وجيوز له ذلك‬
‫بعد استالمها‪ ،‬مع أن عملية النقل القانونية تتم يف الفقه اإلسالمي بنفس العقد‪ ،‬وال تتوقف على عمل اجيايب بعده‪،‬‬
‫فالتاجر ميلك احلنطة بعد العقد‪ ،‬وان مل يستلمها‪ ،‬ولكنه ابلرغم من ذلك ال يسمح له فقها ابالجتار هبا‪ ،‬واحلصول‬
‫على ربح ما مل يستلم البضائع‪ ،‬حرصا على ربط األرابح التجارية بعمل‪ ،‬وإخراج التجارة من كوهنا جمرد عمل قانوين‬
‫يدر رحبا‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫أساس املشاكل‬
‫فأساس املشاكل املالية واملخاطر الدولية اليت هتدد النظام املايل الدويل هو ختطي هذه القاعدة‪ ،‬فمع هذا‬
‫التخطي‪ ،‬مت زعزعة امللجأ املثايل لالستثمار الثابت للعائالت وهو القطاع العقاري‪.‬‬
‫وكنظرة أولية‪ ،‬ال بد من درس تداعيات األزمة العقارية على ثقة املستثمرين‪ ،‬والعائالت‪ ،‬وعلى النتائج يف‬
‫املصارف‪ ،‬واالستهالك‪ ،‬واالنعكاسات على االقتصاد احلقيقي هلذه الدوامة االقتصادية‪ ،‬واليت أدت إىل املساس‬
‫بصلب هدف االقتصاد وهو إسعاد اإلنسان‪.‬‬
‫فقد مت إعادة النظر يف توقعات النمو يف الوالايت املتحدة لتصل إىل ‪ ،%2‬بدل ‪ ، %2.2‬مع اإلشارة إىل‬
‫أن هذه األزمة هي الثانية خالل العام ‪ ،2007‬ففي الفصل األول‪ ،‬أدى تراجع أسعار العقارات‪ ،‬إىل اخنفاض‬
‫مستوى الثروة للعائالت‪ ،‬والذي انعكس على قدرة العائالت على االستدانة‪ ،‬هذه االخنفاض يف بداية العام مت‬
‫التعويض عنه بعائدات كبرية مت كسبها يف مراهنات البورصة‪ ،‬لكن األزمة احلالية زادت من خسائر الثروات‪،‬‬
‫وستؤدي إىل جلم االستهالك بقوة‪.‬‬
‫وملعرفة األبعاد احلقيقية هلذه األزمة الكامنة يكفي أن نعرف أن إحصاءات بنك التسوايت الدولية تقدر‬
‫حجم شهادات العرض االستثمارية اليت مت إصدارها يف عام ‪ 2006‬يف أورواب والوالايت املتحدة حبوايل ألف مليار‬
‫دوالر‪ ،‬ثلثها تقريبا مرتبط أبصول وقروض عقارية متدنية املالءة‪ .‬وعلى املستوى العاملي‪ ،‬بلغ حجم هذه الوحدات‬
‫حنو ‪ 350‬مليار دوالر يف العام ‪ .2006‬ويف العام نفسه كان حجم سوق القروض األمريكية ضعيفة املالءة حوايل‬
‫‪ 400‬مليار دوالر أو ‪ %18‬من إمجايل حجم السوق األمريكي ‪.‬‬
‫ورغم اختالف املبادئ‪ ،‬فان املصارف اإلسالمية‪ ،‬وان كانت األزمة احلالية غري مؤثرة فيها ‪ ،‬فقد ال تكون‬
‫مستقبال مبعزل عن األزمات الدولية‪ ،‬خاصة وان تقرير لوكالة االئتمان ستاندرد اند بورز‪ ،‬ذكر مؤخراً‪ ،‬أن‬
‫املؤسسات املالية اإلسالمية ال تسد سوى حوايل ‪ %15‬من حاجة السوق املتاحة من اخلدمات املالية للمسلمني‬
‫حول العامل‪ ،‬وأن حجم األصول املالية املتوافقة مع الشريعة اإلسالمية يبلغ حاليا حوايل ‪ 400‬مليار دوالر‪ ،‬وهو‬
‫أقل بكثري من حجم السوق الذي تقول عنه وكالة االئتمان انه يبلغ حوايل ‪ 4‬تريليوانت دوالر‪ .‬وان الدراسات‬
‫االقتصادية املتخصصة تتوقع أن يصل حجم الودائع واألصول املالية يف هناية العام ‪ 2010‬إىل حوايل ‪ 500‬مليار‬
‫دوالر (نصف تريليون دوالر) وسيستثمر منه ‪ %25‬يف منطقة الشرق األوسط‪ ،‬و‪ %75‬يف مجيع أحناء العامل‪،‬‬
‫فنكون ابلتايل عرضة للمخاطر الرتددية املتأتية من اخلارج ‪.‬‬
‫ولكن املناعة أتيت من النظام نفسه الذي يسقط املراهنة‪ ،‬وخيفض املخاطر عرب توزيعها بني املمول واملستثمر‪،‬‬
‫لتصبح املشاركة يف البنية االقتصادية هي أساس تفاعل االقتصاد اإلنساين‪ ،‬اليت يشعر عربها كل مستثمر ابنتمائه‬
‫عرب هذه املسامهة ‪.‬‬
‫‪16‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫و من جهته أكد احمللل االقتصادي الحم الناصر أن كل األزمات االقتصادية اليت عصفت ابلعامل أدت إىل‬
‫حتقيق الكثري من اخلسائر اليت نتج عنها فقدان الكثري من العاملني يف هذه املؤسسات لوظائفهم واضطراب‬
