تعتبر المؤسسات المالية اإلسالمية ظاهرة جديدة نسبياً ،حيث انطلقت في منتصف عقد السبعينيات الميالدي بتشييد أركانها األربعة ممثلة في مجموعتي فيصل والبركة العالميتين وبيت التمويل الكويتي ودبي اإلسالمي .ثم هاجرت تلك المؤسسات حتى بلغت أقصى بقاع األرض ،وأصبحت تحصى بالمئات وتقطن عشرات الدول والمدن. واليوم وبعد مرور نحو ثالثين عاما ً على والدتها ،يجدر بنا أن نقف بشيء من التجرد للنظر في هذه المسيرة ،نحلل أبعاد انتشارها الجغرافي وزخمها المالي ،ونثير بعض التساؤالت حول نجاحاتها وكبواتها! خلفية تاريخية من البديهي أن ظهور البنوك اإلسالمية ال يمكن أن ينشأ من ترف فكري بل سبقه الكثير من التنظير، والتجارب التطبيقية التي استفادت منها هذه االنطالقة .وعلى سبيل المثال ،تذكر بعض المراجع أن الهيكل التكويني األول لهذه المؤسسات كان قد رسمته جبهة التحرير الجزائرية في أوائل الستينيات إلنشاء مؤسسة مالية إسالمية لم تر النور ألسباب تخرج عن إطار هذا المقال .كما تذكر مراجع أخرى أن الحقبة نفسها شهدت انطالق بنوك اإلدخار المصرية التي زعمت أنها إرهاصات إلنشاء البنوك اإلسالمية .وعلى أية حال هناك إجماع على أن البنوك اإلسالمية في شكلها الذي نعرفه اآلن انطلقت في الجزيرة العربية منتصف السبعينيات كما أسلفنا. روافد المسيرة كانت انطالقة هذه البنوك موحشة للغاية ،فلقد جفتها البنوك التجارية التقليدية (الربوية) ،وبيوت الخبرة المالية العالمية ،فضالً عن البنوك المركزية في كثير من الدول اإلسالمية .ولهذا نجد أن مسيرة البنوك اإلسالمية اكتنفتها الكثير من المصاعب والعقبات خاصة في سنواتها األولى .ولكن بمرور الزمن تنامت هذه المؤسسات حتى بلغ تعدادها أكثر من ثالثمائة بنك بنهاية العام 2003م .ومما ساعد على سرعة انتشار هذه المؤسسات المالية التقبل التدريجي ألنشطتها وترسيخ مصداقيتها لدى الحكومات والشعوب. ومما يذكر في هذا السياق ،أنه نظرا ً لتزايد قبول هذه المؤسسات المالية ،فإن عدداً من الدول اإلسالمية أصدرت تشريعات تحول بموجبها جميع مؤسساتها المالية التقليدية لتعمل وفقا ً للنظام المالي اإلسالمي .كما أن أعداداً من البنوك التجارية التقليدية اختارت تحويل أنشطتها تدريجيا ً من النظام الربوي إلى النظام اإلسالمي .وتعزيزاً لهذه المصداقية ،فإن عددا ً من أبرز المؤسسات العالمية العمالقة ،أخذت تفتح ما يسمى بنوافذ مالية إسالمية تستقبل من خاللها ماليين الدو الرات من ودائع الشعوب المسلمة وتمول بعض مشروعاتهم .وعلى أية حال ،فمن المهم أن أذكر أن النوافذ اإلسالمية سواء كانت لبنوك تقليدية مملوكة لمسلمين أو أخرى مملوكة لغيرهم ،فكلها تقع خارج مضمون هذا التقرير. العشرون عاما ً األولى نظراً لشح المعلومات اإلحصائية الدقيقة عن أولى مراحل انطالق البنوك اإلسالمية بصفة عامة ،أجدني مضطراً لمقارنة مؤشرات وأداء هذه المؤسسات خالل األعوام 1993م إلى 2003م .ومن المهم أن أنوه بأن إحصاءات البنوك اإلسالمية للعام 1993م هي بطبيعتها تراكمية ،أي أنها تعكس مسيرة هذه المؤسسات منذ نشأتها بمنتصف السبعينيات وحتى العام المذكور ،أي لفترة عشرين عاماً .