‫األسواق املالية وكثر احلديث عن إمكانية حدوث كساد عاملي‪ ،‬وتساقطت املؤسسات املالية الكربى الواحدة تلو‬
‫األخرى كأحجار الدومينو دون أدىن مقاومة فلم تسعفها خربهتا الطويلة يف تفادي هذه األزمة أو التنبؤ هبا‪ ،‬ولعل ما‬
‫ظهر حىت اآلن ال يعدو عن كونه قمة جبل اجلليد هلذه األزمة‪".‬‬
‫وأشار الناصر إىل أنه مع ضخامة هذه األزمة واتساعها إال أهنا مل تؤثر يف املصارف اإلسالمية كون الشريعة‬
‫اإلسالمية اليت حتكم عمل هذه املؤسسات املالية حترم التعامل يف األدوات املالية اليت نتجت عنها أزمة الرهن‬
‫العقاري‪ ،‬مبيناً أنه نظرا لكون الكثري من اجملتمعات الغربية املنكوبة هبذه األزمة يوجد هبا مؤسسات مالية إسالمية‬
‫فإن ذلك سيؤدي إىل سعي الكثري من الباحثني والدارسني يف هذه اجملتمعات إىل دراسة األسس اليت تقوم عليها‬
‫هذه املؤسسات وآليات عملها‪ ،‬يف الوقت الذي سيحتاج فيه الدارس هلذه املؤسسات دراسة القرآن والسنة‪.‬‬
‫من جانبه‪ ,‬قال الدكتور سامل ابعجاجة اخلبري االقتصادي أن عدد من البنوك العاملية تقوم اآلن ابلتعامل‬
‫ابلصريفة اإلسالمية وافتتاح فروع خاصة هبا‪ ،‬وذلك نظراً لإلقبال الشديد من قبل املتعاملني ابلصريفة اإلسالمية‬
‫سواء يف الغرب أو الدول اإلسالمية‪ ،‬وجناح األدوات واملنتجات اإلسالمية يف حتقيق عوائد وأرابح أفضل مما حتققه‬
‫البنوك التقليدية‪ ،‬سيؤدي إىل معرفة اإلسالم بشكل أكرب وأعمق‪".‬‬
‫ونوه ابعجاجة إىل أنه يف ظل النظام العاملي اجلديد وانفتاح االقتصاد يتوقع افتتاح فروعاً جديدة للبنوك‬
‫الغربية يف السعودية قريباً وهو ما سيحدو البنوك احمللية إىل نقل املعرفة اإلسالمية هلذه البنوك األجنبية‪ ،‬مضيفا أن‬
‫ذلك سيساعد على فهم اإلسالم بشكل أفضل لدى الغرب‪".‬‬
‫توقعات بشأن أزمة االئتمان العاملي‬
‫•توقعات صندوق النقد الدويل‬
‫قال صندوق النقد الدويل إن االضطراابت يف أسواق االئتمان واملال العاملية من املرجح أن تستمر مع قلق‬
‫املستثمرين من حدوث خسائر مالية واين ستظهر هذه اخلسائر ‪.‬‬
‫وقال خيمي كرواان مدير دائرة النظم النقدية واسواق املال ابلصندوق يف مؤمتر صحفي" النظام املايل العاملي شهد‬
‫اختبارا مهما واالختبار مل ينته بعد‪ .‬تداعيات هذه الفرتة من االضطراابت ستكون كبرية وممتدة األثر "‪.‬‬
‫وأضاف "األشهر املقبلة ستظل تشهد حتدايت يف أسواق املال واملؤسسات وليس من املتوقع أن تعود أوضاع‬
‫االئتمان لطبيعتها قريبا وعملية التكيف قد تتعطل وقد يؤثر ذلك ليس فقط على األسعار بل على مدى توافر االئتمان "‪.‬‬
‫• أزمة االئتمان ميكن أن تضع اليورو مكان الدوالر‬
‫‪17‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫هل ميكن أن حيتل اليورو مكانة أكثر أمهية من الدوالر‪ ،‬فهل ميكن أن تصبح العملة األوروبية هي املسيطرة و‬
‫الرئيسية يف العامل؟؟؟؟ تساؤالت عديدة قد أجاب عنها التحليل املايل الذي قاما به أستاذان يف جامعتني أمريكيتينت‪.‬‬
‫هذا التحليل قاما به كل من الربوفيسور منزي شني من جامعة وسكونسني والربوفيسور جيفري فرانكل من جامعة‬
‫هارفارد‪ ،‬فقد قاما إبجراء عمليات حسابية تظهر أن اليورو سيحل حمل الدوالر خالل ‪ 15-10‬سنة كعملة ألكرب‬
‫االحتياطات يف العامل‪ ،‬ولكن حتليلهما مل يستند إىل هذه األزمة‪ ،‬حيث أن هذه األزمة ميكن أن تؤدي بسهولة إىل تسريع‬
‫هذه التوجهات‪.،‬‬
‫و ذكر كل منهما سببني لتدهور الدور الدويل للدوالر األمريكي‪.‬‬
‫األول‪ ،‬العجز املستمر يف احلساب اجلاري الذي اقرتن بتدهور يف سعر صرف الدوالر على املدى البعيد – ورمبا‬
‫الطموحات اإلمربايلية املبالغ فيها‪ ،‬أيضا‪.‬‬
‫الثاين‪ ،‬ظهور بدائل حقيقية للدوالر‪.‬‬
‫ومل يكن لدى الني وال املارك األملاين فرصة حقيقية ليحل أي منهما حمل الدوالر‪ ،‬لكن اليورو بديل حقيقي‪.‬‬
‫فاقتصاد منطقة اليورو أصبح ضخما مثل اقتصاد الوالايت املتحدة تقريبا‪ ،‬ورمبا يتخطاه من خالل استمراره يف التوسع‪.‬‬
‫أما لندن فهي املركز املايل ملنطقة اليورو حبكم األمر الواقع‪ ،‬على الرغم من أن اململكة نفسها مل تتنب اليورو‪ .‬كذلك‪،‬‬
‫أسواق السندات يف منطقة اليورو أصبحت اآلن ابلقدر نفسه من العمق وتوافر السيولة مثل نظرياهتا يف الوالايت املتحدة‪.‬‬
‫ومن جهته أكد الباحث فولفجانج مونشو أنه نتيجة للتضخم املرتفع‪ ،‬فإن العديد من الدول النامية ستجد‬
‫صعوبة يف احملافظة على أسعار عمالهتا مقابل الدوالر‪ .‬ورمبا تكون غري متحمسة خلفضها اآلن‪ ،‬لكن سيأيت وقت يصل‬
‫فيه التضخم إىل نقطة يصبح فيها من غري املمكن حتمل الضغوط الناجتة عنه‪ .‬وإذا أقدمت على خفض أسعار عمالهتا‬
‫فعندها من املؤكد أن تعيد التوازن إىل مدخراهتا االحتياطية أيضا‪.‬‬
‫وبني مونشو أن هناك عامل آخر يدفع إىل إضعاف القطاع املايل األمريكي هو أزمة الرأمسالية األجنلو ‪ -‬ساكسونية‬
‫القائمة على املعامالت‪.‬‬
‫ويعتقد مونشو أنه خالل سنوات معدودة سيواصل الناس تقييم عناصر القوة النسبية لألنظمة املالية األجنلو ‪-‬‬
‫ساكسونية واألنظمة املالية يف أورواب القارية ابلطريقة نفسها‪ .‬أيضا أن يصمد اقتصاد منطقة اليورو أمام الصدمات‬
‫االقتصادية الناشئة عن أزمة االئتمان‪ ،‬على حنو أفضل نسبيا‪.‬‬
‫وأوضح مونشو أن اليورو ميثل فقط أكثر قليال من ربع احتياطيات العامل‪ ،‬مقابل نصيب الدوالر البالغ الثلثني‪.‬‬
‫لكن من أجل أن يظل الدوالر يف مرتبة سفلى إىل األبد‪ ،‬جيب االعتماد على بعض نظرايت املؤامرة غري املالئمة‪ .‬وإحدى‬
‫هذه النظرايت تقول إن البنوك املركزية األجنبية تتواطأ على التمسك ابلدوالر حلماية قيمة ممتلكاهتا‪ .‬لكن األمر ال يسري‬
‫على هذا النحو‪ .‬فالعوامل اليت مل يتم أخذها يف االعتبار‪ ،‬اخلاصة ابلشبكات اليت فضلت الدوالر يف املاضي‪ ،‬من السهل‬
‫أن تفضل اليورو يف املستقبل‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫وأضاف مونشو أن التداعيات اجليوسياسية املرتقبة هلذا االنتقال هائلة جدا ‪.‬وبداية‪ ،‬ستفقد الوالايت املتحدة‬
‫امتيازاهتا اهلائلة – املتمثلة يف قدرهتا على حتقيق عائدات عالية واثبتة على الدوام من األصول األجنبية أكرب من العائدات‬
‫اليت تدفع لألجانب الذين يستثمرون يف الوالايت املتحدة‪ .‬وسيتوقف الدوالر فجأة عن أن يصبح" عملتنا حنن‪،‬‬
‫ومشكلتكم أنتم"‪ .‬وسيتضاءل النفوذ يف املؤسسات املالية الدولية‪ .‬وفقدان الدوالر دور العملة الدولية الرائدة لن يؤدي إىل‬
‫ضياع النفوذ السياسي فحسب‪ ،‬وإمنا أيضا ضياع السلطة‪.‬‬
‫ويشري مونشو إىل أن السياسيني ليس بوسعهم فعل الكثري ملنع حدوث مثل هذا التحول الذي هو أشبه ابلزلزال‪،‬‬
‫متهما املؤسسة السياسية األمريكية أبهنا ليست مدركة حىت اآلن ملا سيحل هبا‪ .‬ومرة أخرى‪ ،‬الشيء نفسه ميكن أن يقال‬
‫عن القادة السياسيني األوروبيني‪ ،‬الذين مل يعطوا أية إشارة تفيد أبهنم على استعداد للتعامل مع املسؤوليات اليت أتيت مع‬
‫التعامل مع العملة الرئيسية يف العامل‪.‬‬
‫التسلسل الزمين‬
‫فرباير ‪ :2007‬الوالايت املتحدة تشهد ارتفاعا كبريا يف عدم قُـدرة املقرتضني على دفع مستحقات قروض الرهن‬
‫العقاري‪ ،‬ما ّأدى إىل أوىل عمليات إفالس مؤسسات مصرفية متخصصة‪.‬‬
‫يونيو ‪ :2007‬مصرف االستثمار األمريكي ‪ ،Stearns Bear‬هو أول بنك كبري يُـعاين من خسائر قروض‬
‫الرهن العقاري‪.‬‬
‫تضخ‬
‫يضخ ‪ 94،8‬مليار يورو من السيولة‪ ،‬واخلزينة الفدرالية األمريكية ّ‬
‫أغسطس ‪ :2007‬البنك املركزي األورويب ّ‬