فلقد أظهرت إحصاءات االتحاد الدولي للبنوك اإلسالمية ،وهو الهيئة التي كانت مكلفة بتمثيل البنوك اإلسالمية آنذاك ،بأن المتاح من المعلومات الدقيقة كانت لمائة بنك ومؤسسة مالية منتشرة في أنحاء العالم ،وأبرز مالمحها: أ ـ بلغ إجمالي إيداعاتها 43مليار دوالر أمريكي . ب ـ بلغ إجمالي أصولها 54مليار دوالر. ج ـ بلغ إجمالي رؤوس أموالها 2.5مليار دوالر. العشر سنوات األخيرة كما سبق وأن أشرت إلى أن األعوام األولى شهدت معاناة وتحديات كبيرة على كثير من األصعدة! ومما ال شك فيه أن الذين لحقوا بالركب وجدوا السبل ممهدة لهم واستطاعوا أن يتحركوا بسرعة وحرية أكبر من أسالفهم. وعليه فإنا نجد من خالل اإلحصاءات المقدمة من المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية اإلسالمية (الذي ورث مسؤوليات االتحاد الدولي للبنوك اإلسالمية) ،أن أبرز مالمح العشر سنوات األخيرة المنتهية بعام 2003مقارنة بمؤشرات عام 1993م هي: أ -إجمالي اإليداعات بلغت 137.5مليار دوالر. ب -إجمالي األصول بلغت 174.7مليار دوالر. ج -إجمالى رؤوس األموال بلغت 7.3مليار دوالر. وهكذا نجد أن هذه المؤسسات المالية اإلسالمية استطاعت أن تحقق خالل العشر سنوات األخيرة نمواً كبيراً تجاوز الثالثة أضعاف ( )%300في كل من رؤوس أموالها وإيداعاتها وأصولها .بمعنى آخر فإن النمو الذي حققته هذه المؤسسات في العشر سنوات األخيرة فاق بثالثة أضعاف ما تحقق في العشرين عاما ً األولى. التمايز الجغرافي وبطبيعة الحال فإن هذا الزخم من النمو تفاوت بين منطقة وأخرى ،والشك أن تفاوت الثروات ونسب النمو االقتصادي بين المناطق المختلفة يعتبر أحد أهم محفزات االستثمار في إنشاء المؤسسات المالية اإلسالمية. فالمناطق التي يحقق االستثمار فيها عوائد أفضل ،تشهد انتشارا ً أوسع لهذه المؤسسات والعكس صحيح. ولننظر مليا ً في هذه الفوارق في الجدول التالي. يظهر هذا الجدول أن البنوك المسجلة بدول مجلس التعاون ،لديها أعلى قدر لرؤوس األموال متجاوزة الثالثة مليارات وثمانمائة مليون دوالر .ومع ذلك فإن أصول وإيداعات هذه البنوك لم تكد تبلغ نصف بنوك الشرق األوسط (مصر ،األردن ،تركيا وإيران) .ويمكن أن نعزوا ذلك إلى ارتفاع عدد سكان دول الشرق األوسط مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي .ولكن برغم انخفاض األصول واإليداعات ،فلقد تمكنت بنوك مجلس التعاون من تحقيق أرباح بلغت 1.300مليار دوالر وذلك بزيادة نحو 22مليونا ً عن الشرق األوسط .وبهذا يمكن أن نستنتج أن دول مجلس التعاون مازالت تشكل جذبا ً أكبر للبنوك اإلسالمية رغم انخفاض إيداعاتها وأصولها مقارنة بدول الشرق األوسط األخرى .ومن المالحظ أن دولة البحرين أخذت زمام المبادرة في استضافة أكبر عدد من البنوك اإلسالمية ،والتي تسوق جل منتجاتها في المملكة العربية السعودية! مواطن الضعف برغم ازدهار البنوك اإلسالمية وتغلبها على تيارات مترادفة من التحديات إال أن هناك مواطن ضعف وهي: أـ اشكالية العمالت نعلم أن البنوك اإلسالمية تعمل ضمن الدول النامية التي تنتمي لها .ومن المعلوم أن بعض الدول النامية تضطر أحيانا ًًً ًً ًً ًً ًً لتخفيض أقيام عمالتها أمام العمالت الصعبة خاصة الدوالر األمريكي .ولقد كان ذلك بالفعل إحدى الدول اإلسالمية الكبرى ،إذ قامت بتخفيض عملتها أمام الدوالر في عام 2002م .