‫تدخـلت العديد من البنوك األخرى‪ ،‬مثل بنك الياابن والبنك الوطين السويسري‪.‬‬
‫من جانبها ‪ 24‬مليار دوالر‪ ،‬كما ّ‬
‫سبتمرب ‪ :2007‬بنك أجنلرتا مينح قرضا استعجاليا إىل مصرف ‪ Nothern Rock‬لتجنيه اإلفالس‪ ،‬وقد مت‬
‫بعد ذلك أتميمه‪.‬‬
‫أكتوبر ‪ :2007‬مصرف يو يب إس السويسري يُـعلن عن اخنفاض قيمة موجوداته بـ ‪ 4‬مليار فرنك‪.‬‬
‫يناير ‪ :2008‬اخلزينة الفدرالية األمريكية تُـخ ِّّفـض نسبة الفائدة الرئيسية بثالثة أرابع النقطة‪ ،‬لتصل إىل‬
‫‪ ،%3،50‬وهو إجراء وصفه اخلرباء أبنه ذو ب ٍ‬
‫ـعد استثنائي‪.‬‬
‫ُ‬
‫مارس ‪ :2008‬اخلزينة الفدرالية األمريكية تقول إهنا مستع ّدة لتقدمي مبلغ يصل إىل ‪ 200‬مليار دوالر إىل جمموعة‬
‫حمدودة من البنوك ال ُكـربى‪.‬‬
‫مارس ‪ :2008‬العمالق املصريف األمريكي ‪ Chase JP Morgan‬يُـعلن شراءه ملصرف ‪Bear‬‬
‫‪ ،Stearns‬الذي يعاين من صعوابت‪ ،‬وهي العملية اليت حظيت بدعم مايل من طرف اخلزينة الفدرالية األمريكية‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫يوليو ‪ :2008‬الضغط يشت ّد على مؤسسيت ‪ Freddie Mac‬و‪ Fannie Mae‬األمريكيتني املتخصصتني‬
‫يف إعادة متويل القروض العقارية‪ ،‬واخلزينة األمريكية تُـعلن عن خطّـة إلنقاذ القطاع العقاري‪.‬‬
‫وما زالت األ زمة الرهن العقاري األمريكية تلقي بتوابعها على االقتصاد العاملي‪ ،‬حيث طالت خمتلف القطاعات‬
‫االقتصادية يف الوالايت املتحدة وأورواب وأدت إىل خسائر مالية يصعب حصرها ‪.‬‬
‫وأغلقت أيضا بنك فريست هرييتج بنك بفروعه الثالثة ‪ .‬وبيعت أصول البنكني اململوكني لشركة فريست انشيوانل‬
‫بنك القابضة إىل فروع بنك أوماها‪ ،‬وبلغت قيمة أصول املصرفني ‪ 3. 6‬مليار دوالر يف هناية يوليو‪/‬متوز منخفضة عما‬
‫كانت عليه قبل ستة أشهر حيث كانت قيمتها ‪ 4. 1‬مليار دوالر ‪.‬‬
‫وأعلن بنك وتشوفيا كورب تكبده خسائر ربع سنوية قياسية يف الربع الثاين من هذا العام بقيمة ‪ 8. 86‬مليار‬
‫دوالر ‪.‬‬
‫ويف بريطانيا عقر اخلصخصة مت أتميم بنك نورثرن روك الربيطاين للتمويل العقاري واالستغناء عن أكثر من ‪2000‬‬
‫موظف يف إطار ج هود احلكومة الربيطانية إلخراج البنك من أزمته الطاحنة وخسائره الضخمة من جراء تلك األزمة ‪.‬‬
‫وأعلن روايل بنك أوف أسكتلند (آر يب اس) الربيطاين عن خسائر بلغت ‪ 691‬مليون جنيه اسرتليين (‪ 1. 35‬مليار‬
‫دوالر) يف النصف األول من العام اجلاري ‪.‬‬
‫ويف أملانيا قرر مصرف كومريت س بنك اثين أكرب البنوك األملانية االستغناء عن تسعة آالف وظيفة يف إطار صفقة‬
‫شراء منافسه دريسدنر بنك ‪ .‬وبلغت قيمة الصفقة ‪ 14. 5‬مليار دوالر فيما يوصف أبنه أكرب عملية إعادة هيكلة يف‬
‫القطاع املصريف األملاين منذ أكثر من سبعة أعوام ‪ .‬ويبقى الباب مفتوحا أمام مزيد من التداعيات ألزمة الرهن العقاري‬
‫على أسواق العامل من دون استثناء ‪ .‬وتوقع رئيس صندوق النقد الدويل دومينيك سرتاوس حصول مزيد من املتاعب‪،‬‬
‫ووصف وزير اخلزانة األمريكي السابق روبرت روبن تلك األزمة أبهنا أسوأ أزمة مير هبا االقتصاد العاملي منذ الكساد العظيم‬
‫يف ثالثينات القرن املاضي ‪.‬‬
‫********‬
‫تعليقات على األزمة‬
‫"اجلهاد يف مواجهة ماكوورلد"‬
‫ضجـة كربى يف أمريكا‪ ،‬يرسم بنجامني ابربر خطوط‬
‫يف كتابه الشهري "اجلهاد يف مواجهة ماكوورلد"‪ ،‬الذي أحدث ّ‬
‫هذه األزمة على النحو اآليت‪:‬‬
‫‪20‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫ األصولية الرأمسالية (اليت يسميها هو "ماكوورلد" تيمنا إبمرباطورية املأكوالت السريعة)‪ ،‬اليت انطلقت بعد هناية‬‫احلرب الباردة‪.‬‬
‫الرأمسالية املتعوملة مل تعُـد يف حاجة إىل الدولة ‪ -‬األمة‪.‬‬
‫وينسج الباحث االقتصادي األمريكي راستون سول جون‪ ،‬يف دراسة شيِّّـقة بعنوان "الدميقراطية والعوملة" على منوال‬
‫ابربر فيقول‪ ،‬إن أخطر ما شهده العامل خالل العقود الثالثة األخرية‪ ،‬هو جناح اإلعالم األمريكي الذي تُـسيطر عليه‬
‫الشركات‪ ،‬بتصوير االقتصاد على أنه قائد اجملتمعات‪ ،‬كل اجملتمعات‪ ،‬وهذا كان‪ ،‬برأيه‪ ،‬متهيدا النقالابت ُكـربى يف بنية‬
‫النظام الرأمسايل‪.‬‬
‫فبعدها سادت االحتكارات وانعدم التنافس وسيطرت االوليغارشيات املالية‪ ،‬بعد إن استغلت الشركات الكربى‬
‫شعار االقتصاد كقائد للقيام أبضخم مركزة لرأس املال يف التاريخ البشري عرب عمليات الدمج والضم واالبتالع‪.‬‬
‫ويف الوقت نفسه‪ ،‬كان أرابب النظام الرأمسايل يتوقَّـفون على أهنم "رأمساليني حقيقيني"‪ ،‬فهم يتشكلون اآلن من‬
‫التكنوقراطيني والبريوقراطيني واملدراء واملوظفني‪ ،‬وهؤالء مجيعا ال ميلكون أية أسهم وال ِّ‬
‫يقدمون على أية خماطر‪ .‬األسهم‬
‫الوحيدة اليت ميلكون‪ ،‬هي تلك اليت حيصلون عليها جمّـاان من الشركات أو عرب استعارة املال من هذه الشركات بدون‬
‫فوائد‪.‬‬
‫ومكلفة‪ ،‬وهي أقرب ما تكون إىل‬
‫كل هذه الفئات ال تُـعترب رأمسالية حقيقية‪ ،‬بل هي بريوقراطية كسولة وكبرية ُ‬
‫مصـاص الدماء‪ ،‬إذ هي تشرتي الشركات الرأمسالية احلقيقية اليت هلا مالِّـكني حقيقيني‪ ،‬الذين لديهم أسهم‬
‫دراكوال ّ‬
‫مبص دماء هذه الشركات‪.‬‬
‫ويقومون مبخاطر مالية‪ ،‬وبعدها تبدأ هذه الفئات ّ‬
‫ويف ِّخـضم هذه العملية‪ ،‬تتوقّـف االقتصادات عن التطور وتنهار االقتصادات املختلطة‪ ،‬ألن الشركات العمالقة‬
‫تشرتي شركاهتا يف وقت مب ّكـر‪ ،‬وهذه العملية‪ ،‬إضافة إىل فساد طبقة املدراء – البريوقراطيني‪ ،‬مها اآلن سبب كل من‬
‫األزمة الرأمسالية واألزمة الدميقراطية راهنا‪.‬‬
‫األرقام تدعم متاما خماوف بنجامني ابربر وشكاوى راستون سول جون‪:‬‬
‫ فهناك اآلن مخس شركات عمالقة تُـسيطر على ‪ %50‬من األسواق العاملية يف جماالت صناعات الفضاء‬‫واملكوانت اإللكرتونية والسيارات والطائرات املدنية والفوالذ وااللكرتونيات‪.‬‬
‫ وهناك مخس شركات أخرى‪ ،‬تسيطر على ‪ %70‬من السلع االستهالكية ذات الدميومة‪.‬‬‫ ومثة مخس شركات غريها هتيمن على ‪ %40‬من النفط والعقول اإللكرتونية اخلاصة واإلعالم‪ ،‬و‪ %51‬من أكرب‬‫االقتصادات يف العامل اليوم‪ ،‬هي شركات ال ُدول‪.‬‬
‫ مبيعات ‪ 200‬شركة‪ ،‬متثّل ‪ %28،3‬من اإلنتاج اخلام العاملي‪.‬‬‫املوحـد ومعه القرية العاملية وحىت مفهوم احلضارة العاملية الواحدة‪،‬‬
‫كل هذه األرقام تعين ببساطة‪ ،‬أن السوق العاملي ّ‬
‫سيكون عمـا قريب ِّ‬
‫"مـلكية خاصة" حلفنة من البشر قد ال يتجاوز عددهم عدد جمالس اإلدارة يف واحدة من الشركات‬
‫ّ‬
‫اخلمس املذكورة أعاله‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫***********‬
‫األزمة تعصف ابإلمرباطورية‬
‫ميكن للمؤرخني الذين يؤكدون أن اإلمرباطورايت تنهار من الداخل بعد أن تتآكل وتفلس بسبب حروهبا وغزواهتا‬
‫وسياستها االقتصادية األاننية والعمياء‪ ،‬أن يطمئنوا مع هناية سنة ‪2008‬م لصدقية وجهة نظرهم‪ ،‬وهم يسجلون مسلسل‬
‫األزمات االقتصادية الذي تواجهها الوالايت املتحدة‪.‬‬
‫يف ‪ 22‬يناير املاضي‪ ،‬كتبت وول سرتيت جورانل‪" :‬إن مثة أسبااب وجيهة للخوف من أن الكساد الذي يلوح يف‬
‫األفق‪ ،‬ميكن أن يكون أسوأ من الكسادين الوحيدين اللذين أصيبت هبما الوالايت املتحدة يف الربع األخري من القرن‬
‫املاضي"‪.‬‬
‫وكتب كنيث روغوف‪ ،‬أستاذ االقتصاد جبامعة هارفارد‪ ،‬أن األزمة احلالية تبدو على الطريق لـن تصبح على أقل‬
‫تقدير على الدرجة ذاهتا من السوء الذي كانت عليه أسوأ مخس أزمات مالية ضربت البلدان الصناعية منذ احلرب العاملية‬
‫الثانية‪.‬‬