وبما أن أصول البنوك كثيرا ً ما يتم تقييمها بالدوالر ،أدى ذلك إلى انخفاض كبير جدا ً ناهز %45في بعض مؤشرات البنوك اإلسالمية كما يظهر الجدول التالي. فلقد أفضى تخفيض العملة إلى انخفاض قيمة أرباح البنوك اإلسالمية بنحو ،%27بينما انخفضت أقيام رؤوس األموال واألصول واإليداعات بنحو ،%46فيما انخفضت قيمة النقد لدى هذه البنوك بنسبة تجاوزت .%05 ولهذا فيتحتم على المؤسسات المالية اإلسالمية أن تنتبه تماما ً لقوة العملة المحلية التي تتعامل بها (مقارنة بالعمالت الصعبة) وطبيعة االقتصاد القومي الذي تمارس نشاطها فيه .وإن لم تكن كذلك ،فإن أية تخفيض لعمالت هذه الدول (دون تدارك هذه البنوك) سيؤدي بالضرورة إلى عودتها خطوات كبيرة إلى الخلف إن لم تأخذ حذرها وتنوع استثمارتها بعمالت صعبة .وهذا أمر ليس سهالً ألسباب تشريعية أحيانا ً وألسباب عملية أحيانا ً أخرى. ب ـ وسائل التمويل قد يعجب القارئ الكريم عندما يعلم أنه بالرغم من أن المؤسسات المالية اإلسالمية تعتبر أهم أداة عصرية تستخدم لتطبيق النظام االقتصادي اإلسالمي ،إال أن عددا ً من مؤتمرات االقتصاد اإلسالمي شهدت "مناوشات" بين بعض االقتصاديين والمصرفيين اإلسالميين .ذلك أن االقتصادي اإلسالمي في الغالب ما ينظر إلى مصلحة االقتصاد بصفة عامة من منظور "المقاصد الشرعية" بينما ينظر المصرفي اإلسالمي إلى مؤشرات أداء مصرفه على أنها الدليل على نجاح مهمته .فاالقتصادي اإلسالمي يهتم كثيرا ً بأوجه استثمار األموال وتوظيفها لخدمة مصالح األمة والمواطنين قبل نظرته لألرباح التي تحققها البنوك .ولعلنا ننظر إلى مجاالت استثمار ووسائل تمويل هذه البنوك لنرى على وجه الدقة أبعاد هذه اإلشكالية (انظر الجدول التالي). فعندما نتأمل هذا الجدول ،سنجد أن جل المبالغ الموظفة ( 21.882مليار دوالر) تذهب باتجاه تمويل المرابحات .وهذا النمط من التمويل برغم أنه يسد ثغرة تمويلية تحتاجها كثير من الشركات ،وهو المفضل لدى البنوك اإلسالمية ،إال أنه ليس األولى من منظور االقتصاديين اإلسالميين .ذلك أن هذا النمط كثيرا ً ما يقدم للشركات الكبيرة التي تملك ضمانات ممتازة على النقيض من المؤسسات الصغيرة التي تفتقر إلى وسائل تمويل تدعم نموها وازدهارها. وعليه فإن هذا النمط ،وإن كان مجازا ً شرعاً ،إال أنه ليس األمثل من منظور التنمية االقتصادية وحسن توزيع الثروات .وكذلك تمويل اإلجارة الذي كثيرا ً ما يوجه لتمويل الطائرات والسفن ،إذ إن هذا أيسر وأقل إزعاجا ً للبنوك ،ولكنه قد يأتي على حساب تنمية المؤسسات الناشئة .وإجماالً ،فإن بعض البنوك اإلسالمية تكون محل انتقاد االقتصاديين والمفكرين ألنها ال توجه قدرا ً كافيا ً من استثماراتها لمحدودي الدخل وصغار المستثمرين في المجتمع. ج ـ العالقات البينية من المقبول جدا ً أن تكون هناك منافسة شريفة بين األقران ،وكذلك بين البنوك اإلسالمية خاصة التي تعمل في نطاق جغرافي بعينه .ومع هذا يجد المراقب أن وتيرة التعاون بين البنوك الربوية تفوق تعاونها مع اإلســــالمية مثيالتها .وال شك في أن وحدة الهدف وتماثل الوسائل تستدعي تكاتفا ً أكبر بين هذه المؤسسات المالية خاصـة أن العولمة قد طرقت أبوابنا وإن لم نشرع أبوابنا لها حطمتها علينا رغم إرادتنــــا! فال بد إذن من تسري ع وتيرة التعاون بهدف عمل اندمــــاجات بين بعضها البعض لتقوى على العمل في العالم المفتوح الجديد. د ـ معايير األرباح عند انطالقة هذه المؤسسات كان بعض أعضاء الهيئات الشرعية يصورون هذه البنوك وكأنها مؤسسات تجارية (وليست تمويلية) .