‫ويف منتصف شهر فرباير ‪2008‬م أيضا‪ ،‬كتب ابترك بيوكاانن‪ ،‬املعلق اليميين احملافظ‪ ،‬يقول‪" :‬بينما حنن ال نوفر‬
‫شيئا‪ ،‬يتعني علينا أن نقرتض لكي ندفع مثن النفط الذي نستورده واملصنوعات األجنبية اليت أصبحنا نعتمد عليها‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإننا يف وضع يضطران ألن نقرتض من أورواب لندفع مثن الدفاع عن أورواب‪ ،‬وأن نقرتض من الصني والياابن لندافع‬
‫عن حق الصني والياابن يف احلصول على نفط اخلليج"‪.‬‬
‫وينتهي بيوكاانن إىل أن "اجليل األمريكي املنغمس يف ذاته قد اقرتض إىل حد أن ديونه أصبحت غري قابلة للسداد‪.‬‬
‫واآلن‪ ،‬فإن الناس الذين اقرتضنا منهم لنشرتي النفط وكل ما منلك من سيارات والكرتونيات ومالبس‪ ،‬آتون ليشرتوا البلد‬
‫الذي ورثناه‪ .‬حنن أبناء عاقون ويوم احلساب يقرتب"‪.‬‬
‫بيوكاانن نسي يف حتليله أن احلرب األمريكية االستعمارية يف العراق وأفغانستان‪ ،‬كلفت واشنطن ما يزيد على‬
‫‪ 3000‬مليار دوالر حىت اآلن‪.‬‬
‫يوم األحد ‪ 15‬سبتمرب ‪2008‬م‪ ،‬اعترب "آالن غرينسنب"‪ ،‬الرئيس السابق لالحتياطي الفدرايل األمريكي وطوال‬
‫‪ 19‬عاما‪ ،‬أن األزمة املالية الراهنة هي األخطر منذ ‪ 50‬عاما‪ ،‬وعلى األرجح منذ قرن‪ ،‬موضحا أن حل هذه املشكلة ما‬
‫زال بعيدا‪.‬‬
‫لكن اخلرباء املستقلني يرجحون أن األزمة ستفرز وضعا‬
‫األزمة أخطر مما يريد أن يعرتف هبا املسؤولون يف الغرب‪ ،‬و َ‬
‫جديدا‪ ،‬إن مل يكن هزة خطرية للنظام االقتصادي الدويل‪ ،‬فستكون األفول الكامل لالقتصاد األمريكي‪ ،‬كالقاطرة الدافعة‬
‫واملتحكمة يف االقتصاد الدويل‪ ،‬وكذلك للدوالر كعملة أساسية‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫حماوالت وقف القاطرة االقتصادية األمريكية قبل أن تصل إىل اهلاوية كثرية‪ ،‬ولكنها كلها عمليات تسكني مؤقتة‪.‬‬
‫ويف إطار التسكني‪ ،‬أعلنت عشرة مصارف دولية أمريكية وأوروبية كبرية أتسيس صندوق حيتوي سبعني مليار دوالر‬
‫تستطيع االستعانة به إذا ما واجهت خطر احلاجة إىل سيولة‪ .‬ويفرتض أن يزيد حجم هذا الصندوق مع انضمام أعضاء‬
‫جدد إليه‪.‬‬
‫ويشري االقتصاديون إىل أن هذا اإلجراء يشابه حماولة إطفاء حريق غابة بكوب من املاء‪ ،‬فاملؤسسات املفلسة‬
‫أو اليت يف طريقها إىل اإلفالس تواجه كل على حدة ديوان مبئات ماليري الدوالرات‪.‬‬
‫إذا كان البيت األبيض يدرك أن املؤسسات األوروبية والغربية عامة‪ ،‬ال تستطيع أو ال تريد املخاطرة بضخ أموال‬
‫أكثر لوقف ولو م ؤقت لتدهور الوضع االقتصادي األمريكي‪ ،‬فإن إدارة بوش تراهن على قدرهتا على إجبار دول اخلليج‬
‫العريب على املخاطرة أبمواهلا‪ .‬وقد كشف مسؤول مصريف ابرز لصحيفة "االقتصادية" عن احتمال استجابة مؤسسات‬
‫مالية ومصرفية واستثمارية خليجية لشراء ‪ 1000‬مليار دوالر من أصول خماطر القروض العقارية األمريكية ملؤسسيت "فاين‬
‫ماي" و"فريدي ماك"‪ ،‬اليت يتجاوز إمجاليها مخسة االف مليار دوالر على شكل قروض سكنية‪.‬‬
‫وأفاد إلياس القصري املدير التنفيذي لشؤون اخلزانة ومسؤول أسواق املال يف الشرق األوسط ومشال إفريقيا يف بنك‬
‫كاليون "كريدي أغريكول" الف رنسي‪ ،‬أن احلكومة األمريكية تبحث عن متويل هذه اخلسائر يف دول الشرق األوسط‬
‫ومنطقة آسيا‪ .‬ولفت إىل أن بنوك املنطقة املتورطة يف هذه األزمة مل تتمكن من بيع كل أصول الرهن العقاري "فليس هناك‬
‫مشرتون لنحو ‪ 20‬يف املائة من قيمة خسائر الرهن لدى تلك البنوك"‪.‬‬
‫يف بداية القرن احلايل خسرت دول اخلليج العريب أكثر من ‪ 620‬مليار دوالر من استثماراهتا وتوظيفاهتا املالية‬
‫ضيع من أموال العرب مل ينفع‬
‫اليت سعت هبا ملساعدة االقتصاد األمريكي‪ ،‬ولكن دعوات اإلنقاذ مل تتوقف وكل ما ُ‬
‫سوى يف كسب أشهر لالقتصاد األمريكي العليل‪ .‬إن إلقاء مزيد من األموال العربية يف هوة اإلفالس األمريكي‪ ،‬لن‬
‫تنفع سوى يف أتخري السقوط لفرتة قصرية‪ ،‬فقد حان موعد النهاية لإلمرباطورية‪.‬‬
‫كتب املؤرخ األمريكي الشهري بول كنيدي‪" :‬إن القوة لدى إمرباطورية ما ليست مطلقة أو متفردة بذاهتا‪ ،‬وإمنا هي‬
‫مسألة نسبية‪ ،‬فال ميكن قياس قوة أو ضعف دولة ما إال ابلنسبة إىل الدول األخرى من انحية‪ ،‬وابلنسبة إىل قوهتا هي‬
‫ذاهتا يف فرتات خمتلفة من اترخيها من انحية أخرى"‪ .‬ويضيف‪" :‬إن االنتشار الزائد إلمرباطورية خارج حدودها مع إنفاقها‬
‫الزائد على قواها العسكرية لالحتفاظ هبذا االنتشار‪ ،‬بشكل يفوق معدل إنفاقها على اجلوانب الداخلية األخرى‪ ،‬من‬
‫اقتصادية واجتماعية وعلمية وتعليمية‪ ،‬يؤدي مع الوقت إىل تفاقم احلالة االقتصادية‪ ،‬مث إىل احنسار القوة العظمى‬
‫واضمحالهلا وعودة الدولة إىل حجم الدولة األصلي‪ ،‬أي هناية وجودها اإلمرباطوري"‪.‬‬
‫*********‬
‫األمريكيون خيشون على مدخراهتم التقاعدية جراء األزمة املالية‬
‫‪23‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫أيمل العديد من األمريكيني ان يقر الكونغرس يف هناية املطاف خطة انقاذ القطاع املصريف الذي ابت على شفري‬
‫االهنيار لتجنب تراجع جديد يف البورصة قد يهدد الصناديق املسؤولة عن ادارة مدخراهتم التقاعدية ‪.‬‬
‫ويتألف القسم االكرب من املدخرات التقاعدية يف الوالايت املتحدة اما من استثمارات فردية او برامج ادخار خاصة‬
‫ابلشركات‪ .‬وتوزعت املدخرات التقاعدية االمجالية يف هناية ‪ 2007‬ما بني ‪ 4750‬مليار دوالر من االستثمارات الفردية‬
‫و‪ 3490‬مليار دوالر من برامج االدخار اجلماعية يف الشركات ‪.‬‬
‫وحوايل ثلثي اموال ص ناديق التقاعد اليت مت توظيفها يف برامج مجاعية للشركات عام ‪ 2006‬استثمرت يف شراء‬
‫أسهم ‪.‬‬
‫*********‬
‫كيف تستغل الرأمسالية املتوحشة األزمات لتفرض نفسها ؟‬
‫األزمة اليت تعيشها أسواق املال يف أمريكا حاليا واليت سوف تطول ابلضرورة األسواق العاملية خطرية ألهنا أوال‪:‬‬
‫أصابت يف مقتل األسس اليت تقوم عليها الرأمسالية الغربية وهي حرية السوق والعوملة‪.‬‬
‫واثنيا ألن املسئولني عن إجياد حلول لألزمة سوف يستغلون املوقف لتطبيق سياسات موالية للشركات الكربي وهو‬
‫ما سوف يساعد علي إثراء هؤالء أنفسهم الذين كانوا السبب فيها‪.‬‬
‫تلك هي ال توقعات اليت قدمتها نعومي كالين كاتبة صحفية كندية وخمرجة أفالم واثئقية يف كتاب نشرته قبل أشهر‬
‫قليلة بعنوان' عقيدة الصدمة‪ ..‬الرأمسالية الكارثة' تصف فيه كيف يسيطر الليرباليون اجلدد يف واشنطن علي العامل وكيف‬
‫يفرضون رغباهتم علي الدول من خالل استغالل التهديدات اإلرهابية املوجهة ضد األمن ومن خالل اختالق‬
‫اإلضطراابت السياسية واالقتصادية أو مواكبة الكوارث الطبيعية وذلك هبدف نشر وتوسيع اخلصخصة وتطبيق املزيد من‬
‫السياسات اليت تدعم حرية األسواق تلك األزمات من شأهنا أن ترتك املنطقة يف حالة دمار كامل فتدخل الشركات يف‬
‫قلب املنطقة املنكوبة وأتخذ األمور يف يدها وحتوهلا ايل أحد كربي املشاريع حلساب األثرايء علي حساب الفقراء‪.‬‬
‫أو أن ختتلق الرأمسالية الكربي األزمات مثلما حدث يف بعض دول أمريكا الالتينية فتثري اإلضطراابت أو التمرد أو‬
‫تؤجج احلروب ووسط الفوضي وبينما الشعوب يف حالة عدم توازن تبدأ الشركات واملؤسسات الكربي تتدخل لتسيطر‬
‫وحتول الوضع لصاحلها وصاحل الرأمسالية بدون أية معارضة من الشعب‪ .‬تلك الرأمسالية تصفها كالين ابلكارثة ألهنا‬
‫تضحي ابلشعوب من اجل الربح وتذكر كالين مارجريت اثتشر اليت دعمت تلك السياسة يف الثمانينات قوهلا أبنه‪ :‬ليس‬
‫هناك بديل آخر‪.‬‬