ولذلك فهم بعض مسؤولي هذه البنوك أن لهم الحق في تحديد أتعاب خدماتهم لتعظيم أرباحـــهم دون ضوابط ،تماما ً كما يفعل بعض التجار أحياناً .ولقد أدت تلك النظرة إلى قيام عدد من البنوك بوضع رســـوم تمويلية مرتفعة نسبيا ً على خدمــــاتها التمــــويلية ،مما دفع الكثير من المنتفعين من خدمات هذه الب نوك بانتقادها بل ووصفها بأنها "مسالخ إســــالمية" .ولهــذا ودون اإلخالل بآراء المشــــايخ األجــالء ،على البنــــوك اإلسالمية أن تعي وتستوعب دورها ونظــــرة المجتمع لها ،خاصــــةً أن البنوك الربوية تتخذ من معــــيار الفائدة (رغم حرمانيته) مؤشرا ً لتسعير خدماتها .فاألولى بالبنــوك اإلسالمية إذن أن تحدد أسعار خدماتها ليس لتعظيم أرباحها فحسب ،بل لتؤدي خدمات مجتــــمعية مهمة ،وتكون قــدوة حسنة حتى للبنوك الربوية. هـ -فجوة الفقراء واألغنياء ً كان مما يؤخذ على البنوك الربوية أنها ال تمول سوى العميل الذي يملك أصوال وضمانات تكفل قروض تلك البنــــوك .ولقد انتقد بعض المفكرين هـــذا األســـلوب في األقراض لكـــونه يؤدي إلى اتســــاع الفجوة بين األغنــــياء والفقــراء في سائر المجتمعات .ومن البديهي أن اإلســــالم الحنيف ال يعارض الثراء بل يحث عليه بضــوابطه الشـــرعية ،ولكنـــــه في الوقت نفســــه يحث على تكــــافؤ الفرص بين شـــرائح المجتمع ،ولعل انتـــهاج البنــوك اإلسالمية نهـــج البنــــوك التقلـــيدية في تفضيل العمــــيل الغني على الفقـــير ،زيادة لثـــــراء األغنياء على حساب الفقـــراء وصغار التجـــار الفتـــقارهم لضمانات مرضـــــية .وهذا انتـــقاد آخـــر ،أتمنى أن تنظر البنوك اإلسالمية في شأنه! و -المسؤولية االجتماعية ً ً يعلم المتابعون لالقتصاد العالمي أن شــــعار "المســـؤولية االجتماعية" أصــبح مطلبا مدويا تطالب به المؤســـسات الالربحية بل وشرائح عريضة من مواطني الدول الصناعية .وفي غمار هذا التوجه العالمي إليقاف الشــركات الخاصة أمام مسؤوليتها االجتـــماعية ،نجد أن بعض البنــــوك اإلســــالمية تقـــول إنها مؤســـــسات تجارية ربحي ة وليســــت مؤســــسات خيرية اجتماعية .وتبرر ذلك بأن مسؤوليتها األولى هي تجاه مؤسسيها ومساهميها وليست تجـــاه المجتمع بوجـه عــــــام .وأتصور أن هذا الموقـــف ،وإن لم تشترك فيه جميع البنوك اإلسالمية ،يقتضي المراجعة خاصة في ضوء رسالة البنوك اإلســــالمية التي تنبع من اسمها قبل أي شيء آخر. التحليل الختامي البد للمنصف أن يثمن مسيرة المؤسسات المالية اإلسالمية ويشيد باإلنجازات الكبيرة التي حققتها منذ نشأتها قبل نحو ثالثة عقود .ولكن عيون المحبين ال ينبغي أن تغفل عن عيوب أحبابهم .وكذلك هذا الكاتب مع هذه المؤسسات التي عشقها منذ طفولتها! فعسى أن يعذرني محبو هذه المؤسسات إلبداء بعض االنتقادات التي تهدف لتقويم بعض االعوجاج متى ما وجد! فإن أصبت فمن هللا تبارك وتعالى وإن أخطأت فمن نفسي ،وما أريد إال اإلصالح ما استطعت ،ومسك الختام الصالة والسالم على سيد األنام وعلى آله وصحبه الكرام. © مايو 2007مجلة " أهال وسهال".
© Copyright 2026 Paperzz