‫إزالة وإعادة بناء العامل‬
‫‪24‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫من األمثلة علي تلك السياسة اليت تعمل علي إزالة وإعادة بناء العامل ما حدث يف كل من جنوب شرق أسيا‬
‫بسبب التسوانمي أو يف نيو أورليانز بسبب إعصار كاترينا واألزمتان تعكسان األسلوب االمريكي من أجل فرض سيادة'‬
‫النظام العاملي اجلديد' الذي أطلقت براثن الرأمسالية يف شكلها األكثر توحشا‪.‬‬
‫وتذكر كالين كيف أن ريتشارد بيكر عضو الكوجنرس االمريكي عن احلزب اجلمهوري قال ألعضاء اللويب فيما‬
‫خيص بنيو أورليانز‪ ':‬لقد قمنا أخريا بتنظيف منطقة اإلسكان الشعيب يف نيو أورليانز'‪.‬‬
‫وقال املقاول الكبري يف املدينة األمريكية‪ ':‬اعتقد أن لدينا أرضية جديدة ونظيفة لنبدأ من جديد'‪ .‬هذه اخلطة‬
‫تكمن يف ازالة جمتمعات أبكملها واستبداهلا مبساكن غالية الثمن ومشاريع أخري تعود ابألرابح الكثرية مثل بناء مدارس‬
‫خاصة بدال من إعادة بناء املدارس العامة اجملانية وكل ذلك علي حساب الفقراء الذين اجربوا علي مغادرة املكان وترفض‬
‫احلكومة عودهتم إليها‪.‬‬
‫تلك السياسة تقوم علي نظرية رجل االقتصاد االمريكي ميلتون فريدمان الذي تويف عن عمر يناهز التسعينات‬
‫وهي النظرية اليت طرحها يف كتابه' الرأمسالية واحلرية' ونشره عام‪ 1962‬ويؤكد فيه أن' فقط األزمات سواء حقيقية أو‬
‫مصطنعة ميكنها أن حتقق تغيريا حقيقيا'‪.‬‬
‫احملافظني اجلدد يقومون هبذا الدور اليوم وينفذون أجندة الشركات الكربي واليت تقوم علي ثالث خطوات تعكس‬
‫اجلشع‪:‬‬
‫أوال إزالة كل ما يتعلق ابلقطاع العام‬
‫اثنيا حترير كامل لعمل الشركات‬
‫واثلثا‪ :‬خفض اإلنفاق العام ايل أدين مستوي بل واستبعاده متاما أن كان ممكنا‪.‬‬
‫تلك السياسة تؤدي ابلضرورة ايل خلق طبقة قوية من رجال األعمال الذين يشاركون طبقة من السياسيني‬
‫الفاسدين بني الطبقتني مير خطوط هالمية وغري واضحة ففي روسيا ظهرت طبقة املليارديرات ويف الصني األمراء ويف‬
‫تشيلي' البرياهناس' ويف أمريكا هناك املوالون لبوش وتشيين‪.‬‬
‫ويف كل تلك الدول تتشابه اخلريطة‪ :‬فيتم حتويل ثروات ضخمة من املال العام ايل أايد خاصة مث يتزايد الدين العام‬
‫ليصل ايل مستوايت غري مسبوقة فتوسع الفجوة بني األثرايء ثراء فاحشا والفقراء املهددين ابالستغناء عنهم مث تبدأ محلة‬
‫للمزايدة علي الشعور القومي مثل الدعوة ايل احلرب ضد اإلرهاب والعامل اليت أطلقها الرئيس األمريكي بوش من اجل‬
‫تربير اإلنفاق بال حدود علي األمن‪.‬‬
‫الفوضى املالية‬
‫كيف تطبق تلك النظرية علي الوضع احلايل يف األسواق املالية األمريكية والعاملية‬
‫‪25‬‬
‫‪http://www.iid-alraid.com‬‬
‫تقول كالين يف مقالة نشرهتا مؤخرا يف صحيفة' هافينجتون بوست' أن كتاهبا نشر من اجل أن نكون مستعدين‬
‫للصدمة املقبلة‪.‬‬
‫ولقد جاءت تلك الصدمة وبدأت سياسات الشركات الكربي تعمل من اجل استغالهلا حلساهبا ومن اجل زايدة‬
‫ثراء األغنياء الذين خلقوا أزمة أسواق املال‪.‬‬
‫فان معظم احملللني يرون أن مبلغ الـ‪ 700‬مليار دوالر اليت تطلبها إدارة بوش من الكوجنرس هي يف احلقيقة أموال‬
‫دافعي الضرائب متوسطي الدخل سيحرمون منها من اجل إنقاذ كربي الشركات الرأمسالية والبنوك اليت خلقت األزمة‪.‬‬
‫وتقول كالين أن اخلطة املقرتحة لصاحل طبقة األثرايء فهي اخلطة اليت قدمها نيوت جينجريتش رئيس جملس النواب‬
‫السابق عن احلزب اجلمهوري وتضم ‪ 18‬نقطة تدعو ايل العودة ايل سياسات رجيان واثتشر اليت هتدف ايل حتقيق منوا‬
‫اقتصاداي عرب عدة إصالحات جوهرية هي يف حقيق ة األمر عودة ايل خفض اكرب للقواعد والقوانني اليت حتكم السوق‬
‫املايل وصناعة املال واملزيد من اخلصخصة خاصة خصخصة املساعدات االجتماعية‪.‬‬
‫‪26